القارّة العجوز

ولج عقده الرابع دون أن يعي ذلك؛ اقتحمه هذا العقد في غفلة منه، ولم ينتظر إشارة من أصبعه كتأشيرة للسماح له بالدخول وقد أنغص عليه أحلامه الوردية، قطع عليه هذا الشريط الخيالي المحبوك بسيناريو يميل إلى واقع مثاليّ، طوباوي طالما حاول أن يبنيه  بالإسمنت المسلّح ويصدّ عنه كل المحاولات المقلقة والهدّامة التي تحمل في جعبتها نيّة الهدم و التقويض لخيالاته الحالمة المسترسلة.

لم يردعه الزمان عن التعلّق بهذه الأحلام التي عضّ عليها بالنواجذ، وقف الزمان حائرا ومتسائلا في نفس الوقت من أيّة طينة يتشكّل هذا الإنسان؟ أية إرادة تقيم في هذا الجسد الذي لا يتوانى ولو لبرهة؟ أيّ جبروت هذا الذي يسكن في ديار هذا الجسد غير القابلة للتداعي؟ يعود الزمان خطوة إلى الخلف متأملا هذه الوقفة الصامدة وهذا التحدّي غير المعقول الذي يبديه هذا الإنسان رغم حمولات الزمان القاسية والتي لا يردعها أحد! إنّها فعلا حرب ضروس دقّت طبولها بين الزمان وهذا الكائن الحامل لإرادة تتلف جدران الزمان اللامرئية السميكة وتنسف مفعولاته المدمّرة.

لم يعد يطيق المكوث في أرضه؛ هي بمثابة عبء ثقيل عليه أن يتخلّص من مسؤولية تحمّله على مضض، لسان حاله يقول بصرخة تتصادى أهوالها بين جنبات الجبال المتاخمة لمدينته الحمراء، صرخة تذيب الثلوج التي تؤثث قمم توبقال الشامخة المتّشحة بالبياض، لن أستسلم حتى تطأ قدماي أرض الجنّة الموعودة، لن أستسلم إلى الرمق الأخير، حتى تجد قدماي موطنا ومستقرّا لهما على أرض الضفة الأخرى الخضراء.

على هذا المنوال، يمرّ أمامه تباعا شريط حياته في غفلة منه، فورة الغضب الهائج والرغبة العارمة في العبور بسلام هي عناوين تكتب تاريخها الجريح على جسده المكلوم، ليست لي أرض كي يكون لي وطن، كما لو أنّ "درويش" ترجم إحساس  هذا الكائن الذي افتقد أشياء انتشلت منه غصبا في واضحة النهار، هو سطو مسلّح مع سبق إصرار وترصّد لهذا الوحش الذي يستيقظ في الليالي الحالكة ليمتصّ دماءه ويفقده في الصباح الموالي البوصلة التي ستوجّهه نحو السبل المختلفة التي تنتشر في خلايا الحياة اليومية. لم يعد يدرك أيّ جادة يسلك وأيّ أفق مفتوح سيلج وقلبه مشبع بالطمأنينة؟  لم يتبقّ من رصيده سوى عينين مفتوحتين بشراهة نحو قبلة أخرى قد يجد فيها اعترافا بكينونته الضائعة والتائهة بين دروب الحياة الملتوية كأفعى الصحارى غير واضحة المعالم.

"  ليست الهجرة ظاهرة جديدة، غير أنّها أخذت بالتسارع المتزايد في العقود الأخيرة لتصبح جزءا لا يتجزّأ من عملية التكامل العالمي، تشير بعض التقديرات إلى أنّ المهاجرين في مختلف أنحاء المعمورة عام 1990 بلغوا نحو ثمانين مليون شخصا… وأنّ هذه الأعداد ستتزايد في أوائل القرن الحادي والعشرين. "(1)

تشكّل الهجرة الرغبة المتاخمة للكائن الإنساني وهي تتكوّن وتنبثق من توفّر شروط موضوعية تجعلها  ممكنة، في غياب هذه الشروط تتبدّى كما لو كانت سديما أو صورة هلامية وهجينة يستبيحها الخيال ويتلاعب بها كلعبة في يد طفل بريء ويغمرها النسيان بعد أن يستنفد فيها قواه ورغباته وطاقاته اللاعبة؛ هي شروط تلوي عنق الكائن وترغمه على الخضوع لأوامرها، لن يستطيع بكلّ ما أوتي من قوّة وبأس أن يتملّص من قبضتها المحكمة؛ الفقر، الحروب الأهلية، البطالة… تلتئم جميعها مشكلة وحدة يكون الكائن الإنساني تحت رحمتها لا حول له ولا قوّة، لا تترك له فسحة للاختيار، أو التنفّس الصعداء، لا خيار سوى المغادرة الإجبارية لأرض طالها البوار وافترستها أنياب الفاقة والعوز الشرس. هاهم جحافل من كائنات إنسانية تقطع مسافات تعدّ بالأميال بما تنطوي عليه من مغامرات قد تبيد حياتها وتوقف سلسلة نموّها الطبيعي؛ أقدام ينخرها الإعياء وتوشم على ظهرها الدمل، هي رحلة تستغرق سنوات طوالا قد تصل إلى ثلاث أو أكثر، النساء يضعن مواليدهنّ تحت قبّة السماء الشاهد الوحيد على تعاستهنّ وحسرتهنّ، أطفال تصطدم ولادتهم على إيقاع أصوات الصحراء الرهيبة، صدمة الولادة تتعالى صرخاتها في آذان الرحّل العابرين في صمت يجرجرون قوافلهم التي أنهكها الظمأ والإرهاق، يولدون في قلب الصحراء ويكبرون في أحضانها، أطفال مسافرون بالقوّة وبالفعل، قدرهم السفر غير محمود العواقب من بطون أمّهاتهم إلى بطن العالم المقذوفين إليه صدفة ورغما عنهم.


ما عساها أن تكون إفريقيا، اللهم إلا الانفلات غير المقصود من قبضة الله الذي سهر الليالي والشهور والأيام يدبر كونه العظيم في شكل يعمّه التناسق والتناغم بين أجزائه المتناهية في الصغر تدبيرا حكيما..


أين هي الدفعة الحيوية التي طالما تشدّقت بها فيزياء نيوتن التي تتدخل عندما تتوقّف عجلة الأرض عن الدوران؟ لا تخجل على الإطلاق، فلن يقف منك "لايبنتز" موقف المستهزئ ويعتبرك ساعاتيّا يتدخّل في كلّ لحظة ليملأ ساعته حتى تستأنف حركتها وتدور عقاربها المهترئة؛ فإفريقيا في حاجة ماسّة إليك لتحرّكها وتوقظها من سباتها الطويل، هي في حاجة ملحّة لأصابعك السحرية التي أغفلت وجودها لملايين السنين. تصيح أفريقيا طالبة النجدة ودموعها تسري على وجنتيها اللتين حفرتهما تجاعيد الجغرافيا المقيتة. من تصيخ أذناه لهذا النواح المنكسر الجناح الذي يتفجّر من عمقها المتلف المهزوز؟ من له الجرأة والوقاحة  ليوقف هذا النزيف الدمويّ الفظيع؟ من يمتلك العصا السحرية ليجعل من هذه الأرض التي تتصدع أركانها بفعل لهيب الشمس الحارقة أرضا خضراء؟


لكن لا تحزني يا إفريقيا! فعيون العالم توجّهت  أنظارها إليك طيلة شهر بكامله، عيون مختلفة الألوان والأحجام، من العيون الزرقاء إلى الخضراء، لقد أنصفتك كرة القدم بعدما كنت في عداد المفقودين وفي سكن  الموتى المؤقت la morgue ، بفضل مونديال 2010 صرت الشغل الشاغل للإنسانية، صارت الألسن بتعدّد لهجاتها ولغاتها تلوكك، توغّلت في تفكيرهم ونسجت بيديك الناعمتين البريئتين خيوط تواصلهم، صرت ضيفا ليس ثقيلا في قلوبهم، القنوات الفضائية العالمية لا تتكلم إلا عنك، دخلت البيوت من أبوابها و ليس من نوافذها كلصوص منتصف الليل وأصبحت فردا من أفرادها المحبوبين  المدلّلين.

      أيتها القارة السمراء المنسيّة، لولا روح التحفّظ التي تسكن الخريطة لاقتطعتك ورمتك في سلة المهملات، لولا خوفها من أن يجلب لها هذا الفعل الخزي والعار لأبادتك ومحتك من ذاكرتها التي لا يعتريها الخرف.

في صباح من يوم السبت 17 يوليوز من العام الجاري، وبينما كنت أرتشف قهوتي الصباحية المعتادة بمقهى la bionda ، ودخان سيجارتي الشقراء يرسم أمامي لوحة من لوحات دالي السوريالية توقف أمامي شخص ملامح وجهه تشي بالتعب، يتكلم والعرق يتصبب من جبينه، يتكلّم لغة انجليزية مشوّشة تغلب عليها لكنته المحلية، أنا من نيجيريا واستقرّ بي المقام هنا بمراكش…. خلال السنوات الماضية القليلة لاحظ أنّ ثمة تدفقا مرعبا لسكان دول جنوب الصحراء يحطون رحالهم هنا كمحطة مؤقتة لاستئناف الرحيل، هي محطة يستريح فيها هؤلاء المحاربون القدامى ليكملوا مسارهم الخطير، ويحقّقوا أهدافهم المرسومة سلفا على أراضيهم الأمّ. لكنّ المثير في هذا التدفّق هو انخراطه في سوق التسوّل المفتوحة مسبقا، هؤلاء زوّار مؤقّتون في ضيافة هذه السوق، زوّار بدأت تستأنس بوجودهم مدن أخرى كالرباط والمحمدية والدار البيضاء وأياديهم ممدودة تنتظر عطفا محتملا، هو انخراط في سوق غير قابلة للزيادة، ثمّة فائض  حدّ التخمة لا يحتمل وجوها جديدة.

نعيش اليوم في ظلّ هذه الألفية الثالثة هوسا مخيفا تشكّل الهجرة عنوانه الأبرز، الكلّ ينحت خيوطا هروبية ليفلت بجلده سليما، معافى، هو سعي حثيث لحفر قنوات ممكنة لبذل الجهد وتتويجه بنجاح مظفر.  تعتبر الشبكة العنكبوتية قناة مثالية لجعل المستحيل متحققا، والمهمل مهمّا، والمنسيّ على هودج الذاكرة منتشيا، والقصيّ دانيا، الشبكة العنكبوتية هي المنقذ من الضلال، هي يد المساعدة الممدودة بسخاء لكلّ من توسّل قلبها الحنون،هي الإله الذي يوزّع هداياه وينزل برحماته على معبوديه المنبوذين، كيف لا والتقنية غدت إلها جديدا قلبت مفاهيم عصرنا بكامله رأسا على عقب، لم يسلم منها الإنسان ذاته؟ فبعدما كانت رهن إشارته في تدبير الطبيعة صارت بالمقابل قادرة على تدبيره هو نفسه؛ تضعه نصب عينيها وتدبّر خلاياه وأنسجته وتغيّر من ملامحه غير المرغوب فيها سواء الخارجية أو الداخلية، عندما تنقضي صلاحية قلبه تضع قلبا جديدا بديلا عنه، تجعل المرأة رجلا والرجل امرأة، لقد فتحت الباب لصدمة مدوّية مسّت جوهر الفوارق البيولوجية بين الجنسين.

     ينتصب أمام الشاشة العجيبة وينبس في قرارة نفسه افتح يا سمسم ككلمة سرّ مباطنة لكينونته تمتنع أن يسترق النظر إليها، هي الكلمة التي تجعل جهازه يتكلم، ويبحث من ثمّ عمّا طلب منه وينفّذه مغمض العينين، لا يحتجّ ولا يتشدّق بالمهامّ التي ينجزها بعدما  كانت فيما مضى  مستحيلة، بمعيته كلّ شي صار ممكنا؛ يبحث بدون كلل عن المواقع المتعدّدة التي تغريه بتعدّد عروضها موزّعة ما بين خلق صداقات عابرة أو عروض للزواج بمعايير منتقاة بدقة، ما على الفرد سوى الاختيار بما يتناسب وما تشتهيه سريرته مدفوعا وكلّه أمل في تلبية رغبته الجامحة الكامنة في الحصول على النصف الآخر المفقود يجعل هذا الأخير من إمكانية هجرته نحو الضفة الأخرى ممكنة التحقق. الـ MSN Messenger هي القبلة التي يحجّ إليها الأفراد بكثرة؛ هي البوابة السحرية في لحظة فتحها تنفتح الدنيا وتنبثق منها الخيرات والنعم، عبرها ننسج أحلاما وتفاصيل حياة  مخملية، عبرها نسرد محكيات ونفصح عن سيرة ذاتيتنا باختلاف نجاحاتها وإخفاقاتها،MSN مرسول الحبّ الحديث لعصر حديث، وسيط افتراضي يجمع شمل العشاق  المتيمين المترامية أطرافه في الشتات، بواسطته نحبّ، نتخاصم خصومة كاذبة، نتبادل الأحاديث ذات الشجون، نفترق بمحض إراداتنا، نتلاسن، نماطل، نتمادى، نبادر، وتعود الأمور إلى نصابها وهكذا دواليك. لكن كل ذلك يتمّ عن بعد. إنّه حبّ افتراضيّ. قلت  دائما إنّ الافتراضيّ طوّق نفسه بإحكام، هو بمثابة براديغم جديد ما ينفك يضع لنفسه أسسا صلبة تحميه من الانهيار، تحميه  من تشويشات قد تعمل على تكذيبه بعدما لفّ من حوله أصواتا تجمع إجماعا كليا مباشرا على جدارته واستحقاقه بدرجة امتياز. مضمون سيادته جليّ غير مشكوك في أمره. لا يسعنا  إلا أن ندلي بدلونا ونقول انهار برج زمن الواقع وامتصّته رغبة الافتراضيّ الجياشة.

ها هي اسبانيا الجار العزيز، جارنا التاريخي التليد ينتفض في الآونة الأخيرة مبديا عدم رضاه وسخطه القهار عندما انتزعت منه جزيرة ليلى الذي طالما ادّعى ادّعاءً أنّها تنتمي إلى جغرافيته، وتشكّل جزءا لا يتجزّأ من أرضه! ألا تكفيه المدينتان؟ ما هذا الجشع المفرط في نهمه. لم يساورها أدنى خجل في إطلاق العنان لهذا الادّعاء والافتراء الذي لن يستوعبه أيّ عقل سليم إطلاقا. لقد ثارت حفيظة اسبانيا عندما جعل محرّك البحث جوجل  google  جزيرة ليلى على سطح أرض المغرب بادية على خريطتها في فضاء الافتراضي  google earth .حمولة الافتراضي تمكنت من زعزعة دهاليز السياسة والأيادي الخفية التي تتحرّك في كواليسها المظلمة واضعة إياها إزاء زلزال هزّ دبلوماسيتها، وخلط أوراقها الخاسرة. 
زمن الافتراضي فرض نفسه في عمق عالمنا المعاصر بما ينطوي عليه من قوّة ساحرة في تحريك المياه الراكدة، وقدرة على خلق حراك سياسي، اجتماعي، وإذكاء روح الصراع وأجواء التوتر وشدّ الحبل. لم يعد الواقع سوى فترة للنسيان بسبب هذه الهيمنة الشمولية الكلية التوتاليتارية التي زحزحته من مكانه .
      
تخرج القارّة العجوز من صمتها وتصيح بأعلى صوتها أيها الزواج الأبيض! كم أنت مثير للقلاقل، أيها الداء الملعون الذي ينهزم أمامه كلّ ترياق مبين، بالله عليك، لماذا تنغّص علينا حياتنا، وبسببك صار نومنا أرقا دائما، هوّن علينا. أوروبا تخشى على أبنائها وفلذات كبدها من الوقوع في أسر نيّات خبيثة، ليس من السهل أن تنال رضا أوربا القدّيسة؛ ثمّة إجراءات تميل إلى الاستنطاق البوليسي غايتها معرفة هل ثمّة توافق بين المعنيّين بالأمر، يبحثون دون هوادة عن هفوة صغيرة تدمر أحلاما كبيرة؛ ينقبون عن علامات الزواج الحقيقية من صور فوتوغرافية تظهر فيها يدا العروسين متشابكين، أو شريط فيديو ينقل الحدث مكتملا بالصورة، وحده الاتفاق على التفاصيل الصغيرة هو المؤشر على سلامة هذا الزواج، الزوجة في حيرة من أمرها، الويل كلّ الويل إذا أغفلت حتى لون فسيفساء منزل المرشّح للهجرة. روح العنصرية تدبّ في شرايين الدويلة الصغيرة؛ صغيرة فيما يتعلق بالحيز المكاني التي تشغله، لكن مفعولاتها أعمق وأكثر وقعا. ما هي السفارة في نهاية المطاف اللهم إلا اختزالا موضوعيّا للدولة الأصل، هي الأجنبيّ المقيم بين ظهراني الأهلي، نسخة ليست مشوّهة، بل بالعكس هي الأصل وقد تجسّد عينيا، هي الضمانة المتعالية على استمرارية روح العلاقات بين الدول، هي بمثابة الناطق الرسمي الحامل للخطابات المشروعة، وللقرارات المحسومة، في أثناء مرور عواصف هوجاء مشحونة بتيارات وأجواء متوترة وعدم ضبط النفس تتوارى وتحتجب، لأنّ في فعل الاستدعاء تتشظّى الخيوط الناظمة للعلاقات. في قلب هذه الدويلة ذات السيادة تتم عمليات فرز ودراسات دقيقة للملفات التي تضعها تحت المجهر، لها الصلاحية المطلقة في التمييز ما بين المسموح وغير المسموح به، بين المقبول وغير المقبول، بين المستحقّ وغير المستحق. لا يلجها الفرد للوهلة الأولى، بل تسبقه هويته المتمثلة في جواز السفر، هذا المارد الذي يشق الطرق في أعماق البحار، يسمح للكينونة بأن تقفز قفزاتها الخفيفة مشرئبة وكلها فرح نحو المستقبل، يتيح لها دخول غمار أفق مجهول تجسّد فيه إمكاناتها وابتلاء لحدود قدراتها؛ هو انتشال لكينونة ذات هوية خاصة وإعادة لأقلمتها في تربة جديدة لتنتعش بتخصيب جديد، ما على هذه الكينونة في ظلّ هذه الوضعية سوى التكيّف مع هذه التربة والاندماج فيها، وكلّ شكل من أشكال الانزياح قد تبديه هو في عمقه إيذان بتعثّر هذه الكينونة ودخولها في صلب مماحكات ومشادات هي في غنى عنها قد تؤول إلى بزوغ عواقب وخيمة. هاجس المرئي واللامرئيّ يجثو على أنفاس أوربا، ويقلق راحتها، المرئيّ واللامرئي هو هذا اللباس الغريب الذي يسكن ديار أوربا على نحو غريب، هذا المنتوج الأفغاني الذي اجتثت بذوره من ارض "طورا بورا" وزرعت في مجمل المعمورة. لا تعلم أوربا من يقيم خلف هذا الحجاب الرهيب.

عندما تلج قدما الفرد هذه العتبة المقدّسة ما عليه سوى أن ينصاع لها مطأطأ الرأس، مسلوب الإرادة، بنفس خانعة، راضخة، مستسلمة، مطيعة لكلّ من هبّ دبّ وساعيا نحو خلق القلق والاستفزاز فيها والذي قد يتملكها بين الفينة والأخرى، ما عليه سوى أن يرضخ لطقوسها المفروضة عليه فرضا. من له الجرأة والشجاعة في هذا المكان المقدّس أن تثور ثائرته وأن يفصح عن غضبه المسكوت عنه، من سيعلن ثورته وتمرّده الدفين على نظام ما يفتأ يشدّد من قوانينه وبنوده المبجّلة، وشروط تظلّ تغيّر من ملابسها المتطرّفة بين لحظة وأخرى. طيف العنصرية مبتدأه يسكن في عمق هذه الدويلة ذات النفوذ المؤثر، ومنتهاه يفترش أرض الضفة الأخرى، أثناء عملية التواصل ثمّة جدار زجاجي يفصل ما بين المتحدث والمخاطب، هي جدران تحدّد الحدود سلفا، إنّه تواصل عبر الصوت والصورة؛ فالالتحام الجسدي غير ممكن، لسان حالهم يقول مع من نتكلّم؟ وأيّ جسد هذا الذي طلّ علينا هذا الصباح بطلعته البهية؟ هل هو جسد معطوب، مهترئ، تجاوز صلاحيته وعمره الافتراضي، عاجز…؟ مع انهيار البرجين التوأمين تشدد الطوق وتغيرت جذور المراقبة تغيرا حاسما، غير من زوايا النظر وتحولت المنظومة الأخلاقية والايتيقية بين الأنا والأخر؛ في قلب هذه الدويلة تجسّد بشكل عيانيّ هذا التغير.
ليست الهجرة وقفا على أفراد يبحثون عن شروط حياتية مقبولة، وليست دائما هاجسا لردع الجوع وإسكاته، وليست نزوعا ملحا من اجل البقاء، بل هي كذلك هجرة من اجل الفكر، علما أن الفكر لا يحوز على مكان ثابت ولا جغرافيا محددة، العقول الحرّة تسافر مع عدم إغفال على أنّ السفر أقلّ حدّة من مدلول الهجرة، تسافر في الأمكنة، فكرة  الثبات عندها ليست واردة، مرفوضة، الحياة بالنسبة إليها صيرورة، في فعل السفر تتفتق قوى الذات الإبداعية، الفكر متنقل، هو ترحال وهجران متواصل وليس ثباتا وسكونا "في عريشة معلّقة فوق الساحة المذكورة أشرف منها على كامل مدينة روما، وأصغي إلى هدير نافورة الـ Fontana الصاعد من تحت، ألّفت ذلك النشيد الأكثر توحّدا وعزلة من بين كلّ ما أنشد؛ "أغنية إلى الليل"، وفي تلك الفترة كانت تحوم حولي على الدوام نغمة ذات كآبة تربو على الوصف، وقد وجدت لها لازمة في هذه العبارة ميت من فرط الخلود… كثير من الأماكن الخفية والمرتفعات من تلك المشاهد الطبيعية بنيس ظلت مقترنة في ذاكرتي بلحظات رائعة لا تنسى؛ وأن ذلك المقطع الحاسم الذي يحمل عنوان "عن الألواح القديمة والجديدة " قد تمّ تأليفه أثناء عملية صعود مضنية من محطة المدينة إلى Eza تلك القرية الموريسكية الرائعة المعلقة فوق الصخور…" 3.

في ديار المهجر، وفي غمرة الاغتراب الذي يشمل الذات حتى النخاع تكون على إثره هذه الأخيرة منذورة لخلق أعمال فنية خالدة، بين سندان النوستالجيا ومطرقة الاغتراب تغتني الإنسانية بكتابات تثري تاريخها وتخلف أثرها على ظهر هذا التاريخ يصعب محوها. بذكريات قوة الأشياء وقوّة العمر تنكشف قيمة السفر عبر صحارى الأمكنة؛ فالفيلسوف هو هذا الذي ما يفتأ يمضي ينحت مفاهيمه على إيقاع ترحال دائم ومسترسل، الفكرة  لا تثير وقعا في النفوس والذات ملتصقة بكرسي فاخر تنبعث منه رائحة الثبات والرسوّ، بل هي حمامة ترخي جناحيها مقتحمة جدار صوت الأمكنة، حمامة تقتحم خلوة السماء وهي تغني أجمل أناشيد الصيرورة. سارتر، سيمون دو بوفوار، فوكو، نيتشه وآخرون رسموا مفاهيمهم وتأمّلاتهم على صفحة الأمكنة البيضاء.

لا غرو أنّ الهجرة ترتبط ارتباطا وثيقا بالحاجة والنقص، لكن ثمة وجه آخر يخفف من شدة وطأة حمولة الهجرة الحزينة، إنّه السياحة Tourisme من حيث هي تلطيف للمناخ المتوتّر والمكهرب الذي يجتاح منزل الهجرة. هذه الأخيرة  في صميمها  سعي دؤوب نحو الوجود من أجل البقاء، على هذا الأساس تحمل مسئولية على عاتقها وهي  أن تحفر وتنقب عن قنوات تترجم فيها هذا الطموح الكبير، تنقب وهي لا مبالية بالعراقيل التي لا تنوي التوقف والانسحاب منتصبة أمامها في كل لحظة من لحظات تحركها عن إمكانيات وشروط الحياة. يبدو لي شخصيا على أن الأجمل ما في الهجرة هو أنها تنطوي في جوّانيتها على نوع من النزوع الطبيعي الذي يمليه الكائن على نفسه متوسلا كل إمكاناته الجسدية والذهنية نحو الاستمتاع بحياة سعيدة باعتبارها أثرا فنيا ولوحة خالدة يستلزم العناية بها ووضعها في أجمل متاحف العالم.

السياحة هي الأفق المفتوح للكائنات الإنسانية لتدبير زمانيتها وفق إرادتها الخاصة التي لا يزاحمها في هذا التدبير أي شيء أو عائق مستفز،  هي الإمكانية المتاحة لترفّ العين واسترخاء للجسد من حيث هو علامة مميّزة للحداثة، والبؤرة التي تتجسد فيها الحرية والحقيقة وتجعل اختبار الجسد هدفا أوّليا لها من خلال سياحة الجبال Trekking  كاختبار لقدراته وسعيا للحفاظ على سلامته وطرد عنفوان الشيخوخة الذي يتهدّده من حين لآخر، أو اقتناص متعة حمامات الشمس اللطيفة. أما  الهجرة فهي تمرّد الابن على أبيه، تمرّد يفصح عن نواياه البادية للعيان على ارض أصلية غير عابئة به ولا مكترثة لوضعه، هي في عمقها انفصال عن جذور غائرة موشومة في ذاكرتها المتلفة تركتها لرياح الصدفة تعبث بها وتتلاعب بها جيئة وذهابا، غدوّا ورواحا. الكائنات تحرّكها الحاجة، وتدبّ على الأرض سعيا وراء إشباعها. لا تطيق أرضا غفل من إمكانات العيش، بخيلة العطاء متقشفة، زاهدة وحزامها ملفوف عن آخره بشدّة. هاهي الطيور تغير من أمكنتها بعدما أنهكتها ندرة الغذاء، وقسوة الطبيعة والمناخ وجفافه. على غرار ما تعانيه الحيوانات والطيور من فقر في الموارد نجد البشر بدورهم يفتقدون إلى ندرة الحظوظ وتوفر الفرص ليس فقط من أجل سدّ رمق الجوع أو فجوة الحاجة، بل  من اجل امتلاك مكانة اعتبارية تجعله متفردا ومتميزا عن الآخرين؛ فهجرة الأدمغة هي وجه أخر لافتقاد الأرض الأصلية لشروط موضوعية ممكنة تجعل هؤلاء الهاربين يشيحون بوجوههم عن هذا الهروب ويضربون عنه صفحا.  "يلاحظ تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003  أنّ هجرة  الكفاءات العربية عالية التأهيل إلى الغرب تسهم إلى حدّ كبير في تقويض التنمية في المنطقة. السبب الرئيسي لهجرة هذه الكفاءات هو غياب البيئة المجتمعية والإمكانات يمكن أن تؤدّي إلى قيام الكفاءات بدورها المنشود في منظومة المعرفة وفي نهضة بلادها، مع تحقق الذات وتوافر أسباب العيش الكريم… يدعو واضعو التقرير خطة منسقة لاجتذاب الكفاءات المهاجرة إلى العودة عن طريق تقديم المحفزات اللازمة لها(2)."

        في قلب البحار يتحدى البشر الموت؛ البحر بالنسبة لهؤلاء الكاميكاز لا يخيفهم البتّة، في صلب هذا الموقف يرفعون شعار التحدي ضد الطبيعة الهوجاء ومزاجها المتقلّب العكر، قوافل تترك آثار بصماتها على رمال دول إفريقيا جنوب الصحراء لتنضاف إلى قوافل في الطريق أو متربصة قبالة زرقة البحر متحينة الفرصة المواتية للرحيل. سرب من البشر كسرب اللانغوستين متراصّ الصفوف على أهبة الاستعداد للمشي في قعر المياه لمواجهة مصائره المجهولة؛ هؤلاء الحجّاج القادمون من الجنوب العميق ذي الجرح الغائر يستعصي على أن يندمل يتصارعون لعبور الاكيرون Achéron على متن قوارب Charon ليدخلوا مملكة Hadès آمنين.

الهوامش:


1-    أنتوني غدنز : علم الاجتماع (مع مدخلات عربية) ترجمة وتقديم الدكتور فايز الصياغ، المنظمة العربية للترجمة، مؤسسة ترجمان، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الرابعة، ص 331

2-     نفس المصدر ص 337

3-    فريدريش نيتشه : هذا هو الإنسان، ترجمة : علي مصباح، منشورات الجمل، الطبعة الثانية 2006، ص 118ـ 119
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This