تلميع العبودية في الخطاب الإسلامي المعاصر
معظم من استمع إلى البرنامج التلفزيونيّ “من قصص القرآن” الذي قدّمه الداعية الإسلاميّ المودرن عمرو خالد على عدّة قنوات فضائيّة في رمضان الفائت قد خرج مذهولاً دون شك: أوّلاً، من كمية السذاجة والسماجة التي يمتلكها هذا البني آدم المبتسم لغير سبب. وثانياً، من هذا الاندفاع المحموم من قبل الفضائيّات العربيّة في القرن الواحد والعشرين لاستئجار هذا النوع من الدعاة؛ رموز وممثّلي الانحراف البطيء ولكن المستمرّ والفعّال الذي يصيب الإسلام منذ القرن السابع الميلادي وحتى اليوم.
فالداعية المصريّ – جبر الله كسره وأدخله الجنة – لم يعد يكتفي بالعظات المضحكة التي يمطرنا بها على مدار السنة ليلاً نهاراً، على شاشات الفضائيّات العربيّة النفطيّة الورعة، حتّى خرج علينا في رمضان هذا العام بتقليعة دينيّة جديدة وهي الانتقال الحيّ والمباشر إلى موقع الحدث القرآنيّ وتصويره وعرضه على المشاهدين، والحديث أثناء ذلك عن مآثر أبطاله وذرات أطلاله من خلال منظار قرآني لا علاقة له بالتاريخ، وبتفاصيل شبه مجهرية لا علاقة لها بالحقيقة، يريد بذلك تقريب المشهد لمن لم يتح لهم رؤيته على الأرض قبل آلاف السنين من عباد الله المعاصرين.
وإذا غضضنا الطرف عن شذوذ مظهره المدني– بالنسبة إلى باقي زملائه من الدعاة – وعن حركاته البهلوانيّة، وتمثيله الفاشل، فلن نجد شيئاً أكثر إدهاشاً من السعي الدؤوب الذي يقوم به هذا الرجل، وكثيرون على شاكلته، منذ سنوات في سبيل رهبنة الإسلام وتكهينه على شكل مؤسسة متعالية على المؤمنين لها رجالها وأسوارها وميزانيتها السنوية، وسبيلهم إلى ذلك التخويف بالغيب والتأكيد المستمر على عبوديّة البشر وتوسيع الفجوة بين الله والإنسان إلى ما هو أبعد بكثير من حبل الوريد.
يعشق حضرة الداعية مفردات العبوديّة لله والتذلّل أمامه والخضوع لسلطانه والعتق من ناره، والبكاء من خشيته والتهجد في ليله، والاعتكاف في بيته طمعاً في جنته وحورياته وهرباً من ناره وعقوباته، حتى لقد يخيّل إلى المتابع المسلم، من خلال عظات ودموع هذا الوسيط، أنّ الله مجرد طاغية كبير قد قضى على الطغاة الصغار ( يهوه وزيوس وهبل واللات والعزّى … ) فقط ليجلس مكانهم على عرش الربوبيّة متمتّعاً بسلطات واسعة جداً تتيح له أن يدخل بين المرء وزوجته، وبين الإنسان وقلبه، وأن البكاء والصلاة والمذلة هم غاية المطلوب منّا خلال حياتنا القصيرة على الأرض.
يجتهد عمرو خالد في إطلاعنا على حضارات الديانات عموماً، والإسلام وتراثه العظيم خصوصاً، مشيداً بأخلاق الصحابة والتابعين وتابعي التابعين مذكّراً إيّانا بمنّة الله وفضله إذ أرسل إلينا كل هذا العدد من الأنبياء لهدف واحد هو هدايتنا إلى سواء السبيل وإنقاذنا من عذاب النار، ولولا ذلك لبقينا على سنّة أسلافنا من الجهلة والكفار والمغضوب عليهم بحسب قضاء اللوح المحفوظ. إنّه خير من يعرف أحوال فرعون ونمرود وعاد وثمود وأهوال القبور والمحشر والحساب والتفاصيل الجغرافية لجهنم والجنة والبرزخ، ولكن ما لا يعرفه هذا الداعية وأمثاله من الأمّيين أنّ القرآن آخر مراجع التاريخ، وأن البشرية لم تعبد خلال تاريخها الطويل ناراً أو شمساً أو قمراً أو صنماً أو بقرة أو شجرة بسبب خوفها منهم (وكان الأولى بها أن تعبد الديناصورات)، وكلّ ما قيل ويقال حول هذا الموضوع هو من قبيل “أقبل النور وانجاب الظلام”، وهو ذاته الشعار النسبيّ الغوغائيّ الذي ما زال يطلقه حتّى اليوم الانقلابيّون من العسكر وسواهم في العالمين العربيّ والإسلاميّ. فالإنسان، بنصّ الحديث الصحيح، قد ولد على الفطرة، والمنطقيّ أن بُعد الشقة وامتداد الزمن وتكاثر الناس ونشوء المدنيات وقيام المؤسسات حادَ به عن الطريق القويم، فلجأ -سعياً خلف الاقتصاد الذهني والاستفادة من الحواس وفراراً مما يجهل إلى ما يعرف- إلى التصوير والتمثيل والتجسيد. وهكذا لم يلبث الرب، الذي ليس كمثله شيء، أن حلّ في كيان عامل طبيعي أو صناعي أصبح هو ذاته موضوعاً للعبادة الظاهرية.
وهذا بالضبط ما يحدث اليوم، فالمسار الذي يسلكه القيّمون على إسلام القرن الحادي والعشرين لن يلبث أن يفضي إلى شرك محقّق بسبب تكثير الأرباب والمقدسات، والتجسيد عبر خلق صور ماديّة مختلفة لإلهٍ غير ماديّ أصلاً وتكفير الناس بعضهم بعضاً والدعوة إلى الإسلام بالذبح والمفخخات. والتجسيد ميل غريزيّ في الإنسان، يمكن به تفسير ظهور الأصنام والتماثيل كما يمكن تفسير انسحاب صفات حصريّة كالقدسيّة والخلود وعلم الغيب والخوارق والمعصوميّة -وهي من خصائص الله- على كثير من الأشخاص والأشياء المادّيّة الفانية التي تمشي على قدمين ويصيبها البلى.
ما نوع العبوديّة التي يطالبنا بها ربّ الأرباب الغنيّ عن كل شيء عبر وسطائه أمثال عمرو بن نفيل وعمرو بن العاص وعمرو خالد؟
لا يخفى أنّ العبوديّة من نواتج حياة العصور البدائيّة القديمة، وقد كانت حينها بديلاً جيداً للقتل والصلب بحيث يكسب المهزوم حياته لقاء عمله الأبدي المجاني في خدمة المنتصر. وقد كانت علاقة (السيد والعبد) المجتمعيّة ترجمة عمليّة لعلاقة (القوي والضعيف) البنيويّة، وبما أنّ البنية الدينيّة والتصوّر الميتافيزيقيّ عند أيّة جماعة يفرزه ويصوغه شكل البيئة التي تحيا فيها هذه الجماعة فقد قامت الديانات على علاقة عمودية بين الأضعف نسبياً (عموم البشر) والأقوى كلّيّاً (الله الواحد)، متخذةً في المجتمعات المحاربة صفات القوة والسيادة والقدرة على العقاب لغاية الترهيب، وفي المجتمعات المسالمة صفات الأبوة والرحمة والقدرة على المثوبة لغاية الترغيب.
فالعبودية لله ليست سوى صورة عن استعباد البشر لبعضهم البعض، ولكنّ عبودية السماء أسوأ بكثير لأنّها داخليّة وخارجيّة معاً، ويستحيل التخلّص من نيرها أو التملّص من مراقبتها، ولو خرقت الأرض أو بلغت الجبال طولاً، خاصّة مع وجود هذا العدد الضخم والمتفاني من منظّري العبودية ودعاتها.
وقد كانت محاولة المسيح اليائسة في تصحيح العلاقة بين الله والإنسان من (عبد/رب) إلى (ابن/أب)، عبر إعلان نفسه ابناً لله، محاولة محمودة في مجتمع زراعي مسالم كالمجتمع الفلسطيني حينها، ولكن لم يكتب لها أن تستمر للأسباب الكهنوتية ذاتها المذكورة آنفاً.
في العصر الحديث وبعد أن أقرّت جميع المدنيّات البشريّة إلغاء الرقّ، وعاقبت عليه رغم أنف جميع دعاة العبودية، يتجنّب دعاتنا وفقهاؤنا اليوم الخوض في حديث الرق والعبودية في تاريخ الإسلام رغم وجود أحاديث نبويّة صحيحة تثبت وجوده، وتقرّ بشرعيته، فتراهم خلال حديثهم عن سماحة الإسلام وانتشاره النورانيّ يذكرون تحرير أبي بكر للعبيد ودعوة عمر بن الخطاب للحرية، ويحضّون مسلمي القرن الواحد والعشرين على الاقتداء بهما في العتق وتحرير الرقاب!! كراهةً في استعباد الإنسان للإنسان باعتباره خليفة الله على الأرض ومنه الأنبياء والعلماء والصالحون. ولكن، كعادتهم في المغالطة، حين يجري الحديث عن الله تتخذ مفردة الاستعباد معنى آخر فتصبح ( سجودي في تراب المحو من أعلى المقامات ).
كان فرويد يقول بالتعويض النفسي، فالأدب والحرب تعويض عن الكبت الجنسي، والكذب تعويض عن النقص، والأحلام تعويض عن العجز … إلخ. وللكواكبي ما يشبه ذلك في طبائع الاستبداد: “يلجأ قليل العزِّ للتكبُّر، وقليل العلم للتصوُّف، وقليل الصِّدق لليمين، وقليل المال لزينة اللباس.”
وفي عصر الحريّات، هذا الذي نعيشه ونقدّسه، ألا يمكن اعتبار ذلك – عظات عمرو خالد الفضائية ودموع مشاهديه ومشاهداته – نوعاً من المازوخيّة الجمعيّة التي لم يتم إشباعها في فجر البشرية، أعني العصر العبوديّ الأول، فتراها، كنوع من التعويض الطفوليّ النكوصيّ، تترجم الحنين إلى النير والسوط والجلد والغلّ والقطع والنطع بالخشوع والخضوع والسجود والتذلّل والتمسكن والتمرغ …؟!
