المسألة الدينية عند كانط (3)

   «ليس هناك أي كتاب [دينيّ]، مهما كانت سلطته، ولا حتى أيّ وحي بالنسبة لأحاسيسي، بإمكانهما أن يفرضا عليّ من دين آخر سوى ما كان واجب القانون الأخلاقي المقدّس الذي هو في داخلي، والذي ينبغي في المقام الأوّل أن أحاسب نفسي أمامه : أنا أيضا لا أستطيع أن أدفع بنفسي لملء قلبي بعلامات إخلاص، واعترافات إيمان … ليست متأتّية من قواعده الواضحة وغير القابلة للدحض (العبادات يمكنها أن تولّد الالتزام لا النيّة في القلب)(1)». قد تكون هذه العبارت الكانطية خطوة أولية وأساسية في سبيل تحرير الإنسان من ربقة الدين والتخلص كلّيا من قسر العبادات ونفاقها. فعلا، حسب هذه الأطروحة، والتي نجد مثيلاتها في كتاب الدين في حدود بسيط العقل، فإنّ الدين الوضعي بكلّ ترسانته الإيمانية وجميع فرائضه الظاهرة يغدو لا شيء أمام الواجب الأخلاقي. الفيلسوف التنويري ليس له إلاّ أن يسعد أمام هذا الرأي، لأن الفرائض الدينية في حقيقة الأمر هي جانبية وغير محدّدة في تعامل الإنسان مع غيره. وكم من إنسان مؤمن يفتقد للحسّ الأخلاقي. لقد عرّى كانط بقولته هذه التورّع المنافق والتعبّد الذي لا يفيد في شيء في تحسين أخلاق الناس.

   لكنّ كانط لم يصل باستنتاجاته إلى مداها الأقصى، وفي بعض الأحيان تراجع، وطرح أشياء منافية لتعاليمه. والسبب في ذلك أنه لم يتخلّص تماما من العنصر الدينيّ الساري في تفكيره منذ البداية، ولم يقطع معه نهائيا وبوضوح. أن يُصرّح أحدهم، في عمل فلسفيّ ذي أهمّية بالغة، عن نيّته في «اجتثاث جُذور المادّية، والقدريّة  والإلحَاد وكُفرِ المُفكّرين الأحْرار(2)»، كما فعل كانط في نقد العقل الخالص، أو أن يذهب إلى أنّ من بين أغراضه الأساسية «إلغاء المعرفة لِفَسح المجال للإيمان»، فهذا أمر ـ يجب قوله لأنّه صحيح ـ مخيّب للآمال حقّا(3). الفيلسوف لا ينبغي عليه أن يُعلن عن نيّته الجداليّة مسبقا، وخصوصا إن كانت تلك النية تتمثل في الانتصار لجهة أو لفرقة أو لملّة دون أخرى. الانتصار ينبغي أن يكون لما هو كلّيّ وشامل للبشرية بأسرها، أي للعقل وللعقل وحده، حتى وإن قاد إلى الإلحاد أو إلى تبنّي، عن قناعة وبعد بحث وتدقيق، أطروحات المفكرين الأحرار.  ولست أدري أهِي قناعة شخصية راسخة أم مجرّد استعارة أطروحة كانط في مقاله "نهاية كلّ الأشياء" أنّ الدين المسيحي، بما رُكّب فيه من صفات محبّبة للنفس، يجب أن يكون الدين المهيمن في العالم، وإن حكمت الأقدار بأن لا تتحقّق هذه النبوءة فإنّ العالم بما فيه سيؤول إلى الزوال(4).

   لقد استغلّ داريو أنتيساري (D. Antiseri) فيلسوف إيطاليّ حديث، من موقعه الديني قولتي كانط أعلاه استغلالا فاحشا، وجنّد لهما حشدا من التأييد من طرف فلاسفة قدماء ومعاصرين، وهذا دليل على أنّه من السهل تجنيد فكر كانط للدفاع عن الإيمان بدل الإلحاد أو الفكر الحرّ. هذا الفيلسوف الليبرالي، من أتباع مدرسة كارل بوبر ، يتباهى بأنّ لديه إيمانَ فحّام (fede da carbonaro)، أو كما نقول نحن إيمانَ عجائز، رغم براعته وحذقه واطلاعه الفلسفي المذهل. يقول بأنّ الشرط المبدئي لإمكانية الإيمان هو ضرورة تحطيم العوائق التي تحول دون الولوج فيه. هذا ما وعى به كانط الذي أعلن في التصدير الثاني لنقد العقل الخالص من أنه رغب في اجتثاث المادية والقدرية والإلحاد وكفر المفكرين الأحرار التي يمكنها أن تصبح خبيثة ومغرية للجميع، أي حسب هذا المفكر المسيحي، اجتثاث «تلك المُطْلَقات الأرضية (assoluti terrestri) التي تَحظر مجال المقدّس(5)». الشواهد والنصوص المدعّمة، متوفرة بكثرة، والفيلسوف المسيحي يقدّمها باسترسال. تعليق غادامير: «الحدس الأساسي لفيلسوف كونغسبيرغ كان الإشارة على المعرفة بحدودها لفسح المجال للإيمان»؛ موريس كلافال (Clavel) قال « نعم، كانط حرّر العقل من أي نوع من الدوغمائية، [حرّر] الله من أي فلسفة: وضعه في مأمن من اللاهوتيين والحكماء. هذا هو الطريق الملكي لكانط»؛ كيركيغارد «إن هذه العجائب بالذات هي التي لم يستطع الحمق المسيحيّ، وخصوصا الكاثوليكيّ، التسليم بها بعد مائتي سنة. عندما لا يكون المسيحيّ بليدا كي يجعل من كانط ملحدا، يقتصر على الاتّهام التفتيشي بالإيمانية، لأنها تبدو وكأنها هرطقة! إنها قصة مثيرة للشفقة».

   قبل كانط، وفي نفس الإتجاه، يستشهد أنتيساري بمونتاني، شارّون (Charron) وباسكال. يكتب مونتاني: «طاعون الإنسان هو ادّعاء المعرفة»؛ «يجب استتباع إيماننا بكلّ العقل الذي فينا؛ لكن دائما بهذا التحفّظ، وهو أنه لا يعتمد علينا وأنّ مجهوداتنا واستدلالاتنا يمكنها أن تقود إلى علم فوطبيعي وإلهي». ومن جهته، بيار شارّون (1541 ـ 1603) يرى أنه «لا يوجد أيّ شيء يقينيّ، لا نعلم أي شيء، نحن متيقنون من أن لا شيء يقيني، أنا لا أعرف إلاّ شيئا واحدا وهو أنني لا أعرف شيئا [كما يقول المثل اللاتيني والسقراطي] (solum certum nihil esse certi, hoc unum scio quod nihil scio)». وضد أولئك الذين يعترضون على نزعته البيرّونية (نسبة إلى الشكاك اليوناني بيرون) باسم حقيقة الإيمان، يردّ بأن تصوّره هذا «يؤدي خدمة إلى النعمة والعمل الإلهي، عوضا عن معارضتهما، أجلّ من أي شيء آخر». أخيرا باسكال حيث يقول في نفس هذا المعنى «آخر خطوة للعقل هي الاعتراف بأنّ هناك أشياء لامتناهية تفوقه …»؛ «الإيمان مختلف عن البرهان: الأول إنسانيّ، الآخر هبة من الله».

وأكثر قربا منا، يواصل أنتيساري، نجد على هذا الخط أسماء فيتغينشتاين، هايدغر، فون هايك. يقول فيتغنشتاين «نحن نشعر بأنه حتى ولو أن كل المسائل العلمية الممكنة وجدت لها حلولا، فإنّ مشاكل حياتنا لن تُلمَس قطّ»؛ «ماذا أعلم أنا عن الله وعن غاية الحياة؟ أنا أعلم أن هذا العالم موجود … وأنّ فيه ربما شيئا إشكاليّا نسمّيه معناه. وأن هذا المعنى لا يوجد فيه، ولكن خارجه […] إنّ معنى الحياة، أي معنى العالم، يمكننا تسميته الله، واستتباع هذا الإله بالتشابه مع الأب. إنّ الصلاة هي التفكير في معنى الحياة». ثم، دائما، فيتشغينشتاين «الاعتقاد بالاله يعني فهم مشكلة معنى الحياة. الاعتقاد بالاله يعني رؤية أن أحداث العالم ليست هي الكلّ. الاعتقاد بالاله هو رؤية أن الحياة لها معنى». أما مارتن هايدغر فمشهورة قولته «لا يخلصنا إلاّ أله. لم تبق لدينا كإمكانية وحيدة إلاّ تهيئة، في الفكر والكلام، استعداد لتمظهر الإله أو غيابه في الغروب … نحن لا نستطيع أن تقترب منه [الاله] بالفكر، نحن على الأكثر قادرون على استثارة الاستعداد للترقّب». فريدريش فون هايك يقول بكل اعتداد «إن المهمة الأصعب والأهم بالنسبة للعقل  هي الفهم العقلاني لحدوده الذاتية».  وهذا التصوّر المضادّ للنزعة العلموية العقلانية هو «الأقرب إلى التراث المسيحي [الذي يؤكد] على ضعف الإنسان وخطيئته، بينما الاستكمال التقدمي للعقلانية هو في تضارب تام معه».

   1- الخطيئة الأصلية وانعكاساتها على الأخلاق والسياسة:

أرى أن قولة فون هايك من أن فكرة ضعف الإنسان وخطيئته التكوينية موافقة فعلا للتقليد المسيحي (ولكلّ الأديان التوحيدية)، هي صحيحة تاريخيا. ليس هناك فرق بين من اعتبر الطبيعة الإنسانية مخرّبة من الأساس، أي مجبولة على الشرّ الجذري، وبين من قال إنّ وجود الإنسان على وجه الأرض ناتج عن خطيئة اقترفها أبواه في بادئ الأزمان. لقد أفرد كانط لهذه المسألة فصلا كاملا من كتابه الدين في حدود بسيط العقل، وانتهى إلى النتيجة التالية وهي أنّ الإنسان شرّير بطبعه. ونظرا للعديد من المسائل الشائكة التي لم يجد لها كانط حلولا أو قفز عليها دون تدقيق فإن أرنست كاسيرر اعتبر هذا العمل، عملا توفيقيا (Kompromissschrift)، لا يرقى إلى ثلاثيته النقدية. مفكّر آخر رأى فيه مجرّد قصيدة شعرية تعليمية حول الدين بدل أن يكون مصنّفا منهجيا(6). وأكثر من ذلك، برفضه النقد التاريخي الموضوعي للكتب المقدّسة، بالتوازي مع رفضه للإيمان الأرثودوكسي العتيق، ومحاولته بالتالي المكوث بين الطرفين المتنازعين، لم يتفطّن كانط إلى أن عمله لا يرتكز على أي شيء وأنه سيُشيّد بناءً على الهواء(7). هذا الموقف جعل اللاهوتي الهيجلي شتراوس يقول بأنّ كانط قام بمنعطف رمزيّ للعقلانية.

ولا يمكن للأمر إلاّ أن يكون كذلك لأن التشبّث بالمعتقد الديني في الخطيئة الأصلية وتجذيره أونطولوجيا، مرّة واحدة وإلى الأبد، في طبيعة الإنسان وفي إرادته الحرة هو تنازل محرج وسير ضدّ فكرة التنوير. الفيلسوف التنويريّ كريستيان غارف (Christian Garve) الذي تأمّل بجدّ في النصّ الكانطي واستفزّته فكرة الشرّ الجذريّ في الطبيعة الإنسانية قال بأنّ أطروحات كانط الأنثربولوجية هي ليست إلاّ « هلوَسات رجل ثاقب الذّهن». لقد عمد كانط، حسب رأيه: « إلى التعبير عن الصعوبات التي اعترضته و قليلا ما يمكنه حلّها مثل كلّ الناس، لكنه قام بذلك كما لو أنه فعلا يفسر شيئا ما(8)». لا يمكن أن تروق تلك الفكرة لفيلسوف ولا حتى لمثقف متشبّع بمبادئ التنوير، فهي مخيّبة للآمال على جميع الأصعدة. غوته نفسه استغرب من هذا المنعرج الخطير وكتب ما يلي: «كانط نفسه، بعد أن قضّى حياة كاملة في تنظيف مِعطفه الفلسفيّ من ثقل مختلف الأحكام المسبقة، لوَّثه إجراميّا بطابع الشرّ الجذريّ الدّنيء، بحيث أنّ المسيحيين أيضا مُنجذبون إلى تَقبِيل قطيفته(9)». إنه أمر يدعو للاستنكار كما قال شيلّر: «إن واحدا من المبادئ الأولى [في كتاب الدين في حدود العقل] يمثل سببا للاستنكار بالنسبة لمشاعري. فهو يزعم فعلا بأنّ هناك نزعة في روح الإنسان نحو الشرّ، يعرّفها بأنها الشر الجذري، ولا يمكن أن تُختزل في الحافز الحسّيّ. فهو يضعها في ما وراء الحسّ، في شخص الإنسان، مَكمَن الحرية(10)». في الوقت الذي أزعجت فيه، فكرة الشرّ المتمكّن من الطبيعة الإنسانية، جمهرة الفلاسفة التنويريين، فإنّ مفكّرين في الطرف النقيض ثمّنوها ودافعوا عنها.  حسب جون بول من الواضح أنّ كانط هو منسجم مع نفسه في اللحظة التي حاول أن يُعدّل فيها قدرة الحرية مع شيء آخر «لأجل تفسير اللاأخلاق لم يبق شيء آخر سوى اللامفهوم، الشرّ الجذريّ، الشيطان. شيء نكرهه نحن في أنفسنا، خال من أيّ نسبة ودرجة، يجب أن يكون شيئا وضعيا، وإلاّ فإن الفضيلة ذاتها لن تكون إطلاقا شيئا وضعيا(11)».

لقد شبّه هردر مبدأ الشرّ الجذريّ بجحيم ميلتون (Milton)، جحيم يدعو إلى التخاذل والقنوط. «إنّ الجنس البشري لا ينبغي أن يكون جنس عبيد، دائما يرزح تحت نير الأغلال، ومقيّد بالسلاسل، بل جنسا حرّا، مرحا،  ودون الخوف من كائنات شيطانية، يحقّق الخير غاية في ذاته، برغبة حميمية، بنزعة غريزية وبسموّ طبيعته الذاتية، والتي قانونها هو القانون الأسمى للحرية(12)». ليس هناك مبدأ للشرّ خارجنا أو داخلنا، وفي الأرض نحن لا نرى أيّ شيء من هذا الجحيم الأصلي الضخم. كلّ ما في الأمر، حسب هردر ـ هو أنه: «حيث يوجد الشرّ، سببه تربية فاسدة لنوعنا البشري، وليست طبيعته ذاتها. كسل، ادّعاء، أنفة، خطأ، إصرار، تهاون، أحكام مسبقة، تربية رديئة وعادات سيئة؛ كلّها شرور يمكن تفاديها أو إصلاحها، فرديا و جماعيا، إن عشنا حياة جديدة، وفتّشنا بحيوية عن الخير، العقل، التواضع، العدل، الحقيقة، التربية الأفضل، العادات الأحسن منذ الصغر. الإنسانية تترجى بكل قواها أن يحدث هذا، لأنّه من البديهي أنّ كلّ نقص في الفضيلة وكلّ عجز هما عقاب لذاتها، لا تضمنان أيّ لذّة حقيقية مكدّسة على نفسها وعلى الآخرين كمّية من الشرّ.  من البديهي أننا نحن الذين نحطّم مملكة الظلمة، ولا واحد يستطيع أو يجب عليه أن يفعله بالنيابة عنا».

     أكرّر مرة أخرى أنني لا أورد هذه النصوص بقصد مهاجمة كانط، أو التقليل من شأنه، أنا أكتفي بعرض الآراء المختلفة، وليس واجبا على كاتب هذه السطور وعلى القرّاء تبنّيها حرفيا أو المصادقة عليها. الموضوعية العلمية تُحتّم على المفكّر عرض الآراء والأطروحات حتى وإن ذهبت ضدّ قناعاته الشخصية أو صدمت أتباع الفيلسوف ومُريديه.

  الاعتقاد في الخطيئة الأصلية، أي في سقوط الإنسان من حالة براءة أولى، لا يُهين فقط من كرامته بل يُوفّر أيضا غطاء دينيا لفكرة نكران التقدم، ويؤسّس للاستبداد. لقد عبّر شليغل عن الاستتباعات السياسية لهذه النظرة، حينما قال بأنّ وضع المرحلة الذهبيّة للإنسان في ماض سحيق، ليس هو فقط خدعة، بل إنه على المستوى العمليّ السياسيّ يمثّل واحدا من العوائق التي تحول دون الاقتراب من العصر الذهبي المنشود(13). أما شيلّنغ الشابّ فقد دحر أسطورة الخطيئة الأصلية، تلك التي تُصوّر التاريخ على أنّه سقوط من حالة اكتمال أوليّة، وحمّل القائلين بها استتباعات المنعرج الدوغمائي المكتمل أي الرجعية. وقد اعترف شلينغ نفسه بأن  فكرة الشرّ الجذريّ التي أدخلها كانط في كتابه عن الدين كان من نتائجها المباشرة أن  انفضّ من حوله الجمهور، ذاك الجمهور الذي انبهر به وجعل من اسمه، في فترة ما، معلما راسخا.

لكن في فترة تالية، حينما دعي إلى برلين لمعارضة فلسفة هيجل، انقلب شلينغ على أعقابه وأعاد التأكيد على فكرة الخطيئة الأصلية وعلى التاريخ البشري كمسار تقهقري، وذلك باستعادة أقوال كانط من كتاب الدين في حدود العقل. قال في كتابه "فلسفة الوحي" «لا يمكن إلاّ لفلسفة سطحية أن تشكّ، فلسفة تنقصها حتى تجارب المعرفة الإنسانية الأكثر عمومية، تلك التجارب البائسة التي في جزء منها كان قد عرضها كانط في نصه عن الشرّ الجذريّ(14)».

أرى أنّ من ربط فكرة الخطيئة الأصلية، أو ما أسماه كانط بالشرّ الجذريّ، مع الرجعية السياسية هو على حقّ وله مبرّراته التاريخية. وإذا اقتصرنا على ألمانيا، فإن هذا الموضوع حاضر بكثافة، ليس فقط في المواعظ الدينية وكتيبات النصائح السياسية، بل حتى في مصنّفات التاريخ الكلّيّ. ففي جامعة مونشين، يُورد هاين، أن في مدرسة البوليتكنيك للظلامية، كما يسمّيها هو، أمام مستمعين أغلبهم طلبة لاهوت، الأستاذ غورّيس (Görres) أعطَى دروسا في التاريخ ولم يتوان من التوسع في موضوع عزيز عليه بحيث إنه لمدة أسابيع واصل التحدث فيه بالتفصيل، أي موضوع الخطيئة الأصلية. الأطروحة المركزية هي أنّ الإنسان، في فترة قربه من الله، كان مفتوحا أمامه، بكلّ ثرائه وعمقه، كتاب الطبيعة، والذي أصبح بعد ارتكابه الخطيئة، سجلاّ غامضا ومستعصي الفهم، إلاّ جزئيا وبجهد كبير، بعد أن غدا بصر الإنسان أعشى بسبب الشرّ. لكن من الممكن العثور على بعض الشذرات من تلك الحكمة الأولية في وثائق ومخلّفات الشعوب الغابرة، والتي لا يمكن تفسير معرفتها بأشياء مستبقة لعصرها إلاّ بالرجوع إلى حالة البراءة الأولى. إن أطروحة غورّيس هذه ، يقول هيجل، يتقاسمها مع لامّينيه وكتاب آخرين يمثلون مركز "تجمّع" الرجعية الاكليريكالية الفرنسية. الرجعية تكمن هنا : في تصوّر سيرورة المعرفة الإنسانية على شكل مسار تقهقريّ من عالم حديث منحطّ ومن حضارة مُبعِدَة عن أسباب المعرفة الحقّة. نظرية السقوط، يعلّق هيجل "هي تَمَثل سخيف"، الحنين إلى براءة أوليّة مزعومة هي "فيلانثروبيا مريضة". العالم الحديث ليس هو مملكة الشرّ، والخداع، والتدنيس، والوثنية. فالعناية الإلهية، التي غالبا ما يركّز عليها أصحاب النظرة التشاؤمية، لها القوّة، حسب هيجل، لتحقيق ذاتها والتمظهر في هذا العالم وفي هذا الزمن. في الحقيقة، إذا اعتمدنا أسطورة السقوط، فإنه يجب علينا أن نكون منصفين في حقّ الشيطان (حسب هيجل) : لقد قال الحقيقة للإنسان وسمح له بالمعرفة وبالغوص في مغامرة التاريخ «إن قوّة طبْعه، طاقته، روحه المنسجمة تبدو أفضل، أكثر إيجابية من بعض الملائكة». وفي مكان آخر يصعّد من نقده لذلك المعتقد قائلا: «إنّ حالة البراءة، هذه الحالة الفردوسية، هي فعلا حالة حيوانية. الجنّة هي حديقة لا يمكن أن يمكث فيها إلاّ الحيوان، وليس الإنسان(15)». إنّ موضوع الخطيئة الأصلية له صلة مباشرة بالرجعية السياسية، وكما قال هاينريتش هاين «مَن يعتقد في الخطيئة الأصلية لا ينفي أبدا الامتيازات الوراثية»، لن يعارض الملكية ولا الظلم والقهر الاجتماعي. شيلّر هو أيضا يقيم معارضة بين موقف الرجعية والتقدم: «الاستبداد يتعلّل بضعف الطبيعة الإنسانية، التمرّد بكرامة نفس تلك الطبيعة». إن أطروحة سقوط الإنسان وتخريب طبيعته، منافية للتجربة، ويمكنها أن تحوز على مصداقية فقط عند الحكومات التي تحطّ من قيمة مواطنيها، يقول هيجل، وبالتالي فإنّ الالتجاء إلى الخطيئة الأصلية يصلح فقط لتبرير النّظُم الفاسدة. ومن هنا تأتي ردّة فعل الرجعية ضدّ الفكر الحرّ وضرورة المراقبة، وذلك بالتركيز على «الجهل المُعمّم الذي يضرب من الأساس الجنس البشري». فعلا، يقول ماركس، «إذا كانت العبودية تشكّل طبيعة الإنسان، فإنّ الحرية تناهض طبيعة الإنسان»: إن كل براهين الرجعية التي تريد أن ترسّخ منع حرية الكلام تُختزل في هذا الدور المنطقي السخيف، الذي يمثل "الأساس التصوّفي المناهض لحرية الصحافة".

إن من نتائج عدم الثقة بالطبيعة الخيّرة للإنسان هي النظرة التشاؤمية لمصيره وتاريخه. وهذا ما نجده نوعا ما عند كانط. فلسفته للتاريخ رهيبة جدا، لأنها ترتكز مبدئيا على تحديد سلبي يمسّ طبيعة الإنسان بالذات: «مِن خشبة هكذا مُعوجّة (aus so krummem Holze) كتلك التي صُنع منها الإنسان لا يمكن أن نفعل شيئا مستقيما(17)». انطلاقا من هذا التصوّر فإنّ مصائب البشرية لا يمكن تفاديها، لأنها إما مقررة من الطبيعة أو من قوّة أسمى لا نستطيع فهم أعمالها. لنتصفّح مقاله "بداية التاريخ الإنساني"، حيث يعترف كانط بأنّ أكبر الشرور التي تهدّد الشعوب المتحضرة تأتي من الحرب، وليست الحرب الدائرة الآن أو الماضية، بل حتى الاستعدادات الحثيثة لها في المستقبل. ولهذا الغرض فإنّ الدول تستخدم كلّ قواها، وجميع ثمرات ثقافتها، التي كان بإمكانها استخدامها لصالح أغراض مدنيّة. في جوّ من هذا القبيل أوّل ضحية هي الحرية؛ الرعاية الأمومية للدولة تتغيّر إلى بشاعة مطالباتها بالتضحية، تضحية يتمّ تبريرها بالخطر الداهم من خارج (äußerer Gefahr) 17.

حسنا، لكن على الرغم من بشاعتها فإنّ محنة الحرب تستثير وتُعجّل مسار التاريخ. المثال المضادّ على غياب التسارع التاريخي، والركود الثقافي، وفقدان الحرية في الداخل، نظرا لانعدام الحرب هو الصين : في الصين، التي ليس لها أعداء أقوياء تهابهم، "لم يبق أيّ أثر للحرية(18)". الاستنتاج العامّ الذي استخلصه كانط من قراءته للتاريخ هو أن في درجة التحضّر التي وصل إليها الجنس البشري الآن، الحرب هي وسيلة لا غنى عنها (unentbehrliches Mittel) للسموّ بذاك التحضّر، والسلم الدائم لن يكون صِحّيا لنا إلاّ بعد أن تكون حضارتنا قد وصلت إلى نقطة كمال، لا يعلمها إلاّ الله(19). الكتاب المقدّس، يضيف كانط، على حقّ حينما يتصوّر انصهار الشعوب في مجموعة واحدة وتحرّرهم من المخاطر الخارجية، كإعاقة لكلّ ثقافة وسقوط في تفسّخ تامّ. إنه موقف غير مختلف جذريا عن الموقف الذي عبّر عنه هيجل في أصول فلسفة الحقّ، وكان بإمكانه المصادقة عليه، كما أن بإمكانه المصادقة على موقفه التالي من السّلم الدائمة، حيث يتبنّى كانط فكرة روسو وسان بيار من ضرورة إحداث عصبة أمم تعمل كمحكمة دولية وتضع حدّا للحرية البربرية التي تتمتّع بها الدول إزاء بعضها البعض. ومع ذلك فإن كانط يسارع بإضافة الملاحظة التالية وهي أنّ التنظيم « الكوسموبوليتي للأمن الدولي العمومي […] لا يجب أن يخلو تماما من أيّ خطر وإلاّ فإنّ طاقات البشرية ستذبل(20)». ما يمنع الركود الاجتماعي، الذي تحدّث عنه هيجل، إن لم يكن الحرب فهو على كل حال الخوف من الحرب والتأهّب لها. إنّ الحرب، يقول كانط في نقد ملكة الحكم، نظرا للحالة الراهنة التي هي عليها البشرية «سوف تصبح حتمية. وكون الحرب محاولة غير مقصودة [لذاتها] (تثيرها أهواء مطلقة العنان) من قِبل البشر، إلاّ أنها قد تقوم بقصد خفيّ جدا من قِبل الحكمة الأسمى، إن لم يكن لإحلال الشرعية، فعلى الأقل من أجل الإعداد لها، مقرونة بحرية الدول، ومعها إحلال منظومة مؤسسة أخلاقيا لهذه الدول. وعلى الرغم من الويلات المريعة التي تنزلها بالجنس البشري، ومن يبلون بها أثناء الإعداد الدائم [للحرب] في زمن السلم ـ وقد تكون أكثر هولا ـ فلربما تكون دافعا إضافيا (…) نحو تطوير جميع المواهب التي تخدم الثقافة فتبلغ أعلى درجة ممكنة(21)».

ليس هذا فقط، بل إنّ في كلّ الأطروحة السابعة الواردة في "أفكار من أجل تاريخ كوسموبوليتي" لا نعثر قطّ على فكرة السلم الدائم واللامشروط. كانط يتحدث عن "شرط هدوء وأمن"، أو "توازن" في علاقات الدول ببعضها، لا بل إن الحروب تُعتبر وسيلة موضوعية للوصول إلى نظام دوليّ جديد: « كل الحروب إذن هي محاولات عديدة (ليست بالتأكيد حسب مخطط البشرية، بل حسب مخطط الطبيعة) لإرساء علاقات جديدة بين الدول، وعن طريق تدمير أو على الأقل تمزيق أوصال الأجساد القديمة، بناء أجسام جديدة غير قادرة هي بدورها أن تحافظ على وجودها بذاتها أو بجوار الآخرين، ويجب بالتالي أن تشهد ثورات جديدة مماثلة(22)».

أرى أنّ هذه الأطروحة الكانطية هي في جوهرها أخطر من تلك التي اعتمدها هيجل في أصول فلسفة الحقّ، ليس فقط لأنّ على أساس مبدأ من هذا القبيل يحاول الأمريكان تمزيق العراق، بل أيضا لأنّ تعميم كانط للنتيجة التي اعتبرها إيجابية في "كل الحروب (alle Kriege)" لا نعثر عليها عند هيجل. فهذا الأخير بعد أن طرح نظرتة الشاملة للحرب بحسب مخطط العناية، أضاف بأن "الحروب الواقعية تحتاج إلى تبرير إضافي(23)". لكنّ كانط مصرّ على أنّ الحرب تلعب دورا محوريا في التقدم الإجتماعي والأخلاقي للبشرية. في الأنثربولوجيا البراغماتية، يعيد الكرة ويقول: «هكذا فإن الحرب الداخلية أو تلك الخارجية، مهما عظُم شرّها، فهي تمثل بالنسبة لنوعنا دفعة للمرور من حالة الطبيعة الحقير إلى التحضر، مثل آلية عنائية، بحيث أنّ القوى المتناقضة تُنهك نفسها بالاحتكاك المتبادل، ولكنها عن طريق المصادمة أو تدخل علل أخرى يتم المحافظة عليها في سيرورة عادية(24)».

الدليل الإضافي على خطورة موقف كانط هو أن النتيجة الإيجابية التي أسندها للحرب، أعني تقطيع أوصال الأجسام القديمة وإعادة تركيبها من جديد، يذهب بنا مباشرة إلى بولونيا التي ساهمت بروسيا وفريدريك الثاني، الذي أثنى عليه كانط، بتمزيقها. وأظن أنّ هذه الأطروحة ليست إلاّ تبريرا ما بعديا لعملية كانت تَحدُث على مَرأى كانط ومسمعه.

     بخصوص علاقة الرجل بالمرأة : كأنّ من يتكلّم ليس هو بفيلسوف النقد العقلاني بل نيتشه أو داعية إسلاميّ متطرّف: «من أجل وحدة الرباط الزوجيّ ومتانته لا يكفي الاجتماع الحرّ لشخصين؛ يجب على أحد الطرفين أن يكون خاضعا للآخر (ein Teil mußte dem andern unterworfen)، وبالتوازي يجب أن يكون هذا الطرف أسمى من الآخر، لكي يستطيع أن يُهيمن عليه (beherrschen) أو يحكمه (regieren) … في سيرورة الحضارة، يجب أن يكون طرف منهما أعلى من الآخر : الرجل [أسمى] من المرأة بسبب قوّة جسمه وشجاعته … خاصيات المرأة هي الضعف … الرجل سهل الاستقصاء، المرأة على العكس لا تفشي بسرّها، رغم أنّها (بسبب فصاحتها) من الصعب عليها حفظ أسرار الآخرين(25)». أرجوكم أن تقرؤوا الفقرة بعنوان "طبيعة الجنس" من كتاب الأنثربولوجيا، وأن تحكموا هل أنني بالغت في قولي بأنّ تصريحات كانط هناك لا تختلف عن أقوال إسلاميّ متطرّف حاقد على النساء حتى الموت. ولا حتى النسوة المتعلّمات ينجوْن من احتقاره. هذا الصنف من النسوة، يقول: « يَحتَجْن إلى كُتبهن تقريبا مثل ساعاتهنّ، التي يعلّقنها لكي يُظهرن أنّ لديهنّ واحدة، على الرغم أنها متوقفة ولا تسير مع الشمس(26)».

     أما تصوّره للاجتماع البشري فهو رهيب أيضا: «المهارة لا يمكن أن تتطوّر فعلا في الجنس البشريّ إلاّ عبر اللامساواة بين البشر؛ فإنّ السواد الأعظم منهم يتدبّر ضروريات الحياة بطريقة شبه آلية ومن دون أن يشعر بحاجة إلى أيّ قدر من حذق خاص، وذلك لراحة ورخاء آخرين ممّن يعملون في قطاعات أقلّ ضرورة من الثقافة، أي العلم والفن. هم يعملون تحت شروط قاهرة في أعمال شاقة وقليل من المتعة(27)». وكأنّي أقرأ أقوال نيتشه التي يذهب فيها، دون أي مشاعر إنسانية، إلى أن العبقرية الفنية تحتاج إلى طبقة من العبيد، إلى جماجم تقوم عليها. لكن في حقيقة الأمر يبدو أنّ هذه الفكرة قد استنسخها كانط من الكاتب الانجليزي مانديفيل، وهي فكرة رائجة في عصره. حيث يرى هذا الأخير أنّ «في أمة حرّة، حيث لا يوجد عبيد، الثروة الأضمن تتمثل في كتلة من الفقراء الكادحين (laborious poor) […] ولكي نجعل من المجتمع سعيدا … يجب على الأغلبية الساحقة أن تبقى في حالة جهل وفقر(28)».

     هناك أيضا نظرة متشائمة، لاإنسانية لتربية الجنس البشري، لأنّ لا واحد، في نظره، من أفراده يَفرّ من كمّاشة الطبيعة المتفسخة التي طُبع عليها. في الوقت الذي يقول فيه هردر إنّ مسؤولية سعادتنا أو تعاستنا منوطة بعهدتنا وبالتالي فإن تربية الجنس البشري منوطة هي أيضا بعهدته، كانط، يرى أنّ الحلّ، هو الاستسلام للعناية الإلهية: «إن تربية الجنس البشري في كليته … لا يمكن أن يترقبها الإنسان إلاّ من العناية، أي من حكمة، ليست حكمته هو».

2 – أسئلة على كانط:

     ماذا كان بإمكان كانط أن يقول بخصوص الخطيئة الأصلية؟ كيف هي المقاربة الأكثر فلسفية لقضية الإنسان ومصيره؟ قد يكون الموقف الأقوم هو رفض هذه الأسطورة جملة وتفصيلا ودحرها من الأساس، مع كل ترسانتها اللاهوتية المؤسِّسة. إلاّ أنّ كانط، كما هو معلوم لم يصل إلى هذا الحدّ لأنه بقي حتى آخر لحظة من حياته في منأى عن المنعرج المادي الإلحادي.

إذا أردنا أن نقارب فكرة الخطيئة الأصلية ـ وأنا أماهي بينها وبين فكرة الشرّ الجذريّ الكانطية ـ من وجهة نظر فلسفية وأنثروبولوجية متجرّدة من همّ المنافحة الدينية، فإنّه لا محالة من الوصول إلى الإلحاد. الحكاية هي صوان الصبيانية والجنون : كائن صنعه الله بيديه وأسكنه هو وزوجه جنّة، ثم أمره بأن لا يقرب شجرة ما، لكنّ هذا الكائن الأوّل، آدم، خرق الأمر وأكل من تلك الشجرة ؟ المسلمون يُضيفون إلى هذه الأسطورة، وفي تناقض تامّ معها، أسطورة أخرى، من المحتمل أنها مستمدة من التلمود اليهودي، تذهب إلى أنّ الإله قرّر خلق خليفة له في الأرض فأنبأ ملائكته بهذا الشأن، فاعترضوا بأنّ هذا الكائن سيسفك الدماء ويعيث في الأرض فسادا، لكنّ الله أظهر لهم جهلهم بمخططاته، حينما تغلّب عليهم ذلك المخلوق الضعيف بأن أنبأهم بأسماء الأشياء التي يجهلونها. لكن لو تشبث المسلمون بالأولى لما بالغوا في التحدّث عن تكريم الله للإنسان وتفضيله على بقيّة المخلوقات. كيف يفضله على جميع المخلوقات إن طرده هو وزوجه من الجنة وحكم عليه بالموت والشقاء هو وذريته فقط بسبب مأ اسماه فولتير "لمجة إجرامية (déjeuné criminel)"؟

هذه الخرافة، ويجب تسمية الأشياء بأسمائها، تتضارب ليس فقط مع مفهوم الرحمة الإلهية، إن كان هناك إله ما، بل حتى مع أبسط قواعد العدالة الإنسانية. البديهية الأولى التي تسيّر كل مفهوم إنساني للعدالة هي أنّ الأخطاء شخصية، والأطفال لا يتحملون أوزار آبائهم. ليس هناك إنسان، حتى ذو حسّ مشوّش، وقلب غير صادق، لا يجزع أمام فكرة أن أحدا يُحكَم عليه بالقتل لأجل خطإ لم يقترفه إطلاقا. لكن هذه الأسطورة، تذهب بالمفارقة القانونية والأخلاقية إلى أبعد مداها، حينما تجرّم أيضا أبناء الأبناء وتحمّلهم أوزارا لم يقترفوها إلى آخر فرد منهم على وجه الأرض. إذا سلّمنا بأن الاله يمارس سلطته المطلقة على مخلوقاته العقلانية بهذه الطريقة الصبيانية جدّا، فما الفكرة التي يجب أن نتصوّرها على قدرته اللامتناهية والحكمة المسيّرة لأعماله؟ إن الله لا يمكن أن يأمر الإنسان إلاّ بأعمال حسنة في ذاتها ولا يمكن أن ينهاه إلاّ على أشياء قبيحة في ذاتها. لكن في هذه الأسطورة الإله يُشبَّه بأولئك الرجال الضعفاء، الذين يتلذذون بالممارسة الطغيانية لسلطتهم الواهنة، لمنع أشياء لامبالية أو طيّبة في ذاتها. وبعد، ما هذا النقص في البصيرة والعلم عند هذا الكائن العليم الأسمى الذي بعد أن أخرج إلى الوجود زوجين وأغدق عليهما نعمه، سمح مباشرة إلى كائن خبيث وأقوى منهما مكرا أن يحتال عليهما ويجرّهما إلى المعصية والهلاك. ألا يعني هذا جعل سقوطهما محتوما، أنحن في حاجة إلى علم لا متناهي لكي نتنبّأ بما سيؤول إليه مصيرهما؟ إن التعاليم اللاأخلاقية لتدخّل الشيطان في شؤون العالم، ولسقوط الإنسان من حالة براءة إلى حالة بؤس دائمة هو وذريته لهي أكبر مذلة للإنسان ولعقله(29). وعلى الرغم من ذلك، فإنّ «هذه الدناءة ـ يكتب أحد المفكرين ـ هذا الخرق الوحشيّ لأكثر المشاعر الأولية للعدالة(30)» هو ما روّجت له الأديان التوحيدية. حينما نقول بأنّ البشرية صوّرت الله على صورتها، فنحن، حسب هذا الكاتب ـ وأرى أنه مُحقّ ـ تحت مستوى الحقيقة «لقد صوّروه أدنى منهم، أقل من النموذج الإنساني العادي». التبرير الوحيد لمُختلقي هذه الأسطورة، هو أنهم كانوا أجلافا وجهلة، تقريبا متوحشين، كما يبدو من العهد القديم(31).

     ومع ذلك فليس كل من يرفض الخطيئة الأصلية هو بالضرورة ملحد. لقد رفضها بيلاجيوس، راهب بريطاني من القرن الخامس ميلادي، وصاحبه سيليستيوس. قالا بأنّ آدم خُلق ميّتا وسيموت حتى وإن لم يقترف أية خطيئة. استتباعات الخطيئة تقع على آدم وحده وليس على الجنس البشري بأسره. الولدان الصغار هم في نفس وضع آدم قبل السقوط، وإن ماتوا دون تعميد فإنهم سيفوزون بالحياة الأبدية. يمكن للإنسان أن يكون خيّرا وأن يُحقق الفضيلة حتى قبل مجيء المسيح(32).

     السوسينيون (Sociniens) فرقة مسيحية تابعة لفاوستو سوشيني (F. Socini) من القرن السادس عشر، استعادوا بيلاج رافضين هم بدورهم فكرة الخطيئة. فولتير يقول بأن هذا الرفض هو انتصار السوسينيين الذين يسمّون هذا المعتقد بالخطيئة الأصلية للدين المسيحي(33). هذا المعتقد الذي وصفه فولتير نفسه، بأنه معتقد دنيء، اعتبره السوسينيون تعدّيا على الإله، واتهاما له بأبشع أنواع البربرية وذلك بالتجرء بالقول إن الله قدّر لأجيال من مخلوقاته العذاب الأليم تحت تعلّة أنّ أباهم الأوّل أكل فاكهة من بستان(34). هذه التهمة في حقّ الذات الإلهية، يقول السوسينيون، لا يمكن أن تغتفر للمسيحيين لأنها لا ترتكز على أيّ نص من النصوص المقدسة، ولا توجد هناك ولو كلمة واحدة لتدعيمها. فعلا، ليس هناك في سفر التكوين عبارة صريحة تقول بأنّ الله قد حكم على آدم بالموت لأنه ألتهم تفاحة (avalé une pomme). قال له: "ستموت حتما يوم تأكلها"، لكنّ سفر التكوين هذا يُبقي آدم على الحياة تسع مائة وثلاثين سنة بعد هذه اللمجة الإجرامية. وماذا نقول في الكائنات الأخرى؟ الحيوانات والنبات التي لم تأكل أبدا من تلك الفاكهة، تموت في الوقت المحتم لها من الطبيعة. الإنسان لا يشذّ عن هذه القاعدة : "ولد لكي يموت كما الجميع". أخيرا، معاقبة آدم لا تدخل بأيّ حال من الأحوال في شريعة اليهود. والفصول الأولى من سفر التكوين، مهما كان الزمن الذي دُوّنت فيه، اعتبرت من طرف أحبار اليهود كرموز واستعارات، بل حتى حكايات خطيرة جدا، لأنها، كما يقول فولتير، مُنعت قراءتها قبل بلوغ سنّ الخامسة والعشرين. الخطيئة الأصلية كانت غريبة عن اليهود إذن، يواصل فولتير، كغرابة الطقوس الصينية عنهم، واللاهوتييون رغم أنّهم يجدون كلّ ما يرومونه في الكتاب المقدس، إما قولا أو حرفا، لكن نحن متأكّدون يقول فولتير أنّ لاهوتيا ذا حسّ سليم لن يجد أبدا هذا السرّ المذهل.

المعلوم والمؤكّد تاريخيا أنّ القديس أوغسطينوس، هو الأوّل الذي اعتمد هذه الفكرة الغريبة، والتي على حدّ قول فولتير « جديرة برأس إفريقيّ ساخن وحالم، ضالّ وتائب، مانوي ومسيحي، متسامح ومتعصّب، قضّى حياته في نقض نفسه بنفسه(35)». إن انزعاج السوسينيين من معتقد الخطيئة الأصلية مُبرّر من جهة أنهم يجدون نوعا من الحطّ من قيمة صانع الطبيعة الذي يُتصور وكأنه يقوم بمعجزات متواصلة لِلَعن بشرية إلى الأبد، يحييها لفترة وجيزة. إن المفارقات (اعتراضات السوسينيين) هي كالآتي : إما أنّ الله خلق الأنفس من الأزل وفي هذه الحال، بما أنها أقدم كثيرا من خطيئة آدم، فلا علاقة لها به؛ أو أن تلك الأنفس متكوّنة كلّ مرّة ضاجع فيها رجل امرأة، وفي هذه الحال فإنّ الله هو باستمرار مراقب لكلّ مواعيد الكون لكي يخلق أرواحا مسيرة نحو الخلود في الشقاء؛ أو أن الله هو ذاته روح كلّ البشر، وفي هذا النسق فإنه يلعن ذاته. ليس هناك من مفارقة رابعة، وكلّ واحدة، يقول فولتير، هي أكثر رهبا وجنونا من الأخرى.

ومن وجهة نظر تاريخية فإنّ نظرية الخطيئة الأصلية لم تكن قد حظيت عند آباء الكنيسة الأوائل بنفس الأهمية المحورية التي حظيت بها بعد أوغسطينوس. أوريجينوس مثلا، في تفسيره لرسالة بولس إلى رومية، يصرح بأنّ الخطيئة الأصلية دخلت العالم مع آدم، ولكنّ النزعة إلى الخطيئة هي التي دخلت، وأنه من السهل اقتراف الشرّ، ولكن هذا لا يعني أننا نقترفه دائما، وأننا مجرمون منذ الولادة.

لكن أوغسطينوس شذّ عن مسار الآباء الأوائل وهذا راجع إلى نظرته التشاؤمية الجذرية للإنسان. لقد استحوذت على كيانه فكرة الخطيئة الأصلية إلى درجة أنه فقد الثقة في أيّ خلاص للإنسان عن طريق التقوى والأعمال الخيرة. وهذا المعتقد بمفرده، الذي سمّاه فولتير معتقدا دنيئا، يذهب ضدّ فكرة الأخلاق والعدالة، إنه معتقد قاس لا يؤول إلاّ إلى تجفيف وتصليب النفوس (dessécher et endurcir les âmes)(36). غريغوريوس أرمينانسيس (1280) سماه معاصروه مُعذّب الأطفال الصغار (tortor parvulorum)، لكن هذه التسمية تنطبق أول ما تنطبق على أوغسطينوس الذي أكّد على أن الولدان غير المعمّدين مآلهم الخلود في نار جهنّم. في احدى رسائله يفترض حالة أبوين عزما على تعميد ابنهما لكنّ الطفل الصغير مات قبل أن يتم تعميده، يقول بأنّ الله لم يرد أن يفوز الطفل بالخلاص. ولكن حينما اعترضه المقطع من رسالة بولس إلى تيموتي (2، 4) الذي يقول فيه بأن الله يريد خلاص البشرية جمعاء، يفعّل بلباقة مَكَنَة خطابته الرهيبة، ويُظهر قسوة لا تُتخيّل، حيث يرى أن هذه الآية يجب فهمها بمعنى أنّ كلّ الذين فازوا بالخلاص لم يفوزوا إلاّ لأنّ الله أراد ذلك. وعلى هذا فإنّ «عبارة الرسول (بولس) يجب فهمها بأي معنى آخر مادام لا يتعارض مع هذه الحقيقة البيّنة، التي عن طريقها ندرك أن كثيرا لا يفوزون بالخلاص لأن الله لا يريده، حتى وإن أرادته البشرية(37)». اضمحلّ مبدأ الرحمة ومحبّة القريب وحلّ محلّه مبدأ اللارحمة والقسوة في أبشع معانيها. لقد صرخ متعجبا أحد الكتاب الفرنسيين من القرن الماضي قائلا: «أعترف أني لم أفهم أبدا كيف ـ أمام تعاليم من هذا القبيل ـ تستطيع النسوة، خصوصا اللواتي هنّ أمهات، أن يبقين مسيحيات(38)». وأنا أضيف، أن يبقين أيضا مسلمات أو يهوديات، لأن تعاليم هذين الدينين لا تخلو من معتقدات مشابهة للمسيحية.

     لقد أرجع البعض من المؤرخين تشبّث كانط بفكرة الشرّ الجذريّ في الطبيعة الإنسانية إلى تأثره الكبير باللوثرية. البعض الآخر رفض أن يكون صاحب النقد منصاعا لتعاليم دين وملّة معينة، واستبعد هذه الفكرة الصادمة. ولكن، إذا خرجنا من الحدود الضيقة للاغراض الشخصية وتموقعنا في وجهة نظر موضوعية من المحتمل جدا أنّ لأصحاب الرأي الأوّل معطيات ونصوص متينة تدعّم وجهة نظرهم. الفرنسي باكييه قال بأن ما نجده في الكانطية هو الجوّ الذهني للوثرية (l’atmosphère intellectuel du luthéranisme) والمتمثل بالتحديد في نقطتين : النزعة لاعتبار الطبيعة الانسانية وأفعالها مخرّبة من الأساس، والنزعة إلى وضع الإنسان فوق الحقيقة(39). ولكي يبرهن على ذلك فإنه يقول إنّ لوثر نفسه، قبل كانط،  أكّد هذين المبدأين اللذين يمثلان هيكل "ثورته"، أي أنّ الخطيئة الأصلية هي التي سبّبت خراب الطبيعة البشرية، تلك الطبيعة التي هي قبيحة من الجذور؛ إحساس الإنسان الساقط وعقله وإرادته  تمكّنت منها الرذيلة بصفة جذرية لا دواء لها. المفكر باكييه يذهب أبعد من ذلك ويُقِيم التأثير اللوثري في عمق الكانطية. فعلا، النظرية المعرفية لكانط، التي يعتبرها هذا الكاتب، ناشزة، بل ووحشية، تعود بنا إلى لوثر، يعني أنّ اللوثرية اخترقت حتى الجانب الذي اعتُبر بحثا في الملكات المعرفية للإنسان ومُعقّما من أيّ عدوى دينية، أعني بالتحديد أفكار نقد العقل الخالص.

إن أتباع كانط ـ وأظنّ هذه وقفة لا بدّ منها ـ رغم أنّ مقارنتي هذه لا ينبغي أن تؤخذ على حرفيتها، يجدون أنفسهم في نفس الوضع لأتباع هايدغر الذين يُصدَمون بفكرة أنّ أعظم مصنّف فلسفيّ في القرن العشرين يسبح في جوّ الفكر اليميني الرجعي. الكاثوليك يبرهنون، والنصوص بيدهم، على أنّ الفكر الكانطي هو استنساخ عالم لتعاليم لوثر.

3 – الله أو الإنسان:

     لقد اصطنع أهل الأديان حلولا شتى لتفسير سقوط الإنسان ولتبرئة الإله من مسؤولية الشرّ في العالم. أمام السؤال : لماذا لم يستعمل الله قدرته ضدّ الشيطان كي يُحبط، منذ البداية، المُلك الذي ينوي إرساءه على الأرض؟ يُجيب كانط بأن: « حكمة الله العليّة تهيمن وتحكم الكائنات العاقلة وتصرفهم بحسب مبدأ حريتهم، وأولئك الموجودات يجب أن يتحمّلوا مسؤولية أيّ خير أو شرّ يقترفونه(40)». لكن هذا جواب غير مقنع، لأننا لا نرى أيّ حكمة في السماح بدخول الشرّ للعالم، إذا كان الإنسان الأوّل منذ البداية مخلوقا ضعيفا وإرادته هشّة. البعض الآخر يرى أن دخول الشر في العالم هو ضرورة لكي يُظهر الله قدرته. لكن، يردّ بيار بايل وفلاسفة آخرون، هذه الأطروحة تتمثل الإله وكأنّه أب يترك عن قصد أبناءه تُدَقّ عظامهم لكي يُظهر براعته في جبرها، أو يُتمثل على صورة ملك يترك رعيته تعبث في ملكه وتعيث فيه فسادا لكي يحوز على مجد أنّه استطاع إخمادها. إن تصرفات هذا الأب وهذا الملك هي مضادة للأفكار الواضحة والمتميزة التي نحكم بها عن حكمة وخيرية، وعموما، واجبات كل أب أو ملك بحيث إن عقلنا لا يقدر أن يفهم كيف يمكن للإله أن يتصرّف بطريقة مماثلة(41). دون سقوط الإنسان، يتذرّع بعض اللاهوتيين، فإن عدالة الإله ورحمته ستبقيان مجهولتين للإنسان. لكن هذا غير صحيح، لأنه من الممكن، بل من السهل، أن يتعرف الإنسان على هذين الصفتين دون القضاء عليه بالسقوط والشقاء. فكرة كائن كامل تكفي بمفردها للإنسان، في وضعه الحالي، لمعرفة أن الله يملك كل الصفات التي يستحقّها موجود لانهائي، فما بالك بالإنسان قبل السقوط. فعلا، كان بمقدوره أن يعرف بسهولة عدل الله. لكن في هذه الحال فإن الله لن يعاقب أحدا، وهكذا بالفعل كان بالإمكان أن يُعرّف بعدله دون عناء. كان سيكون هناك تدخل متواصل، تفعيل سرمدي لهذه الفضيلة، ولا أحد بالتالي سيستحق العقاب، وحذف كل أسباب العذاب كان سيكون عملا هينا وفي أعلى مراتب العدالة.

     هذه الاعتراضات المحرجة والصادمة ضد فكرة الإله وقدرته وعدالته التي توسع فيها فلاسفة مثل هيوم، بيار بايل، دولباخ أدّت بكانط إلى القول بأن كل محاولات تبرير الإله قد فشلت.

       لكن، وعلى الرغم من ذلك، فهو لم يَصل إلى رفض فكرة الألوهية، أعني إلى الإلحاد، الذي هو الاستتباع المنطقي لهذا الموقف، بل يُبرّر مرة أخرى الإله بطريقة لاعقلانية إيمانية صرفة. نحن لا نعرف أيّ شيء عن العالم، فما بالك بأسرار الإله. اللاهوت التبريري العقلاني لا يفيد في شيء، إن كان المقصود هو الوصول إلى أغوار الإرادة الإلهية ومقاصدها. إذن لايبنيتز وكلّ من والاه مرفوضون حتما، أي أن اللاهوت التبريري التعاليمي لا يفي بالغرض المعرفي. إلاّ أنّ هناك، وهذا استثناء يقيمه كانط،  لاهوتا تبريريّا أخلاقيّا، وهو مجرّد رفض لكلّ الاتهامات التي يوجهها الفلاسفة العقلانيون ضدّ فكرة العدالة الإلهية، والنابعة من ذلك العقل الذي نكوّن عن طريقه، بالضرورة وقبل كل تجربة، مفهوما عن الله ككائن أخلاقي وحكيم. هذا هو اللاهوت التبريري الأصيل (authentische Theodizee)، كما يسميه كانط، لأن الله نفسه يصبح هو المؤوّل لإرادته المتمظهرة في الخلق: «اللاهوت الأصيل ليس هو تأويل عقل يتخبّط في براهينه (النظرية) بل عقل عملي مهيمن، هو الآمر بصفة مطلقة في تشريعه، يمكن اعتباره تعبيرا مباشرا وصوت الله، عن طريقه يعطي معنى لكلمة خلقه(42)». التأييد الحقيقي لفكرة كانط هذه، يأتي مرّة أخرى من الكتاب المقدس، وبالتحديد من قصة أيّوب الذي أمام كل الخطب الذي حل به، رضي بالقدر دون أن يتساءل عن أغراض الإله أو يحاول تبرير أعماله. إن أيوّب ـ يقول كانط ـ «يتكلم كما يفكّر، وحسب المشاعر التي انتابته، وتنتاب أي واحد آخر في مكانه. أصحابه، على العكس من ذلك، يتكلمون كما لو أن القدرة الإلهية تُصغي لهم في السرّ، ويحكمون على أسبابها(43)». هؤلاء يتظاهرون بالتقوى لكنهم معدمون منها. الحقيقة هي هذه : «صدق القلب وليس امتياز المعرفة … المهم ليس البرهنة العقلانية، بل الصدق في التسليم بعجز عقولنا والصدق في عدم تزييف أفكارنا حين التعبير عليها(44)». كلام من قبيل "نور قذفه الله في القلب".

       أنا أرى أنّ هذا اسكات للعقول عوضا عن تحريرها. وكأنّي بكانط من أولئك المفكرين المتأرجحين، أو ذوي النزعة التوفيقية، الذين يحاولون المكوث في موقعين اثنين بوضع ساق هنا والأخرى هناك. لكنّ مأساة التوفيقيين هي واحدة وتتكرّر باستمرار : هم لا يُرضُون المؤمنين ولا الفلاسفة، ويجدون صدّا مماثلا وذا اتجاه معاكس من الطرفين وبنفس الحدّة. فتصوّر إله بمفرده هو في حدّ ذاته أمر إشكالي، الإقدام على البرهنة على وجوده  هو أكثر إشكالا، وقد برع كانط في تقديم الاعتراضات ضدّ أيّ محاولة من هذا القبيل، فما بالك بكلام الله، الكتب المقدسة، الوحي، صفات الإله التي هي في أعلى مراتب التناقض والخلف. الفيلسوف هنا بين خيارين : إما أن يتشبّث بعقله ولا يهادن بتاتا أمام استيهامات الدين وأساطيره، أو أن يُنكر العقل ويُضعف من صلوحيته في البتّ في هذه القضايا، والتعويل على القلب، والصدق مع النفس، ثم التأرجح بين مواقف ملتصقة بالملّة وأخرى ناقدة فقط لتمظهراتها الخارجية. على حدّ كانط، علينا أن نكفّ عن الإطلاع على تناقضات اللاهوت والغوص فيها لإفحام الخصوم، وننزوي في قلوبنا مُكتفين بما تمليه علينا مشاعرنا الداخلية.

      أقول : لا يكفي رفض العبادات والشرائع واختزال الدين الحقّ في بندين أو ثلاثة مستمدّة من المسيحية الإصلاحية، ولا يَرضى العقل التنويري بالإبقاء على البنود الأساسية للمعتقدات الدينية كضرورة للفعل الأخلاقي، وبالجملة إمّا الله أو الإنسان، إمّا الطبيعة أو ما فوق الطبيعة. أمام هذا الخيار فإنّ كانط يعيد على مسامعنا تقريبا كل بنود لاهوت الأديان التوحيدية في عرائها وكأنها أشياء بديهية تفرض نفسها على الإنسان: «انطلاقا من هذا المبدأ كما تمّ تعيينه لعليّة الكائن الأصيل، يجب علينا أن نُفكّر في هذا الأخير ليس فقط كعقل مشرّع للطبيعة، بل كمشرّع أسمى في مملكة أخلاقية للغايات أيضا. وفي ما يتعلّق بالخير الأسمى، الذي لا يمكن أن يكون إلاّ تحت سيادته، أي وجود الكائنات العاقلة تحت قوانين أخلاقية، علينا أن نفكّر بهذا الكائن الأصيل على أنه عارف بكلّ شيء، كي لا يخفى عليه حتى عمق ما في النوايا … وأنه كلّي القدرة، كي يجعل الطبيعة بأسرها تتواءم مع هذه الغاية العليا؛ وأنه كلّي الرحمة وعادل في الحين ذاته، لأنّ هاتين الصفتين (باتحادهما تحصل الحكمة) تشكّلان شروط علّيّة علَّةٍ أسمى للعالم كخير أسمى تحت قوانين أخلاقية؛ وهكذا أيضا كل ما تبقى من صفات سامية، كالأزلية والحضور في كل مكان، إلخ(45)».

     أليست هذه صفات الإله التي عدّدها اللاهوتيون في جميع الأديان منذ القرون الوسطى إلى عصرنا الحاضر؟ أليس هو اللاهوت الذي عارضه كانط بكل جهده النظري في نقد العقل الخالص؟ أجل هو كذلك، لكنّ العصا السحرية التي يتدارك بها كانط كل ما عمل على تدميره بجدّ على المستوى النظري، هي دائما مساوية لذاتها :  أعني المطلب الأخلاقي. ولئن رفض، كما هو معلوم، فكرة غائية طبيعية عن طريقها يمكننا الوصول إلى كائن أوّل وأسمى، وذلك بذريعة محدودية العقل البشري، فإنه يستمدّها من الضرورة الأخلاقية كما يقول في نقد ملكة الحكم: «وبهذه الطريقة، تملأ الغائية الأخلاقية ما تفتقر إليه [الغائية] الطبيعية، وتؤسّس قبل كل شيء آخر لاهوتا(46)». ليس هناك من شكّ ـ ورغم جميع الاعتراضات الممكنة ـ في وجود علّة غائية للكون، في وجود مشرّع أسمى، وبالجملة في حقيقة القضية التالية وهي أن الله موجود: «يجب علينا أن نُقرّ بوجود علّة أخلاقية للعالم (مبدع العالم) بحيث نستطيع نحن أن نضع أمام أنفسنا غاية نهائية بحسب القانون الأخلاقي؛ وبقدر ما إن هذا الأخير ضروري، بالقدر عينه (أي بالدرجة عينها وللسبب عينه) علينا أن نُقرّ بأن الأوّل ضروريّ أيضا، أي إن الله موجود(47)». وكأني بكانط في آخر فقرات نقد ملكة الحكم، وبالتحديد في الفقرة 87، يقول للناس، مَن عمل عملا صالحا دون الاعتقاد في الله فقد حبطت أعماله وذهبت فضائله سدى. إن خياله اللاهوتي الأخلاقي أوصله إلى هذه النتيجة المرعبة واللاإنسانية حقا. لقد تخيل شخصا اقتنع بالقضية القائلة :  الله غير موجود. هذا الشخص حسب رأيه «سيجد نفسه شخصا جديرا بالاحتقار في عينه هو لو أنه راح يعتبر ـ ولهذا السبب ـ قوانين الواجب مُختَلَقة، باطلة وغير ملزِمة وقرّر أن يتجاوزها من دون جزع. وإن إنسانا كهذا يحمل مثل هذا التفكير … سوف يبقى دائما شخصا جديرا بالاحتقار حتى ولو قام بواجبه بشكل دقيق جدّا في ما يتعلق بالنتيجة [الظاهرة] وبقدر ما يمكن أن يُطلب منه(48)».

أكثر صراحة وحزما ما جاء بعدها: « نستطيع إذن أن نفترض إنسانا مستقيما (مثل سبينوزا مثلا) يعتقد جازما أن الله غير موجود وأن لا حياة قادمة». كيف هو مصيره يتساءل كانط؟ من المفروض، كفيلسوف تنويري متحرّر، أن يتثبّت أوّلا هل أن سبينوزا هو المثال الصحيح لهذا الصنف من الملحدين، وهل أنه بالفعل نفى وجود الله واليوم الآخر أم لا. ثانيا، هب أنه كان فعلا كذلك، فهذا الاعتقاد لا يضيره في شيء، ولا يمنعه من أن يكون انسانا خيّرا ومواطنا صالحا. لكن كانط يصدمنا حقا : هذا الإنسان أعماله محبطة على الرغم من أنه من وجهة نظر عملية يحقق شرط الأخلاق الذي نادى به كانط، أي أن تكون الأفعال غير مقصودة لغايات أخرى سوى احترام القانون الأخلاقي في ذاته «إنه لا يسعى وراء أية منفعة جراء اتباعه إياه [القانون الأخلاقي] لا في هذا العالم ولا في العالم الآخر، بل يريد بالأحرى فعل الخير الذي يوجه هذا القانون المقدس جميع قواه نحوه(49)». ومع ذلك فإن «جهده محدود، ولا يستطيع حقيقة أن يتوقع من الطبيعة أكثر من مساندة تأتي صدفة من حين لآخر ـ لكنها لا تكون أبدا بموجب اتفاق قانوني يتحقق وفق قواعد ثابتة … مع الغاية التي يشعر رغم ذلك أنه ملتزم بتحقيقها ومدفوع إليها. إن الخداع والعنف والحسد ستحيط به دوما من كل صوب، حتى ولو كان هو نفسه صادقا، وديعا وخيّرا». الكل في ضلال إذن، ولا ينجو من هذا المصير التعيس أي أحد، حتى « الأبرار الذين يجتمع بهم، بالاضافة إليه هو… يجدهم مُعرّضين ـ وسيبقون كذلك أيضا ـ من قبل الطبيعة التي لا تُعير أذنا صاغية لذلك، إلى جميع مساوئ العوز والأمراض والموت المبكّر، مثلهم مثل باقي حيوانات الأرض، إلى أن يلتهمهم جميعا (الأبرار منهم والأشرار على حد سواء هنا) قبر واسع ويعيدهم … إلى هاوية فوضى المادة عديمة الغاية، التي كانوا قد نُشلوا منها(50)». النتيجة هي أنه إما أن يتخلى الملحد عن وضع غاية أخلاقية يتبعها في حياته، أو « يجب عليه ـ وباستطاعته أن يفعل ذلك بشكل جيد كونه على الأقل ليس متناقضا بحد ذاته ـ  أن يقبل من أجل قصد عملي … وجود مبدع أخلاقي للعالم، أي وجود الله(51)».

     إن هذا الإله الذي عدّد كانط صفاته اللاهوتية وطرد لأجله من مملكة الأخلاق أي واحد لا يؤمن به، هو نفس الإله الذي ثار ضده الفلاسفة التنويريون الذين لم يروا فيه إلاّ وبالا على الأخلاق والاجتماع البشري. أترك الكلمة للبارون دولباخ من كتابه "نظام الطبيعة" الجزء الثاني الفصل الأوّل بعنوان "أفكار مشوّشة ومتناقضة للاهوت" وأترك أيضا للقارئ المقارنة والحكم  :«بما أن الرعب هو الذي ولّد بالضرورة الآلهة، وبما أن فكرة الإله كانت دائما مصاحبة للرعب، فاسمه أصبح باستمرار سببا لارتعاد البشرية، لإثارة أفكار قاتمة وكئيبة في أرواحهم : مرّة ألقاهم في حيرة، وأخرى ألهب خيالاتهم. إن تجربة القرون تبيّن أن هذا الاسم الغائم، الذي أصبح للإنسان الفاني المشكلة الأهم، نَشَر في كلّ مكان الذعر أو التسمّم، وولّد في العقول أكثر الدمار رعبا. لو أن كارها للبشر خبيثا، خطط لإلقاء البشرية في أكبر المحن، هل باستطاعته أن يتصور وسيلة أكثر فاعلية من تلك التي تقذفهم باستمرار في حيرة جرّاء كائن غير معروف ولا يمكن معرفته بتاتا، ولكنهم يقدّمونه كمركز لكل أفكارهم، كنموذج وغاية وحيدة لكل أعمالهم، كموضوع لكل بحوثهم، كشيء أهم من الحياة، نظرا إلى أن سعادتهم الراهنة والمستقبلة تعتمد عليه؟ ماذا يحدث لو أن إلى هذه الأفكار التي لا تعمل إلاّ على ببلبلة الذهن، تنضاف تلك التي تصوّره كمَلِك مطلق لا يتبع أي قانون في تصرفه، لا يخضع إلى أي واجب، يمكنه أن يعاقب للأبد أخطاء تُقترَف في الزمن، والذي من السهل استثارة غضبه، يثور لأفكار ومعتقدات الناس، والذي من الهيّن الوقوع في مِحَنه؟ إن اسم هذا الكائن يكفي بمفرده أن يولّد الشغب، الدمار، الرعب في أرواح كل الذين يتفوّهون به؛ فكرته تطاردهم أينما حلوا، تعذبهم باستمرار، تلقي بهم في البؤس. إلى أي نوع من أنواع العذاب يُخضعون فكرهم لكي يتوصلوا إلى التخمين عن إرادة هذا الكائن المرعب، لاكتشاف سر رحمته، لتخيل ما يمكن أن يرضيه؟ وفي أي فزع يجثمون لأنهم لم يستطيعوا حدسه! كم من المماحكات حول صفات كائن لا يعرفه أحد على الحقيقة، والجميع يراه بمنظوره الشخصي! ذلك هو حرفيا تاريخ المفعول الذي أنتجه اسم الله في الأرض. البشرية أصابها الذهول والرعب على الدوام، لأنهم لم يحصلوا أبدا على أفكار مستقرة وثابتة حول الكائن الذي يمثله هذا الاسم. إن الصفات التي يعتقد بعض المتعالمين أنهم اكتشفوها فيه، لم تفعل إلاّ بلبلة الشعوب وكل المواطنين، ولم تساهم إلاّ في افزاعهم دون سبب، اشباعهم بالتشعبات اللاهوتية، جعل حياتهم تعيسة، ابعاد الأشياء الواقعية والضرورية لسعادتهم عن أنظارهم. لأجل البهرج السحري لهذه الكلمة المرعبة، الجنس البشري بقي متحجرا وذاهلا، وتعصب أعمى جعله مجنونا: عاجلا، بعد أن صُرع من الخوف، زحف كعبد تحت سياط سيّد لا يرحم، مستعد دائما لضربه، اعتقد بأنه لم يولد إلاّ لخدمة هذا السيد الذي لم يعرفه أبدا والذي قيلت له عنه الأقوال الأكثر رعبا، لكي يرتجف بين أغلاله، لكي يخاف من ثأره، لكي يعيش في النواح والبؤس. وإذا رفع بصره إلى إلهه لم يفعل ذلك إلاّ لفرط عذابه؛ لكنه مُحترز منه لاعتقاده بأنه جائر، صارم، نزوي، عنيد. لم يستطع العمل من أجل سعادته ولا تطمين قلبه ولا استفتاء عقله لأنه هُدّد دائما ومُنع من الاستهانة بغضبه. وهكذا فقد أصبح عدوّا لنفسه ولأمثاله، لأنهم أقنعوه بأن سعادته مستحيلة في هذه الدنيا. كل مرة تعلّق الأمر بالطاغية السماوي إلاّ وفقد ملكة الحكم، وصادر عقله، سقط في حالة طفولية وهذيان أرغماه على الانصياع للسلطة. الإنسان كانت مقدّرة له العبودية منذ خروجه من بطن أمه، والطغيان قاده إلى حمل الأغلال لبقية حياته. فريسة للرعب الذي يَعبث به، يبدو وكأنه جاء إلى الأرض فقط لكي يحلم، يتألم، لكي يؤذي نفسه وأمثاله، لكي يمنع نفسه من أي لذة، لكي يجعل مريرة حياته أو يُعكّر صفو سعادة الآخرين. ومأخوذ على الدوام بوقع الاستيهامات الرهيبة التي يقدمها له باستمرار خياله الهاذي، أصبح حقيرا، غبيا، لاعقلانيا وغالبا شريرا وذلك من أجل تعظيم الإله الذي جُعِل له كنموذج أو الذي حُرّض على الانتقام له. وهكذا فإن الإنسانية الفانية ركعت، من جيل إلى جيل، أمام أشباح عبثية ولّدها، في البداية الرعب في بوتقة الجهل. هكذا يعبدون بإرتعاش الأصنام العبثية التي نصبوها من أعماق أدمغتهم، لا شيء يقنعهم بأنه، في الحقيقة، يعبدون أنفسهم، وأنهم يسجدون أمام أعمالهم هم أنفسهم، وأنهم مُهشَّمون من الإطار الذين صنعوه بأيديهم؛ يعاندون ويمكثون في سجودهم، في حيرتهم؛ يحوّلون إلى إجرام الرغبة في تقشيع مخاوفهم؛ يتجاهلون السخف الناتج عن جنونهم؛ يتصرفون مثل الأطفال الذين يصيبهم الذعر من أنفسهم حينما يشاهدون في المرآة ملامحهم مشوّهة. إن هذه الهلوسات الضارة دخلت هذا العالم، منذ أن اصطنع الإنسان التصوّر المؤذي للإله؛ ستتواصل وتتجدد حتى يأتي اليوم الذي يُعتبر فيه هذا التصور اللاعقلاني غير مهمّ ونافل لسعادة المجتمع. وبانتظار ذاك الوقت، من البديهي أن من يصل إلى تدمير هذا التصوّر القاتل، أو على الأقل التقليل من تأثيره الرهيب، سيكون دون شكّ صديق الجنس البشري»(52). 

الهوامش:
 

1-  رسالة من كانط إلى كاسبر لافاتير بتاريخ 28 أبريل 1775.
2-  كانط، نقد العقل المحض، ك. أ. ك. ج، III، ص، 35. (بخصوص هذا النصّ استعَنتُ بالترجمة العربيّة، عمانوئيل كنط، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، مركز الإنماء القومي، بيروت 1988. أعترف بأنني لم أتبع حرفيا هذه الترجمة وقد حوّرت بعض المصطلحات عند الضرورة، ولكن الترجمة إجمالا جيّدة ولا يمكن لأيّ دارس عربي لفلسفة كانط التغاضي عنها أو إهمالها).
3-  كانط،  ن. م، ص، 33.
4-  I. KANT, Das Ende aller Dinge, in Werke, Bd XI, p. 190. „alsdann aber, weil das Christentum allgemeine Weltreligion zu sein zwar bestimmt, aber es zu werden von dem Schicksal nicht begünstigt sein würde, das (verkehrte) Ende aller Dinge in moralischer Rücksicht eintreten“.
5-  D. ANTISERI, Cristiano perché relativista, relativista perché cristiano. Per un razionalismo della contingenza, Rubettino, Soveria Mannelli 2003, p. 112.
6-  A. SAINTES, Histoire de la vie et de la philosophie de Kant, Paris, Librairie de Cherbuliez et Cie, 1844, p. 338. «  Cet ouvrage a quatre parties que l’on dirait, vu la distribution un peu arbitraire des matières plutôt quatre sujets d’un poème didactique sur la religion qu’un traité méthodique qui devra asseoir la religion sur des bases scientifiques »
7-  Ibid. p.  339. «  Il ne comprit pas qu’en se plaçant entre les deux adversaires, il ne s’appuyait sur rien, et qu’il allait bâtir un édifice dans les airs. Strauss nomme cette position prise par Kant un revirement symbolique du rationalisme (Symbolische Wendung des Rationalismus) »
8-  Briefe von Christian Garve an Christian Felix Weisse und einige andere Freunde, 2. Teil, Breslau 1802, p. 322. cit, in, R. MALTER, La prima ricezione de " La religione nei limiti delle semplice ragione", in Kant e la religione, op. cit, p. 187.  
9-   Briefe der Jahre 1786 – 1814. Artemis-Ausgabe, Zürich-Stuttgart 1962, p. 213. cit, in R. MALTER, ibid, p. 185.
10-  Schillers Briefe, a cura di F. Jonas, Stuttgart-Berlin-Wien, p. 288. In R. MALTER, Ibid, p. 185.
11-  J. PAULUS, Sämtliche Werke, 2. Abt. 4. Bd, Briefe, a cura di E. Berend, Berlin 1960, p. 91.
12-  J. G. HERDER, Sämtliche Werke, hrg von B. Suphan, Berlin 1880, Bd. 18 ( Hildesheim 1967), pp. 296 s. cit, in R. MALTER, Ibid, p. 187.
13-  ذكره دومينيكو لوسوردو، هيجل وألمانيا. الفلسفة والمسألة القومية بين الثورة والرجعية، 1997، ص، 431.
D. LOSURDO, Hegel e la Germania. Filosofia e questione nazionale tra rivoluzione e reazione, Guerini e Associati, Milano 1997, p. 431.
14-  ذكره لوسوردو، م. س، ص، 431.
15-  ذكره لوسوردو، م. س، ص، 434.
16-  I. KANT, Idee zu einer allgemeine Geschichte in Weltbürgerlicher Absicht, in Id, Werkausgabe Bd XI, Suhrkamp, Frankfurt am Main 1977, p. 41.
17-  I. KANT, Mutmaßlicher Anfang der Menschengeschichte, , p. 99. „Man muß gestehen: daß die größten Übel, welche gesittete Völker drücken, uns vom Kriege, und zwar nicht so sehr von dem, der wirklich oder gewesen ist, als von der nie nachlassenden und so gar unaufhörlich vermehrten Zurüstung zum künftigen, zugezogen werden“
18-  „Man sehe nur Sina an, … keinen mächtigen Feind zu fürchten hat, und in welchem daher alle Spur von Freiheit vertilgt ist“. P. 99.
19-  Ibid, p. 100.
20-  I. KANT, Idee zu einer allgemeinen Geschichte in Weltburgerlich Absicht, in Id, Werkausgabe Bd XI, p. 44. „der nicht ohne alle Gefhar sei“ 
21-  كانط، نقد ملكة الحكم، ص، 395.
22-   Ibid, p. 42. „Alle Kriege sind demnach so viel Versuche (zwar nicht in der Absicht der Menschen, aber doch in der Absicht der Natur), neue Verhältnisse der Staaten zu Stande zu bringen, und durch Zerstörung, wenigstens Zerstückelung aller, neue Körper zu bilden…“
23-  G. W. F. HEGEL, Naturrecht und Staatwissenschaft im Grundrisse, op. cit, §. 324. „ die wirklichen Kriege noch einer anderen Rechtfertigung bedürfen“
24-  I. KANT, Anthropologie, in Werke, p.
25-  I. KANT, Anthropologie in pragmatischen Hinsicht, in Werke, Bd. XII, p. 648.
  Ibid, p. 654.26-
27-  كانط، نقد ملكة الحكم، ن. م، ص، 393 ـ 394.
28-  B. MANDEVILLE, The fable of the bees; or private vice public benefits, London, T. Ostell, Ave-Maria Lane, 1806, p.179.
29-  P. LARROQUE, Examen critique de la doctrine chrétienne, Paris, Librairie étrangère de Bohné et Schultz, t. 1, 1860, p. 59.

30-  Ch. BEAUQUIER, Petit catéchisme populaire du libre-penseur, Besançon, Imprimerie J. Millot et Cie, 1904, p. 29-30.
31-  Ibid, p. 31.
32-  Pélagianisme et semipélagianisme,  in  Encyclopédie des sciences religieuses,  F. Lichtenberger, T. X, Paris, Librairie Sandoz et Fischbacher, 1881, p. 408.
33-  VOLTAIRE, Originel (Péché), in Dictionnaire philosophique, in Œuvres de Voltaire, T. XIX, Paris, Librairie Hachette et Cie, 1876, p. 101.
34-  Ibidem.
35-  Ibidem. «  Avouons que saint Augustin accrédita le premier cette étrange idée, digne de la tête chaude et romanesque d’un Africain débauché et repentant, manichéen et chrétien, indulgent et persécuteur, qui passa la vie à se contredire lui-même ».
36-  P. LARROQUE, Examen critique de la doctrine chrétienne, Paris, Librairie étrangère de Bohné et Schultz, t. 1, 1860, p. 72.
37-  اوغسطينوس، رسالة 217، 6 ـ 19.
38-  P. Larroque, Examen…, Ibid, p. 78. « J’avoue que je n’ai jamais compris comment, en présence de pareils enseignements, des femmes, de celles surtout qui ont été mères et dont on sait la merveilleuse tendresse pour les fruits de leurs entrailles, pouvaient demeurer chrétiennes ».
39-  J. PAQUIER, Le protestantisme allemand. Luther, Kant, Nietzsche, Paris, Bloud et Gay Editeurs 1915, p. 65.
40-  كانط، الدين في حدود مجرد العقل، ن. م، ص، 735.
41-  P. BAYLE, art. Pauliciens, in Dictionnaire historique et critique, Paris, Desoer, 1820, p. 483-84.
42-  I. KANT, Über das Mißlingen aller philosophischen Versuche in der Theodizee, in Id, Werke, Bd. XI, p. 116.
43-  Ibid, p. 117.
44-  Ibid, p. 119. „Also nur die Aufrichtigkeit des Herzen, nicht der Vorzug der Einsicht“
45-  كانط، نقد ملكة الحكم، ترجمة غانم هنا، المنظمة العربية للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2005، ص، 409.
46-  كانط، ن. م، ص، 410.
47-  ن. م، ص، 417.                               
48-  ن. م، ص، 419.
49-  ن. م، ص، 419 ـ 420.
50-  ن. م، ص، 420.
51-  ن. م، ن. ص.
52-  P. T. d’HOLBACH, Système de la nature ou des lois du monde physique et du monde moral, nouvelle édition avec des notes et des corrections, par Diderot, édité avec une introduction par Yvon Belaval, Reprografischer Nachdruck der Ausgabe, Paris 1821, Georg Olms Verlag, Hildesheim, 1966, in 2 voll. (trad. it. Sistema della natura di Paul-Henry Thiry d’Holbach, a cura di Antimo Negri, UTET, Torino 1978, pp. 429-432)
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This