الحذاء العاطفي! – سامي العبّاس

يشير مستوى الإشباع العاطفيّ الذي وفّره حذاء الزيدي للشارع العربيّ إلى أنّ جديدا لم يطرأ على العقل الجمعيّ العربيّ لجهة امتصاصه رضعة أو رضعتين من ثدي الوقائع والمجريات التي تقاطرت عليه وحوله بعيد غزوة ناطحات نيويورك في -11-أيلول -2001..

لا ألوم الزيدي على استخدامه الحذاء بل أثني على شجاعته وحسن تكثيفه للمجاز في الردّ على كثافة الصفاقة الأمريكيّة. إنّما يذهب نقدي إلى كمّية ردود الفعل التي أطلقها حذاء الزيدي مابين المحيط والخليج، وإلى انشغال العرب، هذه الأيام، بإقامة الأفراح وأقواس النصر ومهرجانات الشماتة تغطّيها فضائيّاتهم وتستفيض في التعليق عليها صحفهم. ولا غرو أنّ حذاء الزيدي سيدخل في مقبل الأيّام إلى الشعر العربيّ من الباب العريض، سواء الذي يتلى على المنابر منتفخ الأوداج أو ذاك الذي ينام كسير الفؤاد بلا يقظة في الصحف الرسميّة. وسيزحف إلى الفنّ التشكيليّ فتنحني له الألوان احتراما، وإلى الموسيقا فيتّخذه الطبل خدناً. وستضطرّ القصة القصيرة إلى ضبط عدد كلماتها على نمرة مقاسه: أربعة وأربعون في رواية استندت إلى ترجمة متسرّعة لتعليق بوش بعد أن أفلح في المناورة على الحذاء الطائر، أوثلاثة وأربعون في إجماع الروايات بعد أن ثاب كلّ من الرئيس الأمريكي ومرافقيه إلى الرشد وأشبعوا منتظر الزيدي ضربا ديمقراطيّا.

ففي حين أنّ البهجة والشعور بالفخر قد وحّدا العرب كما لوأنّ الراحل عبد الناصر قد بعث من رقاده، إلّا أنّ شيئاَ من مؤشّرات الفرقة – بسبب من وفرة اللّهجات المحلّية – عكّرت قليلا زلال المشاعر القوميّة، فتحوّلت ” قندرة ” الزيدي العراقيّة إلى ” صرماية ” في الإعلام السوري، وإلى ” شبشب ” في الإعلام المصري، و إلى نعل عند بعض من الخليج وخفٍّ عند بعض منه. ولو تابعت تحوّلات حذاء الزيدي وهو يغذّ السير غربا نحو الأطلسي لجئتكم بالمزيد. إلّا أنّ ما منعني من ذلك استيقاظي من الغفلة التي أشاعها الفخر بجرأة الزيدي على ما يشير إليه هذا الاختلاف في إطلاق المسمّيات على حذائه… و… إلى خطورة ما تنام عليه الأمّة من عوامل فرقة ” ألسنيّة ” ستفضي إلى الوهن – وهذا من الحتميّات غير الماركسية – التي صيغت شعراً يردّدها على فراش الموت الأب لأبنائه والشيخ لتلاميذه وسكرتير الحزب لأزلامه.

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا — وإذا افترقن تكسرت آحادا

وعلى هذا، حريٌّ بالنخب العربيّة أن تشتغل لما تبقّى من القرن الواحد والعشرين على هذا البيت من الشعر. ولا أمزح، فتوحيد المصطلحات يجب أن يبدأ من الحذاء لكونه ” تحت”، وعلى تماسّ مع أرض الواقع. وبعدها نتدحرج إلى ” فوق ” كما فعل أبو نواس عندما هزّه الشوق إلى أبي طوق.
ولو لم تقع فرحة النخب العربية على فرحة الجمهور العربي ” بيوم حذاء الزيدي ” كما يقع الحافر على الحافر لاقترحت على النخبة وجمهورها برنامجا أكثر طموحا من برنامج جهاد الزين ” البحث عن مشروع متكامل، حداثي ديموقراطي غربي كما يفعل الأتراك ومشروع ديني – ثوريّ – معاد للغرب كما يفعل الإيرانيون. أي في الحالة التركية، الأمة – الدولة التركية، وفي الحالة الإيرانية الأمّة – الدولة الإيرانية “(1) لكنني انحناءً للحكمة التي فاضت من الآية الكريمة ” لا يكلّف الله نفسا ًإلا وسعها “، أقترح برنامجا أكثر تواضعا، آخذاً بعين الإعتبار وضعا عربياً رآه جهاد الزين رأي العين ” لدينا توظيف لأغطية الجسد في فكرنا السياسيّ أكثف من أيّ جماعات كبرى أخرى في العالم ” (2)، ولكنّه لم يستلهم منه استراتيجيّة للتغيير تبدأ من ” تحت “، وتصطاد بحجر واحد اليهوديّيْن الألمانيّيْن ” كارل ماركس ” و ” سيغموند فرويد ” جزاءً وفاقاً لنقلهما مسقط رأس الدوافع من ” فوق “، حيث الدماغ البشريّ إلى ” تحت “، حيث المعدة أو الجهاز التناسليّ على التوالي، فنهبط إلى أعمق ممّا هبطا إليه.
قيل في الأمثال تصغيرا لغضبة الأحمق أنّها ” عاصفة في فنجان “. أظن – وليس كلّ الظن إثمًا – أنّ مانشاهده هو ” عاصفة في حذاء “!

{{هوامش:}}

1- 2- تأمّلات فكريّة عربيّة في حذاء الزيدي – جهاد الزين النّهار، 16/12/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This