الحنبليّة الجديدة: دولة داخل الدولة !

 

 

على طريقة الانقلابات العربيّة، أعلنت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السعوديّة أنها شكّلت مجلسا تحت مسمّى مخيف هو “مجلس الرئاسة”. وتقول الهيئة إنّ المجلس المذكور سيشرف على إقرار السياسات والإستراتيجيات الخاصة بها. وأعلن الرئيس العام للهيئة الشيخ إبراهيم بن عبد الله الغيث الاثنين 10-11-2008 قرارا بتشكيل ” مجلس الرئاسة ” برئاسته وعضوية مجموعة من القيادات العليا العاملة. وأوضح الغيث في تصريح صحفي بثته وكالة الأنباء السعودية (واس) أن المجلس تمّ تشكيله لإقرار البرامج والخطط العامة لعمل الرئاسة ومتابعة أعمالها وتطويرها في المجالات الإدارية والمالية والفنية والميدانية.


وفي وقت كثرت فيه شكاوى المثقّفين والمواطنين، على حدّ السواء، من هذا الجهاز الغريب، تعلن الهيئة تمدّدها وتوسّع أنشطتها لتطبق على قلب المواطن السعوديّ والوافد عوض أن تأخذ الدولة بزمام الأمور وتطبّق القوانين على المواطنين سواسية ودون الحاجة إلى قوّات إسناد من ميليشـيات  ” المطاوعة “.

 
ويلاحظ أنّ تسمية ” مجلس الرئاسة ” نفسها تثير الريبة في طبيعة الجهاز برمّته لأنّها تذكّر، ببساطة، بمسمّيات عرفتها شعوب المنطقة مع الانقلابات العسكريّة والبيضاء، وإلاّ ما المعنى الحاصل من إصلاح عمل الهيئة الغامض في المملكة بإحداث مجلس للرئاسة ليس له من وظيفة إلاّ التصديق الجماعيّ على قرارات الهيئة وتثبيتها من جهة والمرور إلى طور مساءلة المسؤولين على الإدارات المختلفة في الدولة إذا لاحظت الهيئة أنّ المقتضيات الشرعيّة غير مرعيّة في أقسامها أو في معاملاتها أو بين موظّفيها؟

 

إنّ المتأمّل في الإرهاب الفكريّ والاجتماعيّ والسياسيّ الذي تمور به بقاع من شرق المتوسّط ينبغي أنْ لا ينسى أنّ كلّ ذلك هو صدى لإرهاب قديم في التاريخ نعرف إلى أين قاد: الهزيمة والسقوط في وهدة التخلّف. تأمّلوا هذه السطور من تاريخ ابن الأثير في حوادث سنة 323 هـ في بغداد، لتستنتجوا أنّ الوهابيّة ليست إلاّ حنبليّة جديدة :  

يقول ابن الأثير في حوادث سنة 323 هـ ( ذكر فتنة الحنابلة ببغداد  ) : ” وفيها عظم أمر الحنابلة وقويت شوكتهم وصاروا يكبسون من دور القوّاد والعامّة وإن وجدوا نبيذًا أراقوه وإن وجدوا مغنيّة ضربوها وكسروا آلة الغناء واعترضوا في البيع والشراء ومشي الرجال مع النساء والصبيان فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه مَن هو فأخبرهم وإلاّ ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة وشهدوا عليه بالفاحشة فأرهجوا بغداد‏. فركب بدر الخرشَنيُّ وهو صاحب الشُّرطة عاشر جمادى الآخرة ونادى في جانبَيْ بغداد في أصحاب أبي محمّد البربهاريّ الحنابلة ألاّ يجتمع منهم اثنان ولا يتناظروا في مذهبهم …فلم يفد فيهم وزاد شرّهم وفتنتهم واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون إلى المساجد. وكانوا إذا مرّ بهم شافعيّ المذهب أغروا به العميان فيضربونه بعصيهم حتّى يكاد يموت‏ !‏”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This