تشوف الشارع إلى الحرّيّة – مقتطف من “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” للطّاهر الحداد
لقد حكم الإسلام في آيات القرآن بتمييز الرّجل عن المرأة في مواضع صريحة. وليس هذا بمانع أن يقبل بمبدإ المساواة الاجتماعيّة بينهما عند توفّر أسبابها بتطوّر الزّمن، ما دام يرمي في جوهره إلى العدالة التّامّة وروح الحقّ الأعلى. وهو الدّين الذي يدين بسنّة التّدريج في تشريع أحكامه حسب الطّوق. وليس هناك ما ينصّ أو يدلّ على أنّ ما وصل إليه التّدريج في حياة النّبيّ هو نهاية المأمول الذي ليس بعده نهاية، ما دام التّدريج مرتبطا بما للمسائل المتدرّج فيها من صعوبة يمكن دفعها عن قرب، أو وعورة تستدعي تطوّر الأخلاق والاستعدادات بتطوّر الزّمن. وفي الإسلام أمثلة واضحة من هذا. ولا نتحدّث عن مسألة كالخمر تدرّجت وانتهت في حياة النّبيّ وها هي مسألة الرّقّ، فلنتحدّث عنها.
عرف الإسلام أنّه دين الحرّيّة الذي لا يعترف بالعبوديّة لغير اللّه. ولكنّه أبقى على رقّ الإنسان للإنسان، يبيعه ويشتريه كالبضاعة، ويسخّره في حاجاته كالحيوان، طول حياته، بحقّ التملّك الشّخصيّ الآتي من غنائم الحرب، أو الهبة، أو الشّراء. وأكثر من ذلك أنّ إسلام المسلم لا يحجب عنه الرّقّ السّابق لسيّده عليه مهما تناسل هو وذرّيّته في الإسلام، فيعيش مسلما بين إخوانه المسلمين وهو عبدهم ورقيقهم المسخّر يتداولونه بينهم بمختلف التّصرّفات. ولم يستطع الإسلام في حينه أن يقرّر حكما نهائيّا غير إعلانه الرّغبة في العتق. وهو ما يعبّر عنه الفقهاء بتشّوف الشّارع للحرّيّة، ووضعه في أبواب الكفّارات الشّرعيّة للتّحلّل ن المؤاخذة.
تونس، 1930
