الرقابة بوجوهها وأقنعتها المختلفة (19) رقابة ” الآخر ” فيّ ، بدلا من الرقابة الذاتية


سبق لموقع الأوان أن فتح ملفّ الرقابة منذ فترة غير بعيدة، وأظنّ هذا الملفّ غير قابل للإغلاق، فالمعاناة مع الرقابة مستمرّة، في ظلّ الأنظمة العربية  والعقليات العربية السائدة في الشارع والبيت العربيين، وفي كلّ خليّة من العالم العربيّ.

وأنا لا أريد الدخول في موضوع الرقيب، الذي بات يعرف القاصي والداني، العلاقة المتنافرة بينه وبين الكاتب.

ومن المعروف أنه مثلا في سورية، بلدي، فإنّه يستحيل نشر أيّ كتاب قبل الحصول على الموافقة المسبقة من الجهات المختصّة بهذا النشر. وإلا فإنّ الكتاب يعتبر غير شرعيّ، وقابل للمصادرة، إضافة لتبعات أخرى تلحق بالكاتب والناشر معا.

وأنا شخصيا عانيت من تجربة مريرة وعقيمة مع الرقابة، ولا أدّعي أنّ تجربة غيري من السوريين  قد تكون أقلّ مرارة. إذ أنّ مجموعتي الأولى رفضت رقابيا. ومع أني أفهم سبب رفضها ولا أقبله، فقد كانت نصوصا ” إيروتيكية “. إلا أنّ ذلك الرفض الرقابي سبّب لي إحباطا كبيرا، لأنّي كنت على عتبة نشاطي الأدبي، وكان نشر كتاب يعني لي أمرا كثيرا، آنذاك.

وقد بالغت الرقابة السياسية بتضييق الخناق على النشر، إلى أنها افترضت شكلا جديدا، لم يكن معروفا في سورية، بالنسبة لمرحلتي أنا على الأقلّ، وهو اشتراطها الموافقات الأمنية، حتى بعد صدور الموافقات الرسمية من الرقابة التابعة لوزارة الإعلام، كان على دور النشر، في حلب، المدينة التي كنت أقيم فيها،  الحصول على موافقات النشر من دوائر الأمن السياسي، وطالما استدعي الناشرون، على قلّتهم  في حلب، للتقيّد بهذه الإجراءات.

المهم أني لا أريد التوسع في هذا، لأنه صار معروفا، ولأن سمعة الرقيب باتت أكثر من وسخة. بينما أريد التحدث عن تجربة مختلفة خاصة بي. إذ أني في أوربا، ورغم الحجم الهائل من الحريات المتاحة أمامي، فإني أشعر بالخجل من نفسي، كلما وجدتني محصورة في ” خانة اليك “، حيث يمدّ رأس الرقيب المنتدب بداخلي رأسه، ويمقتني بنظرات تشلّ تفكيري.

من هنا، أردت الكتابة عن ” الرقابة الذاتية “، وأنا أمقت هذه الكلمة، لعلي أتقاسم مع القارئ هذا العار، ولعلني أخرج، حين أفضح نفسي، من عاري.

الرقابة الذاتية، هي أن يتطوّع أحدنا ليصبح ” عميلا ” للآخر. ها أنا، أفقد حرصي على نقائي الأدبيّ، وباسم التمعّن والتفكير أجدني متطوعة لتنفيذ مهامّ الرقيب، التي بدأها في جغرافيا وتاريخ مختلفين، لأمارسها أنا على ذاتي، في جغرافيا وتاريخ آخرين.

حين يكون الرقيب خارجيا، يسهل الأمر، نعانده، نعارضه، نتظاهر ضدّه، نشتمه، نسخر منه، نحتقره …. نفعل به كلّ شيء، لكسر سلطته، ولكن، حين يكون هذا الرقيب هو ” الأنا “، التي تنهض بأسماء مختلفة، لتشلّ تقدّمنا، مرّة باسم السوية الفكرية للعمل، ومرة باسم الضرورة الفنية، ومرات أكثر تحت مسمّيات أخرى.

لم أكن أتصور يوما، أني  سأطرح على نفسي السؤال التالي: “ماذا سيكون موقف أولاد عائلتي، لو حدّثهم أحد عن هذا النص؟ “.

بما أن العلاقة بين وبين أهلي، كانت موسومة بالتمرد من طرفي، ففعلت كل ما لا يجب فعله، من وجهة نظرهم، حتى أن مجموعتي الإيروتيكية المرفوضة رقابيا، أنجزتها حين كنت لا أزال في الجامعة، وحين نشرت ” عروس الأصابع ” في مجلة الناقد، وهي أحد نصوص هذه المجموعة، قامت حلب عليّ بمثقفيها ورجالها، ما بين سخرية وانتقاد ولوم ونصح … إلا أني كنت مستمرة في معركتي.

أما اليوم، وأنا في فرنسا، وأرى يوميا عشرات الكتب التي تتحدث عن ” عُشر” ما أتحدث به، وأعيش على النمط الأوربي، أجدني مترددة أمام إرسال نصّي ” الإيروتيكي ” للنشر في جهة عربية. وأطرح سؤالا، عن أبناء عائلتي، الذين أحبهم، ولا أريد أن يتحملوا نتائج اختياراتي المتجاوزة كثيرا، للبيئة التي ينتمون إليها.

التقيت في هولندا، بسيدة هولندية من أصل عربيّ، وكانت قد حدثتني عن كتابة تجربتها، التي تحمل الكثير من التميز والخبرات النادرة، إلا أنها، كانت توافق على نشرها بالهولندية، وترفض أن يترجم الكتاب إلى العربية، قالت لي وبالحرف ” لا أريد أن أسبّب الألم لإخوتي، ما ذنبهم هم، هذه خياراتي وحريتي، ولكني أختهم، ولا يمكنني أن أسبّب لهم الشعور بالعار ممن حولهم”.

يومها تطوّعت لبسط أفكاري،  وحاضرت فيها عن أهمية المثقف والكاتب، وان تجربتها ملكها هي، … أجدني اليوم، مترددة، في موقف مشابه، أمام نشر نصّ، قد يسيء إلى من أحبهم من أقاربي، حيث لا تفصل العقلية العربية، المرتكزة على مفهوم العشيرة والقبيلة والجماعة … بين الشخص، ودائرته الجمعية.

المخجل، أنني أتشدق وأثرثر وآخذ راحتي طويلا، حين أكتب أو أتحدث لجمهور فرنسي، ولكن الكلمات ذاتها، والتي أفكر بنقلها إلى العربية، تتوقف أمامي، ويقفز من رأسي الشرطي الذي بالغت في استغبائه، ليهز رأسه، باستعلاء، دون كلام، ليقول “لا، ممنوع النشر”.

لا أريد أن يُظنّ أني متأزّمة فقط أمام الكتابة الإيروتيكية، لأنّ الحالة ذاتها أعيشها الآن، أمام ملفّ أكتبه عن العنف، وأسرد فيه تجربتي الخاصة، والتي تحدثت بأجزاء منها، العنف على المرأة، أمام الجمهور الفرنسي، الذي لا يحاكم ولا يحكم، بل يصغي ويحلل. بينما وجدتني بغتة، وأنا أفكر، بعد صدور النص بالعربية، ماذا سيقول عنّي المثقّفون العرب “بعضهم، بل أغلبهم ” ؟ هل ينشر أحد غسيله الوسخ ؟

حين كنت مراهقة، كنت أهمّ بالفضفضة لصديقاتي “أمي ، أبي …”، فتبدأ إحداهن باستعلاء واعتزار مريض بالذات ” لا، أبي لا يفعل هذا، … “، وتقدّم والدها، أو أمها، أو حتى كلب العائلة، على أنهم ملائكة، فأجدني تافهة ورخيصة وحقيرة، لأن أبي مثلا منعني من الذهاب إلى السينما، فأغيّر دفّة الحديث، لأقول ” لا، أقصد أن … “، وأحوّل أهلي، وكلاب العائلة وقططها وعصافيرها، إلى ملائكة، لأنه لا أحد ينشر غسيله الوسخ. فهل وجد الرقيب، بربّكم، مكانا أجمل وأقلّ ترحيبا مما وجده في رأسي، يدّعي أنه، للحفاظ على ماء وجهي، وكرامتي، لا يجب أن أكتب للقارئ العربي، والكاتب المتلصّص الغيور والشامت، الحاكم، المتجبر، المتكبر …. ما أفعله مع الفرنسي.

لقد انتقلت معركتي من مواجهة سطحية مع بيئتي والشرطة الأمّية بالمعنى الفكري، إلى ساحة التخلص من أحكام الشرطة المتقدمة: سلطة المثقفين العارفين، وسلطة الذين نحبهم …وثمة جهات رقابية جديدة، لن يسمح لي حجم المقال، بالتحدث عنها، فهل أنشر غسيلي الوسخ، لتهويته وتنظيفه، أمام القارئ، والكاتب، والناقد، وقريبي و… العربي؟  
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This