المسلم ذلك الفرد المقهور
يصطدم ممارسو النقد وكل الذين اختاروا دروب الحرية في بلاد المسلمين بجدار الردة والتكفير وجمود الفكر. فلا أشد فظاعة من جهل ناشط كما يقول غوته. لا يملك مسلمو اليوم دينا بل الدين هو الذي يتملكهم. يبني رمزيا كل وجودهم، يقدس ويُسبِّق القيم الأخلاقية الجماعية على حساب اختيارات الفرد.
تستطيع مجرد ” فتوى” أن تحوّل أي فعل إنساني إلى حرام أو حلال! أن تجرده من كل معنى وفعالية. يقتل هذا الجو الموبوء بالفتاوى عقل الإنسان وينزل به إلى مستوى التلميذ أو المريد الأبدي الذي لا يحسن إلا الإنصات والطاعة. فلا يتساءل ولا يشك ولا يبادر إلى تسطير مسار حياته بحرية.
تملي عليه العناية الإلهية عن طريق موظفيها الأرضيين كاتالوج العادات الحسنة والمستحسنة وكاتالوج ما يجب تجنبه من الأفعال المستهجنة. كل الأمور محسومة سلفا: كيف يجب أن يلبس ؟ ماذا يأكل ؟ عماذا يمتنع؟ بماذا يتلفظ حينما يدخل المرحاض وحينما يجامع زوجته…؟ فحتى عندما يمتطي ميترو الأنفاق وجد له الدعاة الدعاة كلاما يتمتم به.
كل هوية معلبة هي بالضرورة مضادة لحرية الفرد واستقلاليته. وهو ما انتبه إليه الروائي المتُحفظ عادة، الطاهر بن جلون : ” تفضل المجتمعات الإسلامية العشيرة والقبيلة والعائلة ولا تعترف بالفرد ككيان ذاتي حر. وانطلاقا من هذه الذهنية يعتبر خيانة كل سعي لإثبات وجود خارج المعيار العشائري كالمطالبة بحرية الاعتقاد مثلا أو الفصل بين الدين والدولة” (Evènement du jeudi du 16 au 22 janvier 1992)
لم تشجع الثقافة الفقهية الإسلامية السخريات والكاركاتور أبدا وهي نشاطات فردية بامتياز، فالهزل مكروه وكل تعبير فني ينبغي أن يكون أخلاقيا أو تعليميا يوصل إلى مخافة الله وطاعة أولي الأمر.
فبإيعاز وضغط من قوى الأصولية العالمية، منعت السلطات المغربية أسبوعية ‘نيشان’ الساخرة من الصدور وحوكم الفريق الصحفي بتهمة المساس بالقيم المقدسة.
كل هذا لأن الصحيفة نشرت في عدد 9 ديسمبر 2006 ملفا حول النكت عنونته ”كيف يضحك المغاربة على الدين والجنس والسياسة.”كيف نروّح عن النفس إذا لم نجعل من هذا الثالوث المحرم موضوعا للضحك؟ كيف يتم التنفيس عن المكبوت إذا لم يكن تندرا على الطابوهات التي تخنق أرواحنا وتزجر غرائزنا وتهضم حقوقنا؟
يحاول الفقه أسلمة حياة الإنسان من مهده إلى لحده. فليس المواطن هو المؤمن وإنما المؤمن هو المواطن. كل المشاكل الدينية هي مشاكل يومية وكل المشاكل اليومية مشاكل دينية في عرف أغلب المسلمين.
يتساءل المؤمن عن إسلامية أو شرعية الأمور قبل تساؤله عن قانونيتها. الشرع قبل القانون. هو في الغرب مسلم أولا وقبل كل شيء ومواطن ثانيا و ربما لاَ يعتبر نفسه مواطنا على الإطلاق، فوطنه الإسلام !
أثناء موجة العنف التي اجتاحت ضواحي المدن الفرنسية في خريف 2005، لم نر مسلمي فرنسا وجمعياتهم ينشدون الهدوء أو ينددون بالأعمال التهديمية باسم دولة القانون أو مبادئ الجمهورية التي ينعمون بالحرية تحت ظلالها الوارفة وإنما باسم الإسلام والشريعةǃ
“أقتل الأيام، يكتب الأديب المغربي محمد خير الدين، أود محوها ومحو نفسي معها! نعم أمحو ذاتي! فمن أنا إذن ؟ لاشيء إطلاقا، أقول لكم”(أسبوعية لاناسيون الجزائرية من 25أفريل إلى 02 مارس 1995). لا فرد ولا مواطن في هذا العنوان، لا تزال ‘الأنا’ غارقة في ‘النحن’ إلى أذنيها في هذه البقاع. “أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا “، هكذا يعتذر أغلب الناس حينما يفرض عليهم موقف ما الحديث عن أنفسهم أو عند التلفظ سهوا بأنواتهم! يتكاثر أعداء ” الفرد ” و يُطوَّق من كل جانب، بهدف فرض وجه أحادي حزين.
ولكن هل يمكن أن يحدث تقدم لا يكون من أجل الفرد وبالفرد ذاته؟ تعمل المؤسسات الاجتماعية مجتمعة على إغراق الواحد في “الكل”، فلا يلوح في الأفق أدنى مخرج من وحل تلك البنيات التقليدية التي ترفع من شأن الجماعة على حساب الفرد، وتنشر وهم المعرفة المطلقة بدل نجاعة المعرفة النسبية، وتحاول تأبيد التراتبية على حساب المساواة. يحاول الفقه جاهدا تطويق الفرد بالممنوعات ومصادرة إرادته بإذابته في إرادة المجموع.
يفعل كل ما في وسعه لإبعاده عن أية فلسفة أو ميتافيزيقا أو إيديولوجيا يُحتمل أن تغير نظرته إلى الشريعة السمحاء والدين الحنيف. يسعى الفقهاء إلى جعل المؤمن يخاف من ظله، فيقنعونه أن في كل مكان يتربص به ذنب بل كأن العقوبة هي التي تتربص وتتحين فرصة الإيقاع بالمعصية. ينهج رجال الدين نهج رجال الدعاية والإشهار، فهم يحاولون تهديم الهويات الذاتية لتشكيل القطعان التي يسهل توجيهها، لتصبح الأنا غريبة في عقر ذاتها، توجهها قوى خارجة عنها، تملي عليها ما يجب وما لا يجب وهكذا لا يصبح الإنسان مقياسا لأي شيء.
فحتى الضحك والبكاء لهما ضوابطهما الشرعية “سامحني الله ..سامحني الله”، يردد لتوه معتذرا كل من ارتكب قهقهة.. يرى عالم النفس الألماني– الفلسطيني، جهاد مرزوية، أن التراتبية الصارمة التي تطبع العائلة العربية تخنق أنفاس الشبان والشابات وتحرمهم من التعبير عن غضبهم واستفراغه،وهذا يدفع بهؤلاء المقموعين إلى كبت حنقهم والانكفاء على ذواتهم. وبما أن الانتحار محرم في الإسلام، فإنهم يسعدون حينما تسنح لهم، في يوم من الأيام، إمكانية قذف ذاك الغضب المتراكم خارج ذواتهم بتوجيهه ضد الآخر، وهكذا يحولون الممنوع إلى فعل بطولي، فينتحرون ليقتلوا.
(Courrier International du03au 23 octobre août2006) ألا يكون سقوطهم في حفرة العمل الإنتحاري محاولة غير معلنة للبحث عن موت جميل يعبرون به عن حقدهم الدفين على اعتقالهم الثقافي؟ لا يتمدن مجتمع يقمع الفرد ويرفض التساؤل عن نفسه ويحرم فنانيه ومفكريه من الحق في إثارة الشك، ولا يزدهر ما دام لا يجرؤ على السخرية من ذاته،وما دام يحارب أبسط التصرفات التي لا تتوافق مع تصوراته.
