التمركز العقدي في الرحلات السفارية – المثاقفة المستحيلة (2/2)

لا يتأول الوعي السلفي للعمراوي الحداثة التقنية، إلا عبر مفاهيم ومتصورات لاهوتية؛ فهو يقارب التقانة، مقاربة برانية، تصلها بما ينافيها ويناقضها، منهجيا وفكريا، وتفصلها عمّا يؤسسها ويمنحها دلالتها الثقافية الحصرية. فالتقانة محيرة فكريا، إلا أنها قابلة للاستثمار، بعديا، خدمة لما يؤسس جوهر الاجتماع المغربي، آنذاك أي الرمزية العقدية. يعترف العمراوي، بعجزه الفكري عن استكناه بنية التقانة، إلا أنه يدعو إلى توظيفها، خدمة لما يناقض أساساتها الفكرية. فهو يقرأ التقانة قراءة استعمالية انتفاعية، تعزل المنجز التقاني عن أصوله، وتحيله إلى مجرد أداة محايدة، لخدمة النظام الرمزي التقليدي وتكريس ديمومته.

إن موقف العمراوي الذرائعي من التقانة صادر عن آلية تحايلية، تحوّل بمقتضاها الأنا منجز الآخر إلى مجرد أدوات محايدة قابلة للامتلاك والإدراج في الاستعمالات الثقافية والرمزية المعروفة. فالمنجز التقاني، الدال على انقلاب ابستمولوجي، يتحوّل، في الرؤية السلفية، إلى أداة بلا مدلول رمزيّ مخصوص. فبقدر ما تكرس الحداثة التقنية، الدلالة التحويلية للتقانة بما ما يوازي ذلك من تحوّلات في الأذهان والعقليات، فإنّ القدامة السلفية، تقوم بنزعها من أرضيتها الحداثية لتستزرعها في أرضية لاهوتية أو ميتافزيقية، كثيرا ما منعت الاشتغال بالعقل بدعوى منافاة ذلك للمقررات الشرعية.

فقد غرق العقل المغربي في الفكريات اللاهوتية وفي المناكفات بين التصوف وبين التسلف؛ وكلا الفكريتين تنكر الفكر العلمي والممارسة النظرية والمنهجية المستندة إلى العدة الفكرية والفلسفية، من حيث المبدإ. فقد انشغل “المثقفون” المغاربة حينئذ، بالدفاع عن الإتباع كل من موقعه الفئوي والاجتماعي، وعن السعي إلى تثبيت المرجعية التراثية في أشدّ أشكالها طهرانية وتطهيرها من مفاعيل التاريخ وآثار المثاقفة الصعبة مع الغرب. فبدلا من الخروج من المناكفة عن الإتباع والابتداع، والخروج من دورانية الممارسة الفكرية التراثية، فإنّ بعض النخب( محمد عاشور الرباطي واحمد المرنيسي واحمد المراكشي ومحمد كنون واحمد الناصري …الخ )، فتحت كوى في جدار الفكرية السائدة لتنقيها من أوشاب النغولة الرمزية واختراق الرمزيات المحلية للنسق الرمزي التأسيسي.

يقول السلطان سليمان في رسالته المشهورة عن متفقرة الوقت كما قال الناصري:

( …ولهذا نرثي لغفلتكم وعدم إحسانكم، ونغار من استيلاء الشيطان بالبدع على أنواعكم وأجناسكم، فالقوا لأمر الله آذانكم، وأيقظوا من نوم الغفلة أجفانكم، وطهروا من دنس البدع إيمانكم، واخلصوا الله إسراركم وإعلانكم، واعلموا أنّ الله بمحض فضله أوضح لكم طرق السنة لتسلكوها، وصرح بذم اللهو والشهوات لتملكوها، وكلفكم لينظر عملكم، فاسمعوا قوله في ذلك وأطيعوه، واعرفوا فضله عليكم وعوه، واتركوا عنكم بدع المواسم التي أنتم بها متلبسون، والبدع الني يزينها أهل الأهواء ويلبسون، وافترقوا اوزاعا، وانتزعوا الأديان والأموال انتزاعا، بما هو صراح كتابا وسنة وإجماعا، وتسموا فقراء، وأحدثوا في دين الله ما استوجبوا به سقرا. “قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاـ الآية ” وكلّ ذلك بدعة شنيعة، وفعلة فظيعة، وشيمة وضيعة، وسنة مخالفة لأحكام الشريعة….)

(- أبو القاسم الزياني – الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور برا وبحرا – حققه وعلق عليه: عبد الكريم الفيلالي – دار نشر المعرفة – الرباط – طبعة 1991- ص 467)

فقد قضت دراما الفكرية العربية – الإسلامية إذاك، عقد صراع بياني، بامتياز، بين النصوصيين الأقحاح، وبين المنفتحين، جزئيا، على المخزونات العقدية والمنهجية لشعوب الشرق الأدنى وشمال إفريقيا. وعليه، استعصى على النخب، المنخرطة في المنعطفات المتاهية لتلك الدراما الفكرانية، أن تتدبر الحداثة التقانية، باعتبارها انقلابا جذريا، على مقتضى نظرها العقدي ورؤيتها الفكرية.

فخطاب العمراوي المشدود إلى نسق دوغمائي مغلق يفتقر إلى أدنى تطلع أو رغبة انفتاحية أو استشرافية؛ فهو محكوم بمأزق دوغمائي Impasse dogmatique.

مانع للتدبر والفهم والاستقصاء. فخطابه متمحور حول مركزيته العقدية الكلية، مما يخلق لديه، تعاليا متنفجا عن الآخر، وتخوفا رهابيا من تقانته. فبنية فكره محكومة بإغلاق الرؤية وسدّ كلّ منافذ المثاقفة المفتوحة المتذاوتة. فهو كثيرا ما يستعرض أمارات انفتاح فرنسا الثقافي على التراث الفكري والاركيولوجي للشرق الأدنى وعلى تاريخ المغرب، إلا أنه لا يقف عند دلالة ذلك الانفتاح. فهو، لم يدرك الهوية الجديدة للغرب، ولا حيثيات البحث الغربي في المصريات والدراسات الشرقية وتاريخ شمال إفريقيا؛ ففرنسا نضت عنها ثوب المسيحية، ورسمت لنفسها مسارا حضاريا خارج المسكوكات الثيولوجية للقرون الوسطى .فهو لم يسبر الهوية الثقافية الجديدة للغرب، وماهية المثاقفة وأهمية التذاوت والغيرية في الفكر الغربي الحديث. فبقي موزعا بين التعجب من جهة، والإدانة من جهة أخرى. إنه مولع بقراءة واقع الحداثة بتاريخ القدامة، وحين لا تسعفه المقارنة يركن إلى الخطاب المتعالي، أو إلى التشنيع الثقافي الصريح.

(…ولقد يقضي العاقل العجب من كثرة ما يصرف على جلب هذه الحيوانات والنباتات وتنعيشها وتلك المحال المعدة لها من غير طائل ولا نفع ما هم عليه من البخل والاحتياط في الدفع فإنهم لا يدفعون درهما إلا فيما يعرفون أنه يأتي منه درهم ونصف أو فيما يعود على الدولة بالافتخار وكمال الرياسة وأي فائدة أو عادة أو فخر في جمع الكلاب والخنازير والذئاب والحشرات وأي طائل تحت ادخار جيف منثنة لا تصلح لصالحة.)

( -إدريس العمراوي – تحفة الملك العزيز بمملكة باريز – تقديم وتعليق: زكي مبارك – ص.68 -)

لا جدال إذا في ارتهان رؤية العمراوي للوثوقية اللاهوتية المانعة لأي تطلع أو استطلاع معرفي أو علمي .فهو لا يدرك النسق الفكري ولا الرؤية المعرفية الثاوية وراء العناية بالحدائق والمتاحف، ويحسب العناية بالمتاحف الطبيعية ضربا من العبث. فالعمراوي المصاب برضّة الاختلاف Traumatisme de la différence، يكتفي بالتوصيف دون التعليل؛ والابتعاد عن التعليل العقلي والاكتفاء بالتعليل العقدي، نتاج لتمسكه بمحاكمة العقل الحداثي أو الوضعي، بمفاهيم العقل الكلامي أو الفقهي. فهو يكتفي بكل ما لا تتسع له شبكته التأويلية، بإحالته على العجيب أو على المفارق .

( وفي داخل المدينة من الأثرات ما لا يأتي عليه حصر ولكني قيّدت منها ما وقفت عليه وحضرني حين التقييد وإلا فأمورهم كلها عجب يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا . ) ( -ادريس العمراوي – تحفة الملك العزيز– ص.68 -).

فالعمراوي إذ ينفي شرعية المأثرة الغربية، يروم نفي شرعية الآخر من حيث هو آخر. فالإقرار بشرعية وجدارة الحداثة يقتضي الاعتراف بالغير من حيث هو معرفة وقيمة. والحال أن النسق الفكري للعمراوي ينفي عن الغير سويته الثقافية ، ويحيله إلى مواقع ثقافية وفكرية واجتماعية دونية. فما يسعى العمراوي إليه، في العمق، هو إنكار الندية المعرفية والكيانية للغرب؛ فمنظومته المعرفية تتأول الآخر كسديم كاووسي مشكوك في إنسيته أصلا، طالما أن الإنسان لا يتأنسن إلا إذا أسلم وانقطع عن الأغيار.

ففي الوقت الذي أعملت فيه أوروبا مطارق النقد والنقض في الجسد العقدي اليهودي – المسيحي واستشكلت المنظومات الميتافزيقية والايطيقية التقليدية وأسست منظورا جديدا للغيرية وللعلائق التذاوتية بشهادة رحلة الصفار، فإن العمراوي، يكتفي بالإحالة على المستند العقدي، وكأن العالم لم يتحرك معرفيا منذ أن أحكم أبو حامد الغزالي إغلاق العقل بمفاتيح الغيب.

فلا جدال في أن يعتبر المنجز الحداثي مجرد سفاسف دنيوية لا يليق بالمؤمن المهووس بالماوراء أن ينشغل بها. فالذات الإسلامية، الحالمة بالتسيّد على العالم، تعالج وعيها الشقي أو إدراكها المنهك، بالتنقيص من قيمة منجز الآخر. فما دامت الأنا الإسلامية، عاجزة عن اجتراح المنجز التقني، وعن فهم حيثياته الفكرية والثقافية، فإنها ستحاكمه باليات عرفانية ماورائية، نافية للقيمة الكمونية للوجود أصلا.

ولا يكتفي العمراوي بوسم الانجاز الحضاري الغربية بالدنيوية الخالية من المعنى، فهو ينكر الانجاز التثاقفي للإسلام الثقافي في عصر العباسيين. فالعقل الإسلامي لا يتصور العلاقة بين الذات والآخر، خارج الجهاد الدعوي أو القتالي أو الجزية، عكس تأويلات الإصلاحية الإسلامية. واستغراب العمراوي النافي لواقعة تاريخية متمثلة في التحاور الحضاري بين هارون الرشيد وشارلمان، هو نتاج الفكرية المغربية – الأندلسية، الغارقة في تعميق الهوة الثقافية بين الذات والآخر. فقد افتقدت المغارب منذ تكريس المالكية، إلى أي ألق تناظري وأيّ تذاوت أو تحاور مؤسّس على التناصف بين المذهبيات والفكريات والعقائد. فالمغارب عرفت الغيرية البرانية ولم تعرف الغيرية الجوانية مثل المشرق؛ أي أنّ المغارب، عرفت الغيرية اللافردية، القابلة للرفض جملة، أما الشرق الأدنى، فقد اخترقت قوامه الثقافي، فكريات مفردنة ومشخصة وذوات ذاتية مخصوصة. وعليه، ليس غريبا أن يستبعد العمراوي، إمكان التثاقف بين هارون الرشيد وشارلمان.

( أخبرونا أن من جملة ما عندهم في هذه الخزانة مصحف صغير الجرم مكتوب بالخط الكوفي أهداه هارون الرشيد العباسي لملكهم المعاصر له ومعه سفرة شطرنج من العاج عظيمة القطع مكتوب أسفل الرخ منها هذا ما صنعه لأمير المؤمنين هارون الرشيد المعلم فلان ذكر لي اسمه ونسيته ومجانة (يقصد الساعة ) تخدم بالماء وغير ذلك واستغربت كون هارون الرشيد يهدي لملكهم المصحف مع مكانته في الدين المشهورة، وهمته السامية المسطورة، مع أن الإسلام كان ذلك الوقت في عنفوان الشباب، والكفر في غاية الهوان والتباب. ولعل هذا من افتراءاتهم وزخارفهم التي يموهون بها في ادعاءاتهم . )

( -إدريس العمراوي – تحفة الملك العزيز بمملكة باريز – تقديم وتعليق : زكي مبارك – ص.83 -)

فمركزيته العقدية تفترض رفض أي تثاقف فكري مع الآخر؛ لأن كل تناظر يعني إمكان الندية والتساوي المبدئي، والحال أن المسلم يقر بأفضليته العقدية غير القابلة للمقارنة مع عقائد الآخرين بأي حال من الأحوال. ولئن تخلصت رحلة العمراوي من المناظرات اللاهوتية المألوفة في كتابات أفوقاي ( ناصر الدين على القوم الكافرين ) و الوزير والسفير ابن عثمان المكناسي ( البدر السافر لهداية المسافر إلى فكاك الأسارى من يد العدو الكافر)، فإنها احتفظت بنفس الرؤية العقدية المكفرة للآخرين، والرافضة لأي تدبر عقلاني للخلاف الديني.

يصرّ العمراوي على التمترس بمواقعه اللاهوتية القروسطية وعلى الرفض الكلي للمثاقفة الايجابية؛ وبناء على هذا الموقف، فإنه يسعى إلى إقناع القارئ، بأفضليته رغم التقدم التقاني الغربي، والى قراءة طلائع الأفول الطالعة من زخم ذلك التقدم ذاته.

فبدلا من تدبر تجليات التقدم الغربي، فإن العمراوي يطالب بتوسيع الهوة بين الفضاءين الثقافيين المتصادمين، ويقدم خطابا تبجيليا للرؤية التقشفية الصوفية المسيطرة على الأذهان. تقوم استراتيجيته، هنا على إفراغ التقانة من محتواها المعرفي من جهة، وعلى إفراغ التحرر الاجتماعي والحداثة الجنسية من حمولتها التحريرية. فالحداثة التقانية والاجتماعية، ليست، في اعتقاده، إلا أمارات على افتقاد الاجتماع الفرنسي والغربي عموما، للدفق الرمزي وللنسغ الدلالي المتعالي. أما الذات الإسلامية فإنها مختارة، ترتع في نعيم المعنى، وفي جنان المتعالي، وتهنأ ياليقين التداولي وبالمصير الاسكاتولي المتوخى.

(وما تم إلا زخارف الحياة الدنيا وبهرجتها وسرابها الزائل وترهتها، ولكن في الإطلاع على هذه الأمور ومعرفتها معرفة قدر نعمة الله على المؤمنين بتخليصهم من فتن الافتتان بزينتها والاغترار بعرضها الفاني الموجب للإعراض عن الله تعالى مع تحقق مصير هؤلاء إلى غضب الله وعذابه المقيم فانا رأينا أناسا من العباد عقولهم كعقولنا حكم عليهم بذلك وأنقذنا منه بفضله وكرمه وكره لنا كفرهم وفسوقهم وجبلنا على عداوة حالهم ظاهرا وباطنا فلو لم يحصل لنا غير هذا القدر لكان متجرا رابحا، وسبيلا في طريق الخيرات ناجحا على أن من له أدنى مسكة من عقل وأقل نصيب من ميز وفضل، لا يرضى بالعيش بحالهم ولا يغتر بسراب محالهم ويكفي في تقبيح سيرتهم وخبث سريرتهم غلبة النساء عليهم وجريهن مطلقات ألأعنة في ميادين الفجور والفواحش من غير أن يقدر أحد على منعهن مما يردنه من ذلك ولا تعنيفهن .)

( -إدريس العمراوي – تحفة الملك العزيز بمملكة باريز – تقديم وتعليق : زكي مبارك – ص.92-93)

لا يملك العمراوي بخطابه التقريظي للذات المنجرحة إلا دغدغة مشاعر قارئه المثالي؛ فالذات الشقية إذ تلاحظ حجم الفوارق الحضارية بين عالمين، تتمسك بهناءة الرمز. فهو سليل الأمة المصطفاة، المفضلة بموجب اختيار الهي، والمنشعلة بالماوراء باعتباره الحقيقة الكبرى، والمحترس من بهارج وسفاسف الحياة الدنيا. إن العمراوي، يحيل الانشطار الحضاري بين المغرب وفرنسا، إلى الانشطار الميتافزيقي، بين الحياة الدنيا والحياة الماورائية. فالفرنسي المتفوق، مازال متشبثا بالأدنى، معنى ومصيرا، أما العمراوي، فمأخوذ بالحياة المثالية وبالمسلك العقدي والعبادي، المفضي إلى النجاة. وتلك آلية داورها التصوف المغربي باقتدار عجيب، وحكم على التاريخ الثقافي والاجتماعي للمغارب، بعطالة فكرية وثقافية مزمنة.

والحقيقة أن العمراوي لا يملك إلا أن يمتاح من بقايا الخطاب الفقهي المتعالي، وأن يضمد جروحه النرجسية، باحتكار السند المفارق. والحال أن الاندحار العسكري والسياسي المغربي آنذاك، حمل مدلولات ثقافية، شخصتها النخب الثقافية تشخيصا مبتورا، وعللتها بالإحالة إلى إطارها المرجعي الديني المعتاد. فلئن حاول العمراوي أن يداري التقهقر الحضاري لبلاده، باستدعاء الأفضلية العقيدة للأمة الإسلامية، فإن عبد الكبير ابن المجذوب الفهري الفاسي أشار في إحدى خطبه، غب هزيمة تطوان، إلى غياب الرعاية المفارقة للأمة المصطفاة، والى استعصاء الحال العقدية أمام النصرانية المنتصرة.

يقول عبد الكبير بن المجذوب الفاسي:

( وقد أظل المؤمنين ذلك الزمان، الذي أظلم جوه وليس اخبر كالعيان، لا يأتي يوم إلا والذي بعده شر، ولا ساعة إلا وما بعدها أدهى وأمر، ونحن غافلون نعسا، نعلل أنفسنا للخير بلعل وعسى، كما كنا هذه مدة نعللها بأخبار الواردين، وأن النصر والغلبة لحزب الله المجاهدين، وأغفلنا ذلك عما نعلمه من أن الحروب سجال، فتارة و آونة ندال، وأن من ظن في الحروب أن لا يصاب، فقد أخطأ وما أصاب، إلى أن دهينا بأمر يروع الأفئدة ويذهل العقول ، ويفني الحيل ويكل فيه المقول، وقويت فينا أطماع الخبيث، ومنه إلينا يساق الحديث، وشن علينا الغارة، وأنشب فينا أظفاره، وأعلق بنا أطماعه، ومد إلينا ذراعه وباعه، مع ما بنا من التغافل عنه والتهاون، إلى أن فاجأ بالمكر يتيمة العقد مدائن المغرب تطاون ….)

(-محمد المنوني – مظاهر يقظة المغرب الحديث – دار الغرب الإسلامي – بيروت – لبنان – الطبعة الثانية – 1985- الجزء الأول –ص. 365) .

إن خطاب العمراوي، مشدود إلى البداهات الدينية والى المسلمات الجماعية للمخيال الإسلامي؛ وعليه، فالمعقولية العقدية، هي المعقولية المعتبرة، عنده في الحكم على الشيء وعلى نقيضه، ولا يكاد يتصور قيام معقولية أخرى مخالفة أو مضادة للمعقولية الدينية حتى من حيث المبدإ. وهذا دليل آخر، على غياب نخبة ثقافية قادرة آنذاك، على التعليل العقلي للفوات الثقافي والحضاري للمغارب، وعلى تدبر الرقي الأوروبي تدبرا عقليا.

وبناء على ما تقدم، فليس غريبا أن يبحث العمراوي على مخارج لانجراحه النرجسي، عبر التأكيد على الأفضلية والتفضيل العقدين أو إعمال آلية الدنيوة التسفيلية للتحديث والحداثة التقنية طورا، أو لآلية الانهيار الوشيك للاجتماع الغربي، وفق إوالية متشائمة بله عدمية طورا آخر. فبعد أن بالغ في تسفيل المنجزات التحديثية رغم اندهاشه المتحير بها، فإنه يعود ليتقمص دور الرائي، المبشر بالأفول الوشيك للتمدن الغربي، وفق آلية معهودة في النص المؤسس وفي الأدبيات التراثية عموما. فتأكيد الأفضلية المضمونة بموجب إرادة الله، تقتضي، هنا ، الإسراع بتحقيق الوعد الإلهي الثابت، القاضي بظهور أمة الإسلام على أمة الضلال والكفر، وانقضاء الاستثناء الفرنسي والغربي عموما، وذلك بإدراجه وفق الآليات الميثية، في التاريخ الآخر والحاقة بمصيره العاصف.

( وفيه أدل دليل على أن أمورهم بلغت الغاية : وتجاوزت النهاية، وأنه في الحال يعقبها الانحلال، وتأخذ في الانعكاس والاضمحلال، فمعلوم أنه ما بلغ شيء الغاية إلا ورجع ولا نال منتهى الصعود إلا اتضح فإنهم يقولون اليوم من أشد منا قوة ونسوا مهلك ثمود وعاد. وارم ذات العماد، ولم يعلموا أن سطوة الله لهم بالمرصاد، وأن أمره إذا نزل بقوم فماله من دافع ولا صادّ .)

( -إدريس العمراوي – تحفة الملك العزيز بمملكة باريز – تقديم وتعليق : زكي مبارك – ص.86 -)

يحاول العمراوي البحث عن المخرج النظري السليم، لوضعيته الدليلية التراجيدية .فقد تعود كتاب الرحلات والجغرافية والتاريخ والملل والنحل والمناظرات طيلة العصر الإسلامي، على التحكم في آليات الخطاب، وتحديد الفويرقات الدلالية، في تعيين الأنا والآخر انطلاقا من التفوق الظاهر للضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، أما كتاب الرحلات السفارية، فقد اصدموا بوضع تاريخي مفارق، ووجدوا صعوبات بالغة في إدارة الخطاب وتوجيه دفة المعنى. فافتقاد المبادرة الحضارية، يحكم على الخطاب مهما التمس العون من السند النصي أو الغيبي، ومهما امتاح من الهناءة التراثية أو العقدية المألوفة عند كتاب الملل والنحل، بالتشنج الدلالي وبالانخرام المعنوي المتواصل. إن خطاب العمراوي، محكوم بالتوتر العميق بين القوى البانية للدلالة وللامتلاء المعنوي وقوى القرض والانتهاك. فهو لا يبني يقينا، إلا ليحيله إلى ما يقرضه؛ وحين ينتبه، وهو المسكون بالتمثلات المعيارية للمتخيل الإسلامي، إلى عمل القرض في خطابه، يعود ليحتويه بالإحالة على صور ميثية عقدية أو تراثية، مريحة لوضعية الدليلية الأصلية، في حلقة دوران، لا تنتهي إلا لتعصف بتماسك الرؤية وتناسق البناء النظري للفكرة.

فخطاب العمراوي، هو نتاج ذاتية مشروخة، تبحث في مخزونها المخيالي وفي موروثها الآلي، عما يسعفها في تمثل وتفهم المنجز الغربي. ولما كانت الآليات العقدية والتراثية، مصاغة من قماشة ابستمولوجية هي غير القماشة الابستمولوجية، للحداثة الفكرية، فإن الخطاب المنسوج مهلهل المبنى والمعنى .فربط الانجاز الحداثي، بسرديات عاد وثمود وارم ذات العماد، يشي بالارتهان الفكري للعمراوي، للسجل الميثي، وللتواريخ الدورانية الجديرة بالأمثولات الرمزية لا بالتاريخ العلمي المنضبط، منهجيا ورؤيويا.

ولئن رام العمراوي البحث عن آليات ميثية تراثية لاحتواء فرادة المنجز الغربي، وفصله عن تاريخيته الانقلابية، فإن الصفار قدم شهادة حارقة، عن درامية الحالة الإسلامية.

يكتب الصفار بعد حضوره لاستعراض عسكري، أجري يوم السبت 17 يناير 1846:

( ومضوا وتركوا قلوبنا تشتعل نارا، لما رأينا من قوتهم وضبطهم وحزمهم وحسن ترتيبهم، ووضعهم كل شيء في محله، مع ضعف الإسلام وانحلال قوته واختلال أمر أهله. فما أحزمهم وما أشد استعدادهم، وما أتقن أمورهم وأضبط قوانينهم. وما أقدرهم على الحروب وما أقواهم على عدوهم، لا بقلوب ولا بشجاعة ولا بغيرة دين، إنما ذلك بنظامهم العجيب وضبطهم الغريب، وإتباع قوانينهم التي هي عندهم لا تنخرم.

إن صدرت من واحد منهم زلة أجروا عليه شريعتها، سواء كان رفيعا أو وضيعا. وإن ظهرت لأحد منهم مزية أرقوه درجتها، لا يطمع أحد منهم فيغير ما هو له، ولا يخاف على ما في يده أن ينزع منه. فعلى ذالك يبدلون مهجهم في المعارك، ويلقون بأنفسهم في المهالك. ولو رأيت سيرتهم وقوانينهم لتعجبت منها غاية العجب، مع كفرهم وانمحاء نور الإيمان من قلوبهم، وما راء كمن سمع الخ. اللهم اعد للإسلام عزته، وجدد الدين نصرته بجاه النبي صلى الله عليه وسلم. )

(-سوزان ميلار – صدفة اللقاء مع الجديد – رحلة الصفار إلى فرنسا ( 1845-1846) – تعريب : خالد بن الصغير – منشورات كلية الآداب بالرباط – الطبعة الأولى – 1995- ص. 198-199).

فبقدر ما رصد الصفار حقائق الترقي الفرنسي وعلل قيامه تعليلا عقلانيا، فإن العمراوي لا يرصد المنجزات إلا ليطمس عينيتها وماديتها وتاريخياتها، بالرجوع، التلقائي، إلى الآليات التفسيرية والتأولية التراثية. ولئن اختار العمراوي، الظهور بمظهر الرائي المبشر بالاندحار السريع للمنجز الغربي، فإن الصفار يقف موقف المستغرب من إمكان إرساء التحضر بدون أفضلية عقدية وبدون ضمانة متعالية. فالفرنسي، حقق منجزه، بفضل الانضباط وإقرار العدالة، أي بفضل المسلكية العقلانية، لا بفضل أي سند عقدي أو أية إحالات ماورائية. كما يستغرب الصفار، في العمق، من تمكن الغربي من انجاز ما أنجز، وهو المفضول عقديا، والمفتقد للحمة الرمزية للدين الحق.

فالعمراوي لا يشخص الوقائع إلا اعتمادا على عتاد تأويلي تراثي؛ فهو لا يصف مظهرا من مظاهر التحضر الغربي، إلا ليمرره من مصفاته العقدية والتراثية وفي راووق مجاله التداولي. فالواقع أن رؤيته الميثية، تمنعه من تدبر القطيعة في التاريخيات والانقلاب في المعرفيات؛ فأحوال العالم المعرفية والتاريخية تحددها آليات ميثية وضعه التوحيديون منذ قرون خلت، ولا اعتبار للجديد طالما أنه استعادة، على نحو آخر، للقديم الأصيل المعتق في جرار القداسة التوحيدية. فالآخر مدين، من هذا المنظور، للذات المتوهجة بالنور الحضاري دوما، ما خلا مراحل تاريخية استثنائية يمكن تجاوزها، بمجرد العودة إلى استلهام النصوص التأسيسية واستيحاء سيرة السلف!

فلا يمكن القبول بأي مظهر من مظاهر الحداثة الفكرية أو التقانية أو الاجتماعية، إلا بعد صبغه بصبغة تراثية، وبعد تسويغه تسويغا معياريا شرعيا. والذات المسوغة لا يهمها إمكان التبيئة التراثية، لفكريات مناقضة للفضاء العقلي للعصر الوسيط، مادام مشغولة، برتق الفتق وإنقاذ الذات من جروحها النرجسية ومن تماسكها المشروخ.

(…(ونعتذر ) لأولي النقد الأعلام عما زلت به الأقلام وجلبته من فضول الكلام، وإن رأوا عورة فليسدلوا عليها الغطا: فما على مثلي يعد الخطأ وليظنوا بي الظن الجميل فما زغت عن الحق ولا عنه أميل، على أني إن أطنبت في بعض المحال بوصف حالهم وشقشقت بمحالهم واستحسنت بعض أفعالهم، فمقصودي أن أزين منها ما وافق الشرع، وسلمه العقل والطبع: ولعلهم قلدوا في بعض ذلك سلفنا الصالح الدين كانوا على السبيل الواضح …)

( -إدريس العمراوي – تحفة الملك العزيز بمملكة باريز – تقديم وتعليق : زكي مبارك – ص.125-126-)

إن خطاب العمراوي النافي كليا لفرادة الآخر، والمهووس بتثبيت الفكرية المرجعية لذاتيته الثقافية، يبحث عن مسلكية تراثية لتسويغ أي تفاعل ممكن مع التمدن الغربي، في وسط إسلامي، متخم بتضخم نرجسي هو التعبير المداور عن جروحه النرجسية المتراكمة والمتناسلة غب كل اهتزاز عسكري أو سياسي .

إن الهناءة الأنطولوجية Quiétude ontologique لخطاب العمراوي تنطوي في العمق على قلق ميتافزيقيInquiétude métaphysique لن يفلح الخطاب في إخفائه، مهما كانت براعته في الإخفاء.

لم يكن “الاستغراب ” الإسلامي إذا، قادرا على تقديم صورة محايدة أو موضوعية عن الآخر. فقد تعامل مع السوى الثقافي، من باب الضرورة السياسية لا من باب المثاقفة الإنسية. فهو يتعامل مع الآخر، تعاملا وظيفيا، محكوما بحسابات براغماتية، ويتجنب الخوض في تبادل ثقافي أو تحاور فكري، قادرين، إن مورسا برعاية إنسانية وتطلع فلسفي، على إغناء الطرفين.

والطريف في خطاب العمراوي، هو ميله إلى الطرافة أحيانا، وهي طرافة ذات دلالات ثقافية خصوصا إذا قورنت بالتشنجات الفكرانية للخطاب السلفي هنا والآن:

(…لما وصلنا لهذه المدينة ( يقصد اوكسير)، رأينا شخصا جميل الصورة، كامل الأوصاف الظاهرة، خفيف الشمائل، كحيل الشعر والطرف، عليه سيما اللطافة والظرف كأنه من أبناء العرب وكنا لم نر وجها جميلا منذ دخلنا بر النصارى، فأخذ بأبصار جميع رفقائنا وأشاروا بأن أنظم لهم فيه غزلا يتخذونه دعابة وهزلا . فأنشدت بديهة وإن كنت لست من فرسان تلك الجهة:

رأيت غزالا بباب أسير يصيد القلوب بلحظ كسير

رماني بسهم من أجفانه فغادر قلبي لديه أسير

فيأيها الركب قولوا له إذا ضاع قلبي بماذا أسير )

( -ادريس العمراوي – تحفة الملك العزيز– ص.53 -)

لقد كان حريا به أن يقول:

إذا ضاع عقلي بماذا أسير؟

سؤال لم يفلح” استغراب ” العمراوي ولا “استشراق ادوارد سعيد في الإجابة عنه، طالما أنهما لا يبحثان في شرعية أوراق ثبوتية، لم تعد مسلّمة، إلا في فكر أصحاب الطبائع الميتافزيقية والميولات الاسكاتولوجية الفياضة.

فإلى متى يتمسّك البعض بتمركزه الاثني والعقدي، ويرفض التثاقف الايجابي مع أية فكرية خصبة ومنتجة؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This