الله: سيرة فلسفية
استنادا إلى الأبحاث والدراسات الأركيولوجية والأنثروبولوجية المتقدّمة، يمكن الجزم بأنّ الدين، كشعور نفسيّ وواقعة اجتماعية ومعطى ثقافيّ، هو قديم قدم الإنسان نفسه. فالإنسان منذ اكتسابه خاصية الوعي الأولية والبدئية نسج حول ذاته في علاقتها بـ”المجهول” و”الرهيب” نسيجا فريدا من “الخيالات” و”الاستيهامات” و”الإسقاطات” اتّخذت أشكال “طقوس” و”أساطير” و”ملاحم” لا تعدم وحدة إنسانية أصلية فيما بينها. لكنّ “الله” كموجود أسمى، منه تَستمدّ كافّة الموجودات وجودها ويتخذ هذا الوجود “معنى”- هذه واقعة طارئة وحديثة –نسبيا- في تاريخ الإنسان (= الموجود العاقل) على مستوى التصوّر والإدراك. بل إنّ هذه الواقعة تبدو مرتبطة تاريخيا ومعرفيا بظهور نمط التفكير الإنساني المسمّى فلسفة. ومن هنا –بدون شك- إمكانية كتابة “سيرة فلسفية لله”.
إنّ هذا لا يعني بالطبع أنّ حضارات قديمة (المصرية “التوحيدية” والهندية البرهمية بالخصوص) لم تهتد إلى “الله” كموجود ومبدأ وصورة. هذا تحصيل حاصل بالنسبة لمن له أدنى اطلاع على تاريخ الحضارات الإنسانية القديمة. لكنّ المشكل مطروح على مستوى آخر: إنّ اليونان – إذا ربطننا نشأة التفكير الفلسفي بهم- لم يكونوا أصحاب ديانة توحيدية تقوم على أساس عبادة كائن واحد أحد يخضعون في حياتهم الفردية والجماعية لناموسه الفريد. فالشعب اليوناني كان “يعبد” آلهة بعدد ظواهر الطبيعة التي يمكن تمييزها. لكن وسط هذا العالم الحسّي الذي كانت فيه حياة الآلهة تمتزج بحياة البشر بل وتتفوّق عليها من حيث الاستغراق في المباذل، برز وتطوّر تفكير نظريّ رفيع ميّز بين عالم الحسّ وعالم المُثُل مسبغا كامل التفرد والسموّ على مثال الخير (أو الله) [أفلاطون] وتفكير “طبيعي” دقيق استغرقه التأمّل في “علّة العلل أو المحرّك الأوّل” [أرسطو]. ومن هنا لم يبق “الله” مرتبطا بمجرّد صلوات تقام أو أدعية تتلى، لكنه تحوّل إلى “موضوع” فلسفيّ تطرح بصدده أسئلة فلسفية كبرى: سؤال الوجود نفسه (هل الله موجود وما هي براهين وجوده من عدمه؟)، سؤال المعرفة (ما هو السبيل إلى معرفة الله: بالعقل والتفكير أم بالحدس والإيمان؟)، سؤال الأخلاق/المعنى (كيف تستقيم حرية الإنسان ومسؤوليته مع وجود إله مطلق الفعل والإرادة؟).
طرحت هذه الأسئلة بحدّة (أو في الواقع أعيد طرحها) مع ظهور وتطور الديانات التوحيدية الكبرى: اليهودية، المسيحية،الإسلام.كما أن طرح هذه الأسئلة (أو إعادة طرحها) -تم عموما- من داخل “التوفيق” بين مسلمات الديانات الثلاث “المنزلة” و موضوعات التفكير الفلسفي القائم.
اليهودية: إنّ نواة التفكير الفلسفي الدينيّ اليهوديّ يمكن العثور عليها لدى فيلون الإسكندراني (القرن الأول) الذي خص الله بـ”التعالي” ونظر إلى الكون والإنسان باعتبارهما من خلق العقل المتعالي أو اللوغوس، وبالتالي فهما يعكسان بعضا من ذات الله بل إن الإنسان خلق على صفته. ومن جهته، يركّز ابن ميمون (1138-1204) على صفة “العناية الإلهية” بدون تعارض جذريّ مع “حرية الإرادة البشرية”.كما يؤكّد الفيلسوف اليهوديّ الأندلسيّ المشهور على استحالة معرفة الله إلا من خلال “آثاره”. وبالتالي، إقرار نوع من “الغياب” الميتافيزيقي لله نجد آثاره (هذا الغياب) كموضوع وإشكالية لدى فلاسفة “يهود” معاصرين أشهرهم بدون جدال هانز جوناس الألماني، وإمانويل ليفيناس الفرنسي.
المسيحية: في البدء هناك الإيمان (أو الاعتقاد القلبي والقبلي) الذي هو “السبيل القويم” للوصول إلى الله. ثم يأتي العقل –الذي هو منحة إلهية- ليبرهن ويثبت. وهذا ما نجده لدى القديس أنسلم (1033-1109) صاحب البرهان “العقلي” المشهور: إننا نملك في عقلنا فكرة كائن هو أسمى من كل ما يمكن أن نتصوره. إنه الكائن الأسمى بامتياز. وفي هذه الحال، فكائن في مثل هذا السمو سيزداد سموا بكونه موجودا ليس فقط وجودا فكريا ولكن وجودا حقيقيا. وعليه، فالله –الكائن الأسمى- هو موجود وجودا حقيقيا وإلا فسنضطر إلى تصور موجود أكثر سموا منه. ويتحفظ القديس طوماس الأكويني (1225-1274) إزاء فكرة البرهان العقلي (الرياضي) الحاسم والجازم فيما يخص إثبات وجود الله ويدعو إلى نهج سبيل التأمل في خلق الكون وتدبيره، وبالتالي “الاقتناع” بوجود خالق ومدبر (= علة أولى) هو الله بالنسبة لمن “يعقلون”…مع الاعتراف بعدم قدرة العقل البشري ذاته عن البرهنة على وقائع غيبية مثل “الثالوث” و”التجسيد”…
الإسلام: بعيدا عن مجرّد إبراز النظرة “التوفيقية” بين “الشريعة” و”الحكمة” أو بالعكس، تقرير “الانفصال” بينهما، فلقد طرحت مسألة “الله” في الفلسفة الإسلامية طرحا انطولوجيا ومعرفيا أصيلا وعميقا. فالله هو “الجمال المطلق” وهو “الوجود الخالص”. والتفكير الفلسفي هو ما يضع المؤمن المسلم على درب إدراك هاتين الحقيقتين “عرفانيا” (ابن سينا) أو عقلانيا (ابن رشد)، وبالتالي، فالفلسفة هي في جوهرها نوع من “تنوير الدين أو الإيمان”، أو بتعبير آخر: وحده دين مستنير بأنوار الفلسفة (العقل) هو جدير بالإنسان المصطفى والمكرم من طرف خالقه. ومن هنا –مثلا- نعت المستشرق هنري كوربان للفلسفة الإسلامية بأنها “فلسفة نبوئية” باعتبار “أن ما لم تفتقده الفلسفة الإسلامية أو تنكره هو الوعي بمستوى معين وممكن من التجربة الإنسانية، تجربة شيء ما ندعوه عموما بالله حيث أن فلاسفة الإسلام حاولوا تجلية طبيعته عوض اعتبار المدلول الحرفي لاسمه (كما يفعل عامة المسلمين)أو الطعن في وجوده (كما يفعل الملحدون)”.
كيف طرحت (أو أعيد طرح) مسألة الله في الفلسفة الحديثة؟
يمكن كجواب على هذا السؤال إبراز مناحي ثلاثة: منحى إيماني عقلي، منحى إيماني روحي، منحى إلحادي.
المنحى الإيماني العقلي: وأبرز من يمثله ديكارت (1596-1650) صاحب الدليل الأنطولوجي المشهور: الله هو بالتحديد العقلي الكائن الحائز على كل الكمالات، الوجود هو كمال، وبالتالي فالله موجود أي أن وجود الله هو متضمن ضرورة في فكرة الله ذاتها. وفي نفس السياق سار ليبنتز وعقلانيون آخرون.
المنحى الإيماني الروحي: شكك باسكال (1623-1662) في إمكانية إدراك الله عقليا،وحتى في حالة “قبول” البراهين العقلانية الميتافيزيقية المعروفة (الدليل الأنطولوجي، الدليل الكوسمولوجي، الدليل الثيولوجي) فلن “ندرك” إلا إلها هو أقرب إلى الموضوع العقلي الخارجي منه إلى إله تلتحم به أرواحنا ونستمد من وجوده الباطني أسباب الأمل. ومن جهة أخرى، فالإيمان هو أولا وأخيرا مخاطرة ورهان (=رهان باسكال الشهير): الحياة الدنيا هي فانية، وفي حالة الرهان على وجود الله فثمة حظ واحد على اثنين لربح الحياة الأبدية- في حالة وجود الله. وهذا رهان معقول بل ومربح بنسبة احتمالية جد متقدمة! (لا ننس أن باسكال هو بالأصل رياضي بل ومبدع حساب الاحتمالات).
المنحى الإلحادي: وتبرز في هذا الصدد أربع أطروحات أساسية: الدين كاغتراب للإنسان (فيورباخ)، الدين كمنوم للطبقات المستغلة (ماركس)، الدين كـ”سم” قاتل للحياة (نيتشه)، الدين كوهم واستيهام (فرويد).
إجمالا، تمثل البراهين العقلية على وجود الله والأطروحات النافية له ما يمكن اعتباره نقطة حدية في علاقة الفلسفة بموضوع الله. والواقع أن هذا ليس هو الوجه الأبرز فضلا عن كونه الأوحد لهذه العلاقة. بل إن التفكير الفلسفي – وبمعنى من المعاني- حقق طفرة مهمة في هذا الصدد من خلال تجاوز هذه المسألة برمتها. بتعبير آخر: لم يعد المهم هو “إثبات” أو “نفي” وجود الله “موضوعيا” بقدر ما أن المهم هو سياق طرح المسألة تحديدا بارتباط مع الحياة الأخلاقية للجماعة والسلوك القيمي للفرد. فكانط (1724-1804) أبرز في كتابه “نقد العقل النظري” تناقضات كل من البراهين “العقلية” الثلاثة المذكورة، وفتح الباب، بالتالي، واسعا أمام اعتبار “الله” مجرد “مصادرة” يستقيم بها بناء العقل العملي إن على مستوى التأسيس أو مستوى المآل. وفي منحى مماثل (لكن بيولوجي) سار برجسون (1859-1941) من خلال تأكيده على أطروحة “الاندفاع الحيوي”. وعموما يمكن الإقرار بأن مسألة وجود الله لم تعد مسألة “حقيقة” ننفيها أو نثبتها ولكن فقط مسألة “معنى” و”منظور” و”إعادة قراءة”…وهذا موضوع آخر.
