«بيوغرافيا الجوع» لـ: آميلي نوثومب سيرتُها ذاكرةُ الجوعِ
تبدأ الكاتبة في رواية «بيوغرافيا الجوع»، (التي تقع في 237 من القطع الوسط. 61 فصلاً. ترجمة بسّام حجّار. طباعة ونشر المركز الثقافي العربي ط1 /2006)، باصطفاء ذكرياتها في كلّ مدينة حلّت فيها، مع أسرتها المكوّنة من والديها وأخ وأختٍ بالإضافة إليها، مذكّرة بطباع أهلها، وعاداتهم وأعرافهم، وأناس لازموها لفترة ثمّ انفصلت عنهم، وكانت وهي تكتب عن كلّ ما صادفها تؤرّخ لمراحل تاريخيّة هامّة، كما تُؤَرْشِف في ذاكرتها ذاكرات عدّة، أولاها وأهمّها ذاكرة الجوع، ليس الجوع بمعناه الفيزيزلوجيّ فقط، هذا الذي يتبدّى في الحاجة إلى الطعام أو الشراب، بل الجوع بمعناه الأشمل، الجوع المُؤنسن، هذا الذي تختصره على غلاف روايتها الخلفيّ «الجوع هو أنا». وهذا تعريف من بين تعريفات كثيرة للجوع في روايتها، قد يختصر سيرتها، وسيرة عدد ممّن التقت بهم وخلّفوا لديها انطباعات متباينة، وهي بذلك ترتقي بنفسها إلى مرتبة الجوع، لأنّه يسمو بها إلى مرتبة الألوهة، كما تكرّر في أكثر من مكان في روايتها.. وكأنّها تغدو بذلك إلهة، أو كأنّ الإله هو الجوع، باعتباره القوّة الضاغطة على البشر، يسيّرهم على هواه، ورغماً عنهم، ذلك أنّهم عندما يجوعون يكونون مستعدّين لارتكاب كلّ شيء، واقتراف كلّ الحماقات، وهو بذلك يكون المتحكّم الفعليّ..
الجوع مأساة ومَنجاة:
«انتفاء الجوع مأساة لم يتطرّق إليها أحد من قبل» ص15. هل في هذا الإخبار منتهى الصدق، أم إنّ فيه استبطاناً للجهر بالريادة في تحصيل قصب السبق الكامن في التذكير بفكرة الضدّ، أي الشبع المطلق..؟ وتبدأ بتصوير حال مدينة فانواتو المتخمة، التي فقد أهلها الشهيّة إلى الطعام، فهم يأكلون من قبيل المراعاة واللباقة، لكي لا تشعر الطبيعة بالإهانة، حيث أنّها هي التي تعنى بإعداد كلّ ما يلزم كي لا يحتاج أهلها إلى أيّ شيء. لكنّها لا تغفل عن تحقير مثل تلك الحياة التي تؤصّل السأم في النفوس، ولا تخرج على كونها نزهة متبطّلين مستمرّة، يُعوِزها السعي. ص16. حيث أنّ ما يجمّل حياة المرء هو العمل للقضاء على الجوع، ولأنّ الجوع مأساة متجدّدة فلا بدّ من العمل الدؤوب للحيلولة دون هذه المأساة؛ الجوع، ومن هنا قد يصحّ أن نبدّل شعارها المعلَن «الجوع هو أنا» إلى: «العمل هو أنا». أو الأقرب إلى المعنى وجوباً لا جوازاً: «الجوع هو نحن». لطالما هنالك جوع يجب أن يكون هناك عمل ينفيه، لأنّه يعظّم من انتماء المرء إلى حيث يعمل، ويهب حياته معنىً يليق بها.. ثمّ تؤكّد الكاتبة أن كلّ الأماكن هي نقيض فانواتو، لأنّ القاسم المشترك بين جميع الشعوب أنّها شهدت المجاعة في تاريخها، بينما فانواتو لم تذق طعم الجوع، ولا تعرف عظمته، تلك التي تتجلّى في توليد الروابط والصلات. وهي مادّة لحكايات تُروى.ص17.
تقسّم الكاتبة المدن التي زارتها حسب البطون الجائعة فيها، فتشكّل الصين عندها زعيمة البطون الخاوية، حيث حرّض الجوع عندها على الإبداع المستمرّ والبحث عن سبل جديدة في كلّ مرّة لاتّقائه، حتّى باتت مضرباً للمثل في ذلك، حتّى غدا الجوع هويّتها الأسمى. والدافع الأعظم هو الجوع المثوّر، لا الجوع المُحبط القاتل. ثمّ تضيف الكاتبة أنّ ما يجذب الغزاة إلى مناطق بعينها «ليس ثروة البلدان في حدّ ذاتها، بل الجهد الذي بذله الناس فيها: أي نتاج الجوع»ص18. أي أنّه من المحتمَل أن يكون الجوع فضيلة، وقد يكون عبئاً أيضاً، كأيّ شيء يحمل في ذاته النقيضين، الخير كلّه والشرّ كلّه، أو ما وراءهما، وهي في ذلك تذكّر أكثر من مرّة بنيتشه في كتابه «ما وراء الخير والشر»، وفي بعض مواقفه من أمور بعينها، خاصّة حول حديثه عن الإنسان الخارق فيما هي تختار الحديث عن الجوع الخارق، كأنّ الجوع الخارق يفضي بالضرورة إلى خلق الإنسان الخارق الذي يتفوّق على الطبيعة التي تجوّعه، ويكسب الرهان والأحقّيّة بالبقاء والخلود..
تعريفات الجوع:
يتجاوز الجوع عند الكاتبة معانيه المفترضة، يتفرّع في الأمداء، يكتسب معاني مضافة، تؤنسنه الكاتبة حيناً، وحيناً تعرّفه وفق الفكرة التي تمهّد له، يشكّل عندها التوق كلّه، كما قد يشكّل طوقاً وقيداً لا خلاص منه، فهو نوع من الترف، وهو «تلك الحاجة الفظيعة التي تمسّ الكائن كلّه، ذاك الفراغ الآسر، وذلك التوق إلى الامتلاء الطوباويّ بل إلى تلك الحقيقة البسيطة: فحيث لا يوجد شيء أتطلّع لأن يكون ثمّة شيء». «الجوع هو أن تريد. إنّه رغبة أشمل من الرغبة. ليس الإرادة التي هي قوّة، كما أنّه ليس ضعفاً لأنّ الجوع لا يعرف الخنوع. فالجائع هو مَن يسعى». ص22. وهو«السلّم المفضي إلى الحبّ. ذلك أن كبار العشّاق تدرّجوا في مدرسة الجوع».ص23. كما أنّه «مرض حميد». ص29. وهو «نوع من العبوديّة» ص35. هي التي تعتبر الجوعَ الكمالَ والجمال والصحّة، تتفنّن في توصيفه وتعريفه، من التماهي فيما بينهما، إلى اعتباره صاحب السطوة والقوّة في كلّ شيء. تعتبرها أمّها مآثرها، «مآثري هي أنا»، في حين هي ترى أنّها أحلامها، وآلامها.(127).
وقد تقلب الأدوار بين الدماغ والجسد، فبينما يفترض تخدّر الجسد، يتخدّر الدماغ بمواقعة اللذّة، في غوصها إلى قاع الثمالة، لكي تطفو بعد حين على سطح نبعها الحارّ.. كما قد تكون الكاتبة، كونها البطلة الساردة بلسان الأنا، جائعة إلى البطالة،(ص47) حيث جوعها الخارق يصلّب عودها النحيل.(ص50). ويختلف الجوع بحسب الأماكن التي تزورها، أو تسكنها، ففي الصين مثلاً حيث تحيى مع أسرتها في عزلة ما، تكون جائعة إلى الآخرين، وقد تكون في مكان آخر جائعة إلى البلدان، إلى الصخب والضوضاء، إلى الهدوء والسكينة، وربّما يضاعف الرعب جوعها جوعاً (119)، ثمّ قد يكون جوعها إلى الحنان بارزاً وقويّاً (ص147)، أو جوعاً أشبه ما يكون بألم يزول، كما حصل معها في بنغلاديش (205). وعندما يقترب الجوع؛ هذا الكائن المرتحل مع البشر أينما كانوا، من الموت، يكفل لنفسه ولنزلائه وأشياعه ذاكرة لا تمّحي، تدوم كالمرض المزمن العضال، تقوّي المناعة لدى الجائعين، كي يكونوا في سعيٍ دائم إلى قهره، والبحث عنه في أطالس مختلفة، ووضع خرائط بأماكن سكناه، لتكون بشارة التغلّب عليه، التجييش له وعليه في آنٍ.. وفي اقترابها من النهاية، تكون بداية الانتصار على الجوع (214)، ليكون انتفاء الجوع نعمة تطرّقت آميلي نوثومب إليه، وأرّخت سيرته، في حين تؤرّخ سيرتها، هي المتماسّة مع الجوع، الذائبة فيه ومعه..
الجوع يكتسح كلّ شيء:
نوثومب، الجائعة لكلّ شيء، تسرف على نفسها وتبالغ في إرواء جوعها، ومن ذلك مبالغتها في أكل السكّر، وإدمانها الكحول في فترة مبكرة، ثمّ مزجها بين السكَّر والسّكْر، وكذلك عشقها الذي نهرتها أمّه عن تولّعها به وهو الماء، عنصرها الرئيس المكوّن لها.. بعد ذلك وقبله، تبتكر لنفسها عوالم ما كانت لتشبع فضولها، لكنّها تثير فيها اللذّة حيث يكمن الجوع، (132)، ولأنّها انتقلت من اليابان إلى الصين إلى نيويورك، وإلى مدن وأماكن أخرى، واستقرّت في بلجيكا؛ بلدها الأصليّ، لكنّ شعورها بعدم الانتماء لم يزايلها في بلدها، وهو ما شكّل بالنسبة إليها دافعاً للكتابة، إذ تكتب: «من بين جميع البلدان التي عشتُ فيها، كانت بلجيكا هي البلد الذي فهمته أقلّ من سواه. وقد يكون في آخر الأمر، هذا هو معنى انتمائك إلى مكان ما: ألا تدرك بالضبط ما كنه هذا المكان. ولا ريب في أنّ هذا ما دفعني إلى الشروع في الكتابة. ذلك أنّ عدم الفهم هو مصدر للكتابة لا ينضب. وكانت روايتي تسعى إلى صياغة عدم الفهم المتفاقم في شكلٍ ما».ص223.
خَلخلة وهَلهلة:
الكاتبة تعاود بناء جسدها الذي تآكله الجوع.. لكنّها لا تعود ممسكة بزمام كتابتها التي تبدأ بالتخلخل في الفصول الأخيرة، حيث يتكثّف الاختصار إلى حدود تقترب من تشويه النصّ كلّه، ويبدأ التداعي كانفلات الماء، لا تعود له بداية ولا نهاية، كأنّ الكاتبة في سعيها إلى تبديل كلمات بعينها كالمعاناة، الاستحمام، اللبس، قد عانت في تلبيس الفصول الأخيرة من روايتها التي ليست إلاّ سيرة حياتها تماماً، خواتم مناسبة، فتركتها مفتوحة على أكثر من احتمال، مرتحلة مثلها..
باعتقادي لو أنّها اكتفت بتوصيف كتابها على أنّه مذكّرات لكان أنفذ مفعولاً وأبعد تأثيراً، وما كانت تحتاج معه إلى تورية أو تضبيبٍ.. فالكتاب، علاوة على أنّه بحث رائع في سيكولوجيّة الجوع، سيرة متفرّدة وغريبة لفتاة حملت جوعها وغربتها معها أنّى حطّ بها الرحال..
«بيوغرافيا الجوع»؛ سيرة حياة الجوع، هي سيرة حياة آميلي نوثومب، روايتها بأكثر من معنى، حيث الجوع هو هي، كما تثبت في روايتها، كما أنّها سيرة حياة الدوافع المثوّرة، وتأريخ لها، تنتقل من عشقٍ للجوع إلى كرهٍ له وعليه.. تحمل كاميرا، متخمة بالشهوات المستميتة للارتواء، تجول بها في كثير من الأصقاع، تتحرّى عن مكامن العظمة، توصي بالجوع، سبيلاً للتغلّب عليه، ولا تنقاد مع من يصفونه بأنّه خطيئة، لا تواطؤ فيها ومعها، من تلك الخطايا السبع المعروفة والقاتلة.. لذلك فإنّ التركيز على الجوع، إيذانٌ بوجوب التحرّي عن حقوق الجَوعى وسبل العمل على التخطيط لدحره وتعميم اللاجوع، لأنّ الجوع يبقى كافراً. كما هو القول الشائع. ويبقى جمعاً من المتناقضات، مارداً لا بدّ من ترويضه، وهي عندما تمنح الجوع وحدانيّة ما فإنّها تلحد به أيضاً، لأنّه يُركع ويقمع ويُضلّ. نراها تصف العالم الجائع مُنشدة العالم الآخر الذي لا بدّ أن يتوازن ويتكامل منتجاً حضارة إنسانيّة جائعة إلى الجديد الخيّر، نابذة الجوع السلبيّ المنهك والمهلك الذي لا بناء معه..
