الديمقراطية يبنيها الديمقراطيّون
يفتح التساؤل عن وعي الشباب ومدى اهتمامهم بمسألة (الديمقراطية) الباب واسعاً لتناول المشكلات التي يرزح الشباب تحت وطأتها، وتنتج من بين ما تنتج مزاجاً يتّسم بالسلبية واللاّمبالاة والشعور باللاّجدوى والسعي نحو البحث عن خلاص فردي وراء الحدود. لا يمكن والحال هذه الفصل بين الأوضاع المزرية والصعوبات والضغوط التي يعانيها الشباب، وبين قلة أو انعدام الوعي السياسي أولاً ومن ثمّ الاهتمام والمشاركة في السياسة ثانياً من قبل الفئات الشابة، سواء كانت المفاهيم السياسيّة التي سيتبنّونها تصبّ في خانة الديمقراطية وثقافتها (الليبرالية والعلمانية)، أو في خانة التضادّ معها ورفضها (الحركات الدينية، كالإسلام السياسي مثلاً).
يقف الشباب أمام مشكلاتهم حيارى، لا يجدون آفاقاً لحلولٍ ما أو آمالاً قد تعيد إليهم شيئاً من توازنهم المفقود. ذلك التوازن الضروري والذي بدونه نجد من الصعوبة بمكان تشكّل موقفٍ سياسيٍّ واعٍ، بعيد عن الانفعالات الآنيّة والعواطف الظرفية، يضع المشكلات الفردية التي يواجهها الشاب ضمن سياق الأزمات المركّبة التي يعانيها الشباب عموماً، والمرتبطة بشكل منطقي بالأوضاع العامة في البلاد، سواء نتج ذلك الموقف عن التفكير والتأمل الذاتي أو أنّه بسبب التأثر والتفاعل مع نشاط التيارات السياسية والفكرية، الذي تمارسه من خلال وسائل مختلفة لتسويق وجهات نظرها كالإعلام والدعاية.
من هذه النقطة بالذات، أي طريقة تشخيص وتحديد الجذع الأساسي لشجرة المشكلات التي تظلّل الوطن، سترتسم بالتدريج ملامح الحلّ الذي ينشده الشاب ويتبنّاه، وقد يترجم هذا التبنّي بشكل من أشكال النشاط والعمل السياسي.
فلو رأى (زيد) من الشباب أنّ جذر المشكلة يكمن في ابتعاد الناس والحكومات عن "الله" و"الدين" واقتنع بذلك، لوجد ضالّته في الحركات الدينية الأصولية التي تعتقد أنّها تمثّل "صحيح الدين" وتعمل على إحياءه ونشره وتطبيق أحكامه. بالتالي إمّا أنه سيكون من جمهورها "المؤمن" يؤيّدها ويدعو لها بالتوفيق فقط، أو أنّه قد يختار الانخراط في صفوفها والسلوك في طريقها. الطريق الذي يبدأ بالالتزام الديني ـ من المظهر واللباس وممارسة الطقوس والشعائر ـ مروراً بإقناع الآخرين باللين أو بالشدّة، وصولاً إلى تكفير المختلفين معه بالرأي والعقيدة كنتيجة منطقية لكون الدين ـ أيّ دين كان ـ يدّعي امتلاك الحقيقة، وانتهاءً بممارسة "العنف المقدّس" ضد "الأعداء" وهم كل من يختلف معه، أفراداً أو جماعات.
في اعتقادنا أنّ هذه الفئة من الشباب لا مكان عندهم لـ "سؤال الديمقراطية" فهم إمّا رافضون له جملةً وتفصيلاً أو أنّهم انتهوا منه وفنّدوه "فقهيّاً" واختاروا سبيلهم الذي نجزم أنّه يتناقض معها ولن يقود إليها.
بالمقابل نجد شابّاً آخر، وليكن (عمرو) مقتنع بأنّ ما تعانيه البلاد من مشكلات وأزمات، ومن ضمنها قضايا الشباب، ما هي إلا نتيجة حتمية للاستبداد السياسي وغياب الديمقراطية وفساد أنظمة الحكم في البلدان العربية. بالتالي لا سبيل للتخلص من الاستبداد ونتائجه إلا من خلال بناء نظام حكم ديمقراطي. في هذه الحالة سيجد (عمرو) في ما تطرحه الشخصيّات والقوى والأحزاب السياسية المناضلة في سبيل الديمقراطية وحقوق الإنسان تعبيراً عن رأيه، وانسجاماً مع ذلك سيكون من المؤيدين لها، أو قد ينتظم للعمل في صفوفها ويرّوج لأفكارها.
تدفعنا الحالة الثانية (عمرو) للوقوف مليّاً عند حقيقة واقعية في مجتمعاتنا العربية، تشير إلى وجود ثقافة سياسية/اجتماعية تقليديّة موروثة معادية للديمقراطية، وتربّى في ظلّ تلك الثقافة وتشرّب قيمها وأنماطها السلوكيّة حتّى أولئك المنادون بالديمقراطية. حيث تظهر رواسب وبقايا تلك التربية بأشكال عدّة: في السلوك اليومي ضمن العائلة ومع الأصدقاء والناس عموماً، وفي طريقة التعبير عن الآراء أو الكيفية التي يُعامل بها الاختلاف والرأي الآخر، بمعنى آخر: التناقض بين الأقوال والأفعال، بين عالم الأفكار المتخمة بقيم الديمقراطية والعلمانية والمساواة وحقوق الإنسان وحقوق المرأة، وبين السلوك والتطبيق العملي على أرض الواقع والذي يخالف كل تلك القيم. (طبعاً هذا الكلام بلا شك لا يقبل التعميم).
والأمثلة المؤسفة على ما سلف أكثر من أن تحصى، حيث أنّنا نرى أشخاصاً أو جماعاتٍ يثقبون أذنك بالحديث عن الديمقراطية ويؤكّدون على إيمانهم بها، ويستفيضون في شرح نماذجها التطبيقية في العالم، حتّى تكاد تظنّها من اختراعهم؛ لكنّك تكتشف أنّهم غير مستعدّين لمناقشتك أو لسماع رأيك في قضية ما إذا تبيّن أنّه يخالف ما يعتقدون به!
وكثيراً ما نصادف شبّاناً يقولون عن أنفسهم أنّهم "ديمقراطيّون وعلمانيون"، ثم تُفاجأ حين تسمعهم هم ذاتهم يؤكّدون لك أنّ هذا الشعب ـ أو جزء منه ـ "لا تناسبه الديمقراطية ولا يفهم إلاّ بالعصا"!!
وقد تجد شابّاً سيبكي على أوضاع المرأة في مجتمعاتنا عندما لا تستطيع صديقته الخروج معه وقت يشاء، و يلوم أخرى ترفض أن تمارس الجنس قبل الزواج ويتهمّها بالتخلّف؛ ثم يعود إلى المنزل ليضرب أخته إذا سمع من أحد ما أنّها شوهدت برفقة شاب "غريب" في كافيتريا الجامعة مثلاً!
الأمثلة السابقة وغيرها الكثير تجعلنا نقف عند جانبين أساسيّين متداخلين، ويلّخصان إلى حد كبير الخلل الحاصل في تعامل نسبة غير قليلة من الشباب مع مسألة (الديمقراطيّة):
الجانب الأول: يتمثّل بوضوح المفهوم وتسلسل الأفكار الديمقراطيّة ذهنيّاً، أو لنقل التماسك النظري والموضوعية عند تناول مقولات (الديمقراطية) بالنقاش والتحليل، ولكن دون أن تصبح ما يمكن تسميتها (الممارسة الديمقراطية) سمةً عامّة في سلوكهم وتعاملهم اليومي الواقعي.
الجانب الثاني: يتمظهر في أفكار مغلوطة وشعارات مجتزأة من هنا وهناك، لا تستند إلى الموضوعية أو المنطق، وتخلو من أيّ عمق فكري أو طرح منهجي في ذهن صاحبها، مع ادّعائه أنه يحمل "فكراً ديمقراطيّاً". وهؤلاء لا يخفى مدى جهلهم النظري من جهة وتخبّطهم السلوكي من جهة أخرى.
نعود للتأكيد بأن هذا الكلام رغم وجوده إلاّ أنه لا يُعمّم.
بعد ما سلف يبقى سؤالٌ هامّ لا بدّ من طرحه، وهو لا يقتصر على الشباب فقط:
هل يكفي أن يتبنّى الفرد الديمقراطيّة ويعلن إعجابه بمقولاتها وسعيه لتحقيقها ليكون ديمقراطياً فعلاً؟!
نجيب بأنّ تقبّل الفرد للديمقراطية من الناحية الفكرية لا يعني أنّه صار ديمقراطياً، فالإقرار بقناعات وقيم ديمقراطية شيء، وأن يكون الإنسان مستعدّاً نفسيّاً ومقتنعاً بعقله وفكره وبالتالي ترجمة اقتناعه ذاك سلوكيّاً شيء آخر.
بغير أن يرتبط السلوك والأفعال بالقول والأفكار، سنكون مؤمنين بالديمقراطية دون أن نكون ديمقراطيّين!! حينها أيّ ادّعاءٍ ونفاق أكثر من ذلك؟!.
