جورج عدّة : مناضل من أجل المواطنة والعلمانيّة
غيّب الموت ليلة الأحد 28 – 9 – 2008 جورج عدّة عن سنّ 92 عاما. وفقدت الذاكرة التونسيّة والعربية عموما، برحيله إثر سكتة قلبيّة، رمزا كبيرا للتعايش والتسامح والتعدّد ومناضلا بلا هوادة أثناء حركة التحرير الوطنيّ وبعد الاستقلال في صفوف المعارضة الوطنيّة من أجل بناء الديمقراطيّة والتقدّم والحداثة.
وعُرِف الفقيد الكبير الذي رفض أنْ يكون من ” أهل الذمّة ” أو من ” الأقلّيات ” باعتباره من أسرة يهوديّة، ورفض أنْ يُحشر في ” قدره ” اليهوديّ بدفاعه المستمرّ عن قيم العلمانية والمواطنة والمساواة والديمقراطيّة، وبمواقفه الشجاعة في مساندة الشعب الفلسطينيّ وقضيّته العادلة، واختار أنْ يقدّم نفسه كمواطن تونسيّ معاد للصهيونيّة فناضل في صفوف الحزب الشيوعيّ التونسيّ وفي صلب الاتّحاد العامّ التونسيّ للشغل. وحاز بتجربته الغنيّة والمشحونة بحسّ إنسانيّ عال في كافّة الأطر والسياقات التي نشط فيها الإعجاب والتقدير ممّا أهّله ليكون محلّ إجماع أغلب الأطياف السياسيّة والنقابيّة والحقوقيّة في تونس.
وُلِد جورج عدّة في الثاني والعشرين من سبتمبر سنة 1916 في تونس العاصمة. وانخرط في الحزب الشيوعيّ سنة 1934 . وبعدما تمّ إيقاف قادة الحزبيْن الدستوريّ والشيوعيّ واصل المقاومة السرّية حتّى أوقف بدوره في سبتمبر 1935 ليُسرّح بعد عام ويُنتخب كاتبا عامّا مساعدا للحزب الشيوعيّ التونسي مكلّفا بالشبيبة الشيوعيّة. وُضِع، في أفريل سنة 1940 ، تحت الإقامة الجبريّة في زغوان ثمّ في باجة إلى حدود 1943 حيث التحق بالجزائر. ثمّ عاد إلى تونس ليقع إبعاده مع القادة الدستوريّين والشيوعيّين إلى الجنوب التونسيّ ويُطلق سراحه سنة 1955.
بعد الاستقلال واصل جورج عدّة نشاطه السياسيّ ولكن دون علاقة تنظيميّة رسميّة مباشرة بالحزب الشيوعيّ، وكان دائم الحضور في المناسبات الحرجة والمهمّة التي مرّت بها تونس مساهما قويّا عبر النشاط الميداني وعبر المقالات الصحافيّة في الحركة الديمقراطيّة والنقابيّة. على أنّ أهمّ ما ميّز حياة هذا الرجل الاستثنائيّ شيئان: نضاله إلى الرمق الأخير لبناء الديمقراطية والتقدّم والحداثة في تونس ومساندته المطلقة وغير المشروطة للقضيّة الفلسطينيّة.
وللمساهمة في بناء ثقافة عربيّة جديدة مفتوحة على تعدّد الهويات والتجارب، وللاعتبار بتجربة هذا الرجل الاستثنائيّ، سينشر ” الأوان ” قريبا جدّا نصّ المداخلة التي كان الفقيد يعتزم المشاركة بها في مؤتمر دوليّ في بيروت للتضامن مع حقّ الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير ( ماي 2006 ) كان قد تأجّل لموعد غير محدّد، وبقي نصّ المداخلة يحتمل راهنيّته الأكيدة ويعكس صورة جورج عدّة الرجل الذي مات وهو يحلم، إلى حدّ اليوتوبيا، بالسلم والأمن والحرّية والعدل في منطقة الشرق الأوسط والعالم.
