انعكاسات التوحيدية
لم تخترع الديانات التوحيدية فكرة الإله الواحد فحسب، بل شكّل اعتمادها، حسب يان أسمان، ثورة متصلبة لم تترك المجال لغيرها من حقائق الآخرين، ودشنت نوعا جديدا من العنف.
لقد كرّستم سنوات عديدة من حياتكم المهنية لعلم الآثار والتاريخ والدين في مصر القديمة قبل أن تنشروا، في عام 1997، كتابا مرموقا عن موسى وعن ظهور التوحيد. فما هو الطريق الذي أوصلكم إلى هذا الموضوع؟
يشكل التوحيد في رأيكم قطيعة جذرية في تاريخ الأديان كنتم غالبا ما تصفونها بعبارة “التمييز المُوسوي”. فما الذي تعنيه هذه العبارة؟
أنتم تعودون إلى فصل (أو حادثة) من الكتاب المقدس، حيث يتلقى موسى لوحيْ الشريعة. فما يظهره هذا الفصل، بخصوص قلب العلاقة بين الدين والسلطة والأخلاق؟
اتهمكم بعض النقاد بتشويه الديانات التوحيدية لصالح أديان أقدم. وكنتم قد قررتم، في سنة 2003، الردّ على هذه الانتقادات بإصدار كتابكم ثمن التوحيد. فأيّ حجج اعتمدتم في ذلك؟
من خلال مطالعة كتبكم، لا يمكن للمرء إلا أن يشعر بأنكم تربطون عن قصد روح التوحيد بالتعصب والعنف السياسي. وسبق أن شرحتم موقفكم في كتابكم العنف والتوحيد. في واقع الأمر، أي عنف تقصدون على وجه الخصوص؟
هل لأطروحتكم علاقة بالوضع الجيوسياسي الراهن، حيث نرى عددا من النزاعات العنيفة تتبلور حول التعارض بين الإسلام والغرب؟
نعم، بالطبع. وأستحضر هنا أنباء الساعة، وحقيقةَ أن العداوة الدينية متورطة في العديد من أشكال العنف التي تؤثر بشدة على العالم اليوم. غير أن ما هو محل إدانة، ليست الأديان وما قدِرت أن تكون عليه، بل هي الأصولية دون منازع. ولهذا السبب بالضبط تراني أركّز على تفكيك بعض النصوص التأسيسية للتوحيد. إن طريقتي في التفكيك لها شبَهٌ ضعيف جدا بطريقة جاك دريدا (7) لأنني أعمل في الواقع على إعادة إدراج هذه النصوص في سياقها التاريخي الأصلي. أي إني أعيد وضعها مرّة أخرى في السياق الذي في إطاره كانت تصنع المعنى. فعلى سبيل المثال، هناك العديد من المقاطع في الكتاب المقدس تدعو إلى العنف ضد الكنعانيين. وإني أرى في ذلك تعبيرا عند اليهود على حقد دفين: حقد المنتمين إلى الديانة التوحيدية الجديدة تجاه الذين يرفضونها. هذه القراءة تتسق مع معطيات علم الآثار الحديثة التي تشكك في نزوح العبرانيين خارج مصر وفي الاستيلاء على أرض كنعان. السواد الأعظم من اليهود لم يغادروا دون شك أرض كنعان، وبالتالي لم يكن لديهم أي موجب لإعادة غزوها. اليهود كانوا كنعانيين، دخلوا في معارضة مع مواطنيهم. والظاهرة تكررت عدة مرات في تاريخ الأديان التوحيدية، وكانت تطرح كل مرّة العودة إلى النصوص المؤسسة.
الهوامش:
Schleier und Schwelle, Bd. 3, Geheimnis und Neugierde (Secret et Curiosité), Fink, 2002 -1
2 – أقدم طبعة للتوراة باللغة اليونانية، حوالي سنة 270 ق.م.
3 – الإلوهية الكونية تضع الألوهيات في تمظهرات العالم الطبيعي وليس فوقها كما تفعل جل الأديان التوحيدية.
4 – يستوعب بعضهم فلسفة باروخ سبينوزا (1632-1677) كوحدة وجودية لأنها تطابق الله مع قوانين الطبيعة.
5 – يان أسمان. مصر القديمة. بين الذاكرة والعلم (الترجمة الفرنسية – هزان 2009). العنوانين الآخرين هما باللغة الألمانية : Die Zauberflöte. Oper und Mysterium ( الناي الممتع) لـ Carl Hanser Verlag, 2005 و
Religio Duplex. Ägyptische Mysterien und europaïsche Aufklärung الألغاز المصرية و الأنوار الأوروبية Verlag der Weltreligionen im Insel Verlag, 2010.
6 – في واقعة العجل الذهبي أمر موسى بتقتيل كل الذين انخرطوا في العبادة الوثنية من بين اليهود. وكان المكابيون يهودا متشددين قاموا بأعمال وحشية ضد الهيمنة الإغريقية في فلسطين في القرن الثاني ق.م. وقد عرف المتشددون الذين ثاروا في القرن الأول ب.م. على المحتل الروماني بعزيمتهم القاسية.
7 – يشكل التفكيك النصي كما قدمه جاك داريدا ممارسة تتضمن إماطة اللثام عن نية نص عبر انتقائه للكلمات المستعملة في إطار لغة محددة، وليس لهذه الممارسة ارتباط مع التحليل التاريخي وغالبا ما يتم وصلها بتيار ما بعد الحداثة.
موسى ولوْحا الشريعة والعجل الذهبي:
وفقا للكتاب المقدس، موسى هو مؤسس الديانة اليهودية. وكان نجلا لعبرانيين مستقرين بمصر، تخليا عنه عند الولادة فتربّى في بلاط فرعون. وبوحي من إله جديد (يهوه)، جعل موسى نفسه نبيّا وقرر أن يقود العبرانيين للخروج من مصر، حيث كانوا مستعبدين، إلى بلاد كنعان التي تقع بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. وأثناء الطريق توقف عند سفح جبل سيناء ثم صعد الجبل لتلقي وحي لوْحي الشريعة (الوصايا العشر وقواعد الطقوس الأخرى). ولدى عودته إلى أهله، وجد بعضهم يعبدون وثنا متمثلا في عجل ذهبي صنعوه بأيديهم. فدخل موسى في حالة من الغضب العارم، وكسّر لوحي الشريعة، وأمر بتذبيح عبدة الوثن. ثم تحصل على ألواح جديدة، وختم عهد العبرانيين مع الرب يهوه. وسوف يقضي العبرانيون أربعين سنة أخرى في الانتظار قبل غزو كنعان وإقامة مملكة إسرائيل.
نشر الحوار بالمجلة الفرنسية “العلوم الإنسانية” عدد 230 بتاريخ أكتوبر 2011
