المثليّة الجنسيّة (25)
لهذه الورقة هدفان. أما الأول، فتبيان الانتقال النظري من مقولة الشذوذ إلى مفهوم المثلية على أنه انتقال من خطاب ديني أبيسي إلى معرفة علمية (بيولوجية، سيكولوجية وسوسيولوجية…). وهذا ما يسمّى عادة قطيعة إبستمولوجية. أما الثاني فتشخيص موقف الرجل المغربي العادي من مقولة الشذوذ للتدليل على غياب مفهوم الاتجاه الجنسي عن فكره اليومي، وهذا أمر طبيعي لأن الفكر اليومي يتميز بكونه يتموقع دوما ما قبل القطيعة الإبستمولوجية.
{{ فرضية الازدواجية الجنسية، مسلك التطبيع}}
يذهب التعريف السائد للشذوذ الجنسي على أنه التقاء متعوي بين عضوين جسديين لا يمكن أن يؤدّي إلى الإخصاب والتناسل، بين القضيب والشرج مثلا، أو بين الفم والفرج، أو بين الفم والقضيب، أو بين اليد والفرج أو القضيب. إنه توظيف للغريزة الجنسية مع تغيير الموضوع (غير الفرج بشقيه الذكري والأنثوي) والهدف (غير النسل). لذا يشكّل الالتقاء بين قضيب الذكر وفرج الأنثى الالتقاء السويّ الأوحد لأنه الوحيد الذي بإمكانه أن يؤدي إلى إخصاب الأنثى بشكل طبيعي. إنه مبدأ التكامل بين الذكر والأنثى الضامن -وحده- للحفاظ على النوع البشري واستمراره. وهنا يتبدى جليا أن التناسل هو البعد الذي يؤخذ بعين الاعتبار في الفعل الجنسي، أما المتعة الناتجة عن إشباع الرغبة فما هي سوى وسيلة للجمع بين الذكر والأنثى. من الواضح أن تعريف الشذوذ الجنسي انطلاقا من المعيار الإنجابي لا يقف عند حدود معطيات بيولوجية محضة، بل يقوم على احترام غائية اجتماعية بالأساس، وهي ضرورة إعادة إنتاج الذات والحفاظ عليها وتقويتها بفضل التكاثر. يقوم مفهوم الشذوذ الجنسي إذن على رفض كل متعة لا تخدم التناسل ولا تساعد على تحقيقه، بمعنى أن المتع الفمية والشرجية والاستعراضية (متعة النظر)… لا تقبل كأنشطة جنسية مستقلة عن الجنسانية القضيبية/الفرجية، وتُرفض باسم أخلاق اجتماعية لأنها تفكّ الارتباط بين الجنس والقضيبية ولا تحمل إمكانية التناسل، وتبقي الفرد في مراحل تطور الليبيدو ما قبل القضيبية، الفمية والشرجية بالضبط. ظل التصور الرافض للمثلية على أنها شذوذ سائدا إلى أن ذهبت المنظمة الأمريكية للطبّ العقلي ثمّ المنظمة العالمية للصحة إلى القول بضرورة التخلي عن اعتبار المثلية الجنسية شذوذا.
وراء هذه الثورة الجنسية مدرسة التحليل النفسي التي أعادت الاعتبار إلى المتعة الجنسية، والتي رأت فيها أولا هدفا في حدّ ذاته، ثمّ شرطا ضروريا لضمان التوازن النفسي. في هذا الاتجاه، ارتأى كينسي (Kinsey) أن موضوع الدراسة الإمبريقية/الكمية للجنسانية البشرية الذي يمكن قياسه هو الأورجاسم (orgasme). ثم زاد على ذلك أن الأورجاسم وحدة قابلة للقياس بغضّ النظر عن النمط المتبع من أجل تحقيقه. في هذا السياق، أنجز دراستين رائدتين عن السلوك الجنساني البشري، الأولي سنة 1948 وهمت 5300 رجل، والثانية سنة 1953 وهمت 8000 امرأة (في الولايات المتحدة). صحيح أن كينسي عالج الأسئلة التالية: كيف يحصل الشخص على الأورجاسم؟ مع من يبلغه؟ كم مرة يبلغه؟… لكن ما ميز مقاربته المؤسسة لعلم الجنس (sexologie) أنه لم يفاضل بين الأورجاسمات انطلاقا من كونها مقبولة أو مرفوضة اجتماعيا، أي ناتجة عن جماع غيري أو مثلي، ثنائي أو أحادي (استمناء)، واقعي أو احتلامي، بظري أو فرجي أو إستي، جماعي أو فردي أو ثنائي، زوجي أو غير زوجي… المهم في نظره هو تحقيق الأورجاسم واعتبار ذلك منطلقا لقياس جنسانية الأفراد والجماعات وأساسا لمقارنة دقيقة بين النساء والرجال، بين الطبقات الاجتماعية، وبين مختلف الإثنيات.
واضح إذن أن دراسة كينسي سوت على مستوى المنهجية السوسيولوجية بين الجنسغيرية والجنسمثلية حيث رأت فيهما طريقين متساويين لبلوغ الأورجاسم، ومن ثمة شكلت انتقادا علميا للأخلاقية الأبيسية- الدينية التي تفاضل بين أنماط الحصول على الأورجاسم، فترى في بعض الأنماط أنماطا أخلاقية سوية وفي أخرى أنماطا غير أخلاقية شاذة. أبعد من ذلك، أظهر كينسي أن الجنسغيرية والجنسمثلية ليستا اتجاهين مستقلين عن بعضهما البعض، وأنهما قطبان نظريان لخطّ متصل يرتب كل فرد حسب درجته من الجنسغيرية ومن الجنسمثلية. وهذا ما أظهره كينسي في سلمه الذي يميز بين سبع “بروفايلات” جنسية هي :
0. جنسغيرية مطلقة
1. سيادة الجنسغيرية مع تجربة جنسمثلية
2. سيادة الجنسغيرية، جنسمثلية ظرفية
3. ازدوجية الاتجاه الجنسي دون تفضيل
4. سيادة الجنسمثلية، جنسغيرية ظرفية
5. سيادة الجنسمثلية، تجربة جنسغيرية
6. جنسمثلية مطلقة
في الواقع، يقيس سلم كينسي معامل الجنسمثلية عند الفرد حيث يبرهن على وجود أفراد يبلغ معاملهم من الجنسمثلية ستة نقط، مما يعني أن أولئك الأفراد لا علاقة لهم بتاتا بالجنسغيرية، وأنه لا مكانة للازدواجية الجنسية عندهم. وهو السؤال نفسه في حال الغيرجنسيين المطلقين. في هاتين الحالتين، ما مصير فرضية الازدواجية الجنسية التي يقوم عليها السلم؟ ألا تتهدم فرضية الازدواجية بسبب وجود الجنسمثليين والجنسغيريين المطلقين بالضبط؟ أطروحة كينسي أن الغياب الكلي للجنسمثلية (نقطة صفر) والحضور الكلي لها (نقطة ستة) ما هما سوى بروفايلات نظرية أو نموذجية. أما الأفراد العينيون الذين لجنسانيتهم ماض وحاضر ومستقبل، فلا يمكن أبدا الجزم بأحاديتهم. إنهم سيرتبون حتما من الدرجة 1 إلى الدرجة 5 في السلم. إن الازدواجية الجنسية موجودة بالفعل أو بالقوة عند كل فرد له نشاط جنسي. من جهة أخرى، لا يمكن اختزل الجنسانية في السلوك الظاهر. إن غياب تجربة جنسمثلية عينية أو جنسمثلية ظرفية لا يدلّ أبدا على غياب فعلي وكامل للجنسمثلية (كرغبة، كاستيهام) عند الجنسغيري. كما أن غياب تجربة جنسغيرية عينية أو جنسمثلية ظرفية لا يعني بدوره الغياب الفعلي والمطلق للجنسغيرية (كرغبة، كاستيهام) عند الجنسمثلي. إضافة إلى ذلك، يخضع معامل الاتجاه الجنسي إلى تقلبات تستمر مدى الحياة، فهو لا يقاس فقط انطلاقا من مؤشر الشريك الواقعي في الفعل الجنسي. على سبيل المثال، يمكن للفرد أن يقوم بمجامعة شريك من الجنس الآخر وهو يتخيل أنه يجامع شريكا من نفس الجنس (أو العكس). في هذه الحالة، من المشروع أن نتساءل عن الاتجاه الجنسي المسؤول عن الأورجاسم المحصل؟ هل هو اتجاه جنسمثلي أم اتجاه جنسغيري؟ إن التجربة الفيزيقية الجنسغيرية ليست دوما وبالضرورة تجربة جنسغيرية نفسيا. وهذا ما يؤدي إلى ضرورة رفض الجنسغيري المطلق والجنسمثلي لأن مبدأ الازدواجية الجنسية لا يحيل على السلوك الجنسي الظاهر فقط، بل يستمد شرعيته من مستويات باطنية وعميقة في كل شخصية مجنسنة.. فكل إنسان يحمل في ذاته معطى جنسغيريا ومعطى جنسمثليا ويركب بين الاثنين في سلوكه الجنسي وفق مقتضيات خاصة ببيولوجيته وتنشئته ونفسيته (من لا شعور وأحاسيس)… إن مفهوم الاتجاه الجنسي لدى الفرد سيرورة دينامية تطورية وكلية. في بعض الأحيان، يتمظهر مفهوم الازدواجية الجنسية باسم مواقف إيديولوجية كما هو الأمر عند نسائيات جذريات في الولايات المتحدة في أواسط السبعينات من القرن الماضي. فعلا، مارست هؤلاء النسائيات المثلية الجنسية باسم رفض جذري للرجل، لأنهن اعتبرت الرجل عدو المرأة الجذري، الملموس، خلافا لعدو مجرد اسمه الأبيسية. ورفضن الإنجاب أيضا لأنه يعمل على تكريس تسلط الرجل وهيمنته. إن الجنسمثلية هنا مثلية إيديولوجية، بمعنى أنها لا تقوم بالضرورة على اتجاه جنسمثلي في الشخصية، بل هي هوية وممارسات تعبر عن موقف سياسي بالمعنى الواسع للكلمة. ووارد أيضا أن تكون الجنسمثلية “السياسية” قناعا إيديولوجيا لجنسمثلية “حقيقية” لا تتقبل نفسها كقدر مركب.
انطلاقا من أبحاث كينسي هاته، تم التخلي تدريجيا عن مفهوم الشذوذ كمفهوم علمي وتم تعويضه بمفهوم الاتجاه الجنسي. مفاد هذا المفهوم أن الفرد غيريَ و/أو مثليَ الاتجاه الجنسي في الوقت ذاته وبدرجات متفاوتة، بمعنى أنه يتجه نحو شركاء من غير جنسه أو من مثل جنسه، واقعا و/أو خيالا، في ماضيه أو في حاضره أو في مستقبله. وأكدت الأبحاث أن كل اتجاه جنسي، إن بدا مطلقا ومستقلا، استجابة لعوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية تجعل منه اختيارا سويا ما دام الأورجاسم هو الهدف الأساس لكل نشاط جنسي. ففي إطار الحداثة الجنسية، لا مجال لربط الجنس بغاية التناسل ولإخضاعه لها، وبالتالي تصبح كل الاتجاهات الجنسية وكل الممارسات الجنسية مشروعة ومتساوية من حيث هي قادرة كلها على تحقيق الأورجاسم. من هذا المنطلق، وتدريجيا عبر صراعات مريرة خاضتها الحركات الاجتماعية المثلية، ظهر مفهوم الحقوق الجنسية الخاصة بالأقليات الجنسية، والمقصود بها مجموعات الجنسمثليات (lesbians) والجنسمثليين (gays) ومزودجي الاتجاه الجنسي (bisexuals) وما بين الجنسيين (transsexuals). والمقصود بالمجموعة الأخيرة أفراد يعانون من تناقض بين الجنس البيولوجي والجنس النفسي (ذكورة بيولوجية مع أنوثة نفسية أو رجولة نفسية مع أنوثة بيولوجية).
وتجدر الإشارة هنا إلى أن وجود المزدوجين والمابينيين يدل على عدم خضوع الجنسانية إلى المنطق الثنائي الذي يقابل بين الذكورة والأنوثة. فالمجوعتان تؤشران معا على التركيب والجمع بين الذكورة والأنوثة. إنها هويات تبين أن الثالث غير مرفوع في حقل الجنسانية، وأن المنطق الجنسي منطق جدلي بامتياز يمرّ من نقيض ينفي الأطروحة ثم من تركيب ينفي النفي، أي النقيض، وهو التركيب الذي يصبح أطروحة جديدة وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية. والطبيعة نفسها من خلال إنتاجها الخنثى تبين أن الجمع بين الذكورة والأنوثة أمر حاصل.
{{
موقف الرجل العربي العادي : المغربي كنموذج (مضاد)}}
ما موقف المغاربة من المثلية الجنسية كشذوذ؟ أظهرت مختلف الأبحاث الميدانية التي أنجزناها في هذا الموضوع أن الفتيات لا يدركن العلاقة الجنسمثلية كعلاقة أقل خطرا من العلاقة الجنسغيرية. صحيح أن العلاقة الجنسمثلية خالية من خطر افتضاض غشاء البكارة (فهي سحاق بظري) ومن خطر الحمل اللاإرادي وغير المرغوب فيه. ثم إن تواجد فتاتين في نفس الغرفة (في منزل أو في فندق…) أمر سهل المنال، فهو شيء عادي في المخيال الجمعي ونادرا ما يتم ربطه بخطر الجنسمثلية. وعادة ما ينظر المجتمع إلى تواجد شخصين من نفس الجنس والجيل على أنه علامة صحبة أو صداقة شريفة. من ثم، تبدو العلاقة الجنسمثلية أسهل التحقيق، عمليا، بالمقارنة مع العلاقة الجنسغيرية. رغم الوعي بهذه “المزايا”، لا ترى الفتيات في الجنسمثلية بديلا مريحا لجنسغيرية خطيرة، بيولوجيا واجتماعيا وقانونيا وأخلاقيا ودينيا. إن المثلية تدرك أولا كسلوك لا أخلاقي، وتعتبر لا أخلاقيتها أكبر وأشد من لا أخلاقية العلاقة الجنسغيرية (غير أو قبل الزوجية). لذا، أجابت تلميذة شعرت أن كرامتها مست بمجرد طرح السؤال عليها: “أأنت أحمق؟ ليست لدي علاقات حتى مع الفتيان وتتخيل أن تكون لي علاقات مع الفتيات… ذلك مستحيل إطلاقا”. وتعني لا أخلاقية الجنسمثلية في ذهن جل مبحوثينا أنها شذوذ إذ الشذوذ بالنسبة إليهم مفهوم أخلاقي قبل كل شيء. إنه أولا شكل من الشر، إنه انزياغ عن الواجب وعن العادة، وعما هو “طبيعي”. من هنا يتم تعريف الشاذ كالإنسان الذي يميل إلى فعل الشر والذي لا أخلاق له، دون معرفة ما إذا كان الميل إلى فعل الشر اختيارا إراديا أم اضطرارا بيو-نفسيا.
رغم التنديد بالمثلية الجنسية من خلال تسميات قدحية مثل اللواط والسحاق (وأخرى كثيرة ومختلفة في مختلف اللهجات العربية)، لا بدّ من الاعتراف بوجود إعجاب شعبي تجاه الجنسمثلي الذكري، بل اتجاه المرأة الفاعل. وهو الإعجاب الذي يجد تفسيره في كون “الفاعل والفاعلة الجنسمثليين” يتماهيان معا مع نموذج الذكورة الفاعلة، الممجدة اجتماعيا. مضمر هذا المنظور أن الفاعل يظل دوما فاعلا كما يظل المفعول به دوما مفعولا به، مما يطرح إشكالية الموقف الشعبي من مفهوم الازدواجية الجنسية.
إزاء الإقرار “في كل كائن بشري ذكورة وأنوثة”، انقسم المبحوثون إلى مجموعتين شبه متساويتين: 44 في المائة متفقون مع الإقرار، 41 في المائة ضده، أما الباقي فمتردد(1). في هذا الإطار، سجلت مدينة وجدة (54 في المائة) وموظفو قطاع الصحة (48 في المائة) أعلى نسب في الجواب الرافض للازدواجية الجنسية، وهو موقف “غريب” في قطاع الصحة حيث المفروض أن الهيئة شبه الطبية (المبحوثة) أقرب لمعرفة الازدواجية وتقبلها بالمقارنة مع موظفي الداخلية أو التجهيز مثلا. نظريا، هم الأعلم بتواجد هرمونات ذكرية وأنثوية عند كل إنسان. موظف واحد صاح قائلا: “نحن الرجال، لدينا هرمونات أنثوية أيضا”. في المقابل، تعتلي مدينة أغادير (51 في المائة) ويعتلي موظفو الفلاحة (51 في المائة) قائمة القائلين بوجود الازدواجية الجنسية في كل كائن بشري.
من المثير للانتباه أن الأغلبية الإحصائية التي أقرت بالثنائية الجنسية في بحثنا الكمي (استبيانات) لا تجد مقابلا لها في بحثنا الكيفي (مقابلات). فالشروح والتعليقات مستفيضة حين يتعلق الأمر بنفي الازدواجية، وتقل في حالة الإقرار بها. في أغادير، قيل أنه من الممكن أن تتواجد الذكورة والأنوثة في “نفس الرجل”، وأن “الازدواجية الجنسية ليست خطرا على الرجولة”. وفي خنيفرة، أقر أحد المبحوثين أن “المرأة تسكن الرجل وأن الرجل يسكن المرأة”. وقال آخر من نفس المدينة أن “الحنان الذي يستطيع الرجل أن يظهره لدليل على حمله لمبدأ الأنوثة منذ البداية”. وفي تطوان، قيل أن “كل فرد يتكون من نسبة من الذكورة وأخرى من الأنوثة حسب الجينات وحسب التربية”.
رغم تكرارية مثل هذه الدفاعات عن مبدأ الازدواجية الجنسية، اتضح أن أطروحة الأحادية الجنسية نالت الحظ الأعظم من الشروحات والتعليقات. وهذا أمر بديهي بالنسبة لحس بديهي يرى أن الأحادية الجنسية معطى بديهي. فالطرح الأبيسي السائد يجعل من الأحادية الجنسية بداهة طبيعية. “هل يحمل الرجل”؟ صاح متسائلا مبحوث من مدينة وجدة. إنها الحجة القطعية والنهائية، في نظر الأبيسيين، على تهافت مبدأ الازدواجية الجنسية. في نفس المدينة، ميل إلى اعتبار الهوية الرجولية كينونة مستقلة وقائمة بذاتها، غير مشوبة بأنوثة ما، بل غير “ملطخة” بالأنوثة حسب تعبير أحد المبحوثين. على الرجل أن يكون رجلا، فقط وبشكل مطلق. من هنا، تبدو أنوثة الرجل شيئا غير قابل للتصور، وهو ما يفسر في نظر هؤلاء أن نعت الرجل بالمرأة إهانة له، بل أكبر إهانة يمكن أن تلحقه. في الرباط وفي تطوان، كل الشروحات والتعليقات سارت في اتجاه نفي الازدواجية الجنسية. “إن الرجل السوي ليس ذكرا وأنثى، إنه ذكر فقط”، حسب مبحوث في تطوان. كل هذا يبين أن الازدواجية الجنسية لا تدرك كمعطى بيولوجي فطري يتم تدجينه بفضل تنشئة اجتماعية يتم بفضلها فرض اختيار أحادي يسود الشخصية. ويخلص البحث الكيفي إلى نتيجة مفادها أن الازدواجية الجنسية تعني المرض والانحراف، وينتج عنها الحط من قيمة “ضحيتها”، خصوصا إذا كان ضحيتها رجلا. فالازدواجية الجنسية تؤدي إلى تبخيس الرجل من خلال تأنيثه، لأن تأنيثه يعني إرجاعه إلى رتبة اجتماعية أدنى في السلم الأبيسي. وفعلا، أقرت أغلبية المبحوثين (79 في المائة) أن نعت الرجل بالمرأة إهانة له. ومن النتائج التي تثير الانتباه أيضا أن الشبان يتبنون هذا الموقف أكثر مما يتبناه الكهول والشيوخ، وهو ما يدل على هشاشة شباب يتشبث بتفوق الرجولة لأنها أولا وقبل كل شيء ذكورة. إن الذكورة تعوض عند الشباب القدرة الاقتصادية (المفقودة) من أجل الحفاظ على تفوق الرجل، على امتيازاته وسلطه.
الأمر الآخر، الهام، الذي تتوجب الإشارة إليه هو أن الإقرار بالازدواجية الجنسية من طرف الأغلبية الإحصائية لا يعني تبرير المثلية الجنسية. فرغم اعتراف البعض بأن الازدواجية الجنسية معطى بيولوجي فطري، فإن ذلك لا يبرر أبدا المثلية الجنسية ولا يحولها إلى سلوك جنسي سوي ومقبول. فالموقف الشعبي الأكثر تسامحا مع المثلية الجنسية الإستية يعتبرها نتيجة لفائض في الهرمونات الأنثوية عند الذكر، ويعتبر ذلك الفائض شيئا غير سوي. وبشكل مباشر، يختزل هذا “التفسير العلمي الشعبي” المثلية الجنسية في المثلية الشرجية. فالمثليّ المؤتى وحده مثليّ، وإلا لفسر سلوك المثليّ الذكريّ بفائض في الهرمونات الذكورية، وهو ما لم نصادفه في بحثنا ولا نصادفه في الثقافة اليومية.
يتم تأويل فائض الهومونات الأنثوية (المزعوم) عند الجنسمثلي الشرجي كمرض، وهو ما يدفعه إلى التصرف كأنثى وإلى البحث عمّن يلجه من الشرج. في خنيفرة، قال أحد المبحوثين أن “الجنسمثلي (الشرجي) مريض وسجين مرضه، فهو عاجز عن مقاومة وسواسه”. رغم الوعي بهذه الحتمية النفسية الداخلية التي يخضع لها الجنسمثلي اضطرارا، والتي تجعل منه ضحية قدر هرموني قاهر، لا وجود لموقف متفهم على الصعيد الاجتماعي. فتعريف الجنسمثلية الشرجية شعبيا كاضطرار نفسي تكراري لم يؤد بعد إلى معاودة النظر في الرفض الاجتماعي السائد منذ قرون. إن الاعتراف بأن الجنسمثلي الإستي سجين هرموناته الأنثوية لم يفض إلى اعتباره ضحية معذورة لقدر بيولوجي متسلط. فنزع المسؤولية عنه لم يمنع بعد من عدم اتهامه بالشذوذ غير الأخلاقي ولم يوقف بعد الشعور بالاشمئزاز والغثيان إزاءه. في الرباط، أقر أحد المبحوثين أن “فائض الهرمونات الأنثوية لا يبرر مطلقا السلوك الجنسمثلي الإستي”. أما في وجدة، فيقود التفسير الهرموني الشعبي إلى القول بالعجز الجنسي عند الجنسمثلي الإستي. إن فائض الهرمونات الأنثوية يجعل الذكر عاجزا عن الانتصاب، أي عن الفحولة. لهذا السبب، يبحث الجنسمثلي الإستي عمن يلجه، عمن يعامله كأنثى. ورغم عجزه عن مقاومة “مرضه”، أي اتجاهه الجنسمثلي الإستي القاهر، يرى المبحوثون أن ذلك يشكل رذيلة لا بد من التنديد بها ومن ردعها. وهنا لا يقف مبحوثو تطوان ووجدة عند العقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي (الحبس والغرامة)، بل يقولون بضرورة قتل اللوطي (كما نصت الشريعة على ذلك في نظرهم). إنه الحد الشرعي الذي لا بد منه، القادر لوحده على تطهير المجتمع. والمثير للانتباه هنا أن كيفية القتل المحتفظ بها من طرف المنظور الشعبي هي “الحرق”. “اللوطي، ينبغي حرقه حيا… سواء كان فاعلا أو مفعولا، ينبغي حرقه”.
إلى جانب الموقف الأبيسي التقليدي من المثلية، تم تسجيل موقف آخر في مدينة أغادير، المدينة الساحلية المشهورة باستقطاب العديد من السواح الجنسيين الأجانب. هناك، قام أعطى جل المبحوثين الأولوية لمقاربة المثلية الجنسية من خلال مقولة “السوق” على حساب المقاربة الهرمونية أو النفسية أو الدينية. هناك تم تفسير المثلية الجنسية كنشاط اقتصادي، كعمل جنسي يمكن الشباب من مواجهة البطالة وأزمة الشغل. وهي الرؤيا الليبرالية الجديدة التي تقطع مع المنظور الديني عند رفضها تجريم الفاعلين في حقل البغاء. وتقطع أيضا مع المقاربة الماركسية للبغاء التي تعتبره استغلالا لجسد النساء والرجال، وعنفا ضد مستغلين لا خيار لهم في بيع أجسادهم. خلافا للمقاربات الدينية والماركسية، اعتبر مبحوثو أغادير أن الإنسان حر في كراء جسده أو بيعه من أجل الكسب، خصوصا حينما تغلق كل أبواب الكسب الأخرى في وجهه. إنه موقف يوفق لا شعوريا بين الموقف الماركسي الذي يركز على الاضطرار وغياب الاختيار عند العامل الجنسي (المثلي والغيري) وبين الموقف الليبرالي الذي يتحدث بمنطق العرض والطلب وبمنطق واقع تسليع الجسد وتسويقه الحر. أما الأعضاء المسلعة، فهي الإست والقضيب بالأساس، بمعنى أن السائح (ة) متأكد من وجود العرض الجنسي المناسب للطلبات الجنسية الرئيسية. في أغادير، أصبح الجنسمثلي، سواء كان ذكريا أو إستيا، يدرك بمثابة عامل جنسي يكسب عيشه بهذه الطريقة ويحرك الدورة الاقتصادية للمدينة. وهنا تراجع اللجوء إلى السببية النفسية: لا يهم أن يكون للعامل الجنسمثلي هوية جنسمثلية، الذي يهم هو أن له ممارسات جنسمثلية مدرة لدخل. هكذا تؤشر الممارسات الجنسمثلية الاقتصادية على شذوذ مهني إرادي وإلى اتجاه جنسمثلي مهني مضبوط من طرف ممارسه. لكن من الوارد أيضا أن بعض الجنسمثليين الهوياتيين يجدون في العمل الجنسمثلي غطاء لهوية جنسمثلية غير قادرة بعد على تبني نفسها أمام مجتمع غير قادر بدوره على تبني علمنته العملية للجنسانية العامة وعلى تحويل تلك العلمنة العملية إلى علمنة معيارية.
{{هامش:}}
1- Voir A. Dialmy : « Masculinity in Morocco », in What about Masculinity, Al-Raida, Lebanese American University, Vol XXI, N° 104-105, Winter/Spring 2004, pp. 88-98, http://inhouse.lau.edu.lb/iwsaw/raida104-105/EN/p070-109.pdf, et A. Dialmy : Vers une nouvelle masculinité au Maroc, Dakar, CODESRIA, 2009.
