الجزيرة وإلغاء موسم الحج في تونس

تناقلت وسائل الإعلام مساء السادس من تشرين الأول خبر الإعلان عن إلغاء موسم الحج في تونس. وجاء في تفاصيل الخبر أن وزير الشؤون الدينية في الحكومة التونسية كان قد أصدر قراراً بإرجاء موسم الحج هذا العام إلى سنةٍ قادمة، خوفاً من تفشي فيروس أنفلونزا الخنازير. وجاء تعليل الخبر بأن اللقاحات المضادة للمرض لن تصل إلى تونس قبل نهاية الشهر الجاري، أو مطلع الشهر القادم (تشرين الثاني)، يضاف إلى ذلك قرار السلطات السعودية بعدم منح تأشيرة الحج إلا بعد أسبوعين من إعطاء اللقاح لكل مرشح للحج.

الحكومة التونسية كانت قد ألغت العمرة هذا العام للسبب ذاته. وتذكر الأنباء أن عدد الحالات المسجلة في تونس بلغت حتى الآن ثمانين حالة إصابة بمرض أنفلونزا الخنازير.

أود الإشارة في هذا المقال إلى الأسلوب الذي تعاملت من خلاله قناة الجزيرة الفضائية مع الموضوع بطريقة ميلودرامية، من خلال تقريرها الذي غطى الخبر، وكيفية تناولها للموضوع. حيث تحدث معدّ التقرير بنبرة يغلبها الأسى والخشوع عن شعور المسلمين وهم يتابعون أداء مناسك الحج عبر التلفاز، وأقتبس منه التالي: “فكيف إذا كانوا هناك في تلك البقعة المباركة التي يأتون إليها كما قال الله عز وجل من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم، مسلمو تونس لن ينضموا هذا العام إلى أكبر تجمع إنساني على الإطلاق! . . .” إلى آخر الخبر.

خلفية التقرير الصوتية كانت تكرار نداء الحج المعروف “لبيك اللهم لبيك. . لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك . . لا شريك لك” ورافقت قراءة التقرير مشاهد مصورة مختلفة لمناسك الحج، ليتحول الخبر بذلك إلى برنامج ديني أو إلى إعلان إسلامي ترويجي مصور عن الحج وأهميته.

المسألة لم تقف عند هذا الحد وإنما، على طريقتها في تسخين المواضيع وافتعال القضايا، كان هذا الموضوع هو محور البحث في “قضية المساء”، وليكتمل المشهد تصادف أن مقدمة النشرة كانت مذيعة الجزيرة ذات الحجاب الطارئ (خديجة بن قنة) التي استضافت صحفياً تونسياً هو (لطفي الحجي) وتلاه ضيف آخر لبحث القضية. وكمن ينتظر تحركاً شعبياً ما كانت صياغة السؤال الأول الموجه للصحفي: “كيف استُقبل قرار السلطات التونسية بإلغاء موسم الحج؟!” الصحفي شرح ملابسات القرار وظروفه بمهنية وموضوعية، وأكد أن أي ردود لم تسجل بعد مع توقعه بأن هناك من سيتفهم القرار ومن سيرفضه.

الضيف الآخر الذي استضيف للتعليق على الخبر من الأردن، وهو أستاذ الفقه الإسلامي في الجامعة الأردنية كلية الشريعة (محمد القضاة).

كلام الضيف الأردني جاء مؤكداً أن الحج “لم يُمنع في تاريخ الإسلام منذ أن فتح الله مكة المكرمة على المسلمين. لم يمنع يوماً من الأيام… حتى ولو كانت بعض الأمراض منتشرة في العالم العربي والإسلامي، ونحن نعلم أن هذا المرض الخطير لم يصبح وباءً في أي من البلدان العربية وإنما هناك حالات أصيب بها بعض الناس”. وليدعم كلامه فقد أورد الشيخ حديثاً عمّا أسماه طاعون عمواس جاء فيه: “إذا انتشر الطاعون في بلد من البلدان وكان وباءً صحيحاً وكان وباءً منتشراً ليس لأحد أن يدخل هذا البلد وليس لأحد أن يخرج من هذا البلد”. وينفي الشيخ أن يكون هذا الحديث سنداً شرعياً لإلغاء موسم الحج طالما أن أنفلونزا الخنازير “لم ينتشر ولم يصبح وباءً حتى الآن”، ودعا الدول العربية لكي تعالج الموضوع بغير الطريقة التونسية، مؤكداً عدم جواز المنع أو الإرجاء من الناحية الشرعية ما لم يُصب بالمرض معظم الناس الموجودين في السعودية أو القادمين إليها!! وأصر على أن مجرد احتمال تفشي الوباء لا يكفي ليكون سبباً، قاطعاً بذلك الطريق على من قد يحاججه بفقه (المصالح المرسلة) والمفاضلة بين صحة المسلمين وأداء الفرائض. ويختم الشيخ الجليل حديثه بالعودة للماضي والاستشهاد بالتاريخ وحادثة أبرهة الحبشي الذي أراد هدم الكعبة وكيف “حمى الله مكة وأهلها” حتى قبل الإسلام: “الله سبحانه وتعالى حمى مكة من أبرهة الأشرم والله قادر بهذه الخصوصية التي أعطاها للأرض المقدسة ولمكة المكرمة أن تكون حصناً منيعاً ولا يدخل هذه الأرض المقدسة مثل هذه الأمراض ولا تتفشى ولذلك الحجاج محفوظون بحفظ الله… وعليهم أن يقدموا إلى تلك الأرض المقدسة لأنهم يريدون أداء العبادة..” وتختم المذيعة مع الشيخ بسؤاله عن “ميزان الحسنات”، وهل ستسجل حسنة لألئك الذين عقدوا العزم على الحج ومنعتهم السلطات التونسية من ذلك؟ ويجيبها إجابة العارف بحسابات الله أن لهم كامل أجر الحج!! وأن “غير الأعداء لا أحد يمنع مسلماً من أداء فريضة الحج” مصرّاً على أنها “سابقة خطيرة” ومحذراً من الأخذ بها.

يريد الشيخ الجليل أن ننتظر استفحال الوباء ليسمح بتأجيل الحج، في الوقت الذي تنصح فيه منظمة الصحة العالمية بتعطيل المدارس إذا بلغت نسبة الإصابة في المدرسة واحداً بالمائة. لن يحرص حرصه على الحج، وبالتالي زيادة احتمالات تفشي الوباء كما يبدو، إلا شركات الدواء العالمية التي جنت وستجني أرباحاً هائلة من تصنيع وبيع اللقاحات المضادة للمرض. ولا نعلم فلربما كان من أصحاب مكاتب الحج والعمرة التي ستتعطل أعمالها وتخسر أرباحها فيما لو خشي الناس على صحتهم وامتنعوا عن الحج. أو كي لا نتحامل على الرجل؛ قد يكون في إيمانه النقي ومعرفته العظيمة ضمانات بأنّ “مكة حصن منيع لا تدخله هكذا أمراض.. والحجاج محفوظون بحفظ الله” في هذه الحال لا يسعنا إلا الدعاء له ولأمثاله برحلة موفقة!

أي تجهيل وخرافة بل أي تحريض أكثر من الذي سبق؟ ليس خافياً السم الذي يُدسّ في دسم الحديث عن “تاريخ تونس الإسلامي العريق” ثم القول بأن “الأعداء من يمنعون الحج وأن ما حصل سابقة خطيرة”. ألا يفضح هذا أكثر وأكثر الفضائية القرضاوية وتوجهاتها الإسلاموية الواضحة؟ ويكفي لتبين الأولويات التي تحكم توجهات الجزيرة وسياستها الإعلامية الخطيرة أن نشير إلى أن تقريراً بثته القناة، في نشرة المساء ذاتها التي نتحدث عنها، يذكر إحصاءاً لليونسكو يؤكد تسرب مليوني طفل عراقي من المدارس العراقية وانصرافهم الكامل عن الدراسة، وبالتالي المستقبل المجهول للعراق بسبب هذه المعطيات؛ لم يستغرق التقرير أكثر من دقيقتين ونصف الدقيقة من البث في مقابل خمسة أضعاف المدة على الأقل استغرقتها تغطية “قضية إلغاء الحج”. ألا يستحق مستقبل التعليم والأطفال في العراق مدة بث أطول؟ أم أن العلم والتعليم لا ينسجم مع تعميم الجهل الذي يحرص عليه القرضاويون أينما حلّوا.

لا بدّ أخيراً من التنويه بأهمية حرص الحكومة التونسية على حماية الصحة العامة لشعبها من تفشي هذا المرض الفتاك، وإن قرارها الحكيم يستوجب الدعم للالتزام بتطبيقه حتى من المعارضين لها. وحريّ بعلمانييّ تونس الأكارم الذين نعلم مدى شجاعتهم وتأثيرهم استغلال هذه المناسبة لتأكيد التمسك بالعلمانية سواء بالبيانات أو بالتوعية الشعبية والعمل الميداني، والسعي من خلال ذلك إلى إجهاض المحاولات التي سيقوم بها دون أدنى شك المتأسلمون ومن لفّ لفيفهم لتعطيل القرار ومهاجمة ما تبقى من علمانية في ثنايا الدولة والمجتمع وصولاً إلى تكفيرهما.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This