الدورة الأربعون لمعرض القاهرة للكتاب: تقدم للكتب الدينية وتراجع الكتب العلمانية

ينتهي اليوم معرض القاهرة للكتاب، دون أن يحقق أي تقدم على صعيد مضمون الكتاب ونسبة البيع. ورغم أن معظم الآراء اتفقت على التقدم الذي طرأ على شكل عرض الكتاب ونوعية الخدمات المقدمة للزائر، إلا أن ذلك لم يترافق مع تقدم في أعداد الزوار ولا في نوعية الكتاب الذي يشترونه.

وكان ملموسا في هذا العام تقدم بيع الجملة على حساب بيع المفرق. وذكر ناشرون للصحافة هذه الزيادة كانت متوقعة بفضل افتتاح مكتبات جديدة تقدم خدماتها للجمهور بنظام «book shop coffe» في أرقى أحياء العاصمة المصرية.


وقالت جريدة الحياة اللندنية أن 742 ناشراً شاركوا في هذه الدورة يمثلون 28 دولة عربية وأجنبية. وسيطرت ثلاث احتفاليات على أجندة النشاط الثقافي للمعرض التي جاءت تقليدية وباهتة، كان في مقدمها الاحتفالية بمئوية جامعة القاهرة التي أنشئت عام 1908، وتضمنت ندوات ولقاءات فكرية وعلمية حول دور الجامعة الأم عبر مئة عام. كما تم الاحتفال بمرور مئة عام على تأسيس كلية الفنون الجميلة ومئة عام على ظهور السينما المصرية. واختير اسم سهير القلماوي لتكون شخصية العام في المعرض، إذ خصص محور من الندوات حول دورها الثقافي بصفتها رئيسة أول معرض للكتاب أقيم في القاهرة عام 1969. وأجمع المشاركون على ضرورة الاهتمام بالتراث العلمي الذي تركته القلماوي، إذ تقرر إصدار طبعات شعبية من أعمالها من خلال هيئة الكتاب المنظمة للمعرض، كما دعا جابر عصفور وحسين نصار إلى نشر مراسلات الراحلة مع أستاذها طه حسين.

 
وشارك في الندوات التي خصصت للاحتفال بمئوية الجامعة المصرية، كتاب ومفكرون، أبرزهم حسن حنفي، لتمثل مناسبة مهمة للإعلان عن تراجع مستوى التعليم الجامعي في مصر والدعوة إلى وقف التدخلات الأمنية في الجامعات، فضلاً عن الإشارة إلى العجز عن تخريج أساتذة بحجم الجيل الأول من مؤسسي الجامعة أمثال أحمد لطفي السيد وطه حسين ومصطفى عبد الرازق، كما تناولت ندوات أخرى دور الجامعة المصرية عربياً وتأثيرها في دوائر النخب الحاكمة.


وكالعادة في السنوات الأخيرة في معرض الكتاب في القاهرة، تصدرت الكتب الدينية قائمة المبيعات، وشهدت المحاضرة التي ألقاها الداعية السعودي الدكتور عائض القرني عن كتابه الشهير «لا تحزن» حضوراً جماهيرياً حاشداً، كان صدى للأرقام التي تؤكد أن هذا الكتاب هو الأكثر مبيعاً على الإطلاق في الدول العربية، فقد بيع منه حتى الآن أكثر من مليوني نسخة، وبيع منه في مصر وحدها أكثر من نصف مليون وفقاً للحملة الترويجية التي صاحبت الإعلان عن المحاضرة التي أثارت الجدل في أوساط المثقفين المصريين، واعتبرها البعض عودة إلى تقليد كرسه المعرض في دوراته السابقة بتقديم «الدعاة ورجال الدين المحافظين» على رغم الطابع المدني للمناسبة. ودافعت الهيئة المنظمة للمعرض عبر تصريحات وحيد عبدالمجيد نائب رئيس الهيئة بالقول إن «مشاركة القرني جاءت ضمن فعاليات البرنامج الثقافي الذي تنظمه الملحقية الثقافية السعودية في المعرض، وبالتالي فهي مشاركة خارج البرنامج الرسمي الذي أعدته الهيئة المنظمة».


وفي المقابل بدا واضحاً أن مصر تشهد غياباً للكتابات التي تعالج موضوعات فكرية شائكة تصطدم مع المعتقد الديني، وهي الظاهرة التي ميزت النشر بين الثمانينات وحتى نهاية التسعينات مع دور نشر مثل «سينا» التي اختفت تماماً عن الساحة، ويبدو واضحاً الرهان على رفع «السقف» في تناول المحرمات الاجتماعية بما يجعل الإبداع الروائي الملعب المثالي لاختبار حدود هذا السقف. لذا طغت على موضوعات الرواية الجديدة قضايا كانت تعد سابقاً من «المحرمات»، بينما تكفلت دور النشر العربية التي تعمل «خارج الحدود» بمهمة الدخول في ساحة «المسكوت عنه» بفضل عملها خارج سطوة الرقابات المركزية للحكومات العربية التي يتغاضى بعضها عن التصدي لهذه المؤلفات ما لم يتلق بلاغات أو تحريضاً.
 

وذكرت صحيفة النهار البيروتية إن الرقابة المصرية “أبت أن يمر معرض القاهرة الدولي للكتاب، من دون أن تترك بصمتها واضحة وثقيلة عليه، فصادرت العديد من الكتب والعناوين، لدور نشر مختلفة، غالبيتها لبنانية. أما العناوين المصادرة فهذه بعضها: “الحياة في مكان آخر”، “خفة الكائن التي لا تحتمل”، و”غراميات مرحة” لميلان كونديرا، الصادرة بالعربية لدى “دار الآداب” البيروتية، الى روايتي “كأنها نائمة” لإلياس خوري، و”مريم الحكايا” لعلوية صبح الصادرتين لدى الدار نفسها، فيما منعت الرقابة أكثر من عشرة عناوين لـ”دار الفارابي”، منها: مذكرات أرنستو تشي غيفارا “أحلامي لا تعرف حدودا”، “الصلاة الاخيرة” لحميد جبريل، “حوار مع الملحدين في التراث” لعصام محفوظ، “خبايا الذاكرة” لإبرهيم عمار، “طائر المئذنة” لعبدالله سعد، “العمارة الغانية” و”الإعمار الموجع” لرهيف فياض، “قبلة يهوذا” لأوبير برولونغو، و”المداعبة” لبروني بونتميلي، فضلاً عن عناوين أخرى عديدة لا تزال محتجزة في صناديق الكتب التي لم تسمح الرقابة بإدخالها من الموانئ!


ورأت الجريدة أن هذه الدورة من معرض القاهرة الدولي للكتاب، هي أسوأ دوراته على الاطلاق، منذ انطلاقته عام 1969 على يد الكاتبة والاكاديمية المصرية سهير القلماوي، التي اختارتها إدارة المعرض شخصية هذه الدورة، ربما للتذكير بالماضي الذي كان لهذه التظاهرة الثقافية المهمة. وقد عبّر الناقد والكاتب المعروف جابر عصفور عن هذه المفارقة، خلال ندوة “سهير القلماوي… عطاء متجدد” التي أقيمت ضمن تظاهرات المعرض، بقوله: “مهما كان مستوى المعرض الآن فلن يبلغ مستوى القلماوي، نظراً الى الجهد الكبير الذي بذلته، حيث كانت حريصة على توفير الكتب والروايات بأسعار زهيدة، وقد كوّنت أنا شخصياً مكتبة من هذا المعرض بجنيهين فقط”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This