المفكّر الإسلاميّ الجديد أو لعبة استبدال الخطاب…
"يبدأ الجديد ببحث عاصف في القديم"
أمين الخولي
من أشهر الكتابات الّتي ظهرت على حيطان باريس في ماي 68، نجد واحدة تقول: " البُنى لا تتظاهر في الشّارع Les structures ne défilent pas dans la rue !"، وفي هذا إشارة إلى أنّ مظاهرات الطّلاّب والعمّال الكبرى سنة 1968 لا يمكن تفسيرها وفق اصطلاحات البنيويّة آنذاك بوصفها ظواهر محكومة بتغيّر أبنية المجتمع. غير أنّ ردّ جاك لاكان Jacques Lacan على ما جرى سنة 1968 قد أكّد أنّ الأبنية هي الّتي نزلت إلى الشّارع. فالأحداث المتفجّرة قد كانت في نهاية الأمر نتيجة خلل في التّوازن البنيويّ تمثّل في المرور من شكل هيمنة إلى شكل آخر هو عند لاكان عبارة عن مرور من خطاب السّيّد discours du maître إلى خطاب الجامعيّ discours universitaire بوصفه الخطاب المهيمن في المجتمع المعاصر. ولا عجب أن تكون أحداث التّمرّد سنة 68 قد جرت في الجامعات الّتي كانت تجسّم آنذاك هذا الانتقال إلى أشكال جديدة من الهيمنة قد ساندها الخطاب العلميّ بإضفائه مصداقيّة وشرعيّة عليها (1 ).
وقد مثّل هذا المرورُ من خطاب إلى آخر تفسيرَ لاكان الخاصّ لأحداث 1968 وموقفه منها. وهو موقف قد جسّمه ما جرى يوم 3 ديسمبر 1969 بجامعة فانسان Vincennes حين حاور الطّلبة الثّوريّين الّذين قاطعوا درسه، وردّ على احتجاجاتهم بقوله الشّهير: "إنّ ما تطمحون إليه بوصفكم ثوريّين، إنّما إلى سيّد. وستحصلون عليه." (2 ).
وليس هذا المرور من خطاب إلى آخر، إن ترجم في ألفاظ نيتشويّة، سوى انتقال من "إيطيقا السّيّد" إلى "أخلاقيّة العبد". ولا تعني هذه الأخلاقيّة الّتي كان نيتشه يستنكف منها أنّه كان يعارض الطّبقات الدّنيا ويهاجمها، وإنّما كان يهاجم السّادة الجدد الّذين لم يكونوا جاهزين لحمل لقب "السّيّد". فلفظ "العبد" هو التّرجمة النّيتشويّة للسّيّد الزّائف أو "العبد الظّافر" (3 ).
بيد أنّ هذا المرور لم يترجم في ألفاظ نيتشويّة، وإنّما في صيغة كوجيفيّة هيغليّة تدور على جدليّة السّيّد والعبد، خصّص لها لاكان كامل النّدوة السّابعة عشرة الموسومة بـ"قفا التّحليل النّفسي L’envers de la psychanalyse" (1970-1969). وقد كان موضوعها يخصّ الخطابات الأربعةLes quatre discours ، هي على التّوالي: خطاب السّيّد discours du Maître، وخطاب الجامعيّ discours universitaire، وخطاب الهستيريdiscours de l’Hystérique ، وخطاب المحلّلdiscours de l’Analyste . وليس الخطاب في التّصوّر اللاّكانيّ وسيلة للتّعبير الذّاتيّ ولا أداة للتّواصل بين الذّوات، وإنّما هذا العنصر الأساسيّ في النّظام الرّمزيّ الّذي لا وظيفة له إلاّ تشكيل المواقف وصيغ الوجود أو طرائق الوجود في العالم. فهو كنظام الخطاب عند فوكو لا ينشئه كلام الأفراد لأنّه بنية ضروريّة تتجاوز الكلام. فهو كما وصفه لاكان "خطاب بلا كلماتdiscours sans paroles " لأنّه أوسع من كلّ إنجاز فعليّ ويتجاوز كلّ تلفّظ ذاتيّ. ومن الصّعب عرض نظريّة الخطابات الأربعة في هذا المقام الضّيّق لأنّ لاكان قد صاغها صياغة بنيويّة في صور رياضيّة شكليّة مجرّدة من كلّ تمثيل إنسيّanthropomorphique (4 ). وهو إن اعتمد على التّصوّر الكوجيفي لعلاقة السّيّد والعبد (وهو صيغة طريفة من الهيغليّة، نحتت من منظور متحرّر قد تخلّص من الإكراهات المنهاجيّة الخاصّة بتاريخ الفلسفة)، فإنّه لم يحتفظ ممّا تلقّاه من تدريس كوجيف إلاّ بصورة منه مجرّدة، وهي أن لا وجود لسيّد إلاّ لأجل عبد، فسيّد دون عبد ليس بسيّد. وهذا الوجود المتلازم لا يتحقّق إلاّ في علاقة الاعتراف الّتي يحتاج فيها السّيّد إلى العبد ليَرَى في الصّورة الّتي يرسلها إليه سؤدده وسيادته. وقد خضعت هذه العلاقة لمنطق الدّالّ. فالسّيّد هو دالّ – السّيّد signifiant-maître أو دالّ مهيمِن signifiant dominant يكتبه لاكان في هذه الصّورة: (S1/د1). أمّا العبد فهو دالّ – العبد signifiant-esclave، فهو إذن دالّ مهيمَن عليه signifiant dominé، ويكتب على هذا الوجه: (S2/د2). ولا يوجد هذا الدّالّ بمعزل عن ذاك، فهما محكومان بعلاقة ترابط تلازميّ. فمنطق الدّال قد خضع تماما لجدليّة المهيمِن والمهيمَن.
يعتبر لاكان أنّ (S2/د2) هو "العلم" ، أي شيء مّا قد نشأ في شكل دالّ مهيمَن عليه. ويعني ذلك أنّ العلم مرتبط بالدّالّ المهيمِن (S1/د1) يكون له "عبدا"، ولكنّ (S1/د1) في حاجة بدوره إلى (S2/د2) ليشغل وظيفة السّيادة الخاصّة به. ففي خطاب السّيّد يرتبط ملفوظ "العلم" (S2/د2) بدالّ السّيّد الّذي لا يشكّل مع "العلم" زوجا موجّها une paire orientée إلاّ إذا لم يكن هو (أي السّيّد) ذاته علما. فالسّيّد الحقّ هو من لا يرغب في شيء من العلم. فخطاب السّيّد هو خطاب الحقيقة لا خطاب العلم. فالسّيّد فوق كلّ علم، ويرفض بكلّ قوّة أن يخضع لهيمنته، لأنّه يعي أنّ "العلم" هو دالّ لم يتّخذ شكل سيادة، وإنّما اتّخذ شكل عبوديّة. فلا وجود لعلم إلاّ تحت سيطرة شيء مّا، بل قل لا وجود لعلم غير مشروط. وهذا يعني أنّ خطاب السّيّد يقال مسندا إلى ضمير المتكلّم، أي باسم ذات تثبت نفسها بواسطة دالّ السّيّد (S1/د1) الّذي يظهر في موضع ذاك الّذي يضطلع بخطابه في صيغة مجملة هي: "أنا الّذي قال هذا الكلام". وهي صيغة مخالفة تماما لخطاب الجامعيّ كما سنرى. ويمكن إيضاح هذه العلاقة بين دالّ السّيّد ودالّ العبد بمثال من محاورة الفيدروس لأفلاطون.
وممّا جاء فيها أنّ تحوت وهو إله مصريّ، كان أوّل من اكتشف العدد والحساب والهندسة وعلم الفلك واللّعب بالنّرد وخاصّة علم الكتابة. وكان يحكم الآلهة في تلك الأزمنة ملك يدعى تاموس (آمون). تقدّم إليه تحوت ليعرض عليه هذه الفنون حتّى يبلّغها إلى سائر المصريّين. وكان تاموس يسأله عن فائدة هذه الفنون، فكان تحوت يفسّر له فوائد كلّ علم. وفي الأثناء، كان تاموس تارة يمدح وطورا يذمّ هذا الفنّ أو ذاك إلى أن بلغ تحوت في عرضه فنّ الكتابة، فذكر مزاياه، بوصفه الفنّ الّذي سيُكَثّر العلم ويقدّم للذّاكرة الدّواء من آفة النّسيان. وحينئذ أجابه تاموس: "أيّها المعلّم الّذي لا يُضاهى للفنون، يا تحوت، إنّ ثمّة لفارقا بين من يَقْدِر على استحداث فنّ وبين من يستطيع تقدير ما ينطوي عليه هذا الفنّ من ضرر أو فائدة لمستخدميه. وها أنت في هذه السّاعة، وبصفتك أبا لحروف الكتابة قد عزوت لها بمحاباة ضدّ مفعولاتها الحقيقيّة تماما. ذلك أنّ نتيجة هذه المعرفة ستكون لدى من ينالونها أن تطبع أرواحهم بالنّسيان لأنّهم سيكفّون عن استعمال ذاكرتهم بوضعهم ثقتهم في المكتوب…". وقد علّق جاك دريدا Derrida إثر هذا الشّاهد بقوله: "هكذا أكّد الملك أبو الكلام سيادته على أبي الكتابة" (5 ).
فتحوت في هذه الأسطورة هو منتج العلم، أي هو "من يَقْدِر على استحداث فنّ"، ولأجل ذلك شغل الحقل الخاصّ بالعبد. أمّا تاموس فلم يكن منتجا للعلم، وإنّما كان بأسئلته وأحكامه يكشف حقيقة العلم، أي هو "من يستطيع تقدير ما ينطوي عليه هذا الفنّ من ضرر أو فائدة لمستخدميه". فهو يشغل الحقل الخاصّ بالسّيّد، أي الموضع الّذي يكون فيه العلم خاضعا لسلطان السّيّد وهيمنته، إذ على تلك الهيمنة ينهض خطاب السّيّد. وهو خطاب سيتولّد منه خطاب الجامعيّ عندما يشغل العبد، أو دال ّ"العلم" (S2/د2) موضع دالّ السّيّد (S1/د1) ويسدّ مسدّه. ومن الطّبيعيّ أن تنجرّ عن كلّ ذلك بعض التّغييرات تمثّل السّمات المميّزة الّتي تحدّد البنية الخاصّة للخطاب الجامعيّ، لعلّ أبرزها تحرّر "العلم" من عبوديّته للدّالّ السّيّد وخضوعه لهيمنته. وهو ما سيمكّنه من تحويل خطاب السّيّد إلى خطاب "علم" خالص. وسيترتّب على ذلك بعض الأمور. فإذا كانت الذّات في خطاب السّيّد تلتزم كلّيّا بخطابها، بحيث يضحي السّيّد هو كلامه حين يتكلّم باسمه الخاصّ، فيمثّل بواسطة دالّ السّيّد (S1/د1) الموضع الّذي ينبثق منه الكلام على غرار ملك فرنسا لويس الرّابع عشر لمّا قال: "الدّولة هي أناL'état c'est moi"، فإنّ الخطاب الجامعيّ هو خطاب لا شخصيّ، ولا يتكلّم باسم خاصّ، ولا بأيّ اسم ماعدا اسم العِلْم. وهو ليس بالضّرورة خطاب الجامعة discours de l'université، فهذه التّسمية تجعله مشخّصا في مؤسّسة، وإنّما هو خطاب "جامعيّ" universitaire يطمح إلى الكونيّة universalité. فهو خطاب نكرة لا يخضع إلاّ لمنطقه الخاصّ، ولا يمتلكه أحد (سواء أكان يشغل موضع السّيّد أم الهستيري أم المحلّل). فخطاب الجامعيّ ينبثق من موضع مخصوص هو موضع الحياد المثاليّ كأنّه صادر من كلّ الجهات ولا جهات. فهو خطاب لا شخصيّ محايد قد تخلّص وتطهّر من كلّ موقف ذاتيّ. وهو أيضا خطاب موضوعيّ لا يخضع لأيّ قاعدة من القواعد إلاّ ما تمليه عليه قوّة الأشياء ذاتها. وأغرب ما في هذا الخطاب أنّه يجعلنا نرى في خضوعه لقواعد الموضوعيّة ضربا من الاستقلاليّة، فهو يغذّي الاعتقاد الواهم في أنّه توصّل إلى اصطناع شكل جديد من السّيادة، هي سيادة بلا سيّد لا تعترف بأيّ قانون إلاّ بقانون العلم الخالص المتحرّر من كلّ شرط خارجيّ. فالشّرط الوحيد الّذي يسلّم به ويقرّ هو المعقوليّة الّتي تضمن تواصلا ناجحا (6 ).
هذا باختصار شديد الفارق الجوهريّ والاختلاف الجذريّ بين خطاب السّيّد وخطاب الجامعيّ. والانتقال من هذا الخطاب إلى ذاك هو ما يؤسّس باراديغم "الثّورة". فبنقل الموضع الّذي كان يشغله السّيّد والانتقال إليه، يدّعي العبد أنّه قد غيّر من طبيعة خطاب السّيّد. وهو خطاب يعلن بكلّ وضوح أنّه أرستقراطيّ، فهو لا يتّجه إلى عموم النّاس، وإنّما إلى "أفضلهم"، أي يتّجه إلى القادرين على النّظر في الأسرار، وكشف الحقائق الخفيّة. فالحقيقة في خطاب السّيّد لا تكون إلاّ محتجبة محفوفة بالغموض والشّبهات. وتصَوُّرُ الحقيقة على هذا النّحو لا يحتمله العبيد، هؤلاء "السّادة الزّائفون"، الّذين يدفعهم شوق لا يقاوم إلى العلم بكلّ "العلم". ولتحقيق هذا الهدف اعتمدوا الخطاب الجامعيّ الّذي أمَّلوا منه أن يمدّهم بما يضمن بلوغ الحقيقة على نحو مشترك ديمقراطيّ، بحيث تضحي الحقيقة مبذولة للجميع لا من قبيل "المضنون به على غير أهله" و"غير المصرّح به إلى الجمهور"… فما لا يحتمله العبد هو الحقيقة المحتكرة الّتي لا يمثّلها إلاّ خطاب السّيّد الأرستقراطيّ ( 7).
إنّ هذا الانتقال من حقيقة محتكرة إلى حقيقة مبذولة للعموم، ومن موضع السّيّد إلى موضع العبد هو في حدّ ذاته "ثورة" تجسّمت في الفضاء الإسلاميّ الحديث بواسطة الانتقال من "خطاب الجامع" إلى "خطاب الجامعة". وقد جرى التّعبير عنها بألفاظ مختلفة. فـ"الثّورة" عند بعض فلاسفتنا تقاس بـ"المسافة الرّوحيّة الّتي قطعها الفكر لدينا من الجامع إلى الجامعة." وهي "مسافة ما تزال محفوفة بالغموض. إنّ ظهور الجامعة لدينا ما يزال حدثا عنيفا وإداريّا، ولم يصبح بعد تقليدا داخليّا لإنتاج الحقيقة… إنّ جامعاتنا هي ظواهر ثقافيّة أفرزها مشروع التّنوير ووجدت في الدّولة الحديثة أداة نموذجيّة لترتيب بنيتها الخاصّة. نحن نعلّم ونتعلّم في جامعات لم تقم على تبرير ميتافيزيقيّ داخليّ لنفسها. وذلك يعني عندنا أنّ العرب قد انتقلوا من نطاق الجامع إلى الجامعة دون إيضاح أصيل للحاجة الرّوحيّة لهذا الانتقال." ويعلّق في موضع آخر على هذا الانتقال بقوله: "إنّ التّوجّه في الحداثة هو المعنى الأصيل للجامعة" (8 ).
ويفهم من هذا التّشخيص أنّ الانتقال من "خطاب الجامع" إلى "خطاب الجامعة" لم يتحقّق على نحو جدليّ تاريخيّ، وإنّما هو حدث انبثق على نحو عنيف صادم دون حاجة روحيّة حقيقيّة تبرّر هذا الانتقال. فظهور الجامعة في الفضاء الإسلاميّ لم توجبه "الحداثة modernité" وإنّما فرضه "التّحديث modernisation" العنيف بما هو مشروع الدّولة الوطنيّة في الفضاء الإسلاميّ الحديث. وشتّان بين مشروع الحداثة ومشروع التّحديث ( 9). فأفق الأوّل التّطوّر الّذي لا حدّ له، ولذلك فهو مشروع ناقص لم يكتمل ( 10)، أمّا أفق الثّاني فهو التّقليد imitation لا المحاكاة mimésis، لأنّ في المحاكاة خلقا وإبداعا، بينما التّقليد تكرار مفقّر للأصل على نحو مضحك كوميديّ. فالجامعة في مشروع التّحديث هي تقليد للجامعة الّتي جعلت من التّوجّه إلى الحداثة معناها الأصيل. وحينئذ هل يمكن أن نعتبر الانتقال من "خطاب الجامع" إلى "خطاب الجامعة" محقّقا لباراديغم "الثّورة" ؟ وإلى أيّ حدّ؟
***
من الألفاظ المستعملة كذلك لتسمية هذه "الثّورة" الّتي جرت بالانتقال من خطاب السّيّد (وقد مثّله خطاب الجامع) إلى خطاب الجامعيّ (وقد مثّله خطاب الجامعة) لفظ "الجديد". ففي كتاب "مفكّرو الإسلام الجدد" لرشيد بالزّين ( 11)، ترجمت مقولةُ "الجديد le nouveau" هذه "الثّورة" بالانتقال من خطاب أنتجه "مفكّرو الإسلام القدامى" في فضاء الجامع إلى خطاب أنشأه "مفكّرو الإسلام الجدد" في رحاب الجامعة. واللاّفت للنّظر أنّ فصول الكتاب قد صرفت جميعا لمفكّرين مسلمين قد تخرّج أغلبهم من جامعات مختلفة ( 12). وإن كان مؤلّف الكتاب لم يحدّد بدقّة مفهوم "المفكّر" (هل يطابق مفهوم المثقّف العضويّ أم المثقّف الكونيّ أم المثقّف النّوعي l’intellectuel spécifique (13 ) كما يسمّيه فوكو، أي المثقّف المتخصّص في قطاع معيّن بحكم المهنة وظروف العيش) فإنّه يصرّح بأنّ تعبير "مفكّرو الإسلام الجدد" يحمل شيئا من المبالغة. فـ"ليسوا هم من يطلقونه على أنفسهم رغم أنّهم يظهرون كما لو كانوا من "نمط جديد"."(ص12).
ولا يمثّل هذه الجِدّة شيء سوى عملهم، فـ"ليس الهدف من عملهم "ابتكار إسلام" جديد بما فيه من وحي أزليّ منزّل من الله إلى البشريّة (…) إنّ ما يريده هؤلاء المفكّرون هو فهم الطّرق الّتي بفضلها استطاع الإسلام أن ينبني تاريخيّا، و"مراجعة" التّفاسير المتتابعة والاستخدامات العديدة للكتاب المرسل ولغيره من النّصوص المؤسّسة (الأحاديث النّبويّة، السّنّة، متون المدارس الفقهيّة الكبرى…) وإخضاعها للنّقد. كما أنّهم يهدفون إلى مقاربة مختلف أوجه تلك الحقيقة الحيّة الّتي تدعى الإسلام من منظور مناهج البحث العلميّ وأسئلة العلوم الإنسانيّة." (ص.ص12-13). فالجِدّة في هذا السّياق هي برنامج عمل يطابق في أهدافه ما جاء في كتاب "إعادة بناء الفكر الدّيني للإسلام" للمفكّر الإسلاميّ الهنديّ محمّد إقبال. ففي هذا الكتاب، وهو في الأصل مجموعة محاضرات ألقاها بين عامي 1928 و1932، يصوّر هذا المفكّر التّحدّي الّذي يتعيّن على المثقّف المسلم الحداثي مواجهته، فيقول: "إنّ السّبيل الوحيد المتاح لنا يقضي أن نقارب المعارف الحديثة باحترام واستقلاليّة، وأن نتفهّم تعاليم الإسلام في ضوء هذه المعارف، حتّى لو قادنا هذا إلى الاختلاف مع أولئك الّذين سبقونا." (ص21).
ولمّا كانت "مناهج البحث العلميّ وأسئلة العلوم الإنسانيّة" و"المعارف الحديثة" قد نشأت وتطوّرت في أفق الحداثة فإنّ اختيار "مفكّري الإسلام الجدد" لهذه المناهج والعلوم والمعارف قد زجّ بهم بالضّرورة في مواجهة مع مشروع الحداثة ذاته. ولذلك حدّدوا موقفهم منه على هذا النّحو الّذي صاغه رشيد بالزّين بهذه العبارات: " تنتمي الحداثة عندهم إلى حقبة محدّدة من تاريخ البشريّة ينتصر فيها العقل والعلم على الأسبقيّة الّتي كانت تولى في ما مضى إلى الكتابات المقدّسة والسّنّة والتّقليد (…) يقارب المفكّرون الجدد الحداثة بطريقة نقديّة. ويتّهمون غالبا بأنّهم شديدو التّأثّر بالمفكّرين الغربيّين المعاصرين، في حين أنّ نقدهم للغرب لا يقلّ صرامة وقوّة عن نقدهم للتّراث الإسلاميّ. بالنّسبة إليهم لا يجوز اعتبار التّقدّم العلميّ والتّقانيّ حليفا تلقائيّا لأفكارهم. وهو لا يحتملون غطرسة الغرب الّذي يسعى إلى فرض قيمه على العالم، بل يرون أنّ مسارات الحداثة في المجتمعات الإسلاميّة ليست ملزمة على التّشكّل حسب قوالب الحداثة الغربيّة. إنّ ما يقتبسونه من الحداثة هو بالدّرجة الأولى الإضاءة النّقديّة الّتي طوّرتها المعارف الحديثة. إنّهم يمثّلون فكرا إسلاميّا حداثيّا من خلال دعوتهم إلى إدراج العلوم الإنسانيّة الحديثة (وخاصّة الألسنيّة والسّيميائيّة وتاريخ الأديان المقارن وعلم الاجتماع) في دراسة الإسلام وفي تأويل النّصّ (…) وهم لم يتبنّوا موقفا مشتركا سواء بالنّسبة إلى المسائل الدّينيّة أو بالنّسبة إلى الوقائع السّياسيّة والثّقافيّة. مجالات أبحاثهم متباينة لكنّهم يتشاركون في رغبتهم في دراسة القرآن والسّنّة والإسلام بشكل عامّ حسب مقتضيات الدّراسات الأكاديميّة الجامعيّة مستخدمين مناهج صحيحة وباحثين عن معرفة حرّة…" (ص.ص17-18).
إن تأمّلنا في هذا البرنامج الّذي صاغه كلّ مفكّر من "مفكّري الإسلام الجدد" بطريقته وأسلوبه لوجدنا أنّه برنامج ثوريّ تمثّل في الانتقال من خطاب السّيّد إلى خطاب الجامعيّ. وقد حدث هذا الانتقال بقطيعة rupture (14 ) جرت في صلب الحقل المعرفيّ والعلميّ بين منظومتين متعارضتين أشدّ التّعارض. وقد تجسّمت بتحويل أفق العلم لمّا فُصل عن منظومته القديمة الّتي كان يمثّلها التّراث الفقهيّ الدّينيّ البيانيّ… إلى أفق آخر هو أفق الحداثة أو أفق الأزمنة الحديثة الّتي ينبغي أن تفهم على أنّها زمن جديد. وهي أزمنة ما فتئ فيها البون يتّسع بين أفق انتظارها وتجارب العلم الّتي عرفناها إلى حدّ الآن ( 15).
هذا الوعي باتّساع البون بين "فضاء التّجربة" و"أفق الانتظار" نجده مثلا عند فضل الرحمن الّذي اهتمّ كسائر المفكّرين المسلمين المعاصرين بمسألة الحداثة وطرحوا في شأنها عدّة أسئلة منها "كيف يمكن للإسلام بصفته تراثا دينيّا وثقافيّا وأخلاقيّا وسياسيّا في آن واحد أن "يأخذ على عاتقه" أو "يتماشى" مع عالم يتحدّث ويتغيّر بسرعة وباستمرار؟ كيف لا يفقد روحه خلال عمليات التّأقلم الّتي يبدو أنّ تطوّرات العالم (تطوّرات تقنيّة وعلميّة وحتّى اجتماعيّة) تفرضها على كلّ مجتمعات الدّنيا بما فيها المجتمعات الإسلاميّة؟" (ص124). وعلى هذا النّحو نفهم مقولة "الجديد". فجدّة "مفكّري الإسلام الجدد" تتمثّل في انخراط تجربتهم في الحقل العلميّ الحديث، وهو حقل قد هيكله مشروع الحداثة بما هو مشروع في إنتاج الجديد باستمرار. و لكن إذا سلّمنا بأنّ "الجديد" لا يكون جديدا إلاّ بالقديم، ثمّ كان "الجديد" كما قرّر بوريس قرويز Boris Groys في كتابه "سياسة الخلود" ممكنا دائما، فإنّه "(…) لا يمكن أن نميّز إن كان الجديد حقّا جديدا طالما أنّنا لا نعلم بدقّة بماذا كان القديمُ شبيها. فإن فُقِد من السّنة عمودها المتين أضحى إنتاج الجديد حينئذ مستحيلا." ( 16).
غير أنّ القديم في سياقنا هذا هو خطاب السّيّد. وهو خطاب قد تعرّض لقطيعة حادّة كان موضوعها العلم (S2/د2) في حدّ ذاته. فإذا كان خطاب السّيّد ينهض على الهيمنة على دالّ العلم (S2/د2) بحيث يكون مرتبطا على نحو تلازميّ بالدّالّ المهيمِن (S1/د1) (فيكون له "عبدا" في نطاق التّصوّر اللاّكانيّ لجدليّة السّيّد والعبد الهيغليّة)، فإنّ الخطاب الجامعيّ الّذي مثّله في هذا المقام "مفكّرو الإسلام الجدد" قد فصل هذه العلاقة التّلازميّة بين الدّالّ المهيمِن (S1/د1) والدّالّ المهيمَن عليه (S2/د2) فصلا انجرّ عنه انفصام حادّ بين الحقيقة والعلم. هذا الانفصام فرضه مشروع الحداثة النّقديّ العقلانيّ الّذي يقتضي من بين ما يقتضي القطع بين ما يمكن علمه وما لا يمكن علمه. وقد ترجم "مفكّرو الإسلام الجدد" هذا الانفصام في شتّى أعمالهم المختلفة بطرق متنوّعة. فعبد الكريم سوروش على سبيل المثال يفصل على نحو صارم بين النّصّ المقدّس وسياقه التّاريخيّ وبين الدّين والتّفسير الدّينيّ وبين المعرفة الدّينيّة الثّابتة والمعرفة المتطوّرة، يقول: " يتصوّر المؤمنون بشكل عامّ الدّين كحرم أو كشيء مقدّس، كشيء ثابت. ولذلك لا يستطيعون الحديث عن تغيير المعرفة الدّينيّة أو تطويرها. إنّهم يتشبّثون بفكرة الثّبات. ولكن كما برهنت في أعمالي، ينبغي علينا التّمييز بين الدّين من جهة والتّفسير الدّيني من جهة أخرى. ولا أعني بالدّين هنا الإيمان الّذي يشكّل الجزء الذّاتيّ من الدّين، وإنّما أعني الجانب الموضوعيّ أي النّصّ الموحى به. فهذا النّصّ ثابت، في حين أنّ تفسيراتنا لهذا النّصّ خاضعة للتّطوّر. فالفكرة ليست أنّه من الممكن تغيير النّصّ الدّينيّ وإنّما التّفسيرات هي الّتي ستتغيّر مع الزّمن." (ص.ص 70-71). ويوضّح في سياق آخر فكرة تاريخيّة الإسلام بقوله: "إنّ أولئك الّذين يدافعون عن فكرة الثّبات في الدّين ليسوا واعين تماما لتاريخ الإسلام أو لتاريخ الدّيانات الأخرى. إنّ الإسلام سلسلة من شروح الإسلام، والمسيحيّة سلسلة من شروح المسيحيّة. وبما أنّ هذه الشّروح تاريخيّة فإنّ عنصر التّاريخانيّة قائم فيها. لهذا السّبب يجب عليكم تملّك معرفة جيّدة عن تاريخ الإسلام. إنّ العودة مباشرة إلى القرآن وإلى الحديث لن تمنحكم الكثير. عليكم العودة إلى التّاريخ ومن ثمّ إلى القرآن والحديث لكي تضعوا التّفسير في سياقه التّاريخيّ." (ص57).
وقد مكّن هذا الفصلُ بين النّصّ وسياقه، وبين الرّسالة وتأويلها، وبين الحقيقة وطرائق تملّكها، "مفكّري الإسلام الجدد" من إعادة هيكلة أرشيف الإسلام برمّته على نحو هيّأه ليدرس دراسة علميّة وبالمقاربات والمناهج الحديثة المختلفة الّتي تمثّل الإسلاميات التّطبيقيّة طرازها وأنموذجها الأمثل. ودون هذا الفصل ما كان لهذا الأرشيف أن يُقبل في الحقل الأكاديميّ ويكون متلائما مع كون خطاب univers du discours المعرفة العلميّة. بل ما كان ليُقبل في كون هذا الخطاب إلاّ بتحويل هذا الأرشيف إلى موضوع للعلم، وهو في هذا السّياق الإسلام بتعاليمه ونصوصه المؤسّسة وتفاسيره الغزيرة… فموضوع العلم هاهنا هو أرشيف الإسلام. وبتغيّر بنية موضوع العلم يكون الانتقال من خطاب السّيّد إلى خطاب الجامعيّ ممكنا. فكتابات "مفكّري الإسلام الجدد" تمثّل بامتياز خطاب الجامعيّ. غير أنّ هذا الانتقال الثّوريّ من خطاب السّيّد إلى خطاب الجامعيّ وإن وصف بمقولة "الجديد le nouveau" لم يحدث "الثّورة" المنشودة في السّياق الاجتماعيّ والسّياسيّ الّذي ظهر فيه هذا الخطاب. فهو خطاب ثوريّ دون ثورة. والأسباب عديدة منها مسألة الحرّيّة الفكريّة. فقد تعرّض خطاب الجامعيّ في المجال الإسلاميّ الحديث لمقاومة حادّة من قبل الدّول الّتي تدعّم الخطابات الدّينيّة التّقليديّة (17 )، وهي خطابات تمثّل خطاب السّيّد بامتياز مادامت "تدّعي غالبا الكلام باسم الله" علما بأنّ هذا الخطاب كان متغلغلا في المجتمعات الإسلاميّة التّقليديّة لأنّه كان يمثّل رابطها الاجتماعيّ، وقد ازداد اليوم تغلغلا في المجتمعات الإسلاميّة المعاصرة من جرّاء فشل مشروع التّحديث. وهذا الفشل هو علامة تدلّ على هشاشة الخطاب الجامعيّ الّذي لم تنشأ بعد شروط وجوده، وهي شروط لا تتوفّر ولا توفّرها إلاّ "مجتمعات قائمة على الحرّيّة والعدالة". إنّ وجود هؤلاء المفكّرين في مجتمعات "لا تمنح فيها الحرّيّة إلاّ نادرا" يجعل إمكانات التّجديد الدّينيّ وتجديد الخطاب الدّينيّ منعدمة تقريبا. فإلى أيّ حدّ يمكن إجراء مقولة "الجديد" على "مفكّري الإسلام الجدد" وشروط "الجديد" مفقودة بسبب انعدام رفع الحظر عن حرّية التّفكير (18 )؟
الهوامش:
1- انظر: Žižek, Slavoj: (2005) IRAK. Le chaudron cassé. Traduction de l’anglais de Christophe Rosson. Climats, coll Sisyphe, p148.
"Ce à quoi vous aspirez comme révolutionnaires, c'est à
2- un maître. Vous l'aurez. " وقد ورد هذا الرّدّ في الملحق الأوّل بعنوان "Analyticon" ضمن كتاب:Lacan, Jacques : (1991-2006) L’envers de la psychanalyse. Le séminaire (1969-1970) livre XVII. Texte établi par Jacques-Alain Miller. Éditions du Seuil, Paris, p239.
3- انظر الفصل 28 "رجال بلا شجاعةDes hommes sans courages " من كتاب: Fukuyama, Francis: (1992-2001) La fin de l'histoire et le dernier homme. Traduit de l'anglais par Denis-Armand Canal. Champs-Flammarion; p.p339-352.
4- صاغ لاكان الخطابات الأربعة في صيغ جبريّة شكليّة وصور رياضيّة تدعىmathèmes (وحدات رياضيّة) شبيهة بما يوجد في المنطق والرّياضيّات. من أهمّ وظائفها نقل المعرفة التّحليليّة النّفسيّة المتعلّقة بالأبنية المتحرّرة من التّنويعات الخاصّة بالخياليّ والمتخلّصة من ضغوط العبارة.
5- دريدا (جاك): صيدليّة أفلاطون، ترجمة كاظم جهاد، دار الجنوب للنّشر، تونس1998، ص 56. والإبراز إبرازنا.
6- انظر القسم الأوّل من درس بيار ماشري عن الخطابات الأربعة بعنوان: Macherey, Pierre, Lacan et le discours universitaire (1), La philosophie au sens large, décembre 2, 2009.
7- انظر القسم الثّاني من درس بيار ماشري عن الخطابات الأربعة بعنوان: Macherey, Pierre, Lacan et le discours universitaire (2), La philosophie au sens large, décembre 2, 2009.
8- نحيل في هذا المقام على مقال "الهويّة والجامعة، أو الفيلسوف مربّيا"، ضمن كتاب: المسكيني، فتحي: الهويّة والزّمان. تأويلات فينومينولوجيّة لمسألة »النّحن«، دار الطّليعة، بيروت، الطّبعة الأولى، 2001، ص.ص 156-164.
9- انظر الفصل "الإسلاميّون أعداء التّحديث أم ضحاياه؟" من كتاب: الشّرفي، عبد المجيد: لبنات. دار الجنوب للنّشر، سلسلة معالم الحداثة، تونس، الطّبعة الأولى، 1994، ص.ص85-95. وهو يفرّق تفرقة لطيفة بين الحداثة والتّحديث بقوله: "الحداثة نمط حضاريّ نشأ في الغرب منذ حوالي قرنين قد انتشر حتّى صار كونيّا بانتشار الاستعمار والمواصلات السّريعة والتّجارة والسّياحة والكتب والمنشورات عموما، بينما التّحديث محاولة توخّي هذا النّمط الحضاري أو فرض عدد من مقوّماته وعناصره، إمّا باعتبارها الأفضل وإمّا عن اقتناع بأنّها الخيار الوحيد المتاح وشرّ لا بدّ منه."
10- هابرماز، يورغن: "الحداثة. مشروع ناقص"، الفكر العربيّ المعاصر،مركز الإنماء القومي، بيروت، العدد39، أيار – حزيران، 1986، ص.ص 42-49.
11- صدر هذا الكتاب في الأصل بالفرنسيّة بعنوان: Benzine, Rachid: (2004) Les nouveaux penseurs de l'islam. Tarik éditions, Maroc.، وقد نقل إلى العربيّة بعنوان: بن زين، رشيد: المفكّرون الجدد في الإسلام. نقله عن الفرنسيّة حسّان عبّاس، دار الجنوب للنّشر، سلسلة معالم الحداثة، تونس، الطّبعة الأولى، 2009. والإحالات عليه ستكون في المتن.
12- فعبد الكريم سوروش (إيران) تخرّج من جامعة طهران في الصّيدلة ثمّ جامعة لندن حيث درس التّاريخ وفلسفة العلوم. ومحمّد أركون (الجزائر) تخرّج من جامعة الجزائر ثمّ السّوربون. وفضل الرّحمان (باكستان) درس بجامعة بنجاب بلاهور وجامعة اكسفورد بأنجلترا. وأمين الخولي (مصر) أستاذ في الجامعة المصريّة، ومحمّد خلف الله (مصر) تخرّج من جامعة القاهرة، ونصر حامد أبو زيد (مصر) تخرّج من جامعة القاهرة ودراسة في فيلادلفيا بجامعة بنسلفانيا. وعبد المجيد الشّرفي (تونس) تخرّج من الجامعة التّونسيّة. وفريد إسحاق (جنوب إفريقيا) تخرّج من الجامعة الإسلاميّة العالميّة بكراتشي.
13- انظر مقالة "وظيفة المثقّف السّياسيّة La fonction politique de l’intellectuel" من كتاب: Foucault, Michel: (1994-2001) Dits et écrits, T2, Quarto Éditions Gallimard, n° 184, p109-114.
14- انظر: Gras, Alain, (1979) Sociologie des ruptures, Les pièges du temps en sciences sociales. P.U.F le sociologue , p164. الّذي بيّن أنّه إذا كان من المستحيل حدوث القطيعة في نظام اجتماعيّ يشتغل على أحسن ما يرام، فإنّه في نظر جون بشلار Jean Baechler يمكن تصوّرها انطلاقا من الأشكال التّالية: (أ) هرم النّظام، (ب) تحوّل عنصر مركزيّ في النّظام، (ج) تجمّع تحوّلات طفيفة، (د) ضغوط داخليّة، (هـ) اصطدامات خارجيّة.
15- انظر: Habermas, Jürgen: (1988) Le discours philosophique de la modernité. Douze conférences. Traduit de l'allemand par Christian Bouchindhomme et Rainer Rochlitz, nrf Éditions Gallimard, p14. الّذي بيّن أنّ الوعي الحديث بالزّمن عند كوسلاّك Kosselleck مثلا يتميّز بكون البون بين "فضاء التّجربة" l'espace de l'expérience و"أفق الانتظار" l'horizon d'attente ما فتئ يتّسع.
16- Groys, Boris: (2005) Politique de l'immortalité. Quatre entretiens avec thomas Knoelf. Traduit de l'allemand par Olivier Mannoni, Maren Sell Éditeurs, p74.
17- من نتائج هذا التّدعيم أن "أصبح هؤلاء المجدّدون هدفا مشتركا للسّلطات السّياسيّة غير الدّيمقراطيّة، وللفقهاء التّقليديّين بطبيعتهم والّذين لا يحتملون هذا الإسلام النّقديّ، وللإسلامويّين الّذين لا يكنّون أيّ تقدير لليبرالية هؤلاء ولرفضهم لمفهوم الدّولة الإسلاميّة القائمة على تحوير في النّصوص ممّا أرغم عددا ممّن هدّدوا بالقتل من هؤلاء المفكّرين إلى اختيار طريق المنافي. لكن هؤلاء بدون استثناء تعرّضوا للمضايقة والاضطهاد والتّجريح مثل عليّ عبد الرّازق ومحمد خلف الله وطه حسين ونصر حامد أبو زيد ممّن عاشوا في العالم العربي، ومحمد إقبال وفضل الرّحمن في شبه القارة الهنديّة، أو مثل محمود محمّد طه الّذي أعدم شنقا في السّودان سنة 1985." (ص.ص15-16).
18- يؤكّد المفكّر المصريّ الفقيد نصر حامد أبو زيد أنّ مجال التّجديد لا حدود له ولكنّه يحتاج إلى الحرّيّة. يقول: "نحن في حاجة إلى حرّيّة البحث في تراثنا الدّينيّ. وهذا الأمر هو الشّرط الأساسيّ للتّجديد الدّينيّ. لا بدّ من رفع الحظر عن حرّيّة التّفكير. إنّ مجال التّجديد لا حدود له. في عمليّة التّجديد الدّينيّ لا يوجد ما يسمّى بالمرافئ الآمنة الّتي يمكن أن تستثنى من عمليّة البحث العلميّ الحرّ، لأنّ ذلك لو حدث فسوف يخلق نوعا من الرّقابة الفكريّة الّتي لا مكان لها في تاريخ الفكر الإسلاميّ. في كلّ مرّة ظهرت فيها هذه الرّقابة في الماضي دشّنت عصرا من الجمود والانحطاط، تجاوز الخطاب الدّينيّ…" (ص24).
