الثقافة البديلة ودور الشباب

لم يعد خافياً على المتابع لأحوال الثقافة عموماً، والثقافة الاجتماعية بشكل خاص، في المجتمعات العربية، تنامي حجم التحوّلات الهائلة التي تطالها، وتتغلغل في مختلف مناحي السلوك الاجتماعي والأنشطة الحياتية للأفراد. تحولاتٌ خطيرة تتجه نحو "أسلمتها"، من خلال الترويج لمفاهيم طارئة، غريبة عن تلك المجتمعات، ويحلو لبعض الإسلاميين تسميتها بـ "الحياة الإسلامية"، وبالتالي العمل على حشر "الإسلام" في كل صغيرة وكبيرة من تفاصيل الحياة اليومية للأفراد والجماعات على السّواء، وكأنّ الإسلام قد ظهر للتو!

ولعلّ من المخاطر المستجدّة لهذا التوجه أنّه لم يعد مقتصراً، كما في السابق، على تنظيمات وجماعات الإسلام السياسي، الدعوية منها والجهادية، وحسب، بل تعدّاها ليصبح كما يقول المثل الدّارج : (شغلة اللي ما إلو شغلة)، حيث أنّ تجارة الإسلام ازدهرت في السنوات الأخيرة وكثُر روّادها، والمُفتون والمفسّرون والمشايخ والداعون (من داعية) كالمصري عمرو خالد، و"العالمي" يوسف القرضاوي، ومحمد النابلسي في سورية، وأمثالهم، فاقوا بعددهم وعتادهم، بل وفي قوّة تأثيرهم، عدد وتأثير العرب المشتغلين في حقول الفكر والثقافة والمهتمين بهما أجمعين.

كما ارتفعت وتيرة بناء المساجد وزادت المبالغة في أبّهتها وفخفختها وفاقت كلّ تصوّر، بل إنّك تكاد تحصي في بعض المدن العربية نسبةً تشير إلى وجود مسجدٍ لكل خمسين نسمة! وفي مقابل كلّ مركز ثقافي واحد، تجد ما لا يقل عن مئة "دار عبادة" بين مسجد و"حسينيّة". اللّهم لا حسد! وبحسبة بسيطة سنرى أنّ مسجداً واحداً فقط، في هذه العاصمة العربية أو تلك، يتكدّس فيه عند كلّ صلاة جمعة، أضعاف عدد رواد الأنشطة الثقافية المختلفة التي تُقام فيها على مدى شهرٍ كامل أو أكثر.

في هذا السياق يمكن اعتبار المعارك الإسلاموية الأخيرة المفتعلة، والعابرة للحدود، من قبيل "قضيّة الرسوم المسيئة للرسول"، أو احتجاج حماة الإسلام الجدد على نتائج تصويت الشعب السويسري لصالح قرار حكومته بمنع بناء مآذن جديدة، والضجة التي يثيرها المتأسلمون حول "الحجاب" ومن بعده "النقاب" سواء في أوروبا (فرنسا) أو في البلدان العربية (مثلاً : قرار وزير التعليم المصري بمنع دخول المنقّبات إلى المدينة الجامعية) هذا عدا عن تفشّي "الطب النبوي" المزعوم، و"حصانة" الحجاج ومكّة من فيروس أنفلونزا الخنازير وما شابه، وصولاً لأسلمة كل شيء بفضل المتأسلمين على اختلاف مذاهبهم وطول وقصر لحاهم وجلابيبهم، يمكن اعتبارها جميعاً جولات متتالية في سياق حربهم الشاملة على كل ما هو عصري وحداثي، بغية تعميم نموذجهم النقيض: المتطرّف التكفيري والماضوي الظلامي.

كلّ هذا يقودنا للحديث عن تفاقم الحال المتردّية المؤسفة لثقافة المجتمعات وسلوك الأفراد في البلدان العربية، والتي تستبدل بنتاج العلم والثقافة الحديثة "دروس الدين" وحلقات الأذكار والخطب المقدسة بجمعةٍ أو بغيرها، أضف إلى ذلك مئات المواقع الإلكترونية "الإسلامية" على شبكة الإنترنت، وآلاف الساعات من البث الفضائي الديني المرئي والمسموع، حتى أنّ سماع المحاضرات والبرامج الدينية في الأسواق أو في سيارات النقل العامّة، بما فيها من التبشير والتفسير والتكفير والحضّ على كراهية الآخر، والجهاد ضدّ كل ما يختلف مع "الإسلام" على قاعدة "الولاء والبراء"، باتت من الأمور المألوفة في عاصمة دولة كانت تصنّف حتى وقت قريب بأنّها أقرب إلى العلمانية كدمشق مثلاً.

والمفارقة أنّ كل هذا لا يُقابل من الحكومات العربية ـ وبوجه خاص المنبثقة عن أحزاب "تقدّمية" ـ إلا بمزايدات إيمانية في المناسبات الدينية المختلفة، أو بالصمت عمّا يدور تحت أنفها، وكأنّ الأمر لا يعنيها. مع العلم أنّ نتائج ما يجري ستصبّ على المدى البعيد أو المتوسّط في خانة تحقيق أهداف تنظيمات الإسلام السياسي المحظورة والتي تلاحقها تلك الحكومات، مثال ذلك: (جماعة الإخوان المسلمين)، والتي يحدّد مؤسسها في ما يعرف بـ"الرسالة التعليمية" أهداف الجماعة ومنها "بناء الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم"، وعليه فإنّ ما تسكت عنه الحكومات بدلاً من التصدّي له بثقافة عصرية علمانية، ليس إلاّ الترجمة العملية لمبادئ تلك الجماعة المحظورة وتحقيقاً لأهدافها!

بعد ذلك كله، وبعد أن نشهده من انسياق كثيرٍ من المثقّفين "العلمانيين" ذوي الأسماء اللامعة، المكرّسة في عالم الكتابة والسياسة، إلى "أوهام الإصلاح الديني" حسب عنوان إحدى مقالات الأستاذ جاد الكريم جباعي في موقع الأوان، بات من الضرورة بمكان الحديث عن دور للشباب المثقّفين المتنوّرين والعلمانيين، في تشكيل حراكٍ يدرك خطورة الوضع، ويعمل على تحمّل مسؤولية ابتكار الوسائل، التي قد تساهم في الحدّ من هذا الوباء الغيبي الماورائي الماضوي، الذي يستشري بطريقة سرطانية، ويزداد فتكاً يوماً بعد يوم، ليشكّل بالتناغم مع الاستبداد السياسي القبر المظلم لدفن كل ما نحلم به ونسعى لأجله من قيم الحرية والتعددية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وصولاً لاندماجنا بالعصر الحديث.

ولأنّ الشباب كثيراً ما يشكون من التهميش والاستبعاد من قبل من هم أسبق منهم في الوجود على هذه الأرض، نجدها فرصةً ليقول الشباب ما لديهم، في قضية على هذه الخطورة والحساسية.

إنّ الإحجام عن المبادرة، والعزوف عن التفاعل والمشاركة، في مسائل تعنيهم بالدرجة الأولى، لن يكون إلاّ علامة إحباطٍ وكسلٍ، بات إدمانهما سمةً أساسيّةً لدى شرائح شبابيةٍ واسعة، ومؤشّراً خطيراً لوهم الرهان على الشباب المتنوّرين وطاقاتهم الحيوية الخلاّقة، وزيف ما يشاع عن حماسهم المبدع وتمرّدهم الجميل.

ذلك ما لا نريده ولا نتوقّعه. أمّا إذا أثبت الواقع أنّ الرهان على الشباب مجرّد وهم، وأنّ لا أمل منهم يرجى، فتلك ثالثة الأثافي.. وعلى الدنيا السّلام!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This