الغَربُ أمَامَ المُشكِلَةِ اٌلدِينية
في التّفاصيل تسكن الشياطين.. مثل هذا القول يصدق على مواقف الدّول الغربية من المسألة الدينية، وهو ينطبق أيضاً، على ما تعرضه المجتمعات الغربية من مقاربات مؤسساتية، دستورية وتربوية لعلاقة الدين بالفضاء العمومي وبالدّولة ومؤسساتها، وهنا ثمّة الكثير من التفاصيل التي قد تبدو مستفزّة لنا بقدر ما هي مستنفرة للعقل التنويريّ العربي، وهو الذي يجب أن يكون مستنفراً.
رُبّما تحملنا النظرة الإجمالية والمتفائلة، إلى الاعتقاد بأن الدّول الغربية قد أفلحت في العثور على الردّ الكافي والجواب الشّافي لما كان يعرف بالمسألة الدينية، وأنّ الغرب أبدع الصيغة المناسبة للحلّ النهائي، حين تبنّى صيغة القول المأثور: الدين لله والوطن للجميع، وبذلك تحوّل الدين من مشكلة عامّة إلى مُجرّد مسألة شخصية، مسألة لا تخرج عن الحياة الخاصة للأفراد، ويتكفّل كلّ فردٍ بتدبيرها وفق سريرته وبحسب مزاجه وهواه.
يبدو وكأنّ الحياد الديني أمسى خاصية أساسية للدّولة ولمؤسّسات الدّولة، وجرى من ثمّة، الاعتقاد بأنّ هذا الحياد الدينيّ هو الصّدى المُتردّد في الأزمنة الحديثة لمقولة قديمةٍ تعود إلى المسيح، وفق رواية إنجيل متّى: أعطوا لقيصر ما لقيصر ولله ما لله. لكنّ السؤال المُعلّق، أن لا أحد يعرف على وجه التحديد، ما الذي لم يمنحه الإنجيل لله، وما الذي لم يمنحه الإنجيل لقيصر، وهنا تكمن التفاصيل.
تضعنا التّفاصيل أمام صعوبات جديدة وجدّية، صعوبات تجعلنا محرومين من بعض البداهات الباعثة على الاطمئنان. وما قد يشفع لنا مثل هذا الحرمان، أنّ البناء العلمانيّ، باعتباره ثمرة العقلانية السياسية، فإنّه لا ينبثّ في أرض تسكنها أنفس مطمئنة إلى حتمية الانتصار النهائيّ والأخير للعقل على الخرافات، فمعركة العقلانية، هي معركة مفتوحة ودائمة، على نحو ما هي الثورة عند تروتسكي والحداثة عند هابرماس.
ونحن اليوم، حين نعمد إلى إثارة بعض الصّعوبات التي يواجهها الفكر العقلاني الرّاهن، فليس القصد أن نبعث الشكّ لمجرّد هوى الشكّ والرّيبة وإثارة التشاؤم حول مستقبل العقلانية وقيم التنوير، فهذا الشكّ واقع يعتري الفكر الفلسفي الغربي نفسه ويعترف به، لكنّ القصد أن نوجّه موجة ذلك الشك، وجهة إثارة القلق القادر على استنهاض العقل من فراش النّفس المطمئنة بحتمية النصر الوشيك، وذلك دعوة منّا إلى تجديد أركان الفكر العقلاني ودعم قدراته على المقاومة والصمود، في زمن لم تعُد فيه الظروف الاقتصادية تمنحنا أيّ تفاؤل حول مستقبل العقلانية.
هل كان عصر التنوير مجرّد لحظة عابرة أو خاطفة في تاريخ الغرب، كما يقول المُحلّل النفسانيّ الشهير، كارل يونغ؟ ربّما لا تكفينا المعطيات التي نتوفّر عليها، على تأكيد صحّة فرضية يونغ، لكن التفاصيل تكفي لعدم إهمال الفرضية.
فلنحتفظ بالفرضية ولندخل في التفاصيل.
تضعنا مُختلف القوانين والتشريعات الغربية، أمام حقيقة أنّ المسألة الدينية، لم تعرف بعد طريقها نحو الحلّ النهائي، وأنّها بفعل المناخ الاقتصادي والثقافي الرّاهنين، تحوّلت إلى معضلة أكثر استعصاءً وأبعد ما تكون عن التّسوية، إنّ الغرب ما يزال لم يعثر بعد، على طريق يسير به في اتجاه واحد نحو حلّ عقلاني ومتوافق عليه للمسألة الدينية.
إنّ ما تقدّمه قوانين الدّول الغربية من مقاربات واقتراحات لحلّ المشكلة الدينية، لم يؤدّ سوى إلى تكريس الأزمة وتفاقمها دون إحراز التقدم الذي كانت تأمل فيه فلسفة التنوير، نحو حلّ نهائي للمعضلة الدينية.
إنّ أولى الملاحظات التي تقفز إلى ذهن المراقب للتفاصيل، هي أنّ عدد المقاربات القانونية والتشريعية المقترحة للمشكلة الدينية، يقارب عدد الدّول نفسها، إن لم يتجاوزها، وذلك بالنّظر إلى اختلاف الرّؤى والمنظورات ليس فقط بين الدّول، وإنّما داخل الدّولة الواحدة، في حين أن تلك الأجوبة المُقدّمة، هي نفسها أقرب إلى محاولات للتسوية ولتحقيق التوازن بين أطراف مُتضاربة ومتناقضة.
والواقع أن النقاش، في السّنوات القليلة الماضية، حول مشروع الدستور الأوروبي، وكذلك النقاش الحالي حول مسألة القيم وحول الجيل الأخير من حقوق الإنسان، هي مناسبات ظهرت فيها العديد من تفاصيل المشكلة الدينية داخل المجتمعات الغربية الرّاهنة.
ومن أجل توضيح حجم الاختلاف الغربي حول المشكلة الدينية، فإنّنا سنعرض وباقتضاب، لمجالين أساسين ومصيريين أيضاً، وهُما النّظم الدستورية والنّظم التّربوية:
أولاً: النّظم الدستورية:
لعلّ النّظرة الفاحصة والمُمحصة، إلى مُختلف الدّساتير الغربية، تجعلنا نقف أمام حجم التّفاوت في المعايير، والتّباعد في المقاربات، فالدّستور الأمريكي يلوذ بالصمت عن تحديد أيّة علاقة بين الدين والدّولة، ويُشير الدستور الألماني إلى كلمة الله، من غير إحالة لأيّ دين من الأديان، ويؤكد الدستور النرويجي على أن الكنيسة الإنجيلية اللوثرية، هي الديانة الرّسمية للدّولة، وإذ يعترف الدستور الإيطالي بانفصال الدّولة عن الكنيسة، إلاّ أنّه يحتفظ للكنيسة بصلاحيات سيادية واسعة تبعاً لاتفاقية تاريخية بين الطرفين (اتفاقية لاتران)، في حين أن الدّستور اليوناني يعترف بهيمنة الكنيسة الأورثودوكسية للمسيح، وأمّا الدّستور البولوني فإنه يعترف بالديانة الكاثوليكية مع تنصيصه على التسامح مع اللاّدينيين ومع أتباع الديانات الأخرى، ويؤكد الدستور الفرنسي، كما هو معلوم، على مبدأ العلمانية، لكنّ النقاش يحتدم اليوم حول مفهوم العلمانية ودلالاتها، ودعوة الكثير من حرس الجمهورية نفسها، إلى مراجعتها، وهكذا يختلف تدبير المسألة الدينية من بلد لآخر، وأحياناً من منطقة أو مقاطعة لأخرى.
ملخّص القول أنّنا أمام تضارب كثيف في المواقف الدّستورية من مكانة الدين في الحقل السياسي، إذ تختلف الدساتير بين من يلوذ بالصمت عن المسألة، ومن يكتفي بذكر الله، ومن يُحدّد ولاء الدّولة لكنيسة محدّدة، ومن يحدّد ديانة رئيس الدّولة، ومن يترك للكنيسة صلاحيات معيّنة تختلف بدورها من بلد لآخر، وهكذا تختلف النّظم الدّستورية وتبلغ أحياناً حدّ التضارب والتعارض.
ثانياً: النظم التعليمية:
على مِنوال النّظم الدستورية، فإن النّظم التعليمية في الغرب، بدورها تشهد اختلافات حادّة في الموقف من المسألة الدينية، فثمّة من الدّول من تمنع تدريس المواد الدينية، مثل فرنسا، والتي رغم ذلك فإنّها تستثني مُقاطعتين اثنتين من قانون العلمانية، بدعوى أنهما كانتا تابعيتن لألمانيا وقت إقرار قانون العلمانية، وفضّلت دول أخرى تدريس المواد الدينية، لكن مع فتح المجال أمام التلاميذ وآبائهم لاختيار نوع الدين الذي يرغبون في دراسته، أو لاختيار مادّة بديلة في حالة رفض المواد الدينية، من قبيل إمكانية اختيار الفلسفة العملية في ألمانيا، أو مادّة الأخلاق العلمانية في بلجيكا، وتفرض إيطاليا التعليم المسيحي في مرحلتي الرّوض والابتدائي، وتمنح للأقليات الدينية الحقّ في مواد دينية خاصة بها، لكن مؤدى عنها، مع إغفال كلّيّ لأيّة حقوق لغير المتدينين، بخلاف ما عليه الأمر في كلّ من بلجيكا وألمانيا، الخ.
وهكذا نرى كيف تختلف المقاربة التعليمية والتربوية للمسألة الدينية من بلد لآخر اختلافاً يصل حدّ القول بأنّه ثمّة رؤى متضاربة وأنّ المشكلة الدينية ما تزال أبعد ما تكون عن الحلّ النهائي، وأنّ العلمانية هي معركة ما تزال في منتصف الطريق. لكن هل يكون لهذا الطريق اتجاه واحد، أم أنّ له اتّجاها آخر عائدا؟
لقد كان الرئيس الفرنسي الحالي، نيكولاس ساركوزي، أثناء الحملة الانتخابية التي أوصلته إلى قصر الإليزيه، يُردّد الدعوة إلى ما بات يعرف بالعلمانية الإيجابية، والتي تعني بين ما تعنيه، الحاجة إلى مراجعة قانون العلمانية لعام 1905، بما يمنح للدّولة الحقّ في تمويل المؤسسات الدينية، بدعوى – يقول ساركوزي- قطع الطريق أمام جهات خارجية وغير فرنسية، تسعى إلى تمويلها ومن ثمّة التأثير فيها، ولذلك كان ساركوزي، والذي يفهم الحكمة الفرنسية التي تقول: من يمنح يأمر، يدعو إلى إسلام فرنسيّ بدل إسلام في فرنسا. بيد أن حجج الرّجل كانت تتجاوز المستوى التدبيري للديانات إلى المستوى التبريري، فقد كان، أسوة بالفيلسوف الأمريكي المحافظ، ليو شتراوس، يعتبر بأن حاجة الناس إلى الدين، هي حاجة وجودية، وأنّ الديانات تكفل “الأمن الروحي”، والذي هو أساس وأصل الأمن العام وضامن استقرار الدّول والمجتمعات.
لقد أراد الكثيرون أن يحوّلوا الدين من جزءٍ من المُشكلة إلى جزءٍ من الحلّ، وارتقى به آخرون ليجعلوه الحلّ الوحيد المُمكن لكافة مشاكل وأزمات الحضارة المعاصرة، فظنّ البعض أن الإسلام هو البديل الوحيد من أجل القضاء على الفقر، وظن آخرون أن يسوع المسيح هو البديل الوحيد من أجل إقرار السلام العالمي، واعتقد كثيرون أن البوذية هي البديل الوحيد من أجل المحافظة على البيئة، إلخ.
ومع كل قول جديد في هذا الاتجاه، تبقى المشاكل عينها وتزداد تفاقماً، ففي بلد الزكاة يكثر الفقر ويستفحل، وفي بلد محبة المسيح تنتشر الصناعات الحربية وتزدهر، وفي بلد بوذا تسوء البيئة وتتدهور، وتعود الأديان مرّة بعد كل مرّة، لتغدو جزءاً مستفحلاً من مشاكل أشدّ استفحالاً.
