الخيار التكنوقراطي : الحل المعطوب
منذ أن وعت دول الجنوب، وضمنه العالم العربي، حجم الهوة التاريخية التي تفصل واقعها عن واقع دول الشمال التي كانت منذ وقت قريب نظيرات لها، ونخب هذه الدول تصارع وتقاتل لرأب الصدوع والتمزقات التي أحدثها هذا الوعي في رؤاها الثقافية وقناعاتها الوجودية، ولإيجاد عناصر وأجوبة تفسر ذلك البون وتشرحه، وتكفل لها بالتالي امتلاك أسباب اللحاق بذلك الركب الذي ما يفتأ يتقدم ويراكم القطائع. تباينت الأجوبة عند هاته النخب بتعدد المراحل التي مر منها هذا الوعي، بين دينية وقومية وليبيرالية و”علمانية”، وهي ما تفتأ تتعدد، غير أنّ جوابا بعينه يبدو أنه هو الذي صار غالبا على غيره عند الساسة ومسيّري الشأن العامّ منذ بضع سنوات، وهو ذلك الذي يمكن أن نسمّيه بـ”الحلّ التكنوقراطي”.
تكاثُر أنصار هذا الحلّ ورسوخُه كمسلمة في المجتمع له أسباب عديدة، أحدها “الانبهار” بالطفرة الرقمية التي عرفها العالم في الفترة الأخيرة، بعد الطفرة الميكانيكية في القرن الثامن عشر والتكنولوجية والمعلومية في القرن العشرين، وهي الطفرة التي تلقيناها بقوة ودون تدرج في السنوات القليلة الأخيرة مع ثورة المعلوميات والاتصال وما نتج عنها من لواحق وتغيرات في مفاهيم المادة والزمان والمكان والحياة، حيث تحوّلت الكثافة الوجودية والسمك المادي إلى شفافية والتماعات ضوئية، وتحول البعد الجغرافي والتباين الثقافي إلى “قرب” وسائطي و”عسكرة” ثقافية.
لا يعبّر هذا الرأي عن نفسه بشكل مباشر دائما، بل يأتي ثانويا خلف دثارات الخطاب السياسي العربي، مع أن هذا لا ينفي وجود دعاة مباشرين له، خصوصا في خطابات “الخبراء” والاقتصاديين والمسؤولين الكبار ذوي التكوين التقني المحض.
إن شئنا الاختصار فيمكننا أن نلخص عناصر هذا الرأي في جملة واحدة هي :
“لا يمكن إدراك سبيل التقدم وامتلاك روح العصر إلا بمواكبة التطور التكنولوجي للدول الغربية. وهذه المواكبة لا تتأتى إلا باستجلاب واستيراد منتجات الثورة المعاصرة، والتزود ما أمكن بخيراتها وتعلم سبل التحكم فيها”. مفاد هذا الرأي، إن شئنا التبسيط هو أن استيراد الحاسوب والأنترنيت وأجهزة اللقط الهوائية ووسائل الاتصال المتطورة وتعميم هذه الواردات، من شأنه أن يجعل منا مجتمعا للإعلام والمعرفة، أي أن يجعل منا مجتمعا متطورا منخرطا في عصره، أما الزوائد الأخلاقية والفلسفية والنظرية، فلا قيمة لها.
ما نسعى إلى تبيانه في هذا المقال هو أنّ اختيارا كهذا، ولنسمه بالاختيار التكنوقراطي؛ خاطئ تماما، وهو في أقل الأحوال ساذج، وذلك لأسباب عديدة، نجمل أهمها كالتالي :
أن باعثه تبسيطي، سيكولوجي أصله الانبهار.
أنه اختيار، وبسبب من هذا التبسيط، كمي في نظرته.
أنه يقلب النتيجة سببا والسبب نتيجة.
أنه حليف في عمقه للأصوليات الدينية.
{{الحداثة والتحديث :}}
يميز الفلاسفة وعلماء الاجتماع المشتغلون بالعالم الحديث بين أمرين أساسيين : الحداثة “”modernité، بوصفها جملة التحولات الفكرية والمفاهيمية التي دخلت فيها أوروبا منذ ما ينيف على ثلاثة قرون؛ والتحديث ((modernisation بوصفه جملة الآثار والنتائج التاريخية العملية الملموسة التي واكبت ونتجت عن القطائع الفكرية والفلسفية التي سمّيناها بالحداثة؛ وهي النتائج التي تحولت فيما بعد إلى دينامية عملية مستقلة عن المجال الفكري والفلسفي الّذي أنتجها، فصار التحديث بذلك نموذجا تنمويا مستقلا تستورده مختلف المجتمعات حتى تلك التي تأسست في العمق على قيم ثقافية وسياسية تناهض قيم الحداثة.
وهكذا فقد كان التحديث تاليا على الحداثة، بل إنه لم يكن ممكنا دون الحداثة (1)، إذ إن مباشرة الطبيعة بعرائكها المادية، وتوجيهها صوب إرضاء احتياجات الإنسان ونزوعاته، والنفوذ إلى مغالق الأرض وأعماق البحر وسموق السماء، ما كان ليتحقق لو لم تحدث ثورات وانقلابات في مفهوم الطبيعة والعلم والله والإنسان؛ لم يكن ذلك ممكنا دون أن تتحول النظرة إلى الإنسان (حسب ما يقول هيدغر) من مجرد مخلوق في جملة المخلوقات، إلى “ذات” “sujet” تستحوذ على العالم وتحرضه (2)، ودون أن يتحوّل العالم من مجال غامض خاضع لقوى وأفعال سحرية وغيبية، إلى “موضوع” objet متمثل متحرر من الطابع الغيبي ( (désenchanté 3. بعبارة مختصرة لم يكن ذلك ممكنا دون أن يحرّر غاليلي أشياء الطبيعة من “اقتصاد” السحر إلى اقتصاد القياس والهندسة، ودون أن يحوّل ديكارت الإنسان من مخلوق مسخر إلى مفكر، والعالم إلى موضوع لهذا التفكير، ودون أن يحول لوثر الدين من مجرد خضوع لـ”سماحة البابا”، وتوسّل برجالات الكنيسة القابضين بمفاتيح الغيب، إلى نزعة ثورية ((protestantisme (4) واجتهاد يقاس فيه مدى الإيمان بمدى النجاح، على ما يقول فيبر.
كنت دائما أطرح على نفسي سؤالا، عن سبب فشل النماذج التحديثية التي عرفتها مجموعة من دول الجنوب (من حركة الإصلاحات التي عمل على إدخالها محمد علي في مصر “النهضة” إلى مصر الناصرية وجزائر التصنيع في عهد بومدين)، وعن السبب الذي يصوّغ تعايش تلك المتناقضات الصارخة في الدول النفطية مثلا، بين أحدث المنتجات التكنولوجية وأكثرها ثورية، وبين أشد الاختيارات الثقافية تخلفا ورجعية؛ وعن السبب الذي يجعل طالبا بإحدى تلك الدول، درس في أعتد الجامعات الأمريكية وتخرج بشهادة هندسة معلوميات مثلا، يحيا، عندما يعود إلى بلاده، بنفس قيم أبيه وجده اللذين عاشا في مجتمع قبلي رعوي في ظل ثقافة سلفية، وعن السبب الذي يصوغ ذلك التعايش الغريب الذي نجده في دولة كالهند مثلا – والتي تعد قوة نووية تتوفر على أكبر نسبة للمهندسين التقنيين في العالم- وبين أكثر المعتقدات الدينية إغراقا في الخرافة والغنوص، وأشد أشكال الفقر والمرض فتكا؛ وعن السبب الذي يبرر تلك المفارقة المخيفة بين “المشروع الإيديولوجي” لجماعة تحيا خارج التاريخ في زمن “حجري” قيميا وفكريا، كمنظمة القاعدة، وبين توفرها على طاقات ومهارات و”أدمغة” عبقرية في مجال ترويض أعتد أدوات الزمن التكنولوجي الرقمي (حواسيب، طائرات نفاثة، شبكة معلومية مالية معقدة…).
أعتقد أنني أستطيع من خلال ما قدمته في هذه الورقة أن أوفر بعض عناصر الجواب : ليس للحاسوب جنسية ولا ثقافة ولا قناعة، ليست له “فلسفة” قبلية، لهذا فهو قابل لأن يستخدم بغاية الحداثة كما يمكن أن يستخدم ضدها، الحاسوب لا ينتج الأفكار بل هو نتاج للأفكار، وهو ما يعني أنه لن يكون كافيا لنا، حتى نلج عالم الحداثة أن نكتفي بالتحديث؛ لن يكون كافيا أن نستورد تقنيات الغرب حتى ننهض نهضة الغرب، لأن المشكلة في “الأذهان” وليس في “الأعيان” كما قال القدماء.
أمر بديهي ؟
كم من البداهات ينبغي أن نكرر حتى لا ننسى.
{{الهوامش:}}
1– أنظر تفصيل هذا الأمر في نص “هابرماس” : “الخطاب الفلسفي للحداثة” خصوصا الفصل الأول والفصل الثاني عشر.
HABERMAS, Jürgen : ]1988[, Le discours philosophique de la modernité, Gallimard.
2 – HEIDEGGER, Martin : ]1962[, Chemins qui ne mènent nulle part, Gallimard, Paris, P. 323.
Essais et conférence : ]1958[, La question de la technique, Gallimard, P. 20 – 27 .
3 – TOURAINE, Alain : ]1992[, Critique de la modernité, fayard, pp. 45 – 46.
4 – WEBER, Max : ]1967[, L’éthique protestante et l’esprit du capitalisme, traduction française, Plon.
الترجمة العربية، محمد علي مقلد – مراجعة : جورج أبي صالح – مركز الإنماء القومي، بيروت 1988
