جمعيّة للدّفاع عن وزارة الدفاع، لم لا؟
لنا في تونس أكثر من سبعة آلاف أو ثمانية آلاف جمعية ومنظمة أهلية غير حكومية، وفق ما يرد في البيانات والتقارير والإحصائيات الرسمية وشبه الرسمية. ما هو معروف من هذه الثمانية آلاف، مثلا، لا يتعدّى في أفضل الأحوال أصابع اليدين الاثنتين لأصحاب الشأن والمتضلعين، فما البال بغيرهم، وتلك مصادرة منّي لا يمكنني البرهنة عليها.
المصادرة لا تخصّ تعداد الجمعيات ولكنها تخصّ العارفين بالجمعيات، فيما يخصني كتونسي “عتيد”، غير مختصّ، أتابع الشأن الوطني ما تيسّر لي ذلك، أمتحن نفسي بسؤالها عن الجمعيات التي أعرفها عدا الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وجمعية الصحافيين التونسيين، كجمعية أو ودادية؟ وجمعية الدفاع عن المستهلك، وجمعية النساء الديمقراطيات، وجمعية المحامين الشبّان، واتحاد الكتاب التونسيين، والاتحاد العام التونسي للشغل، واتحاد المحامين، وجمعية القضاة… هذه الجمعيات والقليل غيرها هي الأشهر في البلاد، وأحيانا خارج البلاد، والأكثر حضورا إعلاميا وفاعلية واهتماما.
ولمزيد التفوّق على ثقافتي أسمّي مثلا جمعية الصم والبكم وجمعية الهلال الأحمر التونسي وجمعية أحبّاء الترجي الرياضي التونسي، وألوذ مباشرة بغوغل الأكثر معرفة بالوطن منّي، فيعلمني من خلال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بما يلي أساسا:
“منذ أن تسلم الرئيس زين العابدين بن علي السلطة في سنة 1987 تضاعف عدد المنظمات غير الحكومية أكثر من ثلاث مرات فارتفع من 1976 منظمة إلى 7321 منظمة وجمعية أهلية. وتنشط هذه المنظمات والجمعيات في مجالات عديدة، بدءا من الرياضة والأنشطة العلمية إلى الرعاية الاجتماعية والنشاطات النسائية، وانتهاء بالنشاطات الفنية والثقافية التي تحتل أكبر حيّز في عمل الجمعيات والمنظمات غير الحكومية. وتنتشر هذه الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في كافة أرجاء البلاد. وتنشط في المحافظات الخمس في أقصى الجنوب التونسي، وهي محافظات قابس وقبيلي (قبلي) ومدانين (مدنين) وتطوان (تطاوين) -ما بين قوسين هو من عمل الكاتب لتصحيح الأسماء- وتوزر حيث تنشط 729 جمعية ومنظمة أهلية، بينما تنشط في العاصمة تونس ذات الكثافة السكانية العالية 1391 جمعية ومنظمة أهلية. ويمنع القانون المنظمات غير الحكومية من ممارسة النشاط السياسي، ويفرض عليها أن تحصل على ترخيص من وزارة الداخلية. وتمتلك هذه الوزارة حرية التصرف إزاء طلبات الترخيص لأنها تشترط على مؤسسي كل جمعية أهلية تقديم ميثاقها ولوائحها الداخلية لكي تحصل على إفادة باستلام طلبها. ويضفي استلام الإفادة أو العلم والخبر من الوزارة شرعية على الجمعية أو المنظمة المعنية. أما الاجتماعات العامة التي تعقدها المنظمات غير الحكومية فتحتاج إلى طلب الحصول على إذن مسبق من وزارة الداخلية”.
ويبدو أن هذه فقرة من تقرير قديم نسبيا، لأن جمعياتنا الأهلية تطورت أرقامها لتتجاوز الثمانية آلاف. بل أن الوعي السياسي بخصوص دور وفاعلية الجمعيات الأهلية غير الحكومية، تطوّر هو الآخر إلى درجة جعلت السيد الوزير مستشار الرئيس بالقصر الجمهوري بقرطاج القانوني الكبير عبد العزيز بن ضياء يدعو أكثر من مرة وفي أكثر من اجتماع شعبي وحزبي، في السنوات الأخيرة، المناضلين التجمعيين والموالين للتجمع، الذي هو الحزب الحاكم، إلى الوعي بخطورة الجمعيات الأهلية والمبادرة بتأسيسها والانخراط فيها وفي الموجود منها، وتفعيلها وتسجيل الحضور الوازن بين أعضائها وهيئاتها المديرة، بعدما صارت تلك الجمعيات في المجتمعات المتقدمة صاحبة نفوذ كبير في مجتمعاتها وتأثير متزايد عالميا في صياغة المواقف المحددة للكثير من السياسات والاختيارات.
ما دعاني للتعرّض، لا التعريض، لمسألة الجمعيات وأهميتها الفائقة في المجتمعات، وخصوصا في مجتمع له تجربة فريدة جعل يسمّيها، التجربة، كلما سنحت الفرصة بالمثال التونسي، وأنا لست ضدّ ذلك، فالبلاد التونسية خاضت، منذ استقلالها تجربة حداثية استثنائية لا شبيه لها في محيطها العربي والإسلامي، وليس هذا مقام تفصيل القول فيها.
ما دعاني للجمعيات، هو التقاء إرادات بعض الفاعلين في المشهد السياسي والثقافي التونسي لتأسيس جمعية للدفاع عن اللائكية، اللائكية بالتعبير التونسي المشتق من الترجمة الفرنسية لكلمةlaïcité » « الذي يماثل العلمانية، عند أهل المشرق من العرب، المشتق من الأنجليزية. لائكية أو علمانية ليس هذا الذي يهمّنا، وإن كان المعنى واحدا موحّدا رغم اختلاف التجارب الأوروبية والأميركية: فصل الدين عن الدولة، وللاستزادة من هذا الموضوع يمكن مراجعة الكثير من الكتب، والأسهل والأسرع مراجعة بعض المواقع عند كتابة كلمة اللائكية أو العلمانية باللغة العربية على غوغل مثلا.
منذ البداية أعلن أنني مع الحق في تكوين الجمعيات، كل أنواع الجمعيات، مهما تنوّعت اهتماماتها واختصاصاتها وحقول تدخلها، وخصوصا جمعية الدفاع عن اللائكية، بل الأخص جمعية للدفاع عن الشيطان، وثمة في هذا الكون عبدة الشيطان، التقيت في أواخر سنة 1990 عائلة منهم في العراق، ويسمّون اليزيديين، أو الأزديين. وبلغنا، مثلما بلغ القوم منّا أن في تونس صار لنا عبدة للشيطان، ها نحن نتقدم باستمرار رغم كيد الكائدين! وقبلنا في ذلك كانت مصر، على سبيل المثال. الشيطان، الذي هو أول من قال “لا” في التاريخ. أول معارض في التاريخ، قال “لا” للإله، إلهه، ورفض السجود لآدم. خلقتني من النار وخلقته من طين. وكان من عظمة الإله أن نذره إلى يوم الدين، ولم ينكّل به ولم يقتله ولم يبده ولم يمح وجوده. لعنه، نعم، وتوعّده بسوء العاقبة، ولكن الإله في القرآن وفي الكتب السماوية الأخرى، خصوصا في القرآن، ما كان انتقاميا ولا كان قِصاصيا مباشرا من عباده، بل كان اقتصاديا في العنف والتهديد بالعنف، حين يؤجّله إلى يوم الحساب، الذي لا يمكن أن يكون في الدنيا، وإنما في الآخرة. والآخرة كان علمها دائما عند ربّك، لمن كان له ربّ غير أرضي.
لمزيد التحديد فإن إله الإسلام الذي يخصّنا كان يدعو للقصاص قانونيا واجتماعيا، حين يكون الاجتماع متفقا عليه من قبل إرادات متباينة، عادلا وخاضعا لمفاهيم مشتركة بين المجتمعين، على الأقل حول الجريمة، أو ما يُسمّى جريمة. لكن لم يكن الإله أبدا هو من يقوم بالقصاص، والدليل على ذلك أن عتاة المجرمين يتنعّم الكثير منهم في النعيم الدنيوي ويفتخرون ويتفاخرون، وهو أعلم بشأنهم في الآخرة، إذا كان ثمة آخرة، أسأل، وذلك من حقّي، ولست أنفي!
الإله اختصّ بالرحمة لا بالعذاب. له كثير من الوعود بالرحمة والكثير من الوعيد بالعذاب. وما بين وعوده ووعيده يتصرّف الإنسان، وفق كفره وإيمانه ومعارفه وتقديراته.
تونس كانت سبّاقة، وهذه حقيقة التاريخ، في إنشاء الجمعيات والمنظمات والاتحادات، في قارتها الإفريقية، وفي سياقها العربي والمسلم. لنذكر أن أوّل منظمة لاتحاد العمّال كانت تونسية، وأوّل رابطة لحقوق الإنسان كانت تونسية، وأوّل معهد عربي لحقوق الإنسان كان في تونس، هذا ما هو متّفق عليه محليا وإقليما ودوليا، فضلا على أن تونس هي أول بلد اعتمد دستورها في محيطها وأول بلد ألغى الرق منذ القرن 19، قبل أميركا، ربّما! ولست هنا بصدد المرافعة على الشأن التونسي الذي يقترح علينا منظمة جديدة تثير الكثير من اللغط بين المناهضين والمناصرين، هي منظمة الدفاع عن اللائكية.
ليتها كانت منظمة للدفاع عن الكفّار، عن الملحدين، عن غير المؤمنين، عن اللاأدريين، عن التوانسة غير المتفقين مع التوانسة ومع جمهورية التوانسة. عن التوانسة الذي شاء حظّهم التونسي أن يكونوا واصلين وأذكياء ومهمّين ولهم علاقات معرفية مع نخب الدنيا كلّها. هؤلاء جميعا لهم حقوق أيضا، بما في ذلك الحق في تكوين وتأسيس الجمعيات.
أقترب الآن لكي أنهي، بكثير من معنويات الدعابة والمزاح، فالدعابة والمزاح هي أخصّ خصائص المقبلين على الحياة. المتزمتون القانطون لا يفذلكون ولا يمزحون، وحتّى إن حدث ذلك صدفة فهي فذلكة ومزاح جادّين لا أسارير فيها ولا أسرّة.
اتصلت بي السيدة زينت فرحات، مديرة فضاء المشتل الثقافي المسرحي، وزوجة المسرحي الكبير توفيق الجبالي وأخت مدير مهرجان قرطاج لهذا الصيف رجاء فرحات وأخت الموسيقي أسامة فرحات في كل شتاء وصيف. كان اتصالها الهاتفي وأنا أنام، ويعلم الله في أي وقت يلمّ بي الكرى، أينك يا كرى؟
أعلمتني بشأن جمعية الدفاع عن اللائكيين وعن مؤسسيها والمنخرطين، وأثنت على العديد منهم. أعلمتها أنني أعلم. طلبت منّي الانخراط في الجمعية. كان النوم الممتنع ما زال متشبثا بما تبقى منّي. قلت لها سأفكر؟ قالت ستفكّر؟ إذن، هل أنت مع الدولة الدينية. انتفضت وركلت النوم. قلت لا أبدا. إلاّ الدولة الدينية! أفضّل مليون مرّة الدولة التونسية الحالية على أي دولة ذات مسوح دين، أي دين، مهما كان ذلك الدّين!
يكفينا ما نعانيه من ديون. نزيد على ذلك دينا للمتديّنين. حسبنا الله ونعم الوكيل!
انتهت المكالمة تقريبا، وبقي موضوع انخراطي المقترح مؤجلا، إنما المشكلة أن ذلك النوم المتمنّع الممتنع غادرني نهائيا، رغم تحيّلاتي وما وفّرته له من وسائد، وتقلبات على هذا الجانب وعلى الجانب الآخر، ثم بطنا ثم ظهرا. راح النوم وأبقى لي في صداع الرأس طنين جمعية الدفاع عن اللائكية. لعنة الله على اللائكية وعلى اللائكيين وعلى جميع المدافعين والمندفعين والمدفعيين وكل أنواع الأسلحة والتهورات.
ما شأني أنا والدفاع؟ حتى واجب الجندية التونسي لم أمرّ به، لأسباب عديدة ليس مجالها الآن.
في أرقي بعد هروب النوم الجبان فكّرت، لم أفكّر، بل ذهني الذي لم يأخذ كفايته من النوم يتساءل متشوشا:
لماذا نحن التقدميين والتأخريّين حين نفكّر في العمل لا يحضر في أذهاننا سوى الدفاع؟
لماذا لا نفكّر أبدا في الهجوم على مستوى الأفعال؟ ما هذا النكوص الدائم الذي يلازم حياتنا، حتّى في اللغة والتسميات؟
وفي تلك الحالة من فراق النوم بانت لي مفارقات عديدة: جمعية للدفاع عن اللائكية تسعى في تعبيرها النهائي إلى فصل الدين عن الدولة في تونس. هل هذا ممكن؟ أليس هذا يتطلّب منا استيراد دولة أو استيراد دين؟ كم سيكلفنا مثل هذا الاستيراد الثمين وغير المسبوق؟ إذن أمامنا حلّ عبقري ولا يكلّف الكثير، بما أن البحر يطوّق تونس من جهاتها الثلاث، سنرمي بالشعب التونسي إلى البحر ليعود لنا سمكا بلا ذاكرة. هذا ممكن بطبيعة الحال. رغم أنه حلّ شديد الجذرية والسوء.
لنترك العروض القصوى والحلول القصووية. في تونس ناضل المناضلون منذ أواخر السبعينات من أجل فصل الحزب الحاكم عن الدولة، وباء نضالهم بالفشل، إلى حدّ الآن، ولا مصادرة لي على المستقبل. أحيي نضالهم ولا أرغب في إحباط أي نضال قادم مهما كان نوعه وقضيته.
موجات نضالية وراء موجات لم تنجح في جعل التمييز ممكنا بين الولاء لعقيدة أو مصلحة ما، وبين الدولة كمؤسسة فوق العقائد والمصالح، رغم ما فيها من عقائد ومصالح، وأدرك أن العقائد المعروضة والمصالح الخفية والمعلنة، كانت من الشراهة والتهافت والغفلة بحيث لا يمكنها أن تصمد قدّام أي شعبة من شعب الحزب الحاكم الذي هو دولة، قبل وجود الدولة. ويأتي من يقول لي هات ندافع عن اللائكية، عن فصل الدّين عن الدولة. أفهم ذلك لو كنّا في مزاد علني لبيع أو لشراء شيء من الأشياء، إنما هذه الأمور لا يلزمها سفيه مثلي، لا تُقبل شهادته، وهو من المدافعين عن السفاهة والسفهاء، بلا ما لا يقارن أبدا بالعبيد ولا النساء، جمعية السفهاء هي مما لا يخطر على بال النضال، في هذه الربوع ببحورها وسفوحها وهضابها والجبال.
لو كانت جمعية للفصل بين الإخوانجية والدّين، بين الدّين والمتديّنيين. بين المتديّنيين والأديان. بين الأديان وربّ الأديان. بين ربّ الأديان وشؤون الإنسان. لفكّرت حينها في النضال وفي الانتماء.
لو كانت جمعية للفصل بين الفكر التقدمي والتقدميين بمختلف تسمياتهم وجبهاتهم، للفصل بين الفكر والتقدم، والتقدم والفكر، بين الكسوة، أو الزي، بين من يلبس الكسوة ويتزيّى بالزي. عسكريا كان أو مدنيا.
هذه الجمعيات التي دافعت والتي ترغب في الدفاع، أليست في العمق من شخصياتها البارزة تهجس بما هو عسكري، بالرتب العسكرية، مثل مارشال في الدفاع عن حقوق الإنسان، وعقيد في الدفاع عن حقوق المستهلك، ولواء في الدفاع عن حقوق العمال، ورئيس كتيبة حربية لاتحاد الكتاب أو الصحفيين أو… الخ. حروب وألقاب حروب حيث لا حرب ولا حروب، حيث لا كرّ ولا فرّ. حيث الدفاع ثم الدفاع ثم الدفاع المعلن الذي له الكثير من المؤسسات، ومع ذلك لا تصادفنا ولا جهة تدّعي الهجوم أو تدعو إلى الهجوم، بصريح التسمية والقول.
أتساءل، والنوم يمتنع عنّي، عن الذين يخلطون الدّين بالسياسية، وهذا أمر بديهي ومعروف. لكن ماذا عن الذين يخلطون الفكر بالأيديولوجية، والأيديولوجية بالسياسية، والسياسة بعدم الكياسة، والكياسة بالتعاسة؟
أنهض أخيرا من الفراش بعد يقيني أن النوم لن يتسلّمني مرة أخرى. قبل الاغتسال فكّرت هذه المرة في جمعية الدفاع عن اللائكية، التي تصنّف نفسها على أنها جمعية ثقافية. تساءلت هل من الممكن أن تقترح علينا مثلا شعرا لائكيا وقصة لائكية ورواية علمانية وفن تشكيلي لائكي ومسرحا يمسرح لنا الدراما الكبيرة أو الكوميديا بين إمرأة لائكية تزوجت رجلا علمانيا وأنجبت طفلا متعولما، وكانت جارتهم من التجمع الدستوري الديمقراطي، فدعت الطفل إلى شقتها، أغوته بسلطة خبيرة، وجعلته تجمعيا يعرف كيف يجري مختلف الحسابات من جمع وقسمة وطرح، بمعنى أنها علّمته كيف يجمع بكفاءة بين اللائكية والعلمانية والتخونج والتتونس، فيعيد إحكام وصل ما انفصل، إذا توهّمنا أن الفصل ممكن.
جمعية لائكية ثقافية تنتقل بنا من عصر ثقافة المقترحات الإبداعية بتنوّعاتها ورؤاها وأساليبها غير المحدودة إلى الثقافة اللائكية. وربما هكذا تتحوّل جمعية الدفاع إلى ثكنة صغيرة لتخريج جنود اللائكية، ولا تبلغ بنا الوقاحة لنقول جيوشها! أعرف أن الذكاء التونسي بلا حدود، وخصوصا حين يأتي من رموز المناضلين التقدميين الذين لا يشقّ لهم غبار، لأن الكثير منهم لا غبار له للأسف.
مادامت الكثير من الجمعيات تنوي الدفاع حسب تسمياتها، لماذا لا تُدرج في وزارة الدفاع، فهي الوزارة المختصة حسب تسميتها التي تلزمها المسؤولية القيام بشؤون الدفاع في بلاد مثل تونس ليس لها حروب داخلية ولا خارجية. فوزارة دفاعنا هي المخوّلة، إذن، للدفاع عن كل شأن وطني يهتم به المدافعون، والمتطوّعون والمجنّدون لكل دفاع. كل منظمة تنسب لنفسها الدفاع عليها أن تنتسب لوزارة الدفاع حسب إجراءات وزارة الدفاع. هذا حلّ يريح مختلف مكونات المجتمع المدني، كما يريح الدولة.
أم ينبغي إنشاء جمعية كبرى مهمتها الدفاع عن مهام وزارة الدفاع، لكي يستقيم المنطق لغة ونضالا ومجتمعا.
أم على جمعيات الدفاع تبديل مهماتها من الدفاع إلى أي تسمية أخرى تفي بالغرض وتخرج بنا من هذه التكرارية اللغوية المتحجّرة. مثلا جمعية الانشراح اللائكي، أو سيادة اللائكية، أو اللائكية تقوّي لك الشهرية (المرتب)… إلخ.
ثم أليست العناية بشأن اللائكية عليه أن يكون ضمن برامج الأحزاب السياسية، فلماذا يستنكف المثقفون والمدافعون عن الانخراط في الأحزاب وخوض العمل الحزبي السياسي الميداني لتحويل برامجهم وأفكارهم إلى منجزات في الواقع. أم أن داء ثقافتنا ومثقفينا هو القعود والتقاعس وتفضيل أسهل السبيل وأقصرها، حتّى ولو تم ذلك على حساب الخلط بين السياسة والثقافة والأيديولوجية.
حين اغتسلت بماء يجري باستمرار في حنفيات تونس، الحنفية كتسمية وكوجود هي من المذهب الحنفي النظيف، وهو مذهب إسلامي فيه الكثير من المرونة والدعة، اعتراني الفواق، وألهمني الماء أن لا شيء يعادل وصول الماء لكي يسقي أفكار كل أهل الجمعيات ما وجد منها وما يرغب في الوجود، شرط أن يظل الماء متدفقا في الحنفيات وفي غير الحنفيات، شأنه هذه الأيام، رغم بعض ملاحظاتنا. في النهاية أنا مع الماء، مع كل تجمع أو جمعية، يعمل، تعمل، على أن يصل الماء لكل الناس حتّى للسفهاء منهم وللمتروكين وللأشقياء، فما بالك بدعاة الفصل أو الوصل. أبقى الله أوصال البلاد سليمة معافاة غير ممزّقة ولا مخدوشة.
