الكذب والحرية
رنّ موبايل الراكب الجالس أمامي في السرفيس، أخرجه وأخبر محدّثه بأنّه كان للتوّ يحاول الاتّصال به، قال له إنّه سيصل بعد دقيقتين إلى حيّ البرامكة، بينما تستلزم المسافة ما لا يقلّ عن ربع ساعة. بعد الانتهاء من المكالمة أجرى مكالمة ثانية ثم ثالثة ورابعة، وفي كلّ مرّة كان يُعلم عن وجوده في مكان مغاير، وبطلاقة لسان وصوت مرتفع لا ينمّان عن الإحساس بالحرج أمام الركّاب الآخرين. تساءلت في قرارة نفسي عمّا يدفع هذا الرجل إلى الكذب على عدّة أشخاص؟ أهو مضطرّ حقّاً إلى ذلك؟ ثمّ أيصحّ أن أستخدم كلمة “حقّاً” في السؤال السابق؟!
يتندّر الكثيرون بأنّ عادات استخدام المحمول في مجتمعاتنا قد تكفّلت بالكشف عن أكاذيب كانت طيّ الكتمان، أو لم يكن لها داعٍ، وفي طليعتها السؤال الذي يتداوله المتّصلون عن مكان وجود كلّ منهم. قد نقول أيضاً إنّ عادات الاستخدام غير الرشيدة أدّت إلى اختراق متزايد لخصوصية الأفراد، في مجتمعات لا تعترف بها أصلاً، مع افتراض أنّ حامل الموبايل جاهز باستمرار لتلقّي الاتصالات، ما يوقعه في الإحراج، وحتّى اختلاق الأكاذيب عند الضرورة، وربّما بلا ضرورة. في الواقع ليس هناك ما يضبط وضعيّة الضرورة، فهي تتباين بين تقدير شخصيّ وآخر، وبين شريحة اجتماعية وأخرى، مع أنّ التباينات غير جوهريّة في مجتمعات تغلب عليها المحافظة. من هذه الناحية قد نفسّر، أو نبرّر الكذب، بأنّه وسيلة اضطراريّة للتفلّت من ضوابط اجتماعية صارمة؛ أي أنّه تحايل من أجل ممارسة قدر أكبر من الحريّة الشخصيّة في مجتمعات لا تعترف بها. الازدواجيّة بهذا المعنى تعبّر عن براغماتية تتيح قدراً من الحريّة بأقلّ ما يمكن من الخسارة الاجتماعيّة، وهي آليّة دفاعيّة تنخر في الكابح الاجتماعيّ دون مواجهته أو التسبّب المباشر في انهياره. تتمّ ممارسة الحريّة باختلاسها، فتصبح متحصّلة واقعاً، وغير منظورة في الآن نفسه إذ تحجبها طبقة شفيفة من المخاتلة.
يقع التكاذب الاجتماعي في منطقة رماديّة، فالكاذب إمّا أنّه يؤمن بالمنظومة القيميّة السائدة، لكنّه لا يقدر على مجاراتها تماماً لذا يقترف أفعالاً منافية لها، أو أنه لا يؤمن بالمنظومة السائدة ويجد نفسه ضعيفاً في مواجهتها، فيعمد إلى اختلاس ما يعتقد أنّه حقّاً له. في الحالتين يجد التكاذب سنده “الأخلاقيّ” في شيوعه لا في الترسيمة المعلنة، يتغلّب الإحساس بالحرج من الأفعال المعبّرة عن الفردانيّة على ذلك المتأتّي من الكذب، فتزدهر الخصوصيّة القائمة على المقموع والمسكوت عنه، وتزدهر معها النزعات التلصّصيّة فتغدو خصوصيّات الآخرين مادّةَ إشباع للنوازع المكبوتة، والأهمّ هو ما تمنحه هذه الخصوصيّات المخترَقة من شحنة تطهيريّة للمتلصّص الذي يمارس السلوكيّات ذاتها أو يودّ ممارستها.
في ملفّ سابق للأوان عن الرقابة تبدّت ملامح الرقابات المتعدّدة والآليّات الدفاعيّة المضادّة لها، وإن اختصّ الملفّ بحريّة التعبير، إلا أنّ الاحتيال على الرقابة الذي يكتسي ثوباً جماليّاً أحياناً، عبر المداورة والكذب الفنّيين، لا يصل إلى مرتبة الخيار الواعي الحرّ، فأسلوب أداء القول أو الفعل رهنٌ بالعوائق التي تعترضه. هذا التعرّج الذي لا تُنكر جمالياته، ويستدعي خيالاً، أو ينمّي مخيّلة ومقدرات ذهنيّة بما فيها المكر الفنّي؛ هذا التعرّج مبنيّ على الإحساس بالإثم، ما يُبقي الحريّةَ مشتهاةً وليست في المتناول ما دامت الطرق إليها أسيرةَ عفافٍ، أو أسيرةَ فكرةِ العفاف. محكّ الكذب الفنّي هو في تعدّد الخيارات المتاحة للقول، لا في الطرق الإجباريّة التي بدورها تتحوّل إلى نمط دلاليّ مكشوف، أي إلى ما يمكن أن ندعوه تواطؤاً دلاليّاً عامّاً.
قد يكون الكذب طريقة في رؤية العالم، أو رغبة في إعادة ترتيب العلاقة بين الأشياء على غير ما هو مألوف، على ألا يكون ذلك مشروطاً بسلطات فظّة تؤطّر الفرد، وتقنّن له رؤيته، أو تمنعه ممّا يريد فعله أو قوله حقّاً أو مباشرةً. في المقابل يمثّل الكذب الاجتماعيّ قبولاً بالسلطات، ويتفاقم عند الأشخاص الأكثر إحساساً بالسلطة؛ بقدر ما تفرض السلطة وجودها في وعي ولاوعي الفرد يُضطرّ هذا الفرد إلى التكيّف مع مقتضياتها، وربما التسليم النهائيّ بها. ولأنّ السلطة تتجذّر باطّراد يخرج الكذب عن نطاق الضرورة الظرفيّة، يتحوّل إلى نسق مستديم وغير مشروط بتباينات الآخرين؛ هي بالأحرى فكرة السلطة التي تجعل من الآخر، بصرف النظر عن ماهيّته، أداةً لها.
من جانب آخر يقدّم التكاذب الاجتماعيّ السلوى في توزيع السلطة على الجميع، فعندما يكذب الجميع على الجميع يبدو كلّ واحد خاضعاً للسلطة وممثّلاً لها معاً، يدخل الكلّ في علاقة سيطرة/خضوع متبادلة، ما يقيم نوعاً من التوازن الاجتماعيّ الذي بدوره يلطّف من القهر والكبت الملازمين للسلطة. يبرّر البعض جانباً من التكاذب، أو النفاق المعمّم، بدواعي اللياقة الاجتماعيّة أو المجاملة، وهذا التبرير يضيف خرقاً جديداً لمفهوم الحريّة إذ يمحو الحدود بين احترام الآخر والتشابك معه في علاقة تكاذب مهما كانت تسميتها، فالاحترام هو شرط من شروط الحريّة، بينما النفاق من علامات الشخصيّة الخانعة.
“لا تكذب”؛ هي إحدى الوصايا العشر الواردة في العهد القديم، ومن طرائف العهد القديم، وهو كما نعلم الأساس في الأديان التوحيديّة، أنّ الربّ يقدّم أمثولة مغايرة، فبعد أن وعد ابراهيم بألا يهلك مدينةً كثرت “آثامها”، ولو كان فيها نفر قليل من “البارّين”، أوعز إلى لوط بمغادرتها مع أسرته تمهيداً لإحراقها. لكنّ أهمّ ما يجعل الوصايا الأخلاقيّة في الدين محلَّ اختراق هو قيام الدين على تراتبيّة قسريّة، ففي الوقت الذي يطرح فيه الدين منظومة من المُثُل نجده يفرغها من إمكانية تحقّقها بربطها بعلاقة خضوع تتبدّى أولاً بالخوف من الربّ والعقاب الإلهيّ، ومن ثمّ بالسلطات المتفرّعة عنه. الدين، ككلّ ثقافات الخوف، ينمّي طهرانيّة زائفة متعالية على الشرط الإنسانيّ الطبيعيّ، وهذا ما يؤدّي إلى تفشّي الازدواجيّة والكذب على الضدّ من نقاء المُثُل التي يلوّح بها.
المقارنة البسيطة بين مجتمعاتنا والمجتمعات التي قطعت شوطاً كبيراً في مسألة الحريّات الفرديّة تفيد بتعزّز الشفافيّة في تلك المجتمعات، مع أنّ أفرادها لا يقعون تحت ترهيب السلطات الدينيّة أو المدنيّة، ما يعني أنّ أخلاق الفرد تنبع من إحساسه بذاته ومن انتظامه في علاقات تكافؤ مع أقرانه. مع ذلك، وللسبب نفسه، نرى في تلك المجتمعات اهتماماً بالصحّة النفسيّة وبعلم نفس الأفراد والجماعات، بينما لا يزال العقل السائد في مجتمعاتنا يحاكم هذه القضايا من زوايا تقليديّة كالعيب أو الحرام، ولا يندر أن يبلغ الشطط بالبعض إلى حدّ اتّهام المجتمعات الحرّة بالانحلال الأخلاقيّ.
أجرؤ على الاعتقاد بأنّ حريّة الفرد تتناسب عكساً مع مقدار الكذب مهما تقنّعت ممارسات هذا الفرد بمظاهر حرّة، وهذه الشفافيّة التي تقتضيها الحريّة لا تتعارض مع تعزيز المخيّلة التي هي بدورها شرط إنسانيّ ضروريّ. وإذا كان من شأن أيّة علاقة أن تخلق حقلاً دلاليّاً بين أطرافها فإنّ الحقل الدلاليّ للتكاذب يفتقر إلى الثقة البنّاءة، ويقع في أدنى درجات السلّم لجهة المعايير الجماليّة، أمّا الفكرة التقليديّة التي تفيد بانتعاش الإبداع تحت القمع فهي تصحّ فقط بوجود أفراد متشبّثين بحريّتهم. إنّ غياب الحريّة الفرديّة كأطروحة مركزيّة يفسح المجال لهيمنة الأخلاق المضادّة لها، ويربّي الفرد على الإحساس بالخطيئة، في الوقت الذي ترتكب بحقّه أفظع الخطايا، فالأخلاق التقليديّة تضع المسؤوليّة المطلقة على عاتق الفرد بينما تجرّده من الحقوق التي تكفل انسجامه مع نفسه. محكّ الكذب من وجهة نظر الحريّة هو في الظروف التي تجعل منه سلوكاً معمّماً، وهذا لا يعني التسليم به، لكنّ المقاربة تختلف؛ فإذا كنتُ موضوعاً للكذب فإنني أتجاوز كوني موضعاً للخداع إلى رؤية الآخر الذي يضعني، بقصد أو دونه، موضع السلطة. حينها ما الذي ستكون عليه ردّة فعلي إن كنت أرفض موقع السلطة؟
