الرّسوم “المسيئة للرّسول” (7) يوسف محسن – يوسف سلامة – خالد غزال

                                      


يوسف محسن : تمركز ديني ضد الآخر، وتحريف للصراعات الحقيقية


الأسئلة التي طرحتها هيئة تحرير الأوان لا تعالج مسألة الرسوم الدنماركية وطبيعة الهيجان الإسلامي ، إنها أسئلة أقرب إلى الحقل الإعلامي، ولا تنتمي إلى الحقل السيوسيولوجي العميق الذي يعالج العقدة الملتبسة بين مجتمعات الحداثة ومجتمعات ما قبل الحداثة. وأعني هنا بمفهوم الحداثة. التنوع والاختلاف ووضع المفاهيم والمقولات والسرديات  الكبرى والصغرى والشخصيات الكارزمية تحت حقل التداول النقدي شرط أن يأخذ البعد القيمي مكانة في التاريخ.

فالمسألة ككل ليست (أزمة) بين علامتي تنصيص يمكن حلها عبر توزيع عدد كبير من المصاحف أو تدريس القرآن وإنما صراع بنيات وذهنيات وقوى وتيارات سياسية وتفاوتات اقتصادية وثقافية ومجتمعات كولونيالية وإسلام تخيّلي سياسي وأصوليات وهنا تكمن جذرية المشكلة.


حين نشرت صحيفة بولاندس بوستن في 30 أيلول 2005 رسوما كاريكاتورية، خلقت هذه الرسوم دوامة من العنف وانتشارا واسعا لخطاب الكراهية ضد الغرب، وأدت إلى إدخال العالمين العربي والإسلامي في سيرورة تمركز ديني ضد الآخر، وتحريف للصراعات الحقيقية التي تدور في عالمنا المعاصر، إضافة إلى تهييج هذه المجتمعات والتلاعب بمصيرها التاريخي والجماعي (هيجان إسلامي شرس، وقف التعاملات الاقتصادية. تجميد العقود. مقاطعة البضائع الدنماركية. اقتحام السفارات. حرائق هنا وهناك. تدمير الممتلكات. القتل) كانت أغلبية هذه المظاهرات منظمه بشكل رسمي ومحمية من قبل الشرطة والأمن الوطني للدولة الاستبدادية العربية والإسلامية.


المدخل الأولي (لبحث المشكلة) يتطلب رسم الخطوط العامة للحقل الثقافي للمجتمعات الأوروبية بصدد الخطاب المقدس والزعامات الدينية الكارزمية في تاريخية هذه المجتمعات. حيث أن هذا النظام الثقافي الأوربي وضع الحقل المقدس كله في زوايا معتمة من تاريخه الحديث، نتيجة للتقدم التقني الميتا-صناعي والميراث الفلسفي والفكري الهائل، وبروز العلمانية كفضاء للحراك الاجتماعي والسياسي والفكري، ما أدى إلى الانهيارات المتتالية للخطاب المقدس وتغيير النسق المعرفي لهذه الخطابات.


 وتمت أنسنة  الخطاب المقدس وحذف مرجعياته المافوق – طبيعياتية ، وتحويله إلى مجال الإرث الثقافي، إضافة إلى ما تملكه فئة الانتلجستيا  الأوروبية من رؤية مشوشة وغامضة عن الإسلامية المعاصرة (حيث تم تكوين صور تركيبية من خلال مجموعة من الوقائع التاريخية: “الأنظمة السياسية الاستبدادية التي تتخذ الإسلام آديولوجية سلطوية، أحداث 11 أيلول الكارثية، التهديد المستمر للوجود الأوروبي من قبل التطرف الإسلامي”).


داخل هذا الفضاء الفكري والسياسي والثقافي تم بث الصور الكاريكاتيرية.أما الحقل الثقافي للمجتمعات العربية – الإسلامية فقد تم تأسيس الخطاب المقدس والزعامات الكارزمية كمفهوم هوياتي تداولي يتداخل في مجال العلوم الطبيعية والسحر والنصوص المعرفية والفلسفية وفي حقل الثقافة والمجال الأنطولوجي.


وأصبح التمركز حول المقدس في المجتمعات العربية والإسلامية جزءا من السيرورات البسيكو – اجتماعية لتشكيل الهوية الجماعية ضد الآخر/ الغرب/ أوروبا عندما تتعرض هذه الهوية لإخلالات أو رسوم أو تلاعب بالنصوص المقدسة أو تجديف تشكل هذه العمليات خرقا للهوية الجماعية وتؤدي إلى ردود فعل فورية.


نكتشف نقطة جوهرية :أن المقدس يكمن داخل فضاءات المتخيل التاريخي للجماعات البشرية وليس خارج هذا الفضاء. حيث أن الرسوم الكاريكاتيرية الدنماركية زعزعت الرمزاتية الدينية التي يتعلق بها ملايين المسلمين الفقراء والمهمشين والمحرومين من قبل تاريخ أعمى لا يرحم وحتى لو كان الرسام كما يقول أركون (فعل ذلك في عمل من الخيال الفني أو الأدب فان ذلك لا يغفر له. لقد حشد هذا العمل عن وعي أو غير وعي مجموعة ضخمة من القوى الراغبة في الانتقام ودخل في دوامة المصير التاريخي لهذه المجتمعات).

إضافة إلى أن هذه الهيجانات الإسلامية ذات طبيعة سياسية بحتة أكثر منها دينياً، ومن الضروري تحليل رهانات المعنى السياسي والاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية وكذلك الأنساق الفكرية والتضخم السكاني وانهيار خطط التنمية البشرية التي تعيشها المجتمعات العربية والإسلامية. للوصول إلى العوامل الأساسية المؤدية إلى هذا الهيجان العنيف فهذه التظاهرات ليس موجهة نحو الرسوم وإنما لكون هذه الرسوم أصبحت تمثل الرأسمال الرمزي لكل الاعتداءات والإشكالات والغزوات الفكرية والعسكرية التي تعرضت لها المجتمعات العربية والإسلامية من قبل الغرب وأوربا.


يضاف إلى ذلك طبيعة الدول الوطنية في هذه المجتمعات وهي امتداد للعقلية الاستعمارية القديم التي أدت إلى البؤس والإحباط. والتفاوت الاجتماعي والقمع والاستبداد والتهميش الفاشي وتفاقم اللامساواة والفشل في ولوج عصر الحداثة والحرية والديمقراطية.
حيث أن فتوى الإمام آية الله خميني عام 1989 ضد الكاتب سلمان رشدي تمثل  أول تمظهر للتصادم مع الغرب بسبب روايته (الآيات الشيطانية)، ثم جاء مقتل المخرج السينمائي ثيوفان جورج لتسليطه الضوء بقوة حول مفهوم حرية التعبير عن الرأي داخل المجتمعات الأوروبية.


وكان من الضروري أن يطرح  الغرب والمجتمعات الأوروبية مناقشات جادة حول مشروعية التسفيه الفج  والعنيف لثقافة الآخر ودين الآخر.



خالد غزال :  لم تتجرأ المؤسسة الدينية حتى الآن على القول بأن آيات العنف قد تجاوزها الزمن..

                                                                 
أثارت الرسوم الكاريكاتورية حول النبي محمد في بعض الصحف الغربية انتقادات واسعة في العالمين العربي والاسلامي وصلت في بعض الاحيان الى استخدام العنف من قبل مسلمين لم يتوانوا عن التعدي على الافراد والممتلكات واطلاق تهديدات بقتل رسامين مسؤولين عن الظاهرة.


فتحت الرسوم نقاشا لم ينته حتى اليوم بل ان بعضه مايزال متصاعدا، وطال النقاش موضوعات تتصل بالعلاقة بين الشرق والغرب واطل على الواقع الحضاري المتفاوت بين العالمبن وصولا الى النظرة المختلفة للامور والقيم السائدة وكيفية النظر الى الاسلام في علاقته بالمجتمعات الغربية التي باتت تضم جاليات واسعة من المسلمين.


تطرح الرسوم على المسلمين بشكل رئيسي قراءة الظاهرة والتوقف امام الحقيقي والشكلي فيها، وما حجم استخدام هذا الموضوع في الصراع السياسي سواء الوهمي منه ام الفعلي بين الغرب والعالم العربي والاسلامي.


1-اعتبرت الرسوم بالنسبة لمجموعات اسلامية مسّا برموز مقدسة بالنسبة اليهم خصوصا عندما طالت هذه الرسوم رسولهم ورمز دينهم. تمثّل الرموز في المجتمعات تراثا متجذّرا في طقوس وعادات وتقاليد يعتبر المس بها لدى بعض الشعوب بمثابة “خلخلة” للبنيان الاجتماعي ومسا بالتماسك وتحطيما لقيم سائدة. تكتسب هذه الرموز اهمية كبرى عندما تتصل بالدين والمقدسات التي كرسها على امتداد عقود.


ولان الدين الإسلامي لم يخضع الى عملية اصلاح وفصل بين الشكلي من عادات وطقوس وبين الجوهري المتعلق بالوجه الروحي والانساني والاخلاقي، وبحكم عدم الفرز بين الجانبين واختلاط السياسي والاجتماعي بالديني، تحولت الطقوس والشكليات الى ممثل حقيقي للدين ، وبات المس بها كرموز مسا بالدين نفسه. بهذا المعنى فإن تضخيم شكليات مثل الرسوم واعتبارها معركة ضد المسلمين امر يكشف عن موقع الدين ورموزه في الوجدان الاسلامي، وهو ما يعطي الحق بالاستنكار والرفض بامور يراها المسلمون او بعضهم متناقضة مع قيمهم.


2- قبل وصول العالم الغربي الى مرحلة متقدمة من التطور واجتياح الحداثة بمكوناتها العقلانية وسيادة مفاهيمها خصوصا في الحد من موقع الدين في الحياة السياسية، قبل هذه المرحلة شهد العالم الغربي ما يشبه المعركة الحالية من هجوم على كل من يتعرض لمفاهيم دينية تتناقض مع ما تقرره الكنيسة.


صحيح أن الأمر لم يكن بين مسلمين ومسيحيين بل كان محصورا في الاطار المسيحي، كذلك لم يكن فن الرسوم الكاريكاتورية معروفا آنذاك، الا ان التاريخ الغربي مليئ باضطهاد طال فلاسفة وفنانين وكتابا تعرضوا لما كان شائعا من مقدسات ودفعوا ثمنا غاليا وصل الى حد احراقهم احياء. مما يعني ان ردود الفعل الاسلامية ليست فريدة في بابها، وقد ابدع المسيحيون المتطرفون في الانتقام من كل من حاول المس بطقوسهم الدينية الشكلية.


3- تجاوز العالم الغربي خصوصا الاوروبي منه مسألة الشكليات الدينية بعد ان خاض معركة طويلة ومكلفة جدا من حروب ونزاعات اهلية توجت بتكريس قيم تقوم على تقديس حرية الرأي والتعبير ونقد كل ما كان يعرف بمقدسات ومنها وضع التراث الديني المسيحي على المشرحة واعمال مبضع النقد في كل شيء بدءا من الكتاب المقدس وصولا الى كل ما صدر عن الكنيسة واحبارها. لذا بات النقد للاديان الاخرى مسألة عادية بالنسبة للقيم الغربية طالما ان هذا النقد، بصرف النظر عن الاشكال التي يتخذها، يطال الدين المسيحي من كل جوانبه، فلا حرج بالتالي من تطبيق هذا النقد على الاسلام.

قد يحق لغير الغربي ان يتساءل عما اذا كان السجال والنقد والتعبير والشكل الذي يتخذه يصب في ميدان القراءة الموضوعية ام يتخذ شكلا من السخرية التي تصل حدود الاحتقار والاهانة. في هذا المجال تجدر الاشارة الى ان اهم الدراسات الموضوعية والعلمية والتاريخية حول الاسلام هي المنتجة في الغرب والتي ترجم بعضها الى اللغة العربية.


اذا كان من حق الغرب ان يرفض المس بمقدسات الحرية في التعبير والنقد، وهو امر تفتقده المجتمعات العربية والاسلامية، فإن ما يجري يبدو غير بعيد عن صورة باتت شائعة عن المسلمين بوصفهم خزانا ارهابيا يهدد المجتمعات الاوروبية وقيمها المكرسة. من هنا يصعب فصل الرسوم عن تقديم صورة للمجتمع الغربي عن ان الاسلام يتعارض مع القيم الغربية وان الاساس الذي يستند اليه سواء في نصه الديني الاصلي اي القرآن ام في تراثه الذي يضم الاحاديث النبوية واحكام الفقهاء هو تشريع الاعمال الارهابية التي تنفذها الحركات الاصولية في كل مكان.


3- تثير ردود الفعل الاسلامية اكثر من سؤال يتصل بالهدف الذي ترمي اليه هذه الردود. تعكس الردود مستوى التطور الحضاري للمجتمعات العربية والاسلامية عموما، وهو تطور ما يزال يقيم في التخلف والعجز عن مجابهة الرأي المخالف بالرأي. كان يمكن للمؤسسة الدينية ان تخوض معركة اعلامية تسعى من خلالها الى الفصل بين الغث والسمين والحقيقي والشكلي في الاسلام وتعاليمه، والكشف عن الاهداف العنصرية التي ما تزال تعشش داخل المجتمعات الغربية وان تسّفه هذا الشكل من التحقير للاديان غير المسيحية وان تستحضر التاريخ المسيحي نفسه بما فيه محاكم التفتيش لتبيان حقيقة هذه المجتمعات في مرحلة متقدمة من تاريخها.


لو حصل هذا الامر لامكن احراج الغرب ولبدت الرسوم المسيئة قضية شكلية بامتياز ولا تستحق كل هذا التوتر. لكن ردة الفعل الاسلامية ظلت محكومة بمسألة مركزية ترى ان الدين الحق هو الاسلام وان المسلمين “خير امة اخرجت للناس” و”ان الدين عند الله هو الاسلام”، وهي مبادئ تكرس الكره الاسلامي في العمق لغير المسلم، وتثبت عقدة النقص تجاه الغرب بحيث تتحول الردود العنيفة على الرسوم وكأنها ثأر من الغرب الذي تقدم على العالم الاسلامي وهزمه عسكريا وحضاريا.


إذا كان الغرب مهجوسا بعقدة كون الدين الاسلامي يشرع العنف في نصوصه المقدسة، فان ردود العنف والمبالغة فيها حسمت في وجهة النظر الغربية وكرست ارهابية الاسلام، وهو امر اساء اكثر بكثير للمسلمين من رسوم سخيفة في المضمون والجوهر. ليس من الهيّن ازالة هذه الصورة عن الاسلام من الوجدان الغربي لمدى غير قليل.


4- يتعاطى العالم الاسلامي ومنه العالم العربي مع قضية المحرقة النازية ضد اليهود بمنطلقات خاطئة وغير مفيدة لقضاياهم في الصراع مع اسرائيل والغرب. يجري السعي الى انكار المحرقة او التشكيك في حجم الضحايا اليهود. بصرف النظر عن عدد الضحايا وما اذا كانوا ستة ملايين او مليونا، فان محرقة قد حصلت.


النقاش لا يدور حول هذه المسألة ومن الخطأ حصره بالحصول او الانكار. ان اضطهاد اليهود اوروبي بامتياز، وان المسألة اليهودية مسألة غربية يجب ان يتحمل الغرب نتائجها، وان اضطهاد اليهود لم يكن محصورا بالنازية في القرن العشرين بل يعود الى القرن التاسع عشر خصوصا في روسيا.


النقاش يجب أن يتركز على مسؤولية هذا الغرب الذي صدر المسألة اليهودية الى العالم العربي على حساب الشعب الفلسطيني وسائر الشعوب العربية. هنا المعركة الحقيقية للعالمين العربي والاسلامي. لكن المستغرب ان التوجه الاسلامي والعربي ضمنا يهدف الى تبرئة النازية والتعاطف معها من دون ان يدرك ان النازية معادية في التكوين الايدولوجي والعرقي للعرب وللمسلمين على العموم، ولو قيّض للنازية ان تحتل العالم العربي لاجرت محارق بالعرب قد تفوق ما طبقته على اليهود. واذا كان موضوع التصدي الغربي لكل من يشكك في المحرقة موضع تساؤل، فلانه يشكل عقدة ذنب لم يستطع الغرب حتى الان الخروج منها.


5- ليس مبالغة القول ان الرسوم تطرح تحديات على المجتمعات العربية والإسلامية أكثر بكثير مما هو مطلوب من المجتمعات الغربية.

لقد رسخ الغرب على وجه الاجمال حداثته وكرس قيم الديمقراطية بما فيها حرية النقد والتعبير، وفصل الدين عن الدولة ، وحدد للدين مجالا خاصا به لا صلة له بالتدخل في حياة الفرد العامة، وتجاوز الشكليات المتصلة بالطقوس والمقدسات السائدة في قرون خلت، واقرّ العقلانية في قراة الواقع. فيما ما يزال العالم العربي والاسلامي اسير الخرافات والغيبيات ومحاربة العقلانية والسعي الى اخضاع الفرد الى سلطة رجال الدين، وتوظيف هذا الدين في السياسة وفي السيطرة على المجال الخاص والعام للانسان.


تبدو المسألة المركزية اسلاميا وعربيا مرتبطة بمقدرة الدخول في اصلاح ديني يضع الدين في موقعه الحقيقي بما هو روحي وانساني واخلاقي، ويزيل منه الشكليات الطقوسية ويمنع اعطاء المسائل الدنيوية قدسية تطغى على الجوهري في الدين وتشوه القيم التي ينادي بها.


إن مدخل هذا الاصلاح ممر اجباري يبدأ باعادة قراءة التراث الاسلامي بنصوصه المؤسسة من القرآن الى الاحاديث النبوية واحكام الفقهاء، قراءة تاريخية لكون هذا التراث نشأ في زمان محدد وفي مكان محدد، ورؤية ما بات متقادما منه مع الزمن وما يزال حيا فيه.


ان الاتهامات الملصقة بالاسلام عن انه يجيز الارهاب ليست من دون اساس . يحوي النص الديني آيات تدعو الى العنف وقتل غير المسلم، وهي آيات نزلت في مرحلة معينة من تاريخ الصراع ايام الرسول والفتوحات الاسلامية لنشر الاسلام في غير بيئته الاصلية. ما تزال المؤسسة الدينية الرسمية تصر على ان النص القرآني يجب ان يؤخذ بكليته وهو بالتالي صالح لكل زمان ومكان.


تنطلق الحركات الإرهابية الإسلامية الطابع من اعتبار ان ما تقوم به يستند الى القرآن وانها تطبق ما دعا اليه هذا النص المقدس. لم تتجرأ المؤسسة الدينية حتى الان على القول بان ايات العنف قد تجاوزها الزمن، وان ما كان صالحا في تاريخ محدد ليس صالحا في زمننا الراهن،  مما يجعل من حجة ابن لادن والزرقاوي حجة شرعية بالكامل.


تعيش المجتمعات العربية اليوم الحالة نفسها التي عرفتها اوروبا في القرون الوسطى. لم تدخل اوروبا الحداثة الا من مدخل الاصلاح الديني، وهو الامر نفسه في العالم العربي. بل ان الحاجة العربية الى هذا الاصلاح تبدو اليوم اشد الحاحا بالنظر الى هيمنة الفكر الديني المتسربل بالخرافات والاساطير والساعي الى وضع هذه المجتمعات في قالب حديدي وابقائها مقيمة في الجهل والتخلف.


يبقى أخيرا أن هذا الإصلاح مرهون بتكون قواه الاجتماعية والسياسية، وهي قوى تمكنت انظمة الاستبداد العربي بالتعاون مع المؤسسة الدينية القائمة من تهميشها واقتلاعها وابادتها، مما سمح بهيمنة مزدوجة من الاستبداد والتسلط.



يوسف سلامة : الأذى لا يعني المسّ بالمشاعر

أعتقد أن سبب نشر الرسوم المسيئة للرسول هو وجود قِوى في الغرب،هي مزيج من الصهيونية والمصالح السياسية لبعض الحكومات الغربية والاستثمارات وغيرها، تحاول أن تثبت لأصدقائنا في الغرب أن المسلمين لا يستحقون الصداقة ولا الاحترام، ودليلها على ذلك “همجية ردود الأفعال التي صدرت عنهم مظاهرات حرق سفارات مقاطعة وغيرها.”


وهذه القِوى نجحت في مهمتها عندما ظهرت ردود الأفعال المختلفة في العالم الإسلامي والعربي وتمثلت في الحرق والشجب والمقاطعة وغيرها، إذا طبيعي أن يكون هناك قوى تريد إزعاجك وإحراجك، لكن ما هو غير طبيعي أن تقع في الفخ الذي يُرسَم لك، وهذا سُلوك مبرمج، أي أنه تم تكوين العقل العربي والإسلامي على أن يثور ويغضب وينفعل فورا، دون أن يفكر ويتمعن في الأمر، دائما هذا العقل مبرمج، هو عقل انفعالي وبالتالي هو “ليس عقل”، لأن العقل تعريفا هو “ملكة روية وتفكير”، أما هذا الشخص الذي ينفعل لمجرد كلمة واحدة أو رسم كاريكاتوري فهذا ليس عقلا بأي معنى من المعاني.


من هنا ردود الأفعال التي صدرت عنّا لم تكن ردودا عقلانية بأي حال من الأحوال، وقد صبّت في الاتجاه المؤدّي إلى الفخّ الذي رسمته القِوى التي جعلت هذه الرسوم تظهر في الصحف الدنماركية.


الآن ماذا كان يمكن للمسلمين أن يفعلوا؟ في رأيي كان لهم أن يفعلوا شيئا آخر ببساطة هو: تجاهل هذه الرسوم وكأنها لم تكن، فإذا كان النبي محمد تهزّه وتسوؤه رسوم من هذا النوع، فما مغزى أن يكون هناك مليار مسلم يؤمنون بنبوة محمد، هل رسم كاريكاتيري واحد من شأنه أن يهزّ نبوّة النبي ويؤثر في عقيدة المسلمين؟ كان من واجب المسلمين أن يتجاهلوا هذه الرسوم، ولو تجاهلوها لما عاد أحد إلى نشرها.


وأنا أذكر بأن الرسوم ظهرت في منتصف عام 2005 ولم يصدر أي رد فعل إلا في شهر تشرين. ما الذي جعلهم لا يثورون إلا بعد مضي عدة أشهر من نشرها؟ هناك قوى حركتهم وأثارتهم وجعلتهم ينهضون ويذهبون إلى الحرق، والدعوة إلى المقاطعة.


 في المجتمعات الغربية دفعوا ثمن الحرية والديمقراطية ملايين القتلى و 500 سنة من العمل، فكل إنسان حرّ في أن يفعل ما يشاء ما دام لا يؤذي غيره، وكلمة الأذى هنا لا تعني أبدا المسّ بالمشاعر، فإذا كان المسّ بالمشاعر سيؤدي إلى الأذى فهذا معناه أنه سيُغلِق كل أنواع المناقشات والحوارات، لأن أي شخص يعترض على رأيي سيمسّ مشاعري، فلا تعني الحرية هنا المسّ بالمشاعر، يعني كل ما يغضبك أو يسوؤك ممنوع نشره.


كما أن العقل الغربي عقل حرّ وبالتالي يفعل ما يريد ويرسم ويكتب ما يريد، وهذا غير مألوف في العقلية الإسلامية والعربية، دائما هناك قيم ومحرمات وتابو، هم لا يوجد لديهم أي تابو أو تحريم، انظر إلى المسيح كيف رُسِم وكيف صُوّر وكم كتابا كتب عنه، كلها من وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية كتب مسيئة وأفلام تسيء إلى شخص المسيح، وآخرها كتاب وفيلم “شيفرة دافنشي”، لكن لم تقم ثورة أو فوضى، تكتفي الكنيسة بإصدار بيان بأن هذا غير مناسب، لكن الرّسام يرسم والكاتب يكتب والمخرج ينتج أفلامه كما يريد.


والغرب عبث بمقدساته وراجعها وناقشها ابتداء من عصر الإصلاح الديني الذي يعني: “الاعتراض على سلطة البابا ونقد للكنيسة”، فمنذ القرن السادس عشر ابتدأ العقل الأوروبي بنقد الدين ثم طور العقل الغربي مناهج عقلانية لنقد الكتب المقدسة، ثم ظهرت سيطرة العقل ثم ظهر عصر التنوير الذي أطاح بكل المقدسات، ثم ظهر عصر التاريخ ثم الثورات الصناعية والإلكترونية وما بعدها.

فمن واجبنا نحن المسلمين والعرب أن نتروّى ونفكّر قليلا أن الأمر ليس على النحو الذي فعلناه، ما فعلناه كان رد فعل سيء ويكشف عن لا عقلانية وعن استهتار من جانبنا حتى بمقدساتنا، وكان ينبغي أن نتجاهل هذه الرسوم احتراما لمقدساتنا.


وبالنسبة لآيات شيطانية لو لم يصدر آية الله الخميني فتوى بهدر دم سلمان رشدي لما سمع أحد بالرواية، مما استدعى أن يصبح سلمان رشدي شخصية شهيرة وتُفرد له الحراسة من الحكومة البريطانية، هذا كله نحن صنعناه بأيدينا لم يصنعه أحد.


أما المبادرة التي قامت بها الحكومة الدانماركية فهي جيدة ومشكورين عليها، ولكن مسألة أنها تكتفي أو لا تكفي ليست هذه مهمة الدانمارك، لكن مهمة المسلمين أن يشرحوا أنفسهم ويعرضوا أفكارهم من بعد اختيار المنهج وطريقة العرض المناسبة أما الحكومة الدانماركية فهي احتراما لبعض رعاياها المسلمين الذي لا يشكلون إلا نسبة ضئيلة جدا، قامت بهذا المجهود.


 المسألة عندنا نحن، لأن وزير الداخلية الألماني دعا صحف أوروبا  جميعها إلى نشر هذه الرسوم، ما مغرى ذلك؟ مغزاه أن من يريد أن يقاطع الدانمارك عليه أن يقاطع أوروبا، هل المسلمون قادرون على أن يقاطعوا أوروبا؟ كلا، من سيشتري نفطهم ويزودهم بالغذاء؟ من الذي سيزودهم بالدواء؟ إذا علينا الاحتكام إلى العقل ومعرفة توزيع القوى في العالم، وأن نعود إلى نظرة عقلانية معتدلة.


وكان من الأفضل لنا كعرب ومسلمين تجاهل القضية، واعتبار أن من حق أي شخص أن يعبّر، لأنه إذا كنا نحن محرومين من هذا الحق فليس من الضروري أن يُحرَم كل هذا الكون لخاطرنا حق التعبير الحر.


أما المحرقة أو الهولوكوست فهي مسألة أوروبية، والأوروبيون لا يتحدثون عن هذا الموضوع تحت ضغوط معروفة للجميع، والقوى التي نشرت الرسوم الكاريكاتورية هي نفسها التي تمنع الحديث عن الهولوكوست، فمن هنا يجب أن نكون متفهمين.


 أنا أفهم بأن الساسة الأوروبيون هم أقل جرأة بأن يتحدثوا عن المحرقة وهذا له أسبابه التي نعرفها جميعا وليست المسألة متعلقة بالخوف من اليهود، كما يعتقد العرب والمسلمون، الساسة الأوروبيون يمنعون الحديث عن المحرقة لأنهم يعتقدون ببساطة أن خطأ ما قد حدث وأن الوقت ليس مناسبا لفتح هذا الموضوع، ولكن الساسة الأوروبيون يعلمون الحقيقة ويعلمون بأن القوى التي حرّكت الرسوم هي نفس القوى أو المصالح التي تدافع عن إغلاق باب الاجتهاد فيما يتعلق بالمحرقة، فإذا كان يرضينا أن نتحدث عن ازدواجية المعاير فلنتحدث عنها، ولكن أنا برأيي بأن المسألة أعمق من ازدواجية المعايير.


يجب أن يعرف العرب والمسلمون بأن هناك 5 أو 6 ملايين يهودي موجودون في فلسطين مُحتلِّين، وهم يمارسون هذا الاحتلال لصالح قوى موجودة خارج المجتمع المسمى يهوديا، الذي يقوم بدور يخدم فيه أوروبا وأمريكا، وبالتالي ليس من المناسب أن يُفتح ملف مثل ملف المحرقة في الوقت الذي يضع الأوروبيون والأمريكيون اليهود في محرقة جديدة محتملة.

بمعنى آخر: أنا لدي 6 ملايين مستعبد أشغّلهم لا يكلفوا بقدر ثمن صناعة حاملة طائرات، وعملت منهم دولة وأحزاب ومعارضة وبرلمان، لماذا عليّ إزعاجهم؟ هذا ما تفعله الولايات المتحدة الأمريكية، تكلفة حاملة طائرات لديها أكثر مما تدفعه للمجتمع الإسرائيلي الذي صنعوه وزرعوه في فلسطين إذا هذه مسألة مصالح.


 بالمناسبة الأوروبيون والأمريكيين يكرهون اليهود أكثر منا حتى الآن ولكن هناك ضرورات، ومن مصلحة هذه المجتمعات ألا تعود إلى إظهار هذه الكراهية، ويجب أن نتذكر أن الاتجاهات اليمينية في ألمانيا وفرنسا وغيرها، هي كارهة لليهود أكثر منا، وحتى اليوم القوانين الألمانية والفرنسية في موضوع اللاسامية والتمييز العنصري المعني بها هم اليمينيون أكثر من أي فئة أخرى، مثلا في البرامج اليمينية في الانتخابات الفرنسية “لوبين” أو غيره ينظر إلى اليهود كالأفارقة لا فرق، ليس هناك حب لهم بل مجاملة، بسبب وجود 5 ملايين منهم يحرسون المصالح الأمريكية والأوروبية، هذا هو السبب.

الحلقة 1 : حميد زناز







 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This