الحادي عشر من سبتمبر الآخر! فتحي بالحاج يحيى

هناك من الأحداث الكبرى التي سرعان ما يطويها النسيان بعد أمد قليل من وقوعها، وهناك أخرى تتحوّل إلى أسطورة فيصبح مجرّد ذكر تاريخ وقوعها رمزا محمّلا بأكثر من دلالة. ربّما لأنّ الأولى لم تأخذ بُعْدَ العرض التلفزيوني ولم تصطدها الكاميرا كمشاهد حيّة مباشرة من شأنها أن تصطدم الضمير العالميّ، وتثير ما يمكنها أن تثيره من المشاعر المتناقضة…على عكس الثانية. وربّما أيضا لما تمتاز به الضحيّة من قدرات مادية وإمكانيات فنية وإعلامية على حمل وجعها إلى جميع أصقاع العالم ليصير ” الوجع الكونيّ ” دون سواه.

الحادي عشر من سبتمبر يوم أسود دون جدال. ولشهر سبتمبر، أو أيلول كما يقولون في المشرق، حكاية طويلة مع السواد. شعب بأكمله، بدولته المستقلة ومؤسّساته الديموقراطيّة، يجد نفسه عرضة لاعتداء لا قدرة له على دفعه وكأن السّماء تنهار على رأسه. معقل الحرّية التي تعب شعب بأكمله على اكتسابها بتضحياته ونضالاته ينهار تحت نيران قوّة مدعومة من الخارج فينهار، في لحظات، ما شيّدته أجيال متعاقبة. مواطنون يتحوّلون آلافا إلى أرواح قد لا تكفي مقاطع الرخام في البلاد إلى تدوين أسمائها على شواهد القبور…والعالم يتفرّج ولا يستطيع أن يفعل شيئا. يومها أعلن “كيسنغر” حرفيا بـ ” أنّ أمريكا لا يمكنها أن تترك بلدا يسقط في الشيوعية بسبب حماقة أهاليه “. ويومها، رفض “سلفادور آلاندي” من داخل قصره المشتعل نيرانا من جرّاء قصف طائرات قادمة من السماء…أنْ يستسلم. في الحادي عشر من سبتمبر قُتِل ” آلانديّ ” ومن معه، وتحوّل ملعب كرة القدم في سانتياغو إلى ساحة اغتيالات جماعية، ودوّت في البلاد أحذية العسكر الفاشست باسم الحرّية والعالم الحرّ.

كان ذلك سنة 1973. وكنّا نعتقد أنّ رقمي 11/9 ، أو 9/11 بالإنجليزية، سيظلان مقترنين باسم الشيلي وّ آلندي ّ لكنّ ذاكرة العالم ذاكرة تلفزيونيّة، والتلفاز سلاح لا نقدر عليه بعد. نحن لازلنا عاجزين على صناعة ضميرنا الجماعيّ فما بالك بتأثيرنا في صناعة ضمير العالم. كلّ ما سيبقى لنا هو تلك الصور القليلة، التي طبعت جيلنا بالأبيض والأسود، في محاولة – قد تكون يائسة – ضدّ تلف الذّاكرة وطوفان الصّور الجديدة بالألوان، تلك القادمة من الحادي عشر من سبتمبر الآخر!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This