تاكسي حوّاء: جدار الفصل بين الجنسين

حنين إلى عصر الحريم يرسّخ عزل النساء عن المجتمع، والفصل بين الجنسين، ويمثّل انتكاسة حقوقيّة فعليّة.
ذلك أهمّ ما يمكن الخلوص إليه من انتقادات شديدة تجاه الدعوات المتتالية والمشبوهة إلى إنشاء سيّارات أجرة خاصّة بالسيّدات، بعد البدء فعليّا بعربة خاصّة بالسيّدات بمترو الأنفاق في مصر.

وتحت شعار غريب يقول “لا يقّلّ السيّدات إلاّ السيّدات”، استخرجت سيّدة أعمال من مدينة الإسكندرية ترخيصا لـ 10 سيارات أجرة، وأعدّت لها سائقات محترفات من الجنس اللّطيف. وفي موافقة واضحة من الإدارة على هذه المشاريع “الحريميّة” أشاد محافظ الإسكندريّة، حسب ( الشرق الأوسط )، بلون التاكسيّ الأحمر، مشيرا إلى البدء قريبا في تطبيق التجربة. هذه التجربة التي ستعود بالمرأة إلى الوراء وتزيد في عزلها عن المجتمع، وتعود بها فعليّا إلى عصور الحريم، و”بيضة” الخدر !

واختار أنصار التاكسيّ “الحريمي” القاهريّ لونا ورديّا، يرونه أدلّ على الأجواء الورديّة التي ينبغي أن تعيش فيها المرأة المصريّة والعربيّة في ظلّ العفّة والكنّ، وبعيدا عن شهوات الفحول الذين يضربون في الأرض صباح مساء وعيونهم معلّقة خلف كلّ كاعب وحصان وإن تغطّت من رأسها إلى أخمص قدميْها بالسواد.

إنّ فكرة التاكسيات الحريميّة، ليست بدعة مصريّة، على كلّ حال، إذ سبقتها تجربة محدودة في الإمارات العربيّة، وتجربة “سياحيّة” في لبنان. وها هم الكويتيّون يلتحقون بالركب ليكون لهم تاكسيات ورديّة اختاروا لها اسما “ناعما” هو تاكسي حوّاء!
ونشرت صحيفة “أوان” (بالتنكير لا بالتعريف!) خبرا عن الموضوع بحياد شديد، ولم ترفقه بأيّ تعليق. قالت الصحيفة الكويتيّة نقلا عن وكالة الأنباء الكويتيّة ( كونا): “تنطلق خلال الأسابيع المقبلة، وللمرة الأولى في الكويت، سيارات أجرة مميزة بلونها الوردي وسائقاتها من السيدات ضمن مشروع طموح (هذا منتهى الطموح أو لا يكون!) تطلقه فتاة كويتية، يقوم على أساس تخصيص خدمة التاكسي للسيدات فقط. ويتوقع أن تحقق تجربة الفتاة (…) نجاحا ملحوظا في ظل حاجة الكثير من السيدات إلى التنقل بحرية أكثر ودون التعرض للحرج أو المضايقات التقليدية التي قد يتعرضن لها في حال كان السائق رجلا. وتقوم فكرة (تاكسي حواء) في الكويت على أساس تخصيص سيارات أجرة وردية اللون مخصصة فقط لنقل السيدات تقودها سائقات من جنسيات مختلفة.”

غير أنّ ردّة فعل قويّة على مثل هذه المشاريع “الحريميّة” صدرت في مصر عن المركز المصري لحقوق المرأة الذي طالب بإلغاء تاكسي النّساء، حيث تقول رئيسة مجلس إدارة جمعية نهوض وتنمية المرأة إنّ «فكرة أنّ التاكسي الحريمي هدفه الحدّ من التحرشات والمعاكسات ساذجة، وهي سلم سيهوي بنا إلى عصر الحريم ونظام الحرملك. ففي البداية، ستركب السيدة هذا التاكسي كنوع من الرفاهية والتجديد، ولكن بعد فترة سيفرض عليها زوجها، أو ولي أمرها، ألا تركب غيره وإلا فلن تخرج من البيت!»

وحسبما أوردته صحيفة ( المصريّ اليوم )، أعلن بيان شديد للمركز المصريّ لحقوق المرأة : «أوقفوا مهزلة تاكسى الحريم والعودة بالمجتمع المصريّ 100 عام إلى الخلف. أوقفوا عزل النساء وعزل مصر!»
واعتبر البيان أنّ هذا المشروع “انتكاسة حقوقية على جميع المستويات القانونية والدينية والمجتمعية…ومشروع غير دستورى يتعارض مع المواثيق والاتفاقيات الدولية، خاصة المادة الثالثة من الإعلان العالمى لحقوق الانسان، فضلاً عن عدم وجود نص فى الشريعة الإسلامية يقضى بعزل النساء عن المجتمع..”

ولئن اتّخذت هذه التجارب في تخصيص النساء بسيّارات أجرة في بلدان أخرى من العالم كلندن ومكسيكو طابعا خِدْمِيّا صرفا بلا محمولات أخلاقيّة، فإنّ الحافز على هذا المشروع في العالم العربيّ هو حافز مشحون بطلب العفّة وتوقّي التحرّش والحرص على الذبّ عن “بيضة” الخدر. وفي استباق لما يمكن أن يترتّب على مثل هذه المشاريع المغلّفة بنوايا الطهر والعفّة والأخلاق الحميدة، يُخْشَى من أنّها سترسّخ قاعدة “العزل” و”منع الاختلاط” حلاّ لجميع ما يطرأ من مشكلات. وقد يمتدّ العزل إلى أماكن التعلّم والعمل وإلى الفضاء العموميّ تحت مبرّرات التوقّي من الازدحام والتحرّش !

وإذا كان الإسلام هو الحلّ لمشكلات المجتمع الكبرى، فإنّ “العزل” سيكون، بدوره، الحلّ لمشكلاته الصغرى كالاختناق المروريّ والازدحام وأوقات الذروة والتحرّش الجنسيّ والهرسلة والتشبيب السمج!

ما أيسر الحلول في عالمنا العربيّ الغارق في المصاعب والمآزق!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This