حبيبي أتاتورك، أنا خائف منك – بانو أوزبدر
ألم نشعر جميعاً، في طفولتنا، بشيء من الغرابة في أتاتورك؟ ماذا كان أتاتورك بالضبط، بالنسبة لنا؟ أكان شيئاً كالله؟ الشخص الذي كان يدعى بـ”القائد العظيم” في الخطابات التي جعلونا نلقيها، هل كان شخصاً حقيقياً؟ كان خالداً، لكننا لا نراه. كانت لدينا معلومة مفادها أنه يراقبنا باستمرار؛ لكنه، من جهة أخرى، كان ينظر إلينا بقسوة، من صورته التي تعلو السبورة السوداء. ولكن هل كنا نشعر نحوه بالحب؟ من المحتمل أننا لم نكن نعرف تماماً. كذلك من الممكن ألا يفسر شعورنا نحوه بـ”الحب” تماماً.
الباحثة إسراء ألماس من جامعة بيلغي، تساءلت عن مشاعر أطفال الجمهورية نحو مصطفى كمال أتاتورك، ونشرت نتائج بحثها مؤخراً في كتاب حمل العنوان: “أتاتوركي الحبيب”. وما أحسن ما فعلت. فهذا الموضوع لم يثر فضول أي سوسيولوجي في تركيا إلى اليوم.
المادة الأساسية للبحث تشكلت من أسئلة طرحت على ستين تلميذاً، منها مثلاً:
–برأيك أي شخص هو أتاتورك؟
–ما هي الصفة الأبرز التي تعرّف أتاتورك بها؟
–لو كان أتاتورك اليوم على قيد الحياة، هل كانت حياتنا ستختلف عما هي عليه؟
كذلك استفادت الباحثة من رسائل التلاميذ الموجّهة إلى أتاتورك، في الفعاليات التي تنظمها المدارس والبلديات. إليكم هذه الرسالة على سبيل المثال: “أفكر أنه لو كان أتاتورك على قيد الحياة لما كان لدينا أرمن، هؤلاء الذين يريدون تقسيم وطننا. في كل فرصة أعبر عن مدى حبي له، لكني أشعر نحوه بالاحترام (….) قرأت قبل فترة في إحدى الجرائد أن الأرمن ينطوون على حقد كبير نحو أتاتورك. كان أتاتورك هو الإنسان الذي قدم خدمات جميلة لهذا الوطن. هو لم يعجب الأرمن”.
المخلّص، والشخص الذي ندين له
تنتهي الرسالة بعبارة “لك احترامي يا جدي العظيم”، ومن الواضح أن كاتبها طفل ذو عقل يقيني إلى حد كبير، وقد أعطتنا فكرة كافية عما يمكن أن يترافق مع الصورة الذهنية عن أتاتورك. ليست جميع الرسائل، بالطبع، “سياسية” إلى هذا الحد. لدينا هذا التلميذ الذي يكاد يمارس براغماتية ساخرة، فقد كتب قائلاً: “أتاتوركي الحبيب. كيفك، هل أنت بخير؟ أنا في الصف الثاني، أذاكر دروسي. كان بودي أن أكون معك. أريدك أن تساعدني في دروسي. كان من شأنك أن تهديني إلى طريق النجاح. يقال بأنك جيد جداً في الرياضيات”. وثمة رسائل تبدو وكأنها تدفع بالفكرة المجازية القائلة بأن أتاتورك لم يمت، إلى أقصاها: “يا روحي أتاتورك. عندما التقيت بكم وجهاً لوجه، سألتموني عن رغباتي. وسأحاول أن أعبر عنها برسالة. أريد قبل كل شيء أزهاراً، أزهاراً لكل الناس تريهم كل ألوان العالم…”
تخبرنا إسراء ألماس أن حب أتاتورك، الذي يحتاجه أطفال الجمهورية، يظهر في مضمون جميع المواد الدراسية تقريباً. على سبيل المثال، تم تحديد الأهداف العامة لمادة علم الحياة في ثلاثة عشر هدفاً، ثلاثة منها تتعلق بأتاتورك: “معرفة أتاتورك؛ معرفة ما فعله أتاتورك من أجل الأمة التركية؛ حب واحترام أتاتورك”. أما في مادة اللغة التركية، فيتم تعريف أتاتورك، بوصفه “النموذج الأعظم للفضيلة في تاريخ البشرية”.
أما نتائج استطلاع الرأي الذي طبق على الأطفال، فهي لافتة ومؤثرة. إليكم النسب المئوية عن نتائج إجابات الأطفال على السؤال المتعلق بتعريف أتاتورك: 85% أجابوا: “إنه الشخص الذي ندين له”؛ 33.3% أجابوا أنه “المنقذ”؛ و30% أجابوا أنه “الشمس والنور”. إنه أمر ذو مغزى أن الكتاب توقف ملياً عند فكرة “الشعور بالمديونية”. لنقرأ ما كتبته إسراء ألماس بهذا الصدد: “يشكل الديْن التزاماً على المرء أن يفي به، تحت طائلة تلقي ردة فعل المجتمع، إدانة أو تعييراً أو نبذاً. وفي هذه الحالة سيجد الشخص الذي لم يف بالتزامه، نفسه غارقاً في الشعور بالعار أو بالإثم. وبالتالي، ليس من قبيل المصادفة أن الأطفال يستخدمون كلمة الدين بصورة شائعة. على العكس، تذكّر كلمة الدين الطفل بسبب وجوده في المدرسة من جهة، ويحمّله، من جهة أخرى، مسؤولية فيما يخص المستقبل”.
وثمة موضوع يكثر الأطفال الذين شاركوا في الاستطلاع، من التحدث فيه، ألا وهو نجاح أتاتورك الباهر في دروسه، وخاصةً في الرياضيات. ففي رأيهم أن أتاتورك، بتفوقه الدراسي هذا، هو شخص استثنائي. واحدة من أكثر العبارات تواتراً على ألسنة الأطفال، تقول: “كان من الواضح، منذ أن كان طفلاً، أنه سيصبح شخصية عظيمة”. أما فكرة أنه تفوّق أكثر ما تفوّق في الرياضيات، هذه الفكرة المحفورة في الأذهان، فهي تكشف لنا كيف يعمل النظام التراتبي للدروس، المنطلق من هذه المادة العويصة.
يوافق الأطفال المشتركون في الاستطلاع، بنسبة 93.3%، على أن حياتنا كانت ستختلف كثيراً جداً، لو ظل أتاتورك على قيد الحياة. ويعتقد 66% منهم اعتقاداً جازماً، بأن “تركيا كانت انضمت إلى عضوية الاتحاد الأوروبي”؛ و62.5% منهم بأنها “كانت أصبحت دولة حديثة”؛ 55% منهم بأنه “ما كان بقي فيها نساء يرتدين الملاءة”، لو ظل أتاتورك على قيد الحياة. ولكن يبدو أنهم على دراية بأنه لا يمكن فعل شيء حيال أمور أخرى. فثمة 7.1% منهم تعتقد أن “أردوغان ما كان له أن يصبح رئيساً للوزراء” (دائماً لو ظل أتاتورك على قيد الحياة)؛ وتعتقد نسبة مطابقة بأن “حزب العمال الكردستاني، ما كان له أن يوجد”؛ وتعتقد نسبة 1.7% منهم أن “الحرب الأميركية – العراقية، ما كان لها أن تقع”.
هل الأطفال محبوبون فعلاً في هذا البلد؟
تلفت إسراء ألماس، في تحليلها لنتائج البحث، إلى أن أتاتورك يظهر، في نصوص الأطفال، كما لو كان كائناً فوق بشري، ونقطة انطلاق: “كما يبدأ التقويم الميلادي بمولد المسيح؛ كذلك تشير نصوص الأطفال إلى أن الزمن في تركيا قد بدأ مع مولد أتاتورك. فالأطفال، يعدون ما قبل ذلك عدماً، وهو في وعيهم، على كل حال، زمن سيء ومظلم وبلا معنى”.
علينا أن نضيف الفكرة الهامة التالية: ألا يواجهنا أتاتورك، في المدارس، كعلماني وكقيمة روحية في الوقت نفسه؟ فنحن نتحدث إليه، ونفكر بأنه ينظر إلينا، من صورته المؤطرة، بقسوة، فنخاف منه. مهما فعلنا، نعجز عن أنسنته. أي أننا نترك أطفالنا وجهاً لوجه مع تقديس من نوع آخر. وتنعكس قدسية أتاتورك في كل شيء أو مكان يتضمنان اسمه. الجمعيات التي تحمل اسمه، والحزب الذي قام بتأسيسه، المؤسسة العسكرية التي كان منها، وغيرها، تتلفع جميعاً بقدسية جديرة بالأديان. وهكذا، ليس ما يمنع أيضاً من تحوّل أتاتورك إلى رمز للحكم السلطوي، ما دام محاطاً بمؤسسات محصنة ضد المساءلة.
تخبرنا إسراء ألماس في كتابها، أن عدداً من التلاميذ قد سألوها، أثناء مشاركتهم في الاستطلاع، ما إذا كانت إجاباتهم الصريحة ستشكل لهم مصدراً للمشكلات. فقد خشي عدد منهم من مداهمة المدرسة من قبل الشرطة، فيما لو تحدثوا مثلاً عن شرب أتاتورك للخمور، أو عبروا عن أي نقد؛ وهي خشية لا تفتقر إلى أسباب وجيهة. المثال الذي ذكره الكاتب القصصي راسم أوزدن أورن، يعطينا فكرة وافية عما يمكن لكلام غير منضبط عن أتاتورك أن يتسبب به لأطفال الجمهورية: عرف طلاب الثانوية في مرعش، في العام الدراسي 1956 – 1957، على أثر مداهمة مفاجئة من المدير، أن أحد زملائهم قد كتب شيئاً يتعلق بأحد القادة الأتراك الراحلين، خلف باب دورة المياه. أرغم المدير جميع التلاميذ على كتابة العبارة ذاتها بخط يدهم، ثم أرسل النماذج إلى المخبر الجنائي، وتم تقديم التلاميذ إلى محكمة الجنايات. التلميذ الذي أدين، بنتيجة المحاكمة، أرغم على مغادرة، لا المدرسة وحسب، بل مدينة مرعش.
يقول كرشاد بومين، في تقديمه للكتاب، إن الجمهورية تحب الأطفال كثيراً، لكنه يضيف قائلاً: “علينا ألا نفهم من حب الجمهورية للأطفال، حب المزاج الطفولي، كما هو شائع لدينا. ذلك لأن الجمهورية تحب النضج أكثر، ويسحرها العقل، ولا تستسيغ الكلام المؤثر الخالي من المعنى والجدوى”.
وفي الواقع، أليست العلاقة التي أقامتها الجمهورية مع الأطفال والطفولة، كئيبة نوعاً ما، حيث يتم تذكيرهم يومياً بوجوب وضع هذه الفكرة أو تلك “قرطاً في آذانهم”؟ مثلاً، من يستطيع إقناعنا بأن الجمهورية تحب الأطفال الكسالى؟ ألا يعرف أطفال الجمهورية أن هذه لا تعير اهتماماً للأطفال المحرومين من الأبوين، على الرغم من إنكار ذلك؟
