المملكة العربية السعودية في مرآة المثقفين الغربيين (3)
- يعتبر دافيد ريغوليه روز هذا الباحث أحد المختصين الفرنسيين بشؤون الشرق الأوسط عموما والمملكة العربية السعودية خصوصا. وهو أستاذ جامعي ومستشار في العلاقات الدولية. وكان قد نشر سابقا كتابين عن السعودية: الأول عام 1981 تحت عنوان: عملاق من الرمل. نقاط ضعف المملكة العربية السعودية ونقاط قوتها. وأما الثاني فقد نشره عام 2005 تحت عنوان: الجغرافيا السياسية للمملكة العربية السعودية. وهو الذي سنعتمد عليه في استعراض آراء الكاتب عن الموضوع.
يقول المؤلف بما معناه: خلال فترة طويلة كانت السعودية تعتبر بلدا معتدلا وحليفا بتروليا مهما للعالم الحر طيلة الحرب الباردة.وفي التصور الشعبي الغربي كانت تعتبر بمثابة بحر من الرمل يخفي تحته بحرا من البترول..وفجأة تحصل ضربة 11سبتمبر ويتغير كل شيء. فجأة تصبح السعودية دولة عدوة بعد أن كانت صديقة. وأخذ الرأي العام الغربي يتصورها بشكل مختلف تماما. لقد أصبح يراها على هيئة دولة ظلامية شديدة التعصب والخطورة. لقد أصبحت في نظر الجماهير الغربية بلد ابن لادن ومهد التعصب الإسلامي والجهاد. أصبحت السعودية تمثل ذلك البلد الذي لم تنفك مدارسه وجامعاته تعلم الناس الحقد على الغرب وكره الحضارة الحديثة. وأصبح الغربيون يعتقدون أن كل سكان المملكة هم إرهابيون!
ويرى المؤلف أن هذه الصورة المبالغ فيها تحتوي على جزء من الحقيقة. أما فيما يخص العوامل التي تشكل الأهمية الجيوبوليتيكية، أو الجغرافية السياسية، للسعودية فهي في رأيه تتلخص بكلمتين اثنتين: مكة والبترول. لولاهما لكانت السعودية بلدا هامشيا جدا ولا يلفت انتباه القوى العظمى على الإطلاق. ويرى أيضا أن تاريخ المملكة يختزل إلى قصة ذلك التحالف اللاهوتي السياسي الذي عقد في القرن الثامن عشر بين عائلتين اثنتين: آل سعود وآل عبد الوهاب. وبموجب هذا العقد الأساسي تلتزم العائلة السعودية باستئصال كل مذهب أو فكر غير وهابي على أرض المملكة في حين أن العائلة الوهابية تلتزم بخلع المشروعية الدينية على حكم آل سعود وتضمن لهم طاعة المسلمين. ولا يزال هذا التحالف يحكم السعودية حتى اليوم وإن كان قد تعرض لهزة كبيرة بعد ضربة 11 سبتمبر.
ويعتقد المؤلف أن مشكلة السعودية هي سيطرة المذهب الحنبلي عليها. وهو مذهب متشدد صارم لا يعترف أبدا بالفكر النقدي الفردي للإنسان لان الإنسان في نظره ناقص بطبيعته ولا يمكن إلا أن يشوه طهارة الرسالة الأولية للدين الإسلامي إذا ما تدخل فيها أو في تفسيرها. ولذلك فإن الحنابلة يرفضون أي تدخل للإنسان في تفسير النص أو قراءته.وبالتالي فالقراءة الحرفية البدائية هي السائدة في جهة الحنابلة على عكس أعدائهم المعتزلة الذين يفرقون بين المعنى الحرفي للقرآن والمعنى المجازي ويستخدمون العقل كثيرا في تأويل النص. ومعلوم أن الوهابية هي استمرارية للحنبلية ولكن بشكل أكثر تشددا..ومعلوم أيضا أن المذهب الحنبلي يشك كثيرا بالعقل ويرفض الرأي الشخصي أو القياس على عكس المذهب الحنفي مثلا أو الشافعي أو سواه.
وأما فيما يخص العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية فيرى المؤلف أن الشبهات والشكوك بين الطرفين ابتدأت حتى قبل 11 سبتمبر على الرغم من أنهما حليفان ظاهريا أو رسميا على الأقل. فبعد التفجيرات التي استهدفت المصالح الأميركية في السعودية عامي 1995-1996 طلبت إدارة كلينتون من المخابرات المركزية الأميركية إخضاع السعودية إلى إجراء استثنائي نادرا أن يطبق على الحلفاء.فقد كان محصورا بالدول المارقة كالعراق البعثي أو كوريا الشمالية أو إيران الأصولية أو حتى روسيا ما بعد الشيوعية أو الصين الشيوعية. وهذا الإجراء يدعى: بالتحقيق عن هدف استراتيجي خطير. وكان ذلك دليلا على اشتباه متزايد بالسلطات السعودية أو عدم ثقة على الأقل.
ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن بعد وصول آل بوش المرتبطين باللوبي البترولي وآل سعود كثيرا إلى السلطة ظن الناس أن زمن الشبهات قد ولى وأن العلاقات المتينة عادت إلى سابق عهدها. وهذا ما حصل بالفعل حتى ضربة 11 سبتمبر. بعدئذ تدهورت الأمور بشكل خطير وراحت الإدارة الأميركية تفكر جديا في تغيير النظام قبل أن تقلع عن ذلك خوفا من وصول نظام أكثر تشددا وتطرفا. فالبديل عن النظام الحالي ليس إلا نظاما سلفيا أقرب ما يكون إلى بن لادن والقاعدة. ولكن بدءا من تلك اللحظة ابتدأ صراع حقيقي داخل السعودية بين العائلة المالكة وطبقة رجال الدين. وهذا ما يشرحه بشكل دقيق ومفصل الباحث جورج جودت دواليببي.
هل ابتدأ العد العكسي لأفول الوهابية في السعودية؟: نظرية جورج جودت دواليبي
هذا ما نلمحه من خلال التحليلات الدقيقة والمكثفة التي وردت في كتاب صادر مؤخرا عن منشورات بوبليبوك في باريس لمؤلفه: جورج جودت دواليبي. يرى هذا الباحث أن التناقض بين آل سعود وآل عبد الوهاب أو العقيدة الوهابية كان متضمنا منذ البداية في العقد الأساسي الذي وقع بين الطرفين في القرن الثامن عشر. لماذا؟ لأن الوهابية تريد العودة بالمجتمع إلى القرن السابع الميلادي ضاربة عرض الحائط بكل ما تحقق من انجازات وتطورات على مدار ثلاثة عشر قرنا من الزمن. وأما الدولة السعودية فمضطرة لمراعاة هذا التطور وأخذه بعين الاعتبار إذا ما أرادت الاستمرارية والبقاء على قيد الحياة.من هنا أصل التناقض والصدام الذي حصل لاحقا بين الطرفين. وبالتالي فالدودة كانت في الثمرة منذ البداية كما يقال وكان متوقعا أن يحصل الصدام وقد حصل أكثر من مرة. ويمكن القول بأنه انفجر بشكل عنيف ثلاث مرات. المرة الأولى عندما تمرد الوهابيون العتاة بقيادة فيصل الداويش على الملك عبد العزيز فاضطر إلى قمعهم بعنف رهيب بمساعدة طائرات الإنكليز عام 1929-1930 . ولولا ذلك لما استطاع تأسيس دولته بعد سنتين من ذلك التاريخ. والمرة الثانية حصلت عام 1979 عندما استولى جهيمان العتيبي ومحمد القحطاني على المسجد الحرام في مكة في عملية صارخة لفتت أنظار العالم كله. ولم تستطع الدولة القضاء عليها إلا بعد الاستعانة بالقوات الدولية وبخاصة الفرنسية. والمرة الثالثة هي الحاصلة حاليا بعد 11سبتمبر بين قوات الدولة وجماعة بن لادن الذين يمثلون الأحفاد المباشرين لفيصل الداويش والوهابيين الأشداء. لهذا السبب خلع الباحث العنوان التالي على كتابه المشار إليه آنفا: المنافسة بين رجال الدين والعائلة المالكة في المملكة العربية السعودية.Georges Jawdat Dwailibi
La rivalité entre le clergé religieux et la famille royale au royaume d’Arabie saoudite. Publibook. Paris.
Publibook.2007وفيه يقول بان الملك المؤسس عبد العزيز اضطر إلى استخدام المحاجة التالية لكي يقنع علماء الدين بالقبول بإدخال المخترعات الحديثة إلى السعودية كالتلغراف والسيارات والهاتف وسواها من الآلات. قال لهم بخصوص الهاتف بأنه يساهم في نقل تلاوة القرآن إلى مسافات بعيدة. وعندئذ قبلوا به. ونفس السيناريو تكرر في عهد أبنائه بالنسبة للراديو والتلفزيون والإنترنت والهاتف النقال الخ..في كل مرة كان ينبغي إيجاد حجة أو فتوى لإقناع رجال الدين بأن هذه ليست بدعا شيطانية..وحتى فيما يخص تسمية البلاد اعترضوا على توجه عبد العزيز وقالوا بأنه لا يوجد شيء اسمه مملكة ولا ملك في الإسلام وإنما توجد إمارة أو خلافة أو إمام أو شيخ..ولكنه استطاع أن يفرض رأيه في نهاية المطاف.
ويرى المؤلف أن المواجهة الجارية حاليا بين الطرفين هي أخطر من كل ما سبق. وعليها يتوقف مصير السعودية وشعبها. ولهذا السبب تدخل الملك عبد الله شخصيا في المعركة بعد 11 سبتمبر عندما شعر بالغضب العارم للغرب. وبما أنه يتمتع بهيبة كبيرة لدى رجال الدين فإنه كان الوحيد القادر على انتقادهم. قال لهم بما معناه: ينبغي أن تكونوا معتدلين لأنكم أصبحتم اليوم هدفا لكل أولئك الذين يهاجمون الإسلام. فراقبوا كلامكم وزنوا كل كلمة وكل عبارة قبل أن تلفظوها. أنتم مراقبون ونحن في حالة صعبة تتطلب الكثير من الحذر والحكمة..
ولم تكتف السلطات السعودية بذلك وإنما اتخذت عدة قرارات لكبح جماح العناصر الأكثر تشددا. فقد وضعت الجمعيات الخيرية الإسلامية التي تمول الإرهاب تحت المراقبة في الوقت الذي صرح فيه الأمير سعود الفيصل قائلا: نحن لا نستطيع منع أموال الزكاة لأنها فريضة دينية تنص عليها الشريعة..وبالتالي فلا نعرف فيما إذا كانت بعض أموال الزكاة ذهبت إلى جيوب القاعدة أم لا؟ وفي ذات الوقت سرحت السلطات ما لا يقل عن ألفي مدرس متطرف. كما ومنعت العشرات من أئمة الجوامع المتطرفين من إلقاء خطب الجمعة في المساجد. وشن الأمير نايف بن عبد العزيز هجوما على الإخوان المسلمين واتهمهم بأنهم سبب كل المشاكل في العالم العربي. وقال بما معناه: لقد مددنا لهم يد العون بعد طرد عبد الناصر لهم من مصر فإذا بهم ينقلبون علينا. لقد عضوا اليد التي ساعدتهم. وبالتالي ينطبق عليهم الكلام المأثور: اتق شر من أحسنت إليه..
وقد اعترف بذلك الشيخ عبد المحسن العبيكان الذي كان متطرفا ثم تاب واقترب من السلطة. وقال بان تيار الصحوة الإسلامية السعودي لم يكن مسيسا في البداية ولكن الإخوان المسلمين الذين جاؤوا من الخارج هم الذين سيسوه وأفسدوا السعوديين..
ثم يردف الباحث جورج جودت دواليبي قائلا بما معناه: في الواقع أن الأصولية السعودية انقسمت تحت ضغط الإحداث إلى قسمين: قسم ظل متطرفا وتابعا للقاعدة، وقسم أصبح معتدلا وشكل تيار الوسطية الذي تدعمه السلطات الرسمية وذلك طبقا للآية القرآنية: وكذلك جعلناكم أمة وسطا. وبعدئذ ظهر تيار ثالث أكثر حداثة ومرونة هو تيار المسلمين الليبراليين الذين راحوا يدينون التطرف الأعمى بوضوح في الجرائد السعودية: كالوطن والرياض والجزيرة والشرق الأوسط وسواها. ومن أبرز هؤلاء نذكر: مشاري الذايدي ومنصور النقيدان وخالد غنامي وتركي الحمد وعبد الله المطيري وآخرين عديدين..فقد انتقدوا بشدة التيار الوهابي الذي يحلل اللجوء إلى العنف ضد غير المسلمين بل وحتى ضد المسلمين أنفسهم..
وبالتالي فلا يمكن اعتبار السعودية كتلة واحدة صماء بكماء عمياء متطرفة كما تفعل وسائل الإعلام الغربية وبخاصة بعد 11 سبتمبر. السعودية مليئة بالتيارات المتناقضة والمخاضات. ولكن يبقى صحيحا القول بأن التيار الوهابي لا يزال هو الأقوى ويرهب الجميع بسطوته. نقول ذلك على الرغم من أن بعض المثقفين أصبحوا يتجرأون عليه. نذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر خالد الغنامي الذي كان متطرفا سابقا ولكنه تراجع عن موقفه وأصبح إصلاحيا مستنيرا. وقد وصل به الأمر إلى حد انتقاد تعاليم ابن تيمية صراحة. ومعلوم أنها تشكل أساس العقيدة الوهابية. وهذا ما يفعله أيضا مشاري الذايدي وعبد الله المطيري وتركي الحمد وجمال خاشقجي ومثقفون مستنيرون عديدون. ثم يردف الباحث قائلا: وهناك بشائر أخرى في المملكة ليس أقلها فتح باب الحوار الوطني على مصراعيه بإيعاز من الملك عبد الله. فلأول مرة تجتمع كل مكونات المجتمع السعودي بمن فيهم الشيعة والإسماعيلية والصوفية تحت سقف واحد لكي تتناقش حول القضايا المصيرية للمجتمع. ولأول مرة طالب ملتقى عسير للحوار الوطني باستخدام كلمة الآخر أو غير المسلم محل كلمة الكافر في الخطاب الديني السعودي وكذلك في الخطاب الإعلامي والثقافي وبرامج التعليم الخ..ولأول مرة يتجرأ الشيعة على الخروج من الظل والمطالبة بحق المواطنية. ولأول مرة تعطى المرأة بطاقة هوية خاصة بها وحدها..ولأول مرة ترتفع الأصوات مطالبة بتغيير برامج التعليم وحذف الشتائم ضد اليهود والمسيحيين بل وحتى المسلمين الشيعة..وبالتالي فهناك أشياء تتحرك في المجتمع السعودي..هناك أشياء تختلج، هناك مخاضات واعدة..
ولكن يبقى صحيحا القول بأن هناك خوفا على المستقبل على الرغم من كل هذه الانجازات والتطورات. والسبب في رأي الباحث يعود إلى ما يلي: لا يمكن محو سبعين سنة من التدجين العقائدي الوهابي بجرة قلم واحدة أو بين عشية وضحاها. وهنا تكمن مشكلة السعودية الكبرى. فلا تستطيع المؤتمرات ولا القوانين الجديدة التي تمشي في الاتجاه الصحيح ولا حتى الكتب وحملات التوعية والدعاية المنظمة أن تقتلع من النفوس تلك الأفكار المتطرفة التي زرعت فيها وكأنها حقائق مطلقة على مدار العقود إن لم يكن القرون. وبالتالي فالمشكلة هي في تغيير العقليات المتحجرة التي ترفض أي تغيير وتعتبره كفرا أو خروجا على العقيدة. نقول ذلك ونحن نعلم أن زحزحة الجبال كما قال أحدهم أسهل من تغيير العقليات. ومعلوم أن جورج دوبي، أحد كبار مؤسسي المدرسة التاريخية الفرنسية، كان يقول بان الواقع المادي قد يتغير من حولك دون أن تتغير عقليتك. فتغيير العقليات يتم عادة ببطء شديد ويحتاج إلى وقت طويل.. وهذا ينقض الأطروحة الماركسية السطحية التي تقول بأنه يكفي أن نقلب البنية التحتية للمجتمع لكي تتغير بنيته الفوقية بشكل أوتوماتيكي. فقد أثبتت التجربة أن الأمور أكثر تعقيدا من ذلك. فالبنى التحتية للمجتمع السعودي انقلبت في السنوات الأخيرة. أنظر المطارات الفخمة والشوارع العريضة والبنايات الجميلة والبنوك والمؤسسات والمدارس والمشافي والجامعات الخ.. و بالتالي فالتحديث المادي والتكنولوجي للبلاد تحقق إلى حد كبير دون أن تتغير العقليات.. ولذلك يلزم المجتمع السعودي سنوات طويلة من التنوير الفكري أو الديني وكذلك بذل جهود ضخمة في مجال التربية والتعليم الرشيد والحديث لكي يستطيع تحجيم التيار الوهابي الذي يكتسح المجتمع ويفرض نفسه كحقيقة مطلقة لا تقبل النقاش. وهذه هي مهمة الأجيال القادمة لا جيل واحد. ثم يردف الباحث قائلا بما معناه:
عندما اصطدم الملك عبد العزيز بالإخوان الوهابيين عام 1929 سحقهم سحقا عن طريق الحل العسكري. ولكن فكرهم ظل مسيطرا كما هو. وعندما اصطدم أبناؤه بهم مرة أخرى عام 1979 أثناء السطو على المسجد الحرام استخدموا أيضا الحل العسكري لسحق التمردين. ولم يفكروا لحظة واحدة في استخدام الحل الثقافي المتمثل بتغيير برامج التعليم التي تفرخ مثل هذه العقليات المتطرفة تفريخا. على العكس فبعد أن سحقوهم عسكريا راحوا ينفذون كل برنامجهم المتعصب وأخذوا يؤسلمون المجتمع أكثر مما هو مؤسلم. وكانت النتيجة أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من مواجهة شاملة بين السلطات من جهة وقوى التطرف الأعمى من جهة أخرى. وبالتالي فمن السابق لأوانه التحدث عن أفول الوهابية في السعودية. بل وسمعنا مؤخرا بأنها قامت بهجوم معاكس من خلال موقع الانترنت التابع للشيخ صالح الفوزان الذي هدد الليبراليين السعوديين ومن بينهم المفكر والروائي تركي الحمد بشكل صريح أو ضمني واتهمهم بالخروج على الإسلام. وهي تهمة خطرة ولها انعكاسات سلبية مباشرة على أشخاص المثقفين السعوديين المستنيرين الذين يخوضون معركة التحرر بكل جرأة وإحساس عال بالمسؤولية وضمن ظروف صعبة جدا.أقول ذلك وأنا أفكر بمثقفين مهمين كعبد الله المطيري ومشاري الذايدي ومحمد بن عبد اللطيف آل الشيخ وتركي الدخيل وعبد الرحمن الراشد وعبد الله الغذامي ومحمد العلي وعلي الدميني وخالد الدخيل وسعود البلوي وقينان الغامدي ونجيب الخنيزي ومتروك الفالح ومحمد سعيد طيب ومنصور النقيدان ومحمد محفوظ وزكي الميلاد وجعفر الشايب وحسن المالكي وعابد خزندار ورائد قاسم وعلي آل غراش وعثمان العمير وعشرات غيرهم ممن أعرف أسماءهم أو لا أعرفها. وأعتذر فعلا عن عدم ذكر أسماء كثيرة لا تقل أهمية عمن ذكرت وبخاصة المثقفات السعوديات.فالسعودية غنية الآن بالمثقفين والمثقفات والكتاب الموهوبين والصحفيين الجريئين. وعليهم تعقد الآمال لصنع المستقبل الباسم.
المغزى العميق لـ11 سبتمبر على ضوء فلسفة التاريخ
لكي أموضع كل ما ورد سابقا ضمن إطاره الواسع الشامل سوف أقول ما يلي: لولا 11 سبتمبر لما تجرأ أحد على طرح أي سؤال على الوهابية أو الأصولية الإسلامية عموما. ولما تجرأ أحد على الدعوة إلى تجديد برامج التعليم أو تغييرها. ولما تجرأ احد على طرح مشكلة الحرية الدينية أو بالأحرى انعدامها في أرض الإسلام. ولما تجرأت أنا شخصيا على ترجمة مشروع محمد أركون تحت اسمه الصريح: نقد العقل الإسلامي بعد أن كنت أموه الأمور عن طريق التحدث عن تاريخية الفكر العربي الإسلامي مثلا ، الخ.. وبالتالي شكرا لـ11 سبتمبر! نعم شكرا لـ11 سبتمبر وألف شكر. فلولاه ولولا ضحاياه الذين سقطوا بالآلاف خلال بضع دقائق صبيحة ذلك اليوم الموعود لما استطعنا أن نطرح أصغر سؤال على التراث الديني الإسلامي. فهذا الحدث الصاعق شكلا ومضونا كان ضروريا أن يحصل لكي يستيقظ العالم من غفلته وينتبه إلى وجود مشكلة كبرى وربما مشكلة القرن الواحد والعشرين كله. إذ أقول هذا الكلام بنوع من الصراحة الفجة فاني أعتذر لعائلات الضحايا الأبرياء الذين سقطوا.ولكن فلسفة التاريخ التي أتبناها تقول لي بأن الحاجة هي أم الاختراع وأن الكارثة قد تكون ضرورية أحيانا لكي يستطيع أن يتقدم التاريخ خطوة واحدة أو حتى نصف خطوة إلى الأمام. لكي يفصح التاريخ عن مضمونه، لكي تنكشف المشكلة العميقة التي تختلج في أحشائه وتؤرقه ينبغي أن يحصل زلزال ، أن ينفجر في وجهنا بركان.. انه لمؤلم جدا أن نقول هذا الكلام. ولكن هذه هي الحقيقة، وكل تجربة التاريخ الطويلة تثبت ذلك. كنا نتمنى لو أن التاريخ يتقدم أو يحل مشاكله بشكل هادئ وقبل دفع الثمن الباهظ. ولكن تاريخ البشر للأسف الشديد يدل على أن ذلك مستحيل. كنا نتمنى لو أن المشكلة العظمى للأصولية الظلامية كانت قد انكشفت للجميع قبل 11 سبتمبر أو بدون 11 سبتمبر. كنا نتمنى لو أن خطورتها البادية للعيان قبل ذلك التاريخ بوقت طويل كانت قد انكشفت للقادة السياسيين والثقافيين قبل أن تحصل الكارثة. ولكن يبدو أن البشر لا يتعلمون إلا من “كيسهم” كما يقال بالعامية. كنا نتمنى لو أن أحداث الجزائر حيث سقط المثقفون بالعشرات والمئات تحت ضربات “المجاهدين العظام” أو حيث ذبحوا من الوريد إلى الوريد أمام أطفالهم أحيانا كانت قد لفتت الانتباه إلى خطورة الموضوع. ولكن لا. لا، لم يحرك أحد ساكنا. بل أخذت بعض الجهات الأميركية في التفكير بالتحدث مع قادة ما يدعى بجبهة الإنقاذ الإسلامية لأنهم يمثلون الشعب…
ولكن ما قلته لا ينحصر بالجزائر فقط على الرغم من مرارة التجربة الجزائرية وضراوتها. وإنما يشمل معظم بلدان العالم العربي والإسلامي حيث أصبح اغتيال المثقفين موضة دارجة يصفق لها حتى بعض المثقفين أنفسهم أو بالأحرى أشباه المثقفين. وراح الكثيرون يركبون الموجة الظلامية ويلعنون أنفسهم وماضيهم لأنهم كانوا ماركسيين أو علمانيين أو تقدميين يوما ما. وكثرت التوبات والتراجعات هنا أو هناك.. راح أشباه المثقفين العرب يتكاثرون في كل مكان ويلقون باللائمة على” الحداثة الرثة” التي دمرتنا وخربت أوضاعنا. أما التراث الرث فلا أحد يتجرأ على نقده أو الإشارة إليه بالبنان، مجرد إشارة.. انه مقدس ومعصوم حتى ولو اغتيل باسمه آلاف البشر.. وهذا يعطينا فكرة عن مدى هشاشة الحداثة والتقدمية في العالم العربي. إنها ليست أكثر من قشرة سطحية لدى معظم المثقفين. ثم يتجرأ هؤلاء على التحدث باسم حقوق الإنسان أو يكتبون بيانات من أجل الديمقراطية! وبالتالي فليس 11 سبتمبر على الرغم من عظمته هو وحده المسؤول عن الكشف عن حقيقة المرض العضال الذي ينهش في أحشاء الواقع العربي الإسلامي بشكل سري عميق دون أن ينتبه إليه أحد.
هناك أشياء سبقته، هناك مجازر حصلت قبله داخل العالم الإسلامي بالذات وليس خارجه.وهناك أشياء لحقته.. والعالم العربي أو الإسلامي هو الذي دفع الثمن أولا. ولكن يبقى صحيحا القول بأنه لولا 11 سبتمبر لما اتخذت المشكلة كل أبعادها الدولية ولما تجرأ عبد الوهاب المؤدب مثلا على تأليف كتاب بعنوان: “مرض الإسلام”. من يتجرأ على ربط كلمة الإسلام بالمرض؟ من يستطيع أن يتحدث عن بربرية الأصولية الإسلامية أو فاشيتها المرعبة مثلما تحدث فولتير في الكتاب المذكور آنفا عن البربرية المسيحية؟ و لولا 11 سبتمبر لما تجرأ المثقفون الليبراليون السعوديون على رفع صوتهم ولو قليلا. صحيح أنهم لم يخرجوا عن الإسلام ولم يعترضوا على قيمه الأخلاقية والروحية العليا. ولكنهم اعترضوا، وبحق، على التفسير الظلامي الطائفي القمعي السائد عنه ليس فقط في السعودية وإنما في كل أنحاء العالم الإسلامي. أقول ذلك وأنا أفكر بأسماء مشرقة من أمثال عبد الله المطيري أو تركي الحمد أو علي الدميني أو أمل زاهد أو وجيهة الحويدر أو سعود البلوي أو مها فهد الحجيلان أو مشاري الذايدي أو حسناء القنيعير أو حمزة بن قبلان المزيني أو إيمان القحطاني أو جمال خاشقجي أو حسين شبكشي أو رائد قاسم أو محمود عبد الغني صباغ أو علي آل غراش أو عشرات غيرهم ممن ذكرتهم آنفا أو لم أذكرهم. هذا الشيء كان مستحيلا قبل 11 سبتمبر. شكرا إذن لضحايا 11 سبتمبر ولكل ضحايا الأصولية الظلامية في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي. لقد دلونا على الطريق بدمائهم، لقد فتحوا لنا الطريق بعذابهم، لقد دلونا على المشكلة الأساسية للتاريخ والعصر. وبعد اليوم لن تذهب دماؤهم سدى. شكرا أيضا لضحايا 11 مارس في مدريد وضحايا 7 يوليو هنا في لندن مدينة التنوير في العالم كله: هذه المدينة العظيمة التي أثنى عليها فولتير كثيرا بعد أن زارها وأقام فيها لفترة طويلة وأعجب بتقدمها وتسامحها وحرياتها وتمنى لو أن كل ذلك ينتقل فورا إلى باريس. وكان ذلك في الثلث الأول من القرن الثامن عشر، أي قبل ثلاثمائة سنة تقريبا! عندما كان العالم كله يغط في ظلام الجهل والتخلف والتعصب الديني كانت الأنوار تبزغ من هنا، من لندن بالإضافة إلى أمستردام وهولندا عموما. ولذا راح فولتير يقرع الفرنسيين الظلاميين في رسائله الشهيرة باسم: رسائل انكليزية والتي أصبحت فيما بعد: رسائل فلسفية. راح يدعوهم لتقليد الانكليز من أجل الخروج من تخلفهم وتعصبهم واستبدادهم. وكان لا يحلف إلا باسم جون لوك واسحاق نيوتن…
من يتجرأ الآن على الدعوة إلى تقليد الغرب في العالم الإسلامي؟ فورا يتهمونه بأنه عميل أو خائن أو مرتد. انه خارج على ثوابت الأمة! تخيلوا هذا المصطلح المرعب الذي ما أن ألفظه حتى يقشعر بدني. إنها سجون الأمة ومعتقلاتها وكل المخزون التاريخي للقمع فيها.. ولكن فولتير “الخائن والعميل للانكليز” أصبح فيما بعد مجد فرنسا الفكري والحضاري.. بعد اليوم لن تفلت الأصولية الإسلامية من المحاسبة كما كان يحصل سابقا. بعد اليوم سوف يتجرأ الكثيرون على نقدها ومساءلتها ومحاسبتها حسابا عسيرا. بعد اليوم سوف تمحص كل فاصلة وكل نقطة وكل سطر من سطور النصوص الدينية الموروثة. هذا ما كنت اعتقده أو أتوقعه حتى فاجأني أحد المختصين الكبار قائلا وشبح ابتسامة خفيفة شبه تهكمية يرتسم على وجهه: على مهلك يا أخي.. أراك متفائلا أكثر من اللزوم. هل تعتقد بان المسلمين سوف يقبلون بطرح الأسئلة الحقيقية على تراثهم الديني حتى بعد كل ما حصل؟ إنك واهم يا صديقي ومتسرع أكثر من اللزوم. هل تراهم ينخرطون في الدراسة التاريخية والعلمية لتراثهم الطويل العريض؟ أين ترى ذلك ؟ دلني بالله عليك دلني؟ قلت له هذا يعني أن ضحايا 11 سبتمبر ماتوا فعلا وان دماءهم ذهبت سدى..فلم يحر جوابا وضاع في تفكير عميق…
وفي رأيي أن هذا إذا صح سوف يكون أخطر من حادثة 11 سبتمبر ذاتها. فإذا كنا بعد كل ما حصل من كوارث لا نستطيع أن نطرح أي سؤال حقيقي على التراث الديني الذي ارتكبت باسمه هذه الجريمة فان هذا يعني أن الأمور خطيرة فعلا ولم يبق أمامنا إلا أن نطلق رصاصة الرحمة على أنفسنا وننتحر جماعيا.. لم يبق لنا إلا أن نستسلم للمقادير، للسلفية والسلفيين. وبالفعل فقد اكتشفت أني بعد ست سنوات على حصول ضربة 11 سبتمبر لا استطيع أن أضع اسمي على بعض الترجمات والكتابات خوفا من غضب الأصوليين العتاة. فما نفع 11 سبتمبر إذن؟ وهل يلزمنا مائة 11 سبتمبر لكي نتجرأ على طرح بعض الأسئلة الجوهرية على التراث الديني للإسلام؟ كيف تشكل المصحف تاريخيا؟ من الذي شكله وضمن أي ظروف من الصراعات السياسية اللاهوتية؟ متى تشكلت الشريعة، أي القانون الإسلامي المقدس، وكيف؟ هل يمكن تقديم تفسير تاريخي للقرآن ومتى؟ متى تشكلت المذاهب الإسلامية بالضبط؟ وكيف تصارعت بالحديد والنار على احتكار مفهوم الإسلام الصحيح؟ وهل صحيح انه توجد فرقة واحدة ناجية والباقي في النار؟ وكيف تصارعت على مفهوم الدين الحق أو المذهب الوحيد المرضي عند الله؟ بل كيف لا تزال تتصارع حتى هذه اللحظة من أقصى العالم الإسلامي إلى أقصاه؟ انظر المجازر بين الشيعة والسنة ليس فقط في العراق وإنما أيضا في الباكستان ومناطق أخرى عديدة.. وهل يمكن التفكير خارج الأجواء المتحنطة والمتكلسة للتراث؟ هل يمكن التنفس خارج جدران السور العتيق أو السياج الدوغمائي المغلق كما يقول أركون؟ وهل لهذا الليل من آخر؟
كان فولتير قد أحصى عدد ضحايا الأصولية المسيحية في وقته فوصل إلى الملايين! وكان العدد بالضبط: تسعة ملايين وأربعمائة وثمانية وستين ألفا وثمانمائة شخص إما ذبحوا أو أغرقوا أو حرقوا أو عذبوا على الدولاب أو شنقوا من أجل حب الله..(التعبير لفولتير. انظر الكتاب التالي بالفرنسية:dictionnaire de la pensée de voltaire. Editions complexe. Paris.1994 p.256) من المعلوم أن حركة التنوير الأوروبي لم تقلع فعلا إلا بعد مجزرة سانت بارتيليمي الشهيرة وبقية المجازر الطائفية في شتى أنحاء أوروبا.ولا ينبغي أن ننسى الدور الذي لعبته الحروب المذهبية الكاثوليكية البروتستانتية في ذلك أيضا. فقد سالت الدماء أنهارا بسببها. وكل طرف كان يدعي انه يمثل الدين الحق أو المسيحية الكاملة والصحيحة تماما كما فعلت المذاهب الإسلامية. ويقال بأنها، أي الحروب المذهبية، حصدت ثلث سكان ألمانيا آنذاك فما بالك بالدول الأوروبية الأخرى؟ بعدئذ ظهر جون لوك وسبينوزا ولايبنتز وبيير بايل: أي الدفعة الأولى من مفكري التنوير الأوروبي. لقد ظهروا كرد فعل عنيف على الأصولية والأصوليين المسيحيين الذين كانوا يحرضون على المجازر الطائفية ويخدعون الشعب المسيحي الجاهل والفقير تماما كما يفعل شيوخ القاعدة في العراق حاليا.. ثم تلتهم الدفعة الثانية في القرن الثامن عشر على يد ديدرو والبارون دولباخ و دولاميتري وفولتير وجان جاك روسو وليسنغ وكانط وعشرات غيرهم. وقالوا سوف نشرح العقائد المسيحية تشريحا ولن نترك لها شاردة ولا واردة لأنها كانت تقدم التغطية اللاهوتية أو الإلهية لكل هذه المجازر. سوف نضع رجال الدين على محك النقد الصارم الذي لا هوادة فيه وسوف ننزع عن وجوههم القناع.. ومعلوم أن فولتير كرس كل حياته تقريبا لمحاربة ما كان يدعوه «بالوحش الضاري”، أي الأصولية المسيحية وبالأخص الكاثوليكية البابوية الرومانية. وقال علينا أن نسحق العار والشنار. واليوم إذا لم ينبثق التنوير العربي الإسلامي بعد كل هذه المجازر والتفجيرات العمياء التي ترتكبها الأصولية الوهابية في العراق وغير العراق فعلى الثقافة والمثقفين العرب كلهم العفاء!
بقيت كلمة أخيرة: لكي يكون موقفي متوازنا ينبغي الاعتراف بأنه يوجد حقد كبير في أوساط اليمين المتطرف الأوروبي الأميركي الإسرائيلي على كل ما هو عربي أو مسلم. وهناك ميل إلى التعميم وأخذ الصالح بجريرة الطالح: أي وضع كل المسلمين والعرب في خانة واحدة. وهذا خطأ أيضا وينبغي أن يدان. وبالتالي فالتطرف الذي يشعل نار الحقد آت من كلا الطرفين لا من طرف واحد. والسياسة التوسعية الاستيطانية العدوانية في فلسطين مسؤولة أيضا عن هذا الوضع الذي وصلنا إليه. والواقع أن قوى التطرف في كلتا الجهتين تحاول أن تقطع الطريق على النوايا الطيبة للأغلبية المسالمة الراغبة في الحوار الحضاري سواء عند العرب المسلمين أم عند الغربيين مسيحيين كانوا أم علمانيين.. ينبغي ألا ننسى أن المتطرفين يبقون أقلية على الرغم من ضخامتهم في كلتا الجهتين.
