تونس المشحونة…

 

يمكن لأيّ قارئ يجهل كتابة توفيق بن بريك في “ليبيراسيون” أو “لاكروا” الفرنسيتين أن يفاجئ ويعيد مراجعة عنوان الكتاب وفهرسه حتى وهو منغمس في صلبه، ذلك أنّ صاحبه يقفز بك من قصيدة إلى عمق تحليل سياسي نحو ضرب من رواية اوتوبيوغرافية تدور أحداثها في قلب تونس بين شخصيات بسيطة من فئة اللاأدريين السياسيين على نحو تستشفّ منه من حيث لا تدري مفارقات وخطوط ربط عجيبة بين تونس التي عرفها وتونس الحاضر التي لم تعد تعرف نفسها، بين السياسي والواقع اليومي، من الهامش إلى المحور. لكن سرعان ما تجسّر الهوة بين أصناف الكتابة لتدرك أن هنالك معنى متينا بين إدراك شاعر مغترب مقموع، وسياسي معارض حجّرت عليه كافة أشكال التواصل مع شعبه، وروائي يعاني من رقابة رهيبة لكي يتيسّر له إفراغ هواجسه ويبوح بما حاكته مخيلته من واقع شعبه إلى شعبه. ربما هي مدركات هؤلاء جميعا في زمن ارتفع فيه صرح الديكتاتورية بالقمع في وجوههم، فالتمس صاحبنا شيئا من هذا وذاك ليوافينا بصورة فوقية لما كنّا نعيشه، ربما من حيث لا ندري، فالرجل لمن لا يعرفه كان سجين رأي في بلده خرج من وراء القضبان في افريل الفارط بعد قضية ملفقة من النظام على غرار ما لفقته السلطات بحقه من نشر أخبار زائفة وثلب مؤسسة على خلفية كتابته مقالين في سويسرا عن الحالة المزرية للحريات في تونس.

هكذا يعيرنا بن بريك نضارته ولو القليل من الزمن لندرك أين كنا وإلى أين نذهب الآن في منطق الثورة. ذلك هو كتاب تونس المشحونة Tunisie، La charge المؤلف الخامس للكاتب الذي أقل ما يمكن أن نصفه به أنه عصارة لا مناص لأيّ قارئ تونسي من أن يتدرج سعيا لتعميق معناه بطريقة طريفة ومثيرة للضحك حينا ومتجاوزة لجميع كليشيهات الكتابة في السياسة حينا آخر.

الثورة إذن، كما يراها بن بريك، لم تكن ثورة أفراد وأقليات، بل كانت ثورة مدن وقرى ومجموعات، ولم تكن ثورة على الخبز وذات مطالب اجتماعية بقدر ما كانت ثورة سياسية بامتياز، ثورة المجموعة ضدّ الفردانية ومنطق القانون الخادم للمصلحة الخاصة والأقلية المتمعشة على زنود الأغلبية. وبن بريك هنا لم يستعمل أية إحالة على توظيفه لجهاز مفاهيمي او معجم ماركسي للحديث عن منطق صراع الطبقات، بل توغل في مجال آخر ليوضّح لنا من خلاله أنّ الثورة لا تكون مكتملة إن لم تقم بتقطيع ورقة الماضي لا طيّها، وهي أيضا لا تكون ثورة إن لم تقم كما يقول المثل الفرنسي بمسح الطاولة Table rase.

و ما من شك أن كاتبنا الذي كتب في زمن حكومة الغنوشي كان قد امتلكه ذالك القلق من تلك الحكومة، فأيقن بأن إسقاط الديكتاتور غير كاف وأن الديكتاتورية وآلياتها القائمة على التفاضلية على مستوى الجهويات، والتدليس والفبركة والانتهازية والفساد والتمعش، كانت قيما لم يكتب لها الرحيل بقدر ما كانت تعيش أزمة كان يمكن ان تكون عابرة، وأن الإدارة الفاسدة لم تصبح سوى إدارة أيتام بن علي المكونة من الولاة والمعتمدين والسفراء والقناصل والمديرين، كما أن السلطة التنفيذية والقضائية كانت لا تزال في أيدي بقايا النظام من فؤاد المبزع إلى محمد الغنوشي مرورا ببقية التشكيلة التي ساندت الديكتاتور إلى رمقه الأخير.

هكذا إذن يكتب بن بريك من زمن وعلى زمن غدت فيه كلمة الثورة مصطلحا يستمد قيمته من معاجم ثورات أمريكا اللاتينية، لكن الأمل تم إحياؤه من خلال ثورة نموذجية ليس من السهل أن يعيشها المرء مرتين، هذا إن عرفها أصلا. وهي ثورة مستقبلية بنيت أسبابها وفاض كأسها كما يرى كاتبنا من خلال لعبة افتراضية اسمها التويتر والفايس بوك، يحرك من خلالها الشباب المتمرس براهين رقمية على طغيان النظام تمام كما يفعلون وهم يحركون مقابض ألعاب الفيديو في لعبة ستار وورس ليحركوا بدورهم موازين القوى داخل لعبة خطيرة تتم أحداثها على أرض الواقع، ضد نضام استنفد جميع قوته لبناء صرح ضخم كنّا بالأمس نخشى داخل بوتقته نطق كلمة ديكتاتورية.
هذا هو إذن حسب بن بريك تعريف هذه الثورة المستقبلية التي استبدل فيها الكفاح المسلح بالكفاح الافتراضي، إلى أن ضاق السبيل بالمخلوع الفارّ بعد أن كلل الافتراضي بالحضور الجسدي الثائر داخل الشوارع والمدن والأرياف لتردد تلك الكلمة السحرية في كل الأنحاء Dégage.

هكذا انكشف أفق جديد وانزاح الحجر الضخم ليكشف عن حيوانات طفيلية تثير الاشمئزاز وتسمى بالتجمع الدستوري الديمقراطي الذي كان يمتص دم الشعب. ومع هذا الحجر المنزاح اكتشفنا عن قرب وبشكل موسع الممارسات الوحشية وزنازين التعذيب وقمع البوليس واكتشف آخرون أن التجمع الدستوري الذي فقّرهم حتى من مستوى الثقافة السياسية ليس إدارة تمثل الدولة، وليس أيضا لجنة تسهيل المأموريات الإجبارية لأصحاب -القضية- بنزع الكسرة.

وبن بريك أيضا يتمادى في وصف مقوّمات الدكتاتورية في واقعنا المعيش الذي لاحق الحقوقيين والمعارضين والصحافيين الشرفاء، فيشبه ما نسميهم بالقوادة الذين جندهم النظام بجهاز الSS في المانيا النازية فيصف طرقهم وتحركاتهم وأساليبهم ومدى تغلغلهم في كل صغيرة وكبيرة في زمن بن علي.
ويحاول كاتبنا التدرج سعيا في تعميق ما الذي كان يعنيه ترشح بن على في 2009 فكما صنع دوستويفسكي شخصياته وأخرجها من ايفان وديمتري، يصنع بن على ويخرج فلمه أمام الرأي العام الدولي عبر مسرحية تتحدث عن أشياء روائية موهومة، دستورا مفصلا على ديكتاتوريته، وبرلمانا ووزارات وإدارة وقضاء وسلطا وجمهورية وربما شقا كبيرا من معارضته.

لكن صرح الديكتاتورية أصيب بخلل واختلط عليه الأمر أمام ما يسمّيه بن بريك بالمحاربين المستقبليين Guérilla futuristes من الشباب الذي استعمل التويتر والفيس بوك والمدونين ومجموعة انونيموس من الذين قادوا حروب استنزاف رقمية ضد بؤرة الرقابة الرقمية عمار 404، بل أكملوا حروبا استباقية من خلال مجموعة انونيموس لتخريب الموقع الخاص بالحكومة وموقع بنك الزيتونة التابع لعائلة النظام. وهنا اختلط الحابل بالنابل أمام رقابة امتهنت العمل في الواقعي أكثر من الافتراضي، وأفسح المجال لانتفاضة الفيسبوكيين كما يسميها بن بريك، وفي اللحظة التي كان النظام فيها يرصد هذه الصفحات ويتعقبها ليغلقها ويعتقل أصحابها كانت عشرات الصفحات الأخرى تظهر لتكمل المسيرة وتميط اللثام عن فيديوهات للتعذيب والقمع والقتلى في المناطق الداخلية، وتشهر بالممارسات الفظيعة لحيوانات غير أليفة تسمّى بجهاز أمن الدولة والبوليس السياسي. ولعل هذا العمل لم ينته بفرار المخلوع بل امتد ليجتثّ الديكتاتورية وخلية الدود المسماة بالتجمع الدستوري الديمقراطي ورموزه.
 
 وعلى مستوى الإعلام، يوضح بن بريك الدور الذي لعبته الإمبراطورية الإعلامية المسماة بقناة الجزيرة على الرأي العام، ويوضح خلفياته على شخصية التونسي بمنطق خبير متمرس بمادة التلقي للمعلومة، ويأتي ذلك مقابل إعلام محلي كان لا يزال مرتبكا أمام زوال صرح الديكتاتورية حيث كانت الخطوط الحمراء والأضواء الخضراء محددة ومبرمجة في أذهان صناع الإعلام من مرتزقة النظام، ولم تكن الحرية يوما من قبيل الأشياء الواردة.

ورغم أنّ مقالا لا يمكن أن يستوفي كتاب “تونس المشحونة” في تفاصيله، لما يحمله من طرافة وسلاسة في الكتابة باللغة الفرنسية المعاصرة، ورغم أن الكاتب عرّج على كل شيء تقريبا في سياق الأحداث التي قادتنا إلى الثورة، ورغم التماهي الذي كنت مصابا به في علاقتي بمؤلفات بن بريك في مستوى جمالية الكتابة والأسلوب، إلا أنني كنت أحمل مراكمات من التحفظات في الآن ذاته ربما كانت تخص تفاصيل دقيقة تخص تعريف ماهية السياسي ودور المعارضة في بلد مثل تونس كنت معتدلا حين اعتبرت أنها تضم شقا كرتونيا وشقا مناضلا عانى كثيرا من الرقابة والاختراقات وعصا النظام. وربما ينسحب هذا الكلام على قبول رموز في المعارضة عرفت بصدقها ونضالاتها المستميتة والطويلة بالدخول في حكومة الإنقاذ، وهذا ليس مأخذا عليها في الظرفية التي تعيشها البلاد، وهنا يتشبث بن بريك بموقف راديكالي يمكن أن نلفيه انفعاليا، فليسا عيبا أن يسعى السياسي إلى السلطة ما دام يشتغل في إطار المشروعية واحترام الحقوق والحريات وقيم المواطنة والديمقراطية، وضمن أهداف واضحة لحزب يمكن ان ينال رضا الأغلبية مهما كان الشكل الذي ستكون عليه الدولة، كما ان الثورة وان لم تكن لها قيادات ورموز منذ البداية كباقي الثورات، فهي ستسعى عاجلا أم آجلا إلى خلق قيادات ستقوم بدور التمثيلية لصوت الشعب او فئة الأغلبية ومطالبها وتطلعاتها ومواصلة مسيرتها الثورية، ذلك أن إعادة الهيكلة الشاملة التي تعيشها بلادنا لن تسمح بأي وجه من الأوجه قيام قيادات خارج المشروعية وخارج إطار الحريات التوافقية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This