التمركز العقدي في الرحلات السفارية – المثاقفة المستحيلة(1/2)

قدمت الكتابات الاختلافانية نقدا حادا لخطابات المركزية الغربية، وسعت إلى استكشاف مواطن القصور في تدبر الغربي للآخر” الشرقي”. كما توخّت، تفكيك الرؤية التكوينية للفكرية الغربية، بدعوى مركزيتها العرقية وعقلانيتها الجزئية وانحصارها في أحياز محدودة من الكينونة، وأعلت من قيمة المغايرة والغيرية والشبكات التأويلية للثقافات الطرفية. وقد صاحب إعمال التفكيك في النسيج البنائي للسرديات الغربية، تقريظ مؤمثل، للشبكات التأويلية للثقافات التقليدية الماقبل حداثية واحتفال انبهاريّ بالمتصورات والأنماط التخييلية للمخيال “الشرقي”. فالواقع أنّ ما بعد الحداثة في بعض تجلّياته، استعادة، بمفاهيم ومتصورات فلسفية وفكرية جديدة، لما قبل الحداثة.

فهل انفرد التراث الفكري الغربي بالتمركز حول الذات وتبخيس قيمة السوى الثقافي؟ كيف ترى الذات الماقبل حداثية الغير الحداثي في ظرفية تاريخية انعطافية؟ كيف تسهم اللغة والبلاغة في تكريس مثالية الأنا والتقليص من قيمة الغير؟ هل التذاوت الثقافيّ ممكن من منظور ثقافة مركزية مثل الثقافة العربية الإسلامية؟ أليس التمركز على الذات الدينية أقسى من التمركز على الذات الحداثية المرتكزة على نقلة معرفية وتقانية معاشة؟

هذه سلسة من الأسئلة، سنحاول الإجابة عنها، من خلال تحليل نصوص، مستقاة من ( تحفة الملك العزيز بمملكة باريز ) للسفير المغربي إدريس بن إدريس العمراوي.

لقد كتب ادريس العمراوي، كتابا عن رحلته السفارية إلى فرنسا، ووقف عند الكثير من مظاهر التحضر في المجتمع الفرنسي آنذاك ( 1860)، ورصد المفارقات من موقعه التراثي –السلفي ومن مطل ذاتيته الحضارية الرافضة جوهريا للغيرية الحضارية، والمدفوعة كرها، إلى التثاقف من باب دحر الخصم العقدي – الحضاري بأسلحته الخاصة بالذات. فرغم قيامه بالرحلة السفارية في وضع مغربي مأساوي اثر هزيمة تطوان وفرض اسبانيا للغرامة على المخزن، وبروز تجليات التقدم الغربي والنوايا الاستعمارية للقوى الأوروبية بعد استعمار الجزائر خصوصا، فإنّ السفير العمراوي،لا يتعامل مع الآخر الغربي، إلا من منظور المقولات الفقهية – الكلامية القديمة، ولا يقرأ أمارت التحضر الغربي، إلا باعتبارها زخرفا دنيويا، لا يليق بالأمة المصطفاة أن تغترّ به.

لقد كان لقاء العمراوي بالغرب لقاءا بين تاريخ قروسطي تحكمه المقولات والأنماط الفكرية الفقهية – الكلامية وبين تاريخ فكري يتوهّج بالأنوار ويتلألأ بالانقلابات الابستمولوجية والتحولات الابستيمية، بين مجتمع مستسلم لخدر الفكرية الأشعرية الملقّحة بالمفاهيم التنويمية للتصوّف وبين مجتمع منفتح على مباهج الحياة وعلى إنسية بلا ضفاف، بين زمن دورانيّ لا يتقدّم إلا ليتقهقر بمقتضى سيناريو كوني جبريّ، وبين زمن منفتح على المستجدات يتقدم في تجاوز لمكتسباته ويسير نحو عوالم لانهائية.

يواصل العمراوي قراءة تحوّلات القرن التاسع عشر بالأطر الفكرية للعصر الوسيط، ولا يتمثل التذاوت والتثاقف إلا بالشروط المتعالية للسياسة الشرعية. فالذات الإسلامية، تنفرد بتحصيل اليقين، دون سواها من الذوات العقدية والفكرية والفكرانية. ومن هنا، فلا يمكن أن تقارن بأيّ حال من الأحوال بالآخر السادر، من هذا المنظور، في الغيّ الغيبيّ، والعماء الفكريّ، والتخبط الفكرانيّ.

لقد كلف السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان (1859-1873)السفير العمراوي، بمهمّة دبلوماسية لدى نابليون الثالث، وأثناء مقامه بفرنسا اطلع على جملة من مظاهر المدنية الغربية، وعقد مقارنات بين الواقع الاجتماعي والثقافي المغربي وبين الواقع الاجتماعي والثقافي بفرنسا تعيينا. فالرحلة السفارية للعمراوي، مشروطة بالضعف السياسي والعسكري للمغرب خصوصا بعد هزيمة اسلي والهجوم الفرنسي على الصويرة 1844 وحرب تطوان1959- 1860، وبصعوبة إقرار الإصلاحات في غياب الإمكانات المادية والفكرية.

ويتجلى غياب الإمكانات الفكرية، في افتقار النخب المخزنية إلى الأدوات المعرفية اللازمة لتدبر المستجدات الثقافية والقطائع الفكرية والتحولات الجيو-سياسية في عالم أخضعته الحداثة الفكرية والسياسية لمقتضياتها ومقاصدها. فمازال المثقف المخزني، وفيا للمفاهيم والأطر التصورية للفكرية الوسيطية، ويتعامل مع الملابسات العصرية بعقلية تراثية وبمفاهيم متقادمة الفاعلية. إنّه يقرأ التاريخ بعين أصول الدين، والمجتمع بعين الفقه، والسياسة بعين السياسة الشرعية، والزمن الخطّيّ بعين الزمن الدائريّ، والدولة المعلمنة بعين الخلافة. فاصطدامه بالحداثة المقتحمة، لا يدفعه إلى مراجعة نسقه المفهومي أو بنيته الفكرية أو رؤيته للعالم، بل إلى إعمال آليات التأويل المتوارثة عن اللوغوسفير العربية – الإسلامية. والحال أنّ التأويل في الحدود الهرمينوطيقية التراثية، يخطئ المراد طالما أن الحالة التأويلية الحداثية معاكسة للحالة التأويلية التراثية على نحو شبه كليّ.

يتحرك خطاب العمراوي، بين جسمين نظريين متعاكسين، وينوس بين قطبين متناقضين. تمثل الذات العربية – الإسلامية القطب الموجب، عقديا ومعرفيا وأخلاقيا فيما تمثل الذات الغربية – النصرانية القطب السالب، على المستويات كلها.

ينصاع خطاب العمراوي تلقائيا، للمقامات التراثية، وللحدود المرسومة عقديا وتراثيا، للدولة وللقائم بأمرها. فرؤيته مجبولة على وصل العالم الفيزيقي بالعالم الميتافزيقي وعلى ربط المعطى التاريخي بالمعطى الميتا-تاريخي وعلى الحاق الذات الناسوية الفاعلة بمقتضى قوانين التاريخ بالذات المتعالية الخاضعة للمسارات الأخروية المحددة بصرامة جبرية مطلقة.

(فوجهني أعلا الله قدره ونشر في الخافقين ذكره بكتابه الشريف إلى طاغية الفرنصيص وحملني من أوامره الشريفة ومقاصده المنيفة بالإطلاق والتنصيص ما فيه عن الإسلام والصلاح العام والمومن على هذين الأمرين حريص أبقاه الله لحياطة الدين وأهله ومد على المسلمين وارف ظله وأنامهم على بساط العافية تحت كنف عدله وأبقى الخلافة فيه وفي عقبه بمنه وفضله.) ( -ادريس العمراوي – تحفة الملك العزيز بمملكة باريز – تقديم وتعليق : زكي مبارك – ص.33-34).

يتوجه العمراوي إلى فرنسا بونابرت الثالث، أي إلى فرنسا ما بعد الثورة الفرنسية،لأداء مهمّة دبلوماسية دقيقة في وقت مغربي حرج، سياسيا واجتماعيا، وهو عاجز عن تدبر حقيقة التحول في الفكر السياسي والفكر القانوني الحديثين والحداثيين في نفس الوقت، وعن إدراك دلالة الوضعية القانونية للدولة – الأمة. لا يتماسك خطاب العمراوي، إلا بإفقاد الغربي، حداثته، أي بإرجاعه قسريا إلى أقانيم اللاهوت السياسي والى العوالم الدلالية للمتخيل الدينيّ. لا يمكن للشبكة التأويلية للعمراوي، أن تشتغل، وتبني مسالك الخطاب، إلا بصياغة الآخر وإعادة تأول غيريته بما يوافق المنظومة العقدية – التراثية وترتيبها لأصول النظر إلى الآخر. فالآخر الحداثي، المنزاح، كليا أو جزئيا، عن الكاووس القدساني للقرون الوسطى، يقع في اللامدرك بإطلاق في المنظور المعرفي للعمراوي. فلإدراك غيرية، غربيي عصر الوضعانية والحداثة، لا يملك العمراوي إلا” تسليفهم ” بناء على الخطاطات النظرية للأدبيات التراثية القديمة.

وهكذا، ينهض بناء الخطاب، على إلغاء ذاتية الآخر، إذ تلغى خصوصيته التاريخية وفعاليته الثقافية والفكرية، وقدرته على اجتراح مسلكية منهاجية وابستمولوجية مخالفة في الفكر السياسي والفكر الاجتماعي .

وكما يبني خطاب العمراوي دلالته بالتصريح فإنه يبنيها بالتلميح والتضمين؛ فتقريظ الذات، يستتبع، منطقيا، التشغيب على الآخر، والاحتفال بالإسلام، يقتضي لزوما، التنقيص من النصرانية، وتعظيم الخلافة يوجب ضرورة، تحقير الحكم الطغاة المستند على شرعية غير إماميه أو غير خلافية.

يصر خطاب العمراوي، على الاندماج في الفضاء الدلالي للوجدان الإسلامي، وعلى تمثل الواقعات الاجتماعية والتاريخية من منظور دلالي منقوع في الكلاميات الشرعية. فخطابه لا يتأسس إلا استنادا إلى عالم أو اوقيانوس من التمثلات والمتصورات المخيالية، والى منظومة تراثية راسخة في تدبر موقع الأنا في سيرورة الاستخلاف والنهوض بواجب الرسالة الكونية. فلعل من سمات مثل هذا الخطاب، نفي التعيين التاريخي، والتفرد الثقافي، والتشخصن الحضاري. فالتاريخ لا يتعين هنا، بوقائعه المتزمنة أو بزخمه الحدثي أو بعنفوان واقعاته المشروطة، بل بخضوعه للمفاهيم والمتصورات الفقهية والكلامية. إن تاريخ العقيدة، يذوب زمانية التاريخ وذاتية الإنسان على نحو يكاد يكون كليا. وهكذا، يتحول الزمان إلى إطار، لاستعراض الأنماط الأصلية والنماذج المعيارية أولا، ومستنسخاتها وإعاداتها ثانيا، بدلا من أن يكون إطارا لاحتضان الحدث في تفرده والأشخاص في تشابكهم المفتوح على تفاعلات أو تداخلات أو تشخصنات أو تذاوتات، قد تفضي إلى الجديد المجترح أو القطع الحدي لمسلكية تاريخية أو معرفية مكرسة مؤسسيا.

فالأشخاص مجرد كائنات مفهومية، تؤدي أدوارا على هامش المتن العقدي، وتنهض بواجبات عقدية على أطراز تاريخ أنبيائي، موزع بين الإيمان وبين الكفر، بين الجهاد بين والفتنة ،بين الشريعة وبين البدعة.

( وبعد فإنّ الله تعالى أحيا معالم الإسلام بعد أن كادت تطمس، وأعاد عليه الشباب بعد أن كاد يرمس، بمولانا واسطة عقد النظام، وتاج ملوك الإسلام، وهدية الله المدخرة للأنام. ذو الفضائل العديدة. والمزايا المديدة، والمآثر التي لا تزال طول الدهر جديدة. مولانا أمير المؤمنين. المجاهد في سبيل ربّ العالمين، المتوكل على الله: المفوض أمره إلى الله سيدي ( محمد ) ابن مولانا الإمام: الملك المقدس الهمام. ) (العمراوي – تحفة الملك العزيز -ص.32-)

وكما يقرأ العمراوي، التاريخ الحيّ بعيون التاريخ العقدي، ويذوب الذوات التاريخية في كاووس المفاهيم اللاهوتية، فإنه يصر على تأصيل حضور الشخص التاريخي(السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن ( 1959-1973) ) في التاريخ اللاهوتي السياسي للأسرة العلوية. فقداسة العقيدة، لا يمكن إلا أن تطال تاريخ الأشخاص المتفردين بشرعية كاريزمية مستمدة من تاريخ استثنائي متفرع عن التاريخ النبوي وعن نموذج الدلالي العابر للتواريخ والأزمنة والفضاءات الثقافية أي النموذج الدلالي المحمّدي.

إن الذاكرة متحفزة، للتأشير على المحطات الدلالية الكبرى، كما لرسم الفجوات وإلغاء التواريخ غير المجدية، في بناء لحمة وسدى الخطاب. فما يعني خطاب العمراوي، هو التأكيد على الاستمرارية التاريخية لدولة العلويين، وارتباطها بالشخص المؤسس للتجربة الإسلامية عموما. وخطاب العمراوي، لا يؤكد، تصريحا، إلا لينفي، تلميحا. فالمسكوت عنه، هو الاستمرارية التاريخية للدولة بالمغرب، وشرعية المرابطين والموحدين والمرينيين والوطاسيين والسعديين.

تنهض استراتيبجية العمراوي الخطابية، على تعويم التاريخ الحيّ ويوميات التقهقر المغربي في طمأنينة السديم اللغوي وبهرجة المجازات والمسكوكات التراثية، إلا أن اللغة لا تستطيع طمس التاريخ الحيّ في كل الأحوال. فاللغة المطرّزة بالمجازات واستعارات الزمن الوسيط، لا تجدي، كليا، في إخفاء واقع الحال الناطق بالاندحار الحضاري لمغرب القرن التاسع عشر، وعجز نخبه الثقافية عن إدراك التحول في طبيعة الآخر وفي ماهية جسده السياسي والاجتماعي. لا يفرغ خطاب العمراوي الآخر من هويته الحداثية والغربية فقط، بل يفقد التاريخ الحديث زخمه الثقافي والسياسي، وذلك بربطه بتاريخ دائري راكد مثل التاريخ الوسيط. لقد غير الأوروبي، قناعاته العقدية وانخرط في سياقات فكرية حداثية أنوارية أو وضعية، أما العمراوي فمصرّ على إلغاء تحولات التاريخ ليكتفي، بالخطاطات التصورية للعصر الوسيط. فما يعنيه من الحداثة هو المنجز التقاني في الغالب، أما المنجز الفكري في الفكر السياسي أو الفكر الاجتماعي أو الفكر الجمالي، فلا يعنيه إطلاقا.

( ولما رأى أعزه الله تكالب النصارى على الثغور والمراسي وحدثت منهم أمور تمور منها الرواسي تدارك بسياسة ذلك الخرق فأرقعه، وعرف محل الداء العضال فآساه بدوائه وأوقعه، واقتضت المصلحة الدينية أن عين أعزه الله سفراء تتوجه للمجاورين لايالته المحمية من الأفرنج دمرهم الله حرصا على ما يدوم به الائتلاف وقطعا لمادة الشنآن والخلاف ومسارعة إلى استجلاب ما تصان به الثغور من العدة وتنفسح لأخذ الأهبة المدة ريثما يستجمع ليثه …ويأذن الله لريح النصر بالهبوب فكان ممن عينه لذلك وأسلكه تلك المسالك ربي نعمته وعريق خدمته وعبيده المنخرطة في سلك كتبته المتشرف بملازمة عتبته إدريس بن محمد بن إدريس العمراوي لطف الله به. ) ( -ادريس العمراوي – تحفة الملك العزيز– ص.33).

فمما لا شك فيه، أن العمراوي يكثر من تشغيل ذاكرته التراثية، ومخزونه العقدي، مهما تظاهر بالكياسة أو اللباقة؛ فالمهمة الدبلوماسية واجب ديني، ومناورة سياسية، تقتضي مجاملة الخصم العقدي، دون الركون إلى مواقعه الجديدة. فرغم إشادته بالإحاطة المعرفية لترجمانه، فإنه لم يفته التشنيع على لكنته وعجمته. فمهما كانت براعة المستشرق المعرفية وإحاطته بدقائق اللغات والآداب والمعارف الشرقية، فإنه يفتقد إلى الأصالة اللغوية. فعجمته، دليل صارخ، على عدم أصالته؛ ولكنته برهان صوتي، على برانية معرفته بالتراث الثقافي لأمة، أولت الفصاحة والبلاغة منزلة رفيعة في منظومتها الفكرية. والأكثر من ذلك، فإنكار الأصالة المعرفية، لا ينفصل عن إنكار الأصالة العقدية لهذا المستشرق. فرغم اللغة الدبلوماسية والتمتع المشترك بالجماليات التخييلية للأدب العربي، فإنّ المهج تغلي بالحقد العقدي على الغير. فلئن غاص المستشرق / الترجمان في المخزون الثقافي الشرقي من باب التبحر المعرفي أو التناظر الثقافي أو استكمال ثغرات في نسقه المعرفي الخاص، فإن العمراوي، بقي لصيقا بالمسبقات العقدية، يغلب اختياراته العقدية على بحثه العقلي، ويبحث عن الإدانة اللاهوتية أكثر مما يسعى إلى التفهم العقلي للآخر أوالى التأويل العقلي لسلوكياته ومنظوراته الثقافية. فبقدر ما يتوسع المستشرق في المعرفة بالآخر، يزداد العمراوي، تشبثا بيقينه العقدي ومسلكيته التدبرية للغيرية، الناهضة على قاعدة البغض. فالتسامح الدبلوماسي، المتشح بالاستعارة الأدبية ،ليس إلا الغطاء الشفيف لما سماه امبرطو ايكو باللاتسامح المتوحش L’ intolérance sauvage.

( …وكنا نتلمح في عينيه بغض المسلمين أكثر من غيره، ويظهر لنا قبح طويته عند بره، ولعل ذلك من اطلاعه على كتبنا، ومعرفته أن بغضهم من قواعد ديننا ومذهبنا، ولكنا كنا نجامله وقلوبنا تلعنه، ونظهر له البشاشة والبشر فيما نعلنه(كذا)على أن الله أسدى إلينا جميلا على يده في اليهودي السابق الذكر، فإنه أول ما وقعت عينه عليه عنفه ووبخه وقبح رأي من وجهه وقال له لماذا جئت وأي شغل توقف عليك ومهما رآه في ناحيتنا طرده وقلل أدبه قائلا: ” أكنت تجلس في بلادهم أمامهم أو تقدر أن تلبس النعال بحضرتهم ومنعه من أشياء كان يريدها، ومنافع كان في ظنه يستفيدها وشاهدنا ذلك من صنع الله الجليل وحسبنا الله ونعم الوكيل.) (- ادريس العمراوي – تحفة الملك العزيز– ص.43).

فالعمراوي يعتبر تضييق الترجمان على اليهودي، صنعا إلهيا جليلا مما يكشف عن صعوبة التعايش بين منظورين عقدين يحاولان احتكار التعالي والانفراد بالرأسمال الرمزي المتولد عنه وبإدارة النفوس والتحكم في الخيرات الرمزية والمادية تاليا؛ ومن المحقق أن الشاهد يقدم، صورة عن وضعية الذمي اليهودي بالمغرب آنذاك، وهي صورة حافلة بمظاهر اللاتسامح المتوحش والتمييز الاقصائي الحدي، رغم سعي الخطاب التقريظي إلى تلميع واقع، يحكم آليات الثيولوجيا في الانثروبولوجيا باقتدار عنصري فائق. فإدارة الانثروبولوجيا بالثيولوجيا، دليل على تغلغل العقل القدسي، بكل تراتبياته وتفضيلاته ورمزياته المتوحشة Symbolique sauvage، في الجسد الاجتماعي.

لقد حرص العمراوي على التوصيف، وعلى عقد المقارنات الصريحة أو الضمنية بين واقع فرنسي ناهض،علميا تقنيا، وبين واقع مغربي مؤمثل نظريا ومأزوم عمليا. لا يكتفي العمراوي بالمسح التوصيفي أو الاستعراض التشخيصي للذوات والمؤسسات والبنيات الغربية؛ فالعين الواصفة هنا، عين مقومة وحاكمة، سلبيا، على الموضوع الموصوف. فالعين الراصدة لسلوكيات الفرنسي، هي عين محكومة بالتمثلات الدينية، وبالمنظومة السلوكية المعيارية الإسلامية. فهي لا تصف إلا لتسفيل الآخر، والكشف عن دونيته الإنسانية، رغم انفراده بمستجدات غير قابلة للتقويم، أحيانا، بالوسائل المنهجية والفكرية التقليدية.

( فيا خسارة تلك المنازه البهية، ويا شوم تلك الساحات الزهية، قد كدر جوها بسكانها، ولبست من الحداد غاية إمكانها وكيف لا وعمارها ما بين عابد صليب وقسيس وساع في طاعة إبليس على أنهم ما تمتعوا بها تمتع لذة وانبساط، ولا ضربوا حول ذلك الوادي خباء زهور ولا جلسوا للسرور على بساط، ولا ركبوا في تلك المروج عناق الخيول ولا جروا في تلك المنتزهات أطراف الديول، وإنما يمرون فيها مرور العفاريت، ويسعون فيها أشباه السعالى راكبين على زعازع من الحديد والحريق تخرق فجاج تلك الطريق كأنما تصعد إلى الجو أو تهوي من مكان سحيق وإذا سئموا من التعب ومالوا إلى الاستراحة وأرادوا التمتع بتلك الساحة، دخلوا بيوتا حرجة في داخل الخان وتعاطوا كؤوسا أمرّ من الحنظل يسيغونها بنتن ذلك الدخان وخرجوا يعربون كالخنازير ويرقصون كالقردة وينهقون كالحمير، وجوههم بالحلاق مشوهة وحديثهم صفير ونعير وقهقهة ….) ( -إدريس العمراوي – تحفة الملك العزيز بمملكة باريز – تقديم وتعليق : زكي مبارك – ص.49-50).

إن خطاب العمراوي، أسير محوريته الاثنية والعقدية؛ فالإدانة العقدية للآخر، تستلزم، من منظوره، إدانته ثقافيا، ووضع الذات الواصفة في موقع الوصاية الثقافية على الذات الموصوفة باسم أفضلية عقدية مفترضة لاستقامة بنية الخطاب وللاستجابة لأفق انتظار القارئ. فالأنا المقومة في الشاهد، لا تبحث عن معنى السلوكيات وعن مرجعيتها الثقافية والفكرية وعن أبعادها الجمالية أو الأخلاقية المحتملة، بل تنساق، بمقتضى الإدانة العقدية، إلى أبلسة وتسفيل الغير، وإفراغه من حمولته الإنسانية. فمن مفارقات الخطاب اللاهوتي للعمراوي، اعتباره لكل تدبر انسي للإنسان مفارقة للوضع الإنساني والتحاقا بالوضع الحيواني. فالإنسية، ليست من منظور الخطاب اللاهوتي، إلا “حيونة “، مادام التأنسن أو التأنيس، لا يتمان من الزاوية الإسلامية، إلا بمبارحة أفق المحايثة والتاريخ واعتناق أفق التعالي والماوراء. وليس استعمال مفردات الخنازير والقردة والحمير، في هذا السياق، اعتباطيا، بل هو استحضار لتوصيفات قرآنية دالة.

والعمراوي المتخم بيقينه التداولي، يؤكد عبر خطابه المعياري، ليس على أفضليته العقدية فقط بل على أفضليته الأخلاقية والثقافية كذلك. فهو يحكم على مجتمع عرف الثورة الفرنسية والأنوار العقلية والثورة الصناعية بمفاهيم مجتمع قروسطي تقليدي وسكوني. فهو لا يروم البحث في / عن معقولية التصرفات الجمعية ولا عن تفهم سياقاتها التاريخية والاجتماعية والعلمية، بل يسعى إلى فرض صورته المؤمثلة لذاته على الآخر المختلف، وتكريس أفضليته الثقافية. والحال أن سياق الرحلة وتواتر التراجعات المغربية، يدلان على انتفاء تلك الأفضلية وعلى انقلاب الأحوال واستحالة استعمال المجازات الفخمة لمداراة استعصاءات الزمان المغربي. فالذات الواصفة، كثيرا ما تتحول في خطاب العمراوي، إلى ذات حاكمة ومقومة وممانعة؛ ولذلك، فهي ليست مشغولة بالتعقيل أو التعليل أو التسويغ، أو الكشف عن الأسس الثقافية أو الحضارية المسؤولة عن سلوك الغربي، في عمله وراحته. فالعمراوي ، لا يملك العين السوسيولوجية الكاشفة، ولا الباصرة التاريخية القادرة على استكشاف السيرورات؛ فهو يكتفي بما تتلقفه العين اللاهوتية وتحاكمه بمقتضى القواعد الفقهية أو العوائد السارية في مملكة معزولة عن تحولات العصر.

ومهما حاول العمراوي إخفاء توترات خطابه بالالتجاء إلى اللغة المفعمة بالرنين اللاهوتي، فإنه يسجل تحيره واندهاشه أمام تجليات العقل العلمي. إن الذات الواصفة تكاد تفقد سيطرتها المعرفية على الموضوع الموصوف، وتتحير في تدبر بنيته التكوينية ومفاصله التركيبية ونسقه الوظيفي. فصدمة الحداثة، تفقد التشخيص المعياري للعمراوي، تناسقه وتماسكه التدليلي. ولئن حاول البعض، تفهم المستجدات التكنولوجيا بالإحالة على الجهاز الميثي وعلى السند اللاعقلاني ( الفقيه محمد المأمون الشنقيطي مثلا)، فإنّ العمراوي يفضل تسجيل المستجد التقاني والتفوق الغربي بأمانة المندهش. إن صدمة التقانة، تربك النسيج الرؤيوي للعمراوي، وتدفعه إلى تسطير الطابع الإشكالي للوضعية العلمية الجديدة. ويشي حديثه عن التلغراف، عن انجراح نرجسي، كبير، لا تفلح الأدوات التصورية التقليدية في شفائه.

( وقد سمعت أن أجرة ثلاث عشرة كلمة من باريز لمرسيلية بريال والقليل في الكثير كثير وقد رأيت في هذا البيت الذي دخلناه تسعين سلكا كل سلك لبلاد وجلها يخدم وخدمتها في الليل والنهار وعدد الرجال المقابلين لكل سلك أربعة يتداولونه أربع ساعات للواحد وهذه الآلة مما يذهل ذهن العاقل ويستريب فيه السامع والناقل، وكل ما أمعنت النظر فيها، لم أجد عبارة تشتمل على حقيقتها وتستوفيها. على أن كثيرا ممن ينظر إليها لا يعرف كيفية الدلالة عليها، بل ولا يحسبها إلا من طريق السحريات، ويكذب كلام ناعتها، ويعده من الاستهزاء والسخريات. وقد كان معنا بعض المغفلين فلمّا رآه، واستعظم باطن أمره ومرآه: سألناه عما فهم منه واستخبرناه بأي عبارة يعبر عنه، فقال لنا أنه مثل خبر الأعراب الذين يخطون في الرمل ويضربون الفال في قريعة الأنبياء. ويعبرون عما في قلبك من الأنباء، كلا بل هو من الأمور المذهلة، والأشياء المشكلة والأدواء المعضلة، قد قربوا البعيد، وهونوا الخطب الشديد. ) ( -إدريس العمراوي – تحفة الملك العزيز بمملكة باريز – تقديم وتعليق : زكي مبارك – ص.85-86-).

لا جدال في القيمة التاريخية الكبرى لشهادة العمراوي؛ فقد هزت الحداثة التقنية، الوعي الإسلامي هزا، وأفقدته هدوءه التناظري المعهود في أدبيات الملل والنحل، حيث تدير الأنا الإسلامية المناظرة من موقع الاقتدار المعرفي والجدارة العقدية. لم تملك النخبة الثقافية آنذاك، إلا البحث في الشبكات التفسيرية والتأويلية المتداولة، إلا أنها لم تفلح في إدراج المستجدات التقنية في أية مصفوفة من المصفوفات الفكرية المعروفة في النسق المعرفي العربي – الإسلامي التراثي.

فالحداثة التقنية، تجلّ من تجليات العلم الحديث؛ ومن المعروف أن الفكرية المهيمنة على النخب الإسلامية إذاك، هي الفكرية الصوفية أو السلفية الوهابية. وهاتان الفكريتان، تنكران، أصول الفكر العلمي جذريا، وتناظران، بأسلوبين مختلفين ظاهرا، ضد مبادئ العقلانية والعلمية. فتحير العمراوي أمام منجزات الحداثة التقنية يعني إدراكه لعمق الهوة الفاصلة بين يقينياته الأشعرية / الغزالية وبين المنجز التقاني الغربي. وللخروج من حالة التشوش الذهني، فإنه يختار إما الركون إلى المفاهيم الغيبية، للتنصل، ولو ظرفيا، من الوعي الشقيّ كما في موقفه من القطار وإما المطالبة باستعارة التقنية، كما في دعوته إلى إدخال المطبعة إلى المغرب.

( وقد أقمنا بهذه المدينة ( يقصد مرسيليا ) يومين للاستراحة وخرجنا منها قاصدين باريز على طريق الحديد المبتدعة عندهم .

وهي من عجائب الدنيا التي أظهرها الله في هذا الوقت على أيديهم تحير فيها الأذهان ويجزم الناظر إليها بديهة أن ذلك من فعل الجان وأنه ليس في طوق إنسان.) ( -ادريس العمراوي – تحفة الملك العزيز– ص.44)

(…ونطلب الله بوجود مولانا أمير المؤمنين أن يكمل محاسن مغربنا بمثل هذه المطبعة ويجعل في ميزان حسناته هذه المنفعة فكم أبدت دولته من مفاخر، وكم جددت سعادته من مآثر، ويحيي به معالم الدين وينهج نهج الأئمة المهتدين، آمين ). ( -إدريس العمراوي – تحفة الملك العزيز– ص.79-80-)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This