“الحارقون” و”المحترقون”

لعلّ من يعتقدون أنّ مجرّد استشهادهم بتفجير أنفسهم ينقلهم مباشرة إلى الجنّة، ينسون أنّ الجنّة الّتي بها يوعدون، كما جاء في الآية الكريمة “مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ” (سورة الرّعد الآية 35) إنّما هي في جوهرها نتاج عمل من أعمال الكلام، يسمّى عمل الوعد؛ ينجز في الإبّان بالقول وفي القول. ولكنّه يظلّ عملا مؤجّل التّنفيذ إلى أجل مسمّى. فالوعد في جوهره عمل ينهض على مبادلة شبيهة بالمبادلة في التّجارة، غير أنّه لا يقوم على مبادلة شيء بشيء آخر يوازيه قيمة، وإنّما ينهض على مبادلة شيء بقول لا ضمانة لتحقّقه أو لإنجازه سوى ثقة الموعود له في عهد الواعد ووعده. ويجري التّبادل في النّصّ القرآني في زمنيّتين مختلفتين. فالمسلم المؤمن يبذل النّفس والنّفيس في الزّمن الدّنيويّ، مقابل الفوز بالجنّة في الزّمن الأخرويّ. وأعظم الموعودين بالجنّة في الضّمير الإسلامي هم المؤمنون المقاتلون من الّذين بذلوا النّفس والنّفيس في سبيل الله. ويوجد تنصيص صريح في القرآن على هذا التّبادل في آيات عديدة منها هذه الآيات: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ” (سورة الصّف، الآيات من 10 إلى 12).

وقد أكّدت هذا الوعد/العهد، أي وعد الشّهداء بالجنّة، نصوصُ التّفسير القرآنيّ. فقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة: “وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ” (سورة آل عمران: 169-170)، ما نقله الطّبري من: ” إنّ الّذي خَصّ الله به الشّهداء في ذلك، وأفادَ المؤمنين بخبره عنهم تعالى ذكره، إعلامه إيّاهم أنّهم مرزوقون من مآكل الجنة ومطاعمها في بَرْزَخِهم قَبل بعثهم، ومنعَّمون بالّذي ينعم به داخلوها بعد البعث من سائر البشر، من لذيذ مطاعمها الّذي لم يُطعمها الله أحدًا غيرَهم في برزخه قبل بعثه. فذلك هو الفضيلة الّتي فضَّلهم بها وخصّهم بها من غيرهم”.

ومهما يكن التّأويل فإنّ الثّابت المشترك بين النّصّ القرآني وتفسيره هو وجود التّبادل (وقد شبّه في بعض الآيات بالتّجارة) بواسطة عمل الوعد/العهد، أي بذل النّفس والنّفيس في الدّنيا مقابل الوعد بخلاص أخرويّ. فالجنّة في الضّمير الإسلاميّ الكلاسيكيّ هي جنّة خلاص وإن استعارت من الدّنيا صورها الفردوسيّة.

غير أنّ صور الجنّة وتمثّلاتها في الأزمنة الحديثة قد تغيّرت على نحو جذريّ. ذلك أنّنا نشهد اليوم صنفين من الجنّة، أو من تمثّلات الجنّة. أوّلهما جنّة أرضيّة توجد في ما بعد الواقع، وهي جنّة تصنع باختراق الحدود الجغرافيّة السّياسيّة، أي تلك الحدود الّتي ينتهكها اليوم “الحارقون” (1). وهي تسمية تونسيّة أطلقت على الّذين يغادرون أوطانهم خلسة بلا أوراق رسميّة. فهم يمثّلون فئة مافتئت تتكاثر مع الأيّام يطلق عليهم بتعبير فرنسيّ صفة “les sans papiers” أي ” أناس بدون أوراق”. فالحارقون قد جعلوا الجنّة تنزل إلى الأرض، خارج الوطن، وراء الحدود، هنالك في الغرب المسيحي الرّأسماليّ الأوروبيّ الأمريكيّ…

أمّا الصّنف الثّاني فهو جنّة توجد فوق الواقع. وهي جنّة لا تصنع باختراق الحدود الجغرافيّة السّياسيّة، وإنّما بالخروج من الزّمن والانسحاب من التّاريخ، أي بالانتحار، أو الموت انتحارا. وهذه الجنّة لا سبيل إلى تمثيلها إلاّ بصنيع الشّهداء/الانتحاريّين من الّذين يفجّرون أنفسهم. فهؤلاء هم “المحترقون”. فجنّة ما بعد الواقع هي جنّة الحارقين. وجنّة ما فوق الواقع هي جنّة المحترقين.

{{***}}

يخوض “الحارقون” مغامرة البحر. فهم يواجهون خطر الموت غرقا. إلاّ أنّهم، بركوبهم البحر، يستعيدون النّشاط الملاحيّ القديم، أي نشاط المخاطرة le risque وقد أضيفت إليه تقنيات السّعادة الجديدة. فكلّ واحد من “الحارقين” إنّما هو ذاك الكائن الّذي يتّجه دوما إلى الأمام بالارتماء في المجهول. فهو يمثّل انتقالا من الكائن المقذوف في العالم l’être-jeté-dans-le-monde على حدّ عبارة هيدغر إلى الكائن المندفع في العالم، الّذي أضحى شكل وجوده هجوميّا اقتحاميّا في العالم، في سياق معولم يبيح انتقال البضائع والأشياء والمواضيع بجميع أشكالها المادّيّة أو الافتراضيّة، ويعطّل في شبكته الهائلة تنقّل البشر.

يمكن اعتبار حركة “الحارقين” انتقالا من المافوق السّماوي إلى المابعد الأرضي، أي الجهة الأخرى من الأرض. ومثل كلّ رحيل لا يمكن بلوغ هذا الما بعد الأرضي مجانا. فكلّ “الحارقين” من عابري البحر لا بدّ أن يدفعوا ثمن بلوغهم الضّفاف البعيدة. يتضمّن الثّمن الباهظ فترات الجوع والحرمان من النّوم بسبب المعاناة من الحرّ والقرّ، وعذاب القلق والملل والرّوائح الكريهة وخطر البحر. وقد تنتهي الرّحلة مثلما بدأت وقد أرست ” … ألواح الأمل في ضفّة أخرى من هذا الجنوب ليفيق هؤلاء الحارقون مع انبعاث أوّل خيط للفجر على غروب أملهم بين أيدي محترفي الاحتيال وبيع الأوهام… وربّما أرست أيضا في مخافر الحرس الحدودي هناك بعيدا عن سجون الشرق الكبيرة فتغرق الأحلام مرّة أخرى بين ركام محاضر التحقيق الفارغة إلاّ من إجابة واحدة: الصّمت…” (2).

تضرب مغامرة “الحارقين” عرض الحائط بتلك الحكمة القديمة الّتي تقول “الدّاخل إلى البحر مفقود والخارج منه مولود”، وتستعيد في الآن نفسه الخيار الّذي راج في الأزمنة الحديثة، زمن الاكتشافات والاستكشافات: “المرفأ أو الموت le port ou la mort”. فبين الرّهبنة الدّينيّة أو الانتحار يبدو عبور البحر حلاّ ثالثا يمنح “الحارقين” خلاصا مؤقّتا من حياة أصبحت لا تطاق في وطن مخيّب لكلّ أمل. وهم بهذا الخيار يصنعون جنّة تقع في هذا المابعد الأرضي المنفتح على كلّ المخاطر. فما أن يعبر “الحارقون” الجسر حتّى تنقطع كلّ الأواصر القديمة الّتي نسجتها وغذّتها التّصوّرات الأرضيّة عن الحياة والموت. ذلك أنّ حلم “الحارقين” بحياة أسعد وأفضل آت من مكان آخر بعيد في ما وراء البحار، في ” … رحلة إلى شطآن الشّمال البارد قد تنتهي بمجرّد الإبحار في قيعان المتوسّط لتلتهم ذاكرة النّسيان جسد هؤلاء المعطّلين عن الحياة، لتعود توابيتهم فارغة إلى قرى متناثرة في جنوبنا…” (3). ورغم كلّ هذه المخاطر يعوّض العبور la traversée الصّعود l’ascension “من الأرض الرّاكدة إلى السّماء ” كما جاء في رسالة الغفران للمعرّي. فهذا الانتقال من التّعاليla transcendance إلى الأفق البعيد قد جعل هذا الكائن المندفع في العالم مثل كرة المدفع، ينقذف بعيدا إلى المجهول، حيث بؤرة الانبهار la fascination. هذه البؤرة تسمّى الجنّة بما هي يوتوبيا أرضيّة أو عالم من العوالم الموازية يمكن تشييده خارج كلّ سياق وفق ذوق الّذين أصبحت اليابسة لا تستجيب لأحلامهم.

{{***}}

يطرح “المحترقون” مشكلا جديدا هو استحالة التّبادل l’impossibilité de l’échange في مجتمعات الاستهلاك، أو مجتمعات المخاطرة les sociétés du risque في الأزمنة الحديثة بسبب فقدان قواعد التّبادل، أو بسبب ظهور مواضيع جديدة غير قابلة للتّبادل (4). وحين يضحي التّبادل غير ممكن تنشأ وضعيّة قاتلة une situation fatale شبيهة بالقدر المحتوم. من هذه الوضعيّات القاتلة نجد وضعيّة الإرهابيّ الّذي نطلق عليه في سياقنا هذا صفة “المحترق”.

يضرب الفيلسوف والمحلّل النّفسي زيزاك Žižek في كتابه “مرحبا بكم في صحراء الواقع” مثال الأصوليّ المسلم الانتحاريّ l’intégriste musulman kamikaze بوصفه صورة من الإيمان السّاذج المطلق بالآخر الكبير Autre الّذي تحوّل بذلك الإيمان إلى “ذات يفترض فيها الاعتقاد” «Sujet supposé croire» أو يفترض أن نعتقد فيها، فهو يرى أنّه حتّى في حالة اليقين المطلق، وهو يقين الأصوليّ المسلم الانتحاريّ، لا يعتبر يقينا قاطعا كما يمكن أن يذهب بنا الظّنّ، بل ليس من المسلّم به ولا من البديهيّ أنّ هذا الصّنف من النّاس مقتنع كلّ الاقتناع بأنّه سيدخل إلى الجنّة بعد موته، وهي جنّة الحور العين (يسمّيها زيزاك جنّة العذارى السّبعين)، مثلما تثبته حكاية الإرهابيّ الانتحاريّ الّذي قبل أن ينتحر بتفجير نفسه تعطّر وهو يعتقد أنّه ملاق الحور العين الموعود بها. ويتساءل زيزاك: ماذا لو أنّ الإرهابيّ كان يشكّ في قرارة نفسه شكّا رهيبا، فينتقل إلى الفعل الانتحاري بوصفه وسيلة ليتخلّص من مأزق الشّكّ لإثبات هذا الاعتقاد الجديد: “لا أعلم إن كنت حقّا مؤمنا أم لا، ولكن بإلغاء نفسي من أجل القضيّة Cause يغدو صنيعي ذاك دليلا بالفعل على أنّي مؤمن” (5).

إذا سلّمنا بهذا التّحليل يغدو “المحترق” أو الأصوليّ المسلم الانتحاريّ بصنيعه ذاك، أي بانتحاره أمام الخيارAlternative التّالي:

إمّا أن يكون مؤمنا بأنّه بمجرّد موته سيدخل إلى الجنّة، فيكون موته تأويلا حرفيّا لما جاء في بعض آيات القرآن كهذه الآية: ” إِِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ” (سورة التّوبة الآية 111)، وهي آية تنصّ على التّبادل (بذل النّفس في القتال مقابل وعد بالجنّة)، ولكنّه تبادل يضحي فيه الموت ضربا من الإفراط في الاعتقاد لا يخلو من سذاجة، وهو أيضا تبادل مؤجّل في زمان آخر خارج كلّ زمنيّة، هو زمان الآخرة لا الدّنيا، بما هو زمن “خارج الزّمن”Hors-temps (Zeitlos). وبهذا التّأويل تصبح الجنّة شكلا من أشكال الانسحاب من العالم.

وإمّا أن لا يكون مؤمنا بالجنّة، ولكنّه يقبل على الموت بانتحاره من أجل إثبات عدالة القضيّة، وحينئذ يكون مفهوم التّبادل الّذي تنصّ عليه الآية قد أصيب في الصّميم، فيصبح موت “المحترق” أو الأصوليّ المسلم الانتحاريّ، إنتاجا لشكل جديد من اللاّتبادل مع المقدّس بوصفه تبادلا مستحيلا échange impossible. وفي هذه الحالة تغدو الجنّة باستحالة التّبادل وعدا بجنّة ممتنعة بزوال الإيمان والثّقة في العهد والعقد الّذي يؤسّس كلّ وعد.

في الحالة الأولى يفرط “المحترق” في الاعتقاد طلبا لجنّة موعودة، وفي الحالة الثّانية يفرّط في الاعتقاد من أجل إثبات عدالة القضيّة. وفي كلتا الحالين يثبت “المحترق” أنّه خارج كلّ تبادل، بما في ذلك موته. فالانتحار هو موت خارج كلّ تبادل لأنّه موت مقتلع من دورة القتال الّتي تنظّمها الحرب. فموتى الحرب هم من المقتولين لا من المنتحرين، وليس موتهم سوى نتيجة للقواعد المتّبعة عند تبادل الموت في فضاء الحرب. فالمقاتل لا يطلب الموت بل الموت يطلبه، بخلاف “المحترق” فهو يفجّر نفسه. ولكن ماذا يطلب في المقابل؟ يظهر “المحترق” المفجّر نفسه كما لو كان متنكّرا، يظهر مغفل الاسم، مثل أيّ عضو في العامّة، يتابع أعماله الاعتياديّة ورغم أنّه يبقى غفلا حتّى بعد فوات الأوان فإنّ الحقيقة الثّابتة هي أنّ “المحترق” يموت في النّهاية واضعا حدّا لكلّ هويّة ولكلّ معنى ولكلّ قضيّة. فموته خروج من دورة كلّ تبادل لأنّ الموت من أجل الموت، الموت المطلق هو ما يحدّد كارثة الإرهاب اليوم. وهو إرهاب لا يمكن أن يمثّل إلاّ بالصّورة في تجارة الصّور، وبنوع خاصّ من الصّور يطلق عليه بارط تسمية الصّور الصّدمة. فموت “المحترق” يجرّ معه موت الضّحايا الأبرياء. وهو موت صادم لأنّه يقع دون سابق إنذار بخلاف ضحايا الحرب. فكلّ الأبرياء رهائن، أو في وضع الرّهينة. أمّا الموت الفجئيّ فهو حدث صادم لا يطاق لأنّه لا يصدّق. وهو لا يصدّق لأنّه أصبح فجأة وعلى نحو اقتحاميّ جزءا من المشهد العموميّ. ولذلك هو من هوله لا يمثّل. و”ما لا يمثّل” l’irreprésentable لا يروّضه شيء سوى الصّورة الصّادمة. فهي صور خارج كلّ مشهديّة ولذلك غدت مرذولة obscène لأنّها دليل على استحالة تمثيلها، أي استحالة تبادلها في تجارة الصّور وشبكاتها الهائلة. فـ”ما لا يمثّل” هو انتفاء للصّورة والشّكل عن الجسد البشريّ المنفجر “المحترق”. فالإنسان الّذي لا يهب وجهه ولا صورته ولا مشهد جسده هو إنسان لا ينتج إلاّ اللاّتبادل، شأنه في ذلك شأن بعض المتحجّبات اليوم اللاّتي لا يبادلن وجوههنّ في تجارة الوجوه اليوميّة حيث يبذل المرء وجهه للآخرين بما هو (أي الوجه) “المحلّ القديم الجديد للإقامة في مدننا”.

{{***}}

“الصّمت… قانون الحارقين. ففي المخفر تطبّق قاعدة التّنصّل من الاسم واللّغة والجنسيّة بعد التّنصّل من الأمّ والوطن وأناشيد النّخوة والاعتزاز الّتي ردّدها هؤلاء في مقاعد الدّراسة واستمعوا إليها في إذاعات الوطن… ” (6). أمّا مشهد الموت انتحارا فهو دليل على نهاية التّبادل مع كلّ خلاص. إنّ صمت “الحارقين” وانتحار “المحترقين” إنّما هما في نهاية المطاف صورتان من “الموت في شكل جنّة” صورتان من جنّة اليوم، جنّة ما بعد الواقع وجنّة ما فوق الواقع، هذا الموضوع المحض الّذي أضحى اليوم لا يبادل، ولذلك يحظر امتلاكه أو مبادلته. فهو مجرّد من كلّ قيمة لأنّه بلا ثمن أو لا ثمن له. بل هو موضوع بلا فائدة ولكنّه فريد فرادة مطلقة، ولا شيء يكافئه، لأنّه موضوع ثمين جدّا لا نعرف كيف نتخلّص منه إلاّ بإستراتيجيات الصّمت وعمليّات الانتحار.

{{الهوامش:}}

1- كتب في هذا الموضوع الأستاذ محمّد الشّيباني مقالة بعنوان “الحارقون”: الأوان، السبت 31 أيار (مايو) 2008.

2- محمّد الشّيباني: “الحارقون”: الأوان، السبت 31 أيار (مايو) 2008.

3- محمّد الشّيباني: “الحارقون”: الأوان، السبت 31 أيار (مايو) 2008.

4- انظر:Baudrillard, Jean: (1983-2006) Les stratégies fatales. Le Livre de Poche, p.p52-55. الّذي حلّل نماذج عديدة كالبدين والرّهينة وغيرها بوصفها مواضيع غير قابلة للتّبادل، أو صورا من اللاّتبادل.

5- انظر: Žižek, Slavoj: (2007) Bienvenue dans le desert du réel. Traduit de l’anglais par François théron. Champs- Flammarion, p.p 112-113.

6- محمّد الشّيباني: “الحارقون”: الأوان، السبت 31 أيار (مايو) 2008.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This