الرّغبة والموت والإنصاف
أيُّها المحروم من أي شيءً والمفجوع في كلّ شيء، أيّها الساكن في برزخ بين فراغين لا يبغيان، أيّها المقذوف به فجأة في الخواء بين الجموع، أيّها السائل عن بقايا الحلم البشريّ في الترانيم المقدّسة، تدرك أنّك في ميقات يوم غير معلوم، ستشدّ رحالك عن الزمان والمكان، راحلاً أو مرتحلاً، فتوطّن نفسك على هذا الفقد منذ الآن، وفي قرار نفسك تتمنّى لو كان الموت مجرّد برزخ يعقبه انبعاث، تتهيّب من رحلة الفلك الجاري في ظلمة العدم اللانهائية، وترتاب أن يُقذف بك في غياهب الغياب فتنساك الآلهة والأبناء ولا يذكرك التراب ولا يتذكّر وجهك الماء، كما لو لم تكن شيئاً مذكوراً، وتحلم لو أنّك، بعد موتك، تعاود ملاقاة وهج الشمس وحليب الماشية والشوكلاطة الذائبة بين نهدي جارية أو أميرة أو إحدى حوريات العالم السفلي، تحلم لو أنّك، تكون في رقدتك الأخيرة وفجأة، تتلمّسك أنامل ناعمة، تداعب أشلاءك المتلاشية فيعود إليك لحمك الذي كان، وجلدك الذي كان، وتربّت عليك فراشات الوجد فتعود إليك أزهار الوعي بعد غفوة مثل الكرى، وأنت مغمض العينيين ثمّ هكذا تفتحهما على جنان مثل تلك التي كنت صغيراً تلعب فيها مع ابنة الجارة، على ضفاف نهر البلدة. البلدة ما عادت الآن، البلدة طواها النسيان، وغادرتها كلّ الأحلام، ولم تترك لك أشباح الليل سوى الرّغبة الأخيرة، فلا تخجل من قولها أيّها المتسكّع مع الفرادى على عتبة باب الوهم الأخير.
قد لا تقاوم طويلاً هذا العزاء المطلّ على شرفات الرّغبة المفجوعة برحلة العدم، وقد تواري الرّغبة في طويتك لمجرّد الخجل من الأبناء أو الآباء أو الأصدقاء أو ابنة الجارة، أو لكي لا تشمت فيك بائعات هوى اليقين، أو لمجرّد بعض الكبرياء حين كان الوالد يطالبك بالكبرياء، لكنّ العزاء يقبع في سريرتك مثلما تقبع خدوش تجارب العشق الأولى محفورة في الأعماق، تؤلمك وتلهبك وتلهمك باندفاعات مجنونة في كل مرّة نحو عشق جديد، لا تكترث كثيراً بتفاصيل ما يروى أو يرويه الآخرون، ومع ذلك تحضنك الرّغبة أو تحدوك من دون تفاصيل، حيث تشعر وكأنّ الوجود كان سيغدو أقلّ توحّشاً والإنسان أجدر بالحبّ والكرامة، فيما لو لم يكن وجود الناس عرضياً كهبّات نسيم الصباح، وهكذا نفهم لماذا جعل الفيلسوف الألماني كانط، خلود النفس من مسلّمات العقل العملي، أو هكذا نتفهّم مُراده ومُبتغاه.
لكنّك مع ذلك، وأحياناً بدل ذلك، تجد نفسك أمام السؤال: حين كان الناس في الماضي أكثر يقيناً منّا بخلود النفس بعد انحلال الذات والصفات، فهل كانوا، جرّاء ذلك اليقين، أكثر حفظاً للكرامة والإخاء؟ وهل كان العنف والحقد والحروب أقلّ حدّة وضراوة منه اليوم؟ وهل من باب المحبّة الدينية، أن كان الناس يقاتل بعضهم البعض، لحمل الجميع على قول نفس اليقين، فيما لو كان اليقين يبعث فعلاً على اطمئنان القلب وهدوء الأعصاب؟ وهل يستجلب الإيمان بخلود النفس، أو يستوجب اللّجوء إلى الحروب الجهادية والحروب الصليبية، المُعلنة أو المؤجّلة، ضدّ من لا يحبّهم الله، أو قرّر فجأة أن لا يحبّهم؟
إنّ الإنسان اليوم، لا يمتلك نفس اليقين في خلود النفس، الذي كان أجداده يتمتّعون به، ومع ذلك فإنّه سيكون ناكراً للبداهة، لو ادّعى بأنّ حضارته المعاصرة حرمته من إخاء كان أجداده يشعرون به، ومن كرامة كانوا يحفظونها، وكثير من مثقّفي الحضارة المعاصرة اليوم، باتوا يعرضون علينا نفس الدّعوى، ويساهمون في إشاعة الوهم الجديد، بأنّ أجدادنا وأسلافنا كانوا أكثر سعادة، طالما أيقنوا بخلود الإنسان بعد مماته.
لعلّ حلم الناس، بلقاء بعضهم بعد فرقة المنون، هو حلم متأصّل في وجدان كلّ إنسان، ثم أنّه لا يتبدّد سوى مع انتهاء الحياة، هو أيضاً، عزاء وإغراء للثكالى والمكلومين، والحيارى والمظلومين، ولذلك نفهم نبرة العزاء لدى سماعنا العشّاق يتبادلون الوعد بأن يظلّوا أحبّة إلى الأبَد؛ تسأل العشيقة عشيقها: إلى الأبد؟ ويسألها: إلى الأبد؟ ثمّ يوقّعان على الوعد المستحيل بقبلة ساخنة تعاند ما تذروه الرياح وتكابر ما تمحوه الوقيتات الفانية.
ومن أجمل ما يردّده الصابئة في طقوس زواجهم، أنهم يتواعدون بأن يظلّوا أزواجاً في الدّارين العاجلة والآجلة، وهل يكون تحريم الطلاق والافتراق بين الأزواج، في العديد من الديانات، سوى نوعاً من الانتصار الرّمزيّ على الموت والذي يفرّق بين الأحبّة والأبدان!؟
إنّ الحلم بوجود حياة بعد الموت، هو حقّ وجدانيّ وعاطفيّ للناس كافّة، غير أنه حقّ لا ينبع من غريزة البقاء ذاتها، لأنّ غريزة البقاء تقود إلى حفظ الذات، ولا تقود بالضرورة، إلى فكرة وجود عالم آخر.
إنّ منبع فكرة وجود عالم آخر، ليس شيئاً آخر، غير رغبة الإنسان في الإنصاف، بمعنى أنّ أصل الآخرة هو الرّغبة الحالمة بأنّ من قدّر لهم أن لا تنصفهم الحياة، سينصفون في ميقات يوم معلوم. إنّ الحاجة إلى الدين، ليست أكثر من الحاجة إلى خطاب يقدّم وعداً عزائياً بإنصاف من خذلتهم قوانين الطبيعة أو مصادفات الحياة أو أخطاء الإنسان.
عالم الآخرة، ليس ثمرة رغبة الإنسان في تلطيف العدم أو إعماره، وإنّما بالأحرى، هو ثمرة الرّغبة في أن ينصف الجميع في مكان آخر، في زمان آخر وفي حكاية أخرى ممكنة.
بشر كثيرون احتملوا وتحمّلوا ظُلامات تمزّق الأكباد وتشقّق الجبال، وقضى الملايين من البشر حياتهم ثمّ جرفتهم ميتاتهم، بعد أن خذلتهم ظلامات الحياة نفسها، قبل ظلم أبناء الجلدة وذوي القربى، ولم تجد الحياة ولا أبناء الجلدة من سبيل إلى إنصافهم، ولعلّ ما يجعل الطفل يصرخ، كما سبق أن لاحظ ألبير كامي ذات يوم، ليس هو الألم ذاته، وإنما هو الشعور بأنّ الألم لم يكن مبرّراً.
إنّ العدالة البشرية معرّضة للأخطاء الشنيعة، وهي قاصرة أمام ما يقع على الإنسان من مظالم، لذلك أبدع الناس فكرة الآخرة، لعلّهم يريحون آذانهم من طنين من تعذّر إنصافهم، ولذلك نفهم لماذا كانت الديانات والأساطير القديمة ترمز إلى الدار الآخرة برمز الميزان.
الميزان الأخروي، ميزان العالم الذي يمضي إليه الأموات، هو عزاء وتعويض رمزيّ، عن عدالة أرضية لا تكتمل، وعن إنصاف يظلّ مشوّهاً ويكتنفه النقصان.
لكن ثمّة سؤال يظلّ عالقاً بالأذهان:
قد يكون الإنصاف مسؤولية أخلاقية صعبة المنال، وكثيراً ما يغدو ضرباً من المحال، وإذا كان من شأن ميزان عالم الموتى، أن يريح الضمير الأخلاقيّ للأحياء، من ظلمة ظلم يتعذّر الخلاص منه، أفلا تحرمنا راحة الضمير تلك، من قلق هو محرّكنا في رحلتنا الشاقّة نحو التقدّم، ولو ببطء شديد وبخطوات متعثّرة، نحو عالم أكثر عدلاً وإنصافاً؟؟؟
