“الرد على هذه المشاركة”
منذ ما يزيد عن سنة ونصف، كتب أستاذنا عبد السلام بنعبد العالي في موقع الأوان مقالاً رشيقاً اختار له اسماً فرنسيّاً مُعبِّراً [Ça commente->http://www.alawan.org/Ca-commente.html]. في مقاله ذاك تناول الأستاذ بنعبد العالي ما يُكتَب من “تعليقات” على هوامش المقالات المنشورة مميزاً فيها بين تعليقات “المُعَلِّم” الذي يُقيّم الكاتبَ ومقاله مُعدِّداً عليه هفواته ومُقدِّماً له نصائحهُ وإرشاداته، وبين تعليقات “التلميذ” الشاكر المُمتنّ والمُعجب المسحور بما كتب أُستاذه أو شيخه (على طريقة الشيخ والمريد).
وبالفعل، فغالباً ما تتراوح تعليقاتُ المُعلّقين ما بين الكُفر والشُكر، أي الكفر بالكاتب وما كتب، أو شكره والإطراء عليه. إلا أنّنا قد نقع أحياناً على تعليقاتٍ أكثر نضجاً لا تندرج في فئتي الكافرين أو الشاكرين، وما أقصده هُنا أسئلة أولئك المشكّكين في النص والنّاص، في الكتابة والكاتب.
من هذا النمط الأخير من “التعليقات” اكتشفتُ مؤخَّراً حاشيةً نسائيّة مروّسة باسم “ريتا” على هامش نصٍّ أدبيٍّ نُشر لي على صفحات الأوان منذ مدّة بعنوان “مُفارَقات”. بروحٍ شكّاكة في مصداقية الكاتب، وبخيبة أملها في الرجل الشرقيّ تطرح “ريتا” عليّ سؤالين فلسفيين بقدر ما هما شخصيّان:
ـ السؤال الأوّل حول ما إذا كان سلوكي الشخصيّ يتطابق مع فكري.
ـ والسؤال الثاني حول ما إذا كُنتُ تخلّصتُ من عبودية الذهنية الشرقية؟
أعفيتُ نفسي حينها من عبء الإجابة على سؤالين مُزعجين، وتهرّبتُ منهما بالتزام الصمت إلى أن تلقيتُ من جديد رسالةً الكترونيّة من “ريتا” تطلبُ مُجدّداً إجابةً واضحةً وصريحةً على سؤاليها السابقين. وجدتُ حينها أنّ محاولة الإجابة عن إمكانية تطابق السلوك مع الفكر، وعن مدى عبودية الرجل الشرقيّ، تتجاوز الجانب الشخصيّ لديّ، وتطرح سؤالين لهما نكهةٌ فلسفية قد أتشارك مع الآخرين في محاولة التفكير في الإجابة عليهما.
ها أنذا إذن أحاول هنا “الردّ على هذه المشاركة” رافعاً الهامش إلى مستوى المتن أو إلى مستوى النص “الأصليّ”، ومحوِّلاً إجابتي هذه إلى هامشٍ للهامش أو حاشيةٍ للحاشية، فربّما نخطئ كثيراً لو اعتقدنا أنّ الحواشي والهوامش أقلّ أهمّية من المعنى والمبنى.
في محاولة التفكُّر في هذين السؤالين، سأبدأ أوّلاً بالإقرار بأنّ إجابتي الواضحة والصريحة عليهما ستكون بالنفي، فأنا لا يتطابقُ سلوكي مع فكري كما أنني لستُ شرقياً حُرّاً.
قبل محاولة تبرير هذه الإجابة التي قد تبدو لأوّل وهلة صادمة ومتناقضة مع بديهيات الفلسفة والصورة النمطيّة للمثقف، أودُّ أن أُشير إلى مفارقتين اثنتين يتخبط فيهما ذانك السؤالان: المفارقة الأولى هي أنّ مسألتي تطابق السلوك مع الفكر، والشرق مع العبودية تقعان بلا وعي في فخّ التطابق الوهمي والهُوية الزائفة، والتي قد يكون من مهام “التفكير الجديد” أن يكشف عنه ويسعى للتحرّر منه. أما المفارقة الثانية والطريفة فهي أنّ هذين السؤالين اللذين يستقصيان الانسجام والتطابق قد جاءا على هامش نص “مفارقات” الذي أعلنتُ فيه “تناقضي مع ذاتي وإعجابي بما لستُ أنا”.
{{
أولاً في “تطابق” السلوك مع الفكر:}}
إذ أُعترف بأنّ سلوكي لا يتطابق مع فكري، فإنني لا أعني بذلك أبداً أنّ سلوكي يتناقضُ مع فكري أو أنه يسير في منحًى مُعاكِسٍ له، ولكن ما اعترض عليه هنا هو فكرة “التطابق” المستحيلة. إن الفكرة الميتافيزيقيّة حول مثاليّة الفكر أو الفكر المثال، أي الفكر المتعالي تجعل من التحاق السلوك بالفكر أمراً وهميّاً وضرباً من ضروب الخيال. إنّ تعالي الفكر على السلوك يجعل كلا منهما ينتسب إلى عالم مختلف تماماً. ففي حين ينتسب الفكرُ إلى “عالَم المُثُل”، عالم “الفكرة الموجِّهة” (على طريقة كانط)، عالَم ما يجب أن يكون، عالَم المًستحيل، أو عالم الأفكار القبلية على السلوك والمتعالية عليه، فإن السلوكَ ينتسب إلى عالم الواقع، عالم ما هو كائن أو عالَم المُمكِن. بفصلها للفكر عن السلوك ووضعه فوقه، قامت الفلسفة الكلاسيكيّة بتأسيس هرميةٍ أخلاقية تتكون من عالمين اثنين أو من حدّين متقابلين: عالَم علويّ مثالي تكوّنه الأفكار الهادية و”الموجِّهة” للسلوك، وعالم السلوك الناقص والساعي للاكتمال من خلال الاحتذاء والتمثل بالفكر “المُوجّه”، أي الفكر المُطلق. من الصحيح أن تلك الهرمية الميتافيزيقيّة تحثُ السلوك على محاولة الارتقاء بنفسه إلى مستوى الفكر والتشبه به، إلا أنها تجعله في النهاية كالطفل الذي يحاول أن يطال القمر بقبضة يده. وبقدر ما يقوم الفكر المتعالي على السلوك بدورٍ إيجابيّ في حث السلوك وتحفيزه على تجاوز نفسه والارتقاء بذاته، قد يقوم أيضاً بدورٍ سلبيٍّ بتحويل نفسه إلى صنمٍ من الأصنام المعبودة والمؤلّهة التي على السلوك أن يؤمن بها ويَخضع لها ويستمد قيمته منها.
إن الفكر الخارج عن السلوك والمتعالي عليه هو عالَم الإلزام والإكراه والإخضاع والفرض من فوق مثله مثل الأنا الأعلى أو السُّلطة أو الضمير أو الله.
لتفكيك هذه الهرميّة الميتافيزيقيّة المتحيزة التي تعلي من شأن الفكر على حساب السلوك، أي من شأن ما يجب أن يكون على ما هو كائن، يُهاب بالسلوك أن يكون فضاء الحريّة والانعتاق، وميدان التحرُّر والعصيان والتمرد والمقاومة الذي يُمكِّن الإنسان من تحطيم أصنامه وتفكيك نماذجه والكفر بآلهته وخيانة عقائده. ليس على السلوك أن يعبد النماذج الجاهزة والأفكار القبليّة أو المُتعالية فيقدّم لها كل فروض الولاء والطاعة، بل عليه دائماً أن يُسائلها ويُلغّمها بالشكوك والأسئلة ليكشف فيها عن الإكراه والقمع حتى ولو كانت شعاراتها هي الحرية والعدالة والحق والخير والجمال. على السلوك أن يفضح كيف يمارس فكرُ الحريّة الإكراهَ والاستعبادَ وكيف تتحول العدالة القائمة على مفهومٍ متعالٍ إلى تجاوزٍ وتعدٍّ وتمايزٍ وظُلم، وكيف يُمارَسُ الشرّ تحت شعار الخير، وكيف يصير الجمال مبتذلاً إذا ما تحنّط في صورةٍ نمطية تُحاكم الذوق وتفرض عليه معاييره.
إن التعويل على السلوك لفضح مأزق وتناقض واستبداد الفكر المفارق والمتعالي لا يعني أبداً قلباً بسيطاً للهرمية، بتحويل عاليها سافلها، أو جعلها تقف على “رجليها بعد أن كانت تقف على رأسها”، أي بالطلب من الفكر أن يقيس نفسه على الواقع كما فعل ماركس مع جدل هيغل. لا، لو فعلنا هذا لظللنا أسرى الميتافيزيقا التي تقوم على التقابل بين الحدود. إن المطلوب برأيي هنا هو العمل الدؤوب القائم على الشك والمراجعة الدائمة التي يقيس فيها السلوك نفسه على فكرٍ سائلٍ غير مُتحجّر وغير متعال لا يُكبّل السلوك ولا يُجبر قطاره على أن يسير على سكةٍ ثابتة إجبارية مرسومةٍ له مسبقاً. لعل الأجدر بنا أن نتوقف عن مطابقة الفكر مع السلوك أو العكس بأن نشدّ كلّا منهما عنوةً إلى الآخر، بل إن الحري بنا ربما هو التفكير بمفهوم حوارية “محايثة” تسمح لكلٍ منهما بتفكيك الآخر وفتحه على آفاقٍ جديدة غير منتظرة أو غير متوقعة.
إذن ليس على السلوك أن يتطابق مع الفكر، وإنما عليه أن يلزمه بمراجعة نفسه للتحرر من أوهامه وأصنامه المفروضة عليه من فوق. بهذا المعنى الذي أتبناه يصبح السلوكُ معارضةً تتصدى لهيمنة الفكر المتسلط أو لسلطة الفكر أو لفكر السلطة. أحاول إذن أن أجعل من السلوك والفكر صديقين لدودين أو عدوين حميمين يعملان يداً بيداً ويتقدمان خطوة بخطوة، فهما الجوادان اللذان يقودان عربةً واحدةً بعد أن ارتبط مصيرهما معاً بفتح أفقٍ جديدٍ على التجديد والتحرُّر، وبعد أن رفضا أسطورة النماذج الجاهزة والقيم الكونية مطلقة الصدق والبدائل مسبقة الصنع.
{{في عبودية الرجل الشرقيّ:}}
تستقي فكرة عبودية الرجل الشرقي من نفس منبع التطابق الميتافيزيقيّ الذي نُسجَ منه شرك وأحبولة تطابق السلوك مع الفكر. إنها تقوم مرّةً أُخرى على مفهومٍ ميتافيزيقي يقيم حالة مماهاة أو مطابقة بين أن يكون المرء شرقياً وأن يكون عبداً. يوحي السؤال: “هل تخلصتَ من عبودية الذهنية الشرقية؟” كما لو أن الشرقيّ هو عبدٌ بالضرورة أو كأن الذهنية الشرقية هي ذهنية العبيد. مرّةً أُخرى ووفقاً لهذا المنطق الميتافيزيقيّ تتحوِّل المفاهيم إلى حدودٍ أنطولوجيّة ثابتة متطابقة أو ماهوية، في حين أن الحريّ بنا هو البحث عن فوارقها وتمايزاتها وتخارجاتها لا عن تأبيدها في مفاهيم ثابتة لا تتغير. وقد يكون لإحساسنا بأننا ننتمي إلى هوية العبيد عقدة نقصٍ أو مازوخية فكرية لا تقل خطورةً عن مقابلها الانطولوجي المعكوس القائم على عقدة العظمة الذي يجعل منّا “خير أمةٍ أُخرِجت للناس”. إن تلك الصياغة التي تقرن “الذهنية” الشرقية بالعبودية تجعل من الشرق أحد عوالم العبودية وتعطيه هوية مطلقة هي هوية “شرقٍ عبد”. إنها تجعل من هذا الأخير مفهوماً خاضعاً لمفهوم العبودية، محتوياً فيه بل ويُحيل إليه بالضرورة. مرّةً أُخرى يحل هنا مفهوم التطابق والاحتواء والجمع والتكامل مكان التغاير والاختلاف والانفصال.
انطلاقاً من “منطق الانفصال” هذا الذي لا يسعى للبحث عن هوية وإنما يحاول التفلُّت منها ليعمل على تجديد نفسه وتجاوزها، يكون من الأجدر بي أن أُعيد صياغة إجابتي على النحو التالي: لا، أنا لستُ شرقيّاً حُرَّاً ولكنني أحاول ألا أكون شرقياً عبداً. برفضي لأن أكون شرقياً حُرّاً أُمارس فعل السلب التحرّريّ مرتين، أولاً في رفضي التماهي والتوحد والتطابق مع الهوية الشرقية وثانياً في رفضي للحرية بوصفها مفهوماً قائماً بذاته يُحدِّدُ التحرُّر ويكبله. في حين أن الصياغة الأُخرى التي أسعى بمقتضاها “ألا أكون شرقياً عبداً” تسمح لي بمحاولة التهرب من فخ التحنيط والقوالب الجاهزة والهويات الراكدة. أن أكون شرقيّاً حُراً يعني أن أتماهى مع هويتين اثنتين الأولى هي الهوية الشرقيّة والثانية هي الحُرية بوصفها فكرة قائمة بذاتها. فلو قبلتُ بأنني شرقيّ الهُوية فإن هذا يعني العمل على التماهي والتّوحد مع هذه الهويّة وصيانتها وتنقيتها من كل ما يشوبها وهذا ما لا أسعى إليه. وأن أسعى لأن أكون حُرَّاً يعني أن أقبل بمفهوم للحرية خارج عني يلزمني بمعاييره ويحبسني في مقولاته. وبما أن الحُريّة كما أفهمها ليست هدفاً يمكن الوصول إليه يوماً ما وإنما هي حالة سلبٍ دائم وتجاوزٍ مُستمر وسيلان متحرِّك لا يهدأ، فعلينا إذن أن نواجه خدعة الحُرية المتعالية ذات المقولات الجاهزة والقبلية المُطلقة بفكرة التحرُّر والانعتاق. يقوم فعل التحرُّر الذي أقصده هنا في مقابل الحريّة بما يقوم به السلوك إزاء الفكر فهو ليس في النهاية سوى فعل شكٍ وخيانة وفضحٍ وتجاوز. علينا أن نحذر دائماً من أن نُأسر في “سجن الحرية” وأن نسعى دائماً لتكسير أقفاله عبر فعل التحرُّر الدائم والمستمر.
{{اعترافات:}}
وبما أن هذين السؤالين الفلسفين هما سؤالان شخصيّان في الأساس، ولكي لا أًتهم بأنني أتهرّب من الإجابة الشخصية عبر التجريد والتعميم فإني اعترف:
لستُ خجولاً بكوني شرقيّا في جزءٍ من ثقافتي وتكويني، فليس الشرقيّ سبّة أو تهمة بالمطلق، أنا من الشرق ولا أخجل. ولدت في هذا الشرق المتقلب المتغير بحلوه ومرِّه، بسحره الأخاذ حيناً وظلامه الحالك حيناً آخر. نعم، أنا من بلاد ألف ليلة وليلة وأنا من أرض حكايا شهرزاد الساحرة، ولكنني أيضاً من بلاد شهريار السفّاح. أنتمي لحضارة ابن رشد التنويريّ واعترف أن هذه الحضارة قد أنجبت هي نفسها كل هؤلاء المسوخ وكائنات الكهوف الذين يدعوننا إلى الموت والإعراض عن الحياة. أنا من حضارة عمر بن عبد العزيز، ولكنني أنتمي أيضاً وللأسف إلى “حضارة” كل هؤلاء القتلة ومصاصي الدماء وجنرالات الحرب. لستُ خجولاً من كوني ولدتُ عربيّاً، وليست عندي عُقدة النقص من تاريخ العرب بكل سوداويته وظلامه وانتصاراته وأمجاده. نحتاج أن نتخلّص من عقدة النقص والإحساس بالعار لكوننا ولدنا عرباً أو شرقيين، دون أن يعني هذا أن نعتز بتخلفنا وبعصبيتنا البدويّة وبشهريارينا ودكتاتوريتنا ودون أن نتمترس في هوياتنا وننغلق عليها. لا يُضايقني إذن أن أكون شرقياً أو عربياً ولا أشعر بالخجل من ذلك، ولكنني لا أشعر بالمقابل بأن هذه الهويات هي نِعَمٌ أُحسدُ عليها وأكتفي بها على ما هي عليه. ليس عليّ أبداً أن أتمترس في الدوائر والانتماءات التي وجدتُ نفسي بها فأنغلق عليها وأتشرنق داخلها، بل أن أعمل على إثرائها بمحاولة تجاوزها والانفلات من ندائها الساحر اللذيذ. إن التحرُّر من هذه الانتماءات لا يعني رفضها لقبول غيرها وإنما محاولة تجديدها وفتحها على ما سيأتي، على الحداثة والجدة والانفتاح والمفاجآت والدهشة. إني إذ أسعى إلى تجاوز ما يكوِّنني، فإن ذلك لا يعني أبداً إحساساً بالعار أو خجلاً من انتماءاتٍ وجدتُ نفسي فيها، وإنما هو فعل انعتاقٍ من كل ما يمكن أن يقيدني ويحد حريتي ويأسرني في سجونه أو أقفاصه حتى ولو كانت ذهبيّة. وإذا ما كان التحرُّر هو فعل مقاومة فلا بدّ من أن هذا يعني مقاومةً لأشياء حقيقيّة موجودة ومتأصلة فيّ تشدّني إليها وتدفعني لأن أتمسك بها على طريقة التثبيت اللبيدي والعودة للرحم. ما أسعى إليه شخصياً هو تحطيم كل قيودي ودكّ كل هذه الجدران المرئية وغير المرئية، وتمزيق كل الهويات التي تريد أن تخيّم عليَ ليتسنّى لي في النهاية أن أركض حافياً في العراء، وأن أرقص عارياً تحت المطر ما استطعتُ إلى ذلك سبيلا.
أبحثُ عمّا يخلخل المعتقدات الراسخة وعمّا يذيب الأفكار القارّة. أشعر بلذّة غريبة في إيقاظ النائمين (وقد أكون أوّلهم) وتذكير الغافلين عن الحياة بجدوى الحياة. لا تقوم علاقتي مع الشرق الذي جئتُ منه أو مع الغرب الذي أعيش فيه “الآن” على ما يكوّنني ويربطني بهذين العالمين، بل على العكس تقوم علاقتي معهما بما يفصلني عنهما وما يغرِّبني فيهما. لم أُدركُ أبعادي الجسدية والنفسية كعربيّ إلا في الغرب وكم أشتاق لهذا الأخير وأنا في الشرق. أنا مشروعٌ تناقض دائم وقلقٌ يرفض النماذج والهويات والمكونات، ليس لأنها زائفة، بل لشدة تمترسها فيَّ وحضورها في وعيي. إن فعل التحرُّر ليس فعل تنكُّر أو تبرُّؤ أو تنصُّل بقدر ما هو فعل تجاوز وإثراء وغنى. لا أعيشُ حالياً في الغرب لأنني أبحثُ عن هويّةٍ جديدة أو أتوسل حداثةً مستوردة ومُصنَّعة في الخارج أو مكتوب عليها ميد إن ذي وست، ولكنه نوعٌ من الإقامة المؤقتة والرحيل الدائم في هذه الأوديسة الملحمية القصيرة التي اسمها الحياة.
أؤثر الرحيل والتنقل على الاستقرار والركود، مدركاً أن أكبر مصيبة تعرض لها عوليس تمثَّلت في عودته إلى إيثاكا واستقراره في أحضان بينلوب وتخليه عن نداء البحر. أنا الهارب من أصولي والباحث عن أُفقٍ جديد ولعل هذا القلق الداخلي هو ما يفسر ولعي بالرحيل أوكأن لسان حالي ما قاله المتنبي يوماً “على قلقٍ كأن الريح تحتي أوجهها يمينا أو شمالا”. أرحل ثم “أحنُ إلى خبز أُمي” وإلى كل النساء اللواتي هجرنني بعد أن لقنني درساً في الحبّ والأمومة. أسكن مدينةً ما وحين أشعر أنها سكنتني واستوطنتني أشد رحالي عنها إلى أُفقٍ جديد، ويبدو أن نداء الرحيل الذي يعتري البدوي لا يزال أصيلاً لديّ رغم تحدثي وتعصرني.
أعلم تماماً مدى محدوديتي وسرعة زيارتي إلى هذا العالَم كما أُدرك مدى قصر الحياة. أعي تناهيّ وزوالي ﻓ”من أنا لأُخيّب ظنّ العدم”. أُراقب بعجز دولاب مطحنة الزمن وهو يخبز الحضارات ثم يحيلها أثراً بعد عين ويُسقط الممالك العامرة ويمحو وجودنا الآني والعابر الطارئ الزائل بجرة قلم ويجعله نسياً منسياً. أدور على نفسي في زوبعة الزمن العظيمة التي لا تُبقي ولا تذر. أعرف أن بطاقة إقامتي في الحياة ستنتهي سريعاً، وأنني لا أمتلك سوى ﭬيزا مؤقتة للزيارة، مثلي مثل كل الأسماء والأشخاص آتي وأمضي كوميض البرق. إنه الزمن ماكينة الوجود والعدم الذي يُذكِّرني دائماً بسرعة رحيلي وتلاشيَّ. لا أؤمن بحياةٍ أُخرى وأُدرك أن وجودي، مثل وجود أيّ موجودٍ آخر، هو فريدٌ ووحيدٌ. أنظر للعالمِ بعين السائح، وككل السياح أملأ عيني بأشياء يسرقها الزمن سريعاً من بين يديّ وأفتح رئتيّ ملياً لأعُبَ الهواء العابر والمسافر. أنا إذن تلك اللحظة الهاربة جئتُ لهذا العالَم لأوقِّع اختلافي وأرحل…
