“الفلسطينيون التوانسة” فيما تبقى من فلسطين وفي الشتات: كيف الحال؟
حين وقع ترحيل الفلسطينيين من لبنان سنة 1982 وصلت سفينتهم إلى تونس واستقبلوا استقبالا شعبيا ورسميا كبيرا حافلا، ومشحونا بكل العواطف الجيّاشة، بدون أرز لبناني ولا مشرقي، لكن بكسكسي بربري فائح الرائحة، ولذيذ المذاق، وطيّب عند تناوله وعند الاشتياق إليه، حين يُطبخ لمن نحبّ. كانت الماجدة وسيلة بورقيبة الراحلة وزوجة الرئيس والزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة في استقبالهم، وكان ياسر عرفات الراحل أول من استقبل، في سفينة أرست في ميناء مدينة بنزرت، وما أدراك ما مدينة بنزرت، التي حسمت فيها معركة استقلال تونس مع الاستعمار الفرنسي. ومازالت بنزرت دامية المقلتين ودامعة العينين لمن استشهد دون أن يشهد، ولمن قتل ولمن رحل ولمن ينتظر الرحيل.
التقى وقتها الراحلون جميعا في ذاكرة سفينة راحلة. زعيم فلسطين الأعزب وزوجة زعيم تونس والراحلون المرحلون، ورحّالة كل الرحلة، وما ارتحل في الرحلة من المعاني ومن كثافة وجود.
في ميناء بنزرت رست السفينة الفلسطينية وشهدت من فورها ما يجمعها بالذاكرة الوطنية لأهل البلاد من أواصر قربى ودم. كان شوق بنزرت، المضرّجة بالشهداء والمعارك والمحاربين وسفك الدماء من فرط الدهاء النضالي أو الغباء، عارما في استقبالها للمهجّرين الفلسطينيين.
وقتها ثمة من شبّه رحلة الفلسطينيين تجاه تونس برحلة اللبنانيين الفنيقيين القدامى الذين أسّسوا مدينة، أو حضارة قرطاج، وكانت زعيمتهم عليسة، إليسا، الملكة ديدون، التي خدعت أهل إفريقيا، أي تونس، واشترت بلاد قرطاج على مقاس جلد ثور، جعلته سيورا نحيلة، دقيقة رهيفة، في سمك شعرة من شعر متهدّل لنساء فينيقيات، لكي توسّع مقاس رقعة جغرافية ما تشتريه. جلد الثور صار ثورة في الجغرافية، صار قرطاج، دون أن يصير بالضرورة ثورا إسبانيا هائجا مائجا، يفتنه اللون الأحمر. رغم أن في علم تونس الجمهورية الحالية الكثير من اللون الأحمر والكثير من النجمة والهلال. الكثير من الوفاء لذاكرة التقوى والاستشهاد.
لكن تونس الشاهدة الشهيدة، مجاراة لعنوان كتاب لعبد العزيز الثعالبي، مؤسس الحزب الدستوري القديم، وهو الحزب الذي ما انفكّ يبدّل تسميته إلى أن غدا تجمعا حاكما، وهو الحزب الذي حكم منذ تأسيسه. عنوان كتاب الثعالبي كان “تونس الشهيدة”، وكانت تونس في شهادتها وشهودها مدركة أن التاريخ لا يمكن أن يتكرّر. الفلسطينيون الوافدون لن يكونوا أبدا فنيقيين لبنانيين يقيسون الأرض ويتحايلون عليها، ويملكون، كفينيقيين جدد الأرض، في شمال إفريقيا، لكي ينسوا أرض قضيتهم، أرضهم القصيّة.
كان الفلسطينيون ضيوف الأرض التونسية، في شمال إفريقيا، لا أكثر ولا أقل. والضيف مسألة تستدعي في كل اللغات المتمدنة أخلاق كرم الضيافة. والكرم هنا كرامة للضيف وللمضيف.
حينها كان مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في تونس. كان عراق صدام حسين في خصام مع مصر السادات. كانت العروبة القومية ممثلة في البعث العراقي في خصومة مع قومية مصر التي تصالحت مع إسرائيل، فيما يسمى اتفاقيات كامب دافيد.
كان ممثل فلسطين في تونس وقتها حكم بلعاوي. كتب الشعر المسرحي المناضل. كان شعره المسرحي لا علاقة له بالشعر ولا بالمسرح، وإنما هو تحريض بدائي، يشبه كل البدائيات والبدايات، أتعس بمرّات من مقولات حماس الراهنة، وكلّ حماس غافل. جعلت تونس حكم بلعاوي يغادر الشعر التحريضي العدواني الأبله والمسرح مهدور الدماء، فعلّمته السياسة والدبلوماسية فترقّى من ممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى سفير دولة فلسطين في تونس، وحين غادر تونس توزّر في فلسطين وأوكلت له مهام الداخلية، وما أدراك ما الداخلية. كان ذلك في حياة ياسر عرفات، على ما أظنّ!
تونس بلاد التجارب والذاكرة القديمة والوعي المشحون بأصناف التبدّلات والرحلات والترحّلات. بلاد يداعبها البحر الأبيض المتوسط من جهاتها الثلاث، يمتّعها ولكن لا يتركها في حالها. حالها حال البحر وما يعتريه من مناخ وطقس ومزاج. تونس بنت مليحة وغاوية، إن لم نقل بنت فاتنة شقيّة، لجغرافية بلدان العرب والمسلمين، يتعرّف فيها الخلق أجمعين على أنفسهم كمرآة صقيلة، تموّه ذاتها وكل الذوات، ولا تعكس في الكثير من الأحيان سوى الشهوات والصبوات، حتّى وهي تعكس صور وجوه بشعة وقبيحة.
تونس الخبيرة الحذرة قالت بوضوح وترحيب أهلا بالفلسطينيين عسكرا ومواطنين وسياسيين وكتابا ومبدعين. لكن لا تختلطوا بعسكر تونس ولا بالمواطنين. لتكن إقامة العسكر في معسكرات تخصّهم وعلى حدة. مثل معسكر حمّام الشطّ الذي قصفته إسرائيل في الواحد من أكتوبر 1985، مما جعل الرئيس السابق الحبيب بورقيبة يغضب غضبا شديدا ويرفع عكّازه الذي يتوكّأ عليه، وهو العجوز الذي جاوز الثمانين من عمره، في وجه السفير الأميركي، مهدّدا بأنه على استعداد لقطع علاقة بلاده بأميركا فيما لو عارضت قرارا أمميا يدين عدوان إسرائيل. وهذا الموقف لم يرتكبه أحد من الرؤساء والأمراء والشيوخ والملوك العرب ولا المسلمين من المستسلمين. تحفّظت أميركا ولم تستعمل حقّ الفيتو، وأدينت إسرائيل التي اعتدت طائراتها الحربية على منطقة من ضواحي العاصمة التونسية، ولكن لم توف، إلى حدّ الآن، بالتعويضات التي أقرّت في القرار الأممي، وسنطالبها بذلك مادامت في تونس ذاكرة، طال الزمن أم قصر، تصالحنا وطبّعنا العلاقات أو خلاف ذلك.
قالت تونس لتكن إقامة المواطنين الفلسطينيين بصفتهم ضيوفا في أرقى الأحياء وأفخمها، لا فلسطيني يقيم في حي شعبي. لا ترغب تونس في تكرار مآسي الآخرين، ولا حتّى الفلسطينيين مهما كانوا فنيقيين أو عبرانيين أو أراميين أو كنعانيين، مسيحيين أو يهودا أو مسلمين، مضطهدين أو مضطهدين. أقام الفلسطينيون في أماكن تليق بضيوف تونس الفلسطينيين، وقد لا يحلم بمثلها غالبية شعب تونس.
إنما الإقامات الفاخرة تتطلب مالا ودولارات، ومن هنا، تونسيا، اختلطت الثورة الفلسطينية بالثروة البترولية، بعدما سبق للثورة الفلسطينية، عربيا، أن دوّختها الثورة المالية منذ أن وعى البترول بوجوده وصار لاعبا رئيسيا، بل هو اللاعب الرئيسي الوحيد. صارت الثورة الفلسطينية غريبة وبعيدة عن مجال فعلها، وكان لا بد لها من الكثير من الأموال لتجعل من كل مناضل مهاجر منفي يقيم حربا بأدوات فعّالة مع قيمه وروحه وشخصه، ويفكّر في معاركه الذاتية مع ذاته ومع أطفاله ومع عائلته، ويتطلّع لمستقبل ولمعارك في غير ساحات القتال والمعارك. قد يكون في ساحات معرفة أو أعمال أو نجاح فردي في لندن مثلا أو أمريكا أو ألمانيا أو فرنسا… مزيدا من الثراء ومزيدا من الأموال لتجهيز المعارك الشخصية المقبلة.
وكان ثمة باستمرار فلسطينيو الداخل وفلسطينيو الخارج، منذ أول الترحيلات وأوّل الهجرات، ومن السخرية أن فلسطينيي الداخل، فيما أصبح يسمّى إسرائيل، كانوا دوما يلعنون ويخوّنون فلسطيني الخارج، المهاجرين منهم والمهجّرين والمغادرين، ثم صار فلسطينيو خارج إسرائيل القاطنون في القطاع وفي الضفة، يعتبرون فلسطينيي خارج الخارج خوارج وأسوأ من الخوارج. من هنا جاءت تسمية “الفلسطينيون التوانسة”، بعد اتفاق أوسلو سنة 1993 وعودة الفلسطينيين المقيمين في تونس الرافعين لشعارات مثل غزة وأريحا أولا، ثم غزة أولا، أو أريحا أولا. ثم المصلحة الشخصية أولا، أمن إسرائيل أولا، المنطق السائد السيّد أولا وقبل أي أوّل..!
لكن المسيء في الأمر كلّه أن ثمة سخرية وقلة حياء وجهلا مريعا في تحويل تسمية الفلسطينيين التوانسة إلى مجال لإدانة فلسطين المهجّرين، في آخر موجة تهجير، وتونس المستضيفة، من قبل أهل قطاع غزة والضفة الغربية، خصوصا من قبل العوام منهم ومن قبل جماعات الجهاد الإسلامي بكافة تسمياته.
نسبت كل الرذائل والبذاءات والتجاوزات للفلسطينيين التوانسة،لمن يسمّونه بالحرس القديم لفتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، بما ألحق الضرر الكبير بقضية فلسطين وبأدوار تونس. كانت تلك التسمية لها استعمالات قبيحة حمقاء، رغم أن التوانسة افتخروا ويفتخرون أن القدر اختار، أو الظروف، أن تكون فلسطين الحبيبة على قلوبهم، والتي يفتدونها بأرواحهم وبالغالي والنفيس عندهم، صارت منهم قريبة، صارت بينهم برجالها ونسائها، رغم بعدها الجغرافي. ولا ننس أن التوانسة منذ الأربعينات خيّروا قبل أن يحاربوا الاستعمار في بلادهم محاربة اليهود الصهاينة غزاة فلسطين، وشدّوا الرحال الأهوج من أجل ذلك. وفي ذلك حدث الكثير من الكوارث والمهازل والنوايا والعواطف المسفوحة على حدود دول العرب قبل أن يصير لتلك الدول حدود رسمية في الخرائط. ذلك تاريخ لا نعتذر له لأنه لا يقبل اعتذارات ولكنه يرغب منّا أن نتعظ، حسب الاستنطاق الخلدوني للتاريخ.
أغلب كتّاب فلسطين وشعرائها وصحفييها صاروا توانسة، أقاموا في تونس إقامة طويلة أو إقامة عبور، من كبيرهم عمريا الشاعر هارون هاشم رشيد، الذي غنّت فيروز قصيدته التي يتغنّى فيها بمساجد وكنائس القدس ويعدُ فيها بتفاؤل طفولي بالعودة، إلى كبيرهم إبداعيا الشاعر محمود درويش، والسادة المبدعين الآخرين مثل أحمد دحبور وحسن خضر وغسّان زقطان ويحيى يخلف وتوفيق فيّاض، الذي مازال مقيما في تونس معززا مكرما، حسب علمي، فضلا عن إميل حبيبي وزياراته وأنيس الصايغ وغير هؤلاء كثير.
نعم أغلب السياسيين الرسميين الفلسطينيين هم فلسطينيون توانسة من أبي عمّار إلى أبي مازن إلى أحمد قريع إلى جبريل الرجوب ومحمد دحلان وكل المتصدّرين في واجهة حركة فتح بما في ذلك فاروق القادومي “الجذري” والذي مازال مقيما في تونس. لكن ما شأن تونس بالفساد والفاسدين والمفسدين حتّى يتمّ الربط بينها وبين أي فلسطيني فاسد. الفساد موجود بطبيعته في كل المجتمعات، خصوصا إذا اختلطت الثورة في المجتمعات بالثروة. الأحرى أن تونس هي أنس فلسطين، وهي التي لم تقل أبدا للفلسطينيين انسوا فلسطين، لكنها كانت تقول دائما لا تفرّطوا فيما يمكن من فلسطين.
المشكلة الكبيرة، وهي مشكلة مزمنة لوجودنا الراهن كعرب ومسلمين، ليس ثمة ما أو من يوثّق تجاربنا، ومن ضمن ذلك تجربة الفلسطينيين التوانسة بكل ما لها وما عليها.
وفي كل الأحوال يظلّ التوانسة يفتخرون بقرانهم الفلسطيني، حتّى وإن تم وصف ذلك القران من قبل الذين يقرنون أنفسهم بالتوحّش لا بالتأنّس والتونسة، على أنه قران فساد وفاسدين ومفسدين.
أجمل وأروع تسمية يتكرّم بها علينا التاريخ الراهن والذي ندعوه ليحتفظ بها لكل تاريخ: “الفلسطينيون التوانسة”. ما أحبّ أن يقترن اسم تونس بفلسطين واسم فلسطين بتونس، رغم كل شيء!
وللبرهنة عن حال الفلسطينيين التوانسة نختم بهذه الفقرة للكاتب الفلسطيني صاحب الشهادة التي لا تردّ رشاد أبو شاور من مقال له بعنوان “تصريحات التفافيّة” حيث يسجّل: “عندما كنّا في تونس، مستغفلين عمّا يدور في عتمة العاصمة النرويجيّة (أوسلو)، تعرّضنا لعملية تجويع مفتعلة، ترافقت معها حملة دعاوية مفادها أن المنظمة أفلست!…
ستة أشهر و(فلسطينيو) تونس، الذين غادروا بيروت عام 82 ، ومن رحلوا بعد اقتتال (فتح) الذي وقع عام 83، ومن ضاقت بهم السبل من المناضلين الفلسطينيين، فقرّ بهم المقام في تونس.. بدون رواتب!
ستة أشهر من تفهّم أصحاب البيوت التوانسة لأوضاع (ضيوفهم) الفلسطينيين الذين باتوا عاجزين – يا حرام – عن دفع أجور البيوت التي يقيمون فيها مع أسرهم…
في تلك الشهور العجفاء المدبّرة، تسوّلت نساء فلسطينيّات أمام مسجد (الزهرة)، قرب مقبرة شهداء (حمّام الشّط)، بعد أن عجزن عن تدبّر أمور عيش أسرهن، خاصة زوجات الشهداء!.
لمّا علمت الجهات الرسميّة التونسيّة غضبت من مثل هكذا تصرّف – وهي تعرف أن المنظمة غير مفلسة – واعتبرت أن هذا الأمر يمّس بكرامتها، فهي لا ترضى لسمعتها أن تتسوّل النسوة الفلسطينيّات في تونس… في تلك الفترة (المهينة)، تصدّيت شخصيّاً للكذب والصفاقة، وكتبت في صحيفة (الشروق) التونسيّة مفنداً كذبة أن المنظمة أفلست، بعد أن عرفنا خبايا ما يحدث، ومراميه…” انتهى الاستشهاد اللغوي من مقال أبي شاور وبقي الاستشهاد الجسدي للذين لا يعرفون شهادة ولا استشهادا في سبيل حقّ لا يتحقّق إلا إذا أنصفنا القول، وأقمنا العدل بالقسط والميزان.
يا أهلنا في فلسطين، في كل فلسطين، كيف حال الفلسطينيين والفلسطينيات التوانسة؟ كيف حال التوانسة والتونسيات الفلسطينيات؟ عسى أن تؤنسكم تونس كلّكم، كل أنواع الفلسطينيين، في حالتكم الكئيبة الموحشة، عسى أن يخفّ وأن يختفي من فلسطين الحمق والوجع والأنين!
