الكاميرا الخفية
من المتعارف عليه لدى فنّاني الكاريكاتور أنّ الرسم الكاريكاتوري الأفضل هو ذلك الذي يشرح نفسه بنفسه، مستغنياً عن تضمينه بكلمات شارحة تثقل كاهله، وتصبح عبئاً عليه، وعائقاً أمام إيصاله بأمانة إلى الناطقين باللغات الأخرى، الذين يهمّ الرسام الوصول إليهم بخطابه، لأنّ الرسوم المشروحة لغوياً لا تختلف كثيراً عن بعض تلك النكات الباردة التي تتضمن خلال سردها كلمة أو كلمات غامضة تجبر المستمع على التفكير بها، فتذهب بروح النكتة وجوهرها محوّلة القهقهة المتوقعة إلى ابتسامة صفراء باردة.
نشأ في العصر الحديث فنّ جديد يشبه كثيراً فنّ الكاريكاتور، مع فارق الحركة، وذلك حين أدرك أهل الفنّ السابع وأربابه أنهم قد ابتعدوا عن الناس بما يكفي فقرّروا تجربة مغادرة الاستوديوهات المغلقة والخروج على زنازين السيناريوهات المكتوبة التي يقتصر أداؤها على المحترفين، وأرادوا إشراك الناس العاديين في فنّهم غير العاديّ، فظهر فنّ ” الكاميرا الخفية ” الذي يقوم أساساً على النزول إلى الشارع ومخالطة الناس ومداعبتهم بأشكال مختلفة ورصد ردود أفعالهم – السلبية غالباً – وتوثيق كل ذلك ثمّ عرضه على الشاشة على مرأى من ملايين المشاهدين الضحايا منهم والشامتين.
ولكن المعروف كذلك أنّ السياسة بفروعها وتجلّياتها قد استولت على فنّ الكاريكاتور، حتى بدا كأنّ هذا الفنّ سلاح من أسلحة الأيديولوجيا، وتحوّل رسّامو الكاريكاتور إلى منظّرين وأصحاب فكر سياسيّ، أو إلى مناضلين شعبيين كما كان المرحوم ناجي العلي قبل استشهاده المؤلم، وكما هو اليوم فناننا البارع “علي فرزات” لسان حال الأغلبية الصامتة من الدراويش والمغبونين والمعذبين في الأرض.
أما الكاميرا الخفية فلم ترد – أو لم تستطع – اقتحام هذا الميدان الشائك بسبب ظروف الحريات السياسية السيئة في البلدان العربية المحكومة في مجملها بأنظمة ديكتاتورية، الأمر الذي يجعل وضع كمين من هذا النوع الخفيّ لأيّ مواطن عربيّ، بمثابة تقديم دليل حيّ على إدانته إلى مخابرات بلاده التي لن يعجبها بالتأكيد خفّة دم القائمين على هذه البرامج لاسيما إذا استرسل المواطن المهضوم في عفويته و(بق) البحصة وهتك المستور.
ولذلك فقد ولجت هذه الكاميرا الوسط الاجتماعي بشقيه الشعبي والفني، فاقتحم أبطالها حياة المواطنين في الشارع وحياة الفنانين في الاستوديوهات، متصنعين ثقلاً في الدم تعجز عن حمله راسيات الجبال فتراهم في برامج على شاكلة (طيمشة ونيمشة) السوري و(طاش ما طاش) السعودي و(صادوه) الكويتي، ومعظم البرامج الخفية المصرية، يقولون تارةً للمواطن الضحية أنه قد (لطّش) فتاة (متواطئة معهم) مستمتعين بكلّ برود وشماتة بمحاولاته المستميتة في الدفاع عن نفسه، وتارةً أخرى يحجزونه في غرفة انتظار ليدخلوا عليه فجأة مسخاً متوحشاً من العصر الحجريّ يصرخ في وجه المواطن الضحية، الذي سيكون محظوظاً إن لم يصب بجلطة دماغية أو قلبية مفاجئة، جراء هذه المزحة الباردة. أو قد يدخل أعضاء الكادر الخفيّ إلى مطعم، فيجلسون طالبين كأس ماء، وكلما أحضرها لهم الجرسون يخفيها أحدهم على غفلة منه ويعاود بكل سماجة طلب كأس ماء، وهكذا دواليك حتى ( تفقع ) مع الجرسون، ويتهمهم بالسرقة ويتدخل صاحب المطعم أو الشرطة المحلية في الموضوع. على أن أمر هؤلاء الأخفياء مع زملائهم الفنانين ليس أقل سوءاً وقلّة ذوق فقد تتهم المذيعة الشاطرة، وهي تجري لقاءً مع مطرب مشهور، المطرب بأنه قد دخل مجال الفنّ بالواسطة، أو ممثلة بأنها قد أجرت عشرات عمليات التجميل لأنفها وصدرها وأردافها، كل ذلك رغبة في الاستفزاز وتحريك الضيف لاستشمام رائحة أخلاقه، ولا أحد منا يجهل الفارق الرهيب بين ردود أفعالنا نحن الشرقيين قياساً بردود الأفعال لدى المواطن الغربي، بدليل كثرة المرات التي (تزمر) فيها الشاشة عندنا، تغطية على كلام بذيء تلفظ به الضحية.
يحقّ لنا أن نتساءل هنا: ألا يتابع هؤلاء العباقرة برامج الكاميرا الخفية في الفضائيات الأجنبية؟ ألا يرون كيف يصمّم الأمريكان والفرنسيون وسواهم لوحات كاميراتهم الخفية؟ ألا يتعلمون ماداموا لا يعلمون؟
لا أنسى ما حييت كيف فتح كادر الكاميرا الخفية في إحدى حلقات الكاميرا الخفية في إحدى الفضائيات الأجنبية صنبور ماء منذ الصباح الباكر على رصيف شارع يضجّ بالحركة، وتركوه ينسكب ويهدر الماء على مرأى من المارّة الغادين والرائحين، فيما كانت الكاميرا الخفية تراقب من بعيد ردود أفعال المواطنين السلبية في معظمها وللأسف، فقد مضى أكثر من نصف نهار دون أن يفكّر أحد بالاقتراب من هذا الصنبور وإغلاقه، حتى وصلت أخيراً(السامرّية الصالحة) كما وصفها مقدّم البرنامج، وكانت هذه السامرية امرأة عجوزا تقدّمت في الحال وأغلقت الصنبور، وحين فاجأها كادر الكاميرا من خلفها استنكرت ذلك بشدّة وصرخت في وجوههم: “ماذا تظنون أنفسكم تفعلون … إنكم تهدرون المياه.”
أمّا كشف اللعبة فلم يكن مجرّد الإشارة بالإصبع إلى موقع الكاميرا الخفية كما هو الحال عندنا، ولكن ظهر أنّ محافظ المدينة شخصياً كان مع الكادر، وكان مكلّفاً بتقديم هدية رمزية للسامرية الصالحة جزاء غيرتها الوطنية.
هذا مجرد مثال يعبّر في رأيي عمّا يجب أن تشتمل عليه معايير اللوحة الخفية الناجحة: أقل قدر من الكلام، أقلّ كمية من الاستفزاز والمماحكة وشدّ العصب، وضع الضحية في مواجهة الطبيعة والأشياء، لا في مواجهة عناصر الكادر، ولكن قبل كلّ شيء دراسة الغاية من تقديم اللوحة قبل تقديمها وعدم الاكتفاء بمجرد الإضحاك الذي قد يسفّ إلى درك التهريج الفاشل وهذا كما يخيل إليّ هو العنصر الأهمّ في العملية بأسرها.
