حقوق الإنسان بين الوضع الدولي والمسؤولية الدولية
حقوق الإنسان والوضع الدولي
لحقوق الإنسان علاقة ذات وجهين بالوضع الدولي، فالصيغة المطروحة الآن للحديث عنها نتاج لتطوّرات الوضع الدولي من جهة أولى، ولكنّ الإشكالات المطروحة على التنفيذ التامّ لها تؤثّر على ذلك الوضع نفسه من جهة أخرى. وهذان الوجهان للمسألة مترابطان يساعد كلّ منهما في تفسير الآخر وفهمه.
نقصد بالوضع الدوليّ الصورة العامّة التي يبدو عليها العالم في زمننا، بما في ذلك وحدة العالم المعاصر وتشتّته، ثمّ العلاقات بين الدول والجهات المختلفة من العالم بما تتضمّنه من أشكال التعاون والصراع وإرادة الهيمنة، وبما تشمله أيضا من مظاهر اختراق حقوق الإنسان في الأشكال المختلفة للعلاقات بين الدول وبين الحضارات المتباينة.
نقصد بالوضع الدوليّ في حالة دراستنا هذه ما يكون في العالم المعاصر ملائما لحقوق الإنسان وكرامته، ولكن أيضا ما يكون في ذلك العالم نفسه متنافيا مع حفظ الحقوق والكرامة للإنسان فردا وشعوبا.
غايتنا دراسة التأثير المتبادل بين التقدّم في اعتبار حقوق الإنسان معيارا للسياسة الدولية وبين سيادة السلام والحوار وتبادل المنافع بين البلدان والحضارات في زمننا. كما أنّ غايتنا هي تبيّن الجوانب التي يكون على الإنسانية أن تعمل فيها متضامنة من أجل استقرار العالم وسيادة السلام، وهو حقّ من حقوق الشعوب، والجوانب التي تتحدّد فيها وظيفة المنظّمات الدولية التي تهتمّ كلّ واحدة منها بتنظيم الحياة في جانب من جوانبها ضمن عالم أصبح أكثر فأكثر عالما موحّدا بمظاهر تقدّمه وبمشكلاته في نفس الوقت.
غايتنا، كما يبدو من تحديدنا لها، مزدوجة. فهي تتعلّق بتحليل الماضي لمعرفة الأشكال التي سمح بها الوضع الدولي لاختراق حقوق الإنسان من جهة، كما تتعلّق بمحاولة رسم شروط المستقبل الذي يمكن للإنسانية فيه أن ترتقي بتعاملها إلى المستوى الذي تطابق فيه بين طموحها المشترك بأن يكون الإنسان كنوع، وبدون تمييز، أسمى قيمة في الكون. إنّ ما نريد توجيه النظر إليه هو المسئولية المضاعفة للإنسانية عمّا حدث في تاريخها المشترك الطويل من أنواع الاستهانة بما للإنسان من حقوقٍ واجبةٍ على كلّ شخص إنسانيّ في سلوكه إزاء الغير، وواجبةٍ على كلّ الشعوب والحضارات بعضها في علاقتها بالبعض الآخر.
نكتشف بإلقائنا نظرة شاملة على التاريخ الطويل للإنسانية من زاوية علاقته بحقوق الإنسان أنّ الإنسانية ظهرت بمظهرين يمثّلان مفارقة فيها. فمن جهة أولى، نجد حتى في الحضارات البعيدة عنّا في الزمن مظاهر الاحترام للشخص الإنساني، ولكنّها كانت مشوبة باعتبارات طبقية وتمييزية اختلفت من حضارة إلى أخرى. لقد كانت المدن الفاضلة المثالية التي اقترحها مفكّرو بعض الحضارات، منها الحضارة اليونانية القديمة والحضارة الإسلامية، مدنا من أجل نظام سياسيّ ومجتمعيّ يضمن للإنسان حقوقه وكرامته. ولكنّ التمييز الذي تضمّنته تلك التصوّرات المثالية بين فئات البشر يجعلها تبدو وكأنّها تخصّ بصفة البشر فئات معيّنة دون غيرها، ممّا يجعلها من هذه الجهة بعيدة عن روح الاعتراف بحقوق الإنسان التي هي حقوق شاملة للنوع الإنسانيّ دون تمييز.
نرى أنّ هذا التاريخ المضاد لدى الإنسانية لما يقتضيه العمل بمقتضى حقوق الإنسان وتنظيم المجتمع على هذا الأساس تاريخ في حاجة إلى مراجعة نقدية، وهي حاجة تبدو لازمة على الصعيد الإنساني الشامل مثلما هي مطلوبة على صعيد كلّ مجتمع من المجتمعات. ونرى لهذا الأمر فائدة بالنسبة للسير في طريق تثبيت حقوق الإنسان من حيث أنّ معرفة ما يضادّها في تاريخ المجتمعات يؤثّر بشكل عميق في ضعف التعامل بها وتظل له، مهما كان بعيدا في الزمن، آثار في لاوعي الإنسان.
ننطلق من هذه الإشارة العامّة إلى التاريخ المضادّ لحقوق الإنسان لكي نستعرض بعض الممارسات الدالّة على ذلك التاريخ المضادّ، مع الوعي بأننا لن نتمكّن من الإحاطة بها جميعها. ونكتفي، إذن، بذكر أهمّها :
1- الحرب، في نظرنا، شرط أوّل شامل يدفع بعضا من الإنسانية إلى اختراق حقوق الإنسان في ذات الآخر الجسمية والنفسية والمجتمعية. وللعمل بمقتضى حقوق الإنسان شرط آخر هو السلام بين الشعوب والأمم. غير أنّ الإنسانية لم تعرف أبدا سلاما دائما ونهائيا لم تكن بعده حرب بين بلدين أو أكثر. وإذا ما نظرنا إلى تشكيل العالم المعاصر، فإننا نجد أنه عالم ساهمت الحروب في تشكيله. وقد جرت في القرن العشرين حربان عالميتان ذهب ضحيتهما الملايين من الناس، وكانت فيهما مظاهر المساس بالحقوق الأساسية للإنسان متعددة ومتنوّعة. ولذلك لم يكن من الغريب أن يصدر الميثاق العالمي لحقوق الإنسان بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وأن تكون الحقوق المنصوص عليها في الميثاق مما يطلب ضمان السلام بين الشعوب بوصفه حقّا أساسيا لها، وأن يكون حفظ السلام والبحث عن شروط ضمانه من المهام الموكلة إلى المنظمات الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية.
2- شكّلت الظاهرة الاستعمارية التي ميّزت القرن التاسع عشر، ثمّ استمرّت إلى ما بعد منتصف القرن العشرين، إطارا آخر للممارسات المتنافية مع العمل بمقتضى حقوق الإنسان. إنها في حد ذاتها منافية لتلك الحقوق عندما يتعلق الأمر بالحديث عن حقوق الشعوب وضرورة المحافظة على حقها في حدود أراضيها، ثم لزوم سيادتها على تدبير شؤونها بنفسها وحريتها في اختيار نظامها السياسي والمجتمعي، ثم سيادتها على ثرواتها وسبل التصرف في هذه الثروات في حدودها الدولية المعترف لها بها. كما أن الظاهرة الاستعمارية كانت إطارا لممارسات متنوعة تنتفي فيها حقوق الإنسان، إذ لم يكن هناك في ظل الظاهرة الاستعمارية احترام لقيمة الشخص الإنساني حيث تقلص قدر الحريات العامة إلى درجة كبيرة، وخاصة كلما ظهر أن ممارسة تلك الحريات العامة قد تطرح الوجود الاستعماري موضع تساؤل. كانت الظاهرة الاستعمارية احتلالا لأرض الغير بالقوة، واستغلالا لثروات أرض ليست قانونيا في ملك القوة الاستعمارية، وتوجيه السياسات الاقتصادية والتجارية والصناعية بما يخدم مصالح القوة الخارجية المهيمنة لا بما يخدم مصالح الشعوب التي خضعت أراضيها للاحتلال. وفوق هذا كله، فقد كانت الظاهرة الاستعمارية مرتبطة في الوقت ذاته بالعمل على المساس بوحدة الشعوب وسن كل السياسات المؤدية إلى انقسامها إلى كيانات صغيرة اعتمادا على التمايزات الطائفية والعرقية والثقافية. كما أن الهويات الثقافية للشعوب كانت موضوعا لسياسات مضادة لها، ولخطوات تبعد الشعوب عن حرية الاحتفاظ بهويتها الثقافية والحضارية. كانت الظاهرة الاستعمارية على العموم فرضا بالقوة لوضع عالمي جديد تضيع فيه حقوق الإنسان على صعيد حقوق الشعوب وحقوق الشخص الإنساني بصفة عامة.
3- نرى من المناسب الإشارة إلى أن آثار الظاهرة الاستعمارية كانت عميقة على مستوى النظام العالمي، إذ أنها أدت إلى وضع عالمي جديد مقلوب من حيث القيمة التي يوجهه عمليا. فقد كانت البلدان التي مارست الظاهرة الاستعمارية هي ذاتها التي قامت فيها ثورات مجتمعية وسياسية تدعو إلى إعادة الإنسان إلى قيمته الحقيقية من حيث هو أسمى كائن في الوجود، وهي كذلك الثورات التي نادت بما للشعوب من حقوق السيادة على ذاتها.لكن الظاهرة الاستعمارية جعلت تلك البلدان نفسها تمارس ما يتنافى مع العمل وفق حفظ حقوق الإنسان وتطويرها. وهكذا، فإنه بدل أن يتقدم العالم إلى أمام في مجال احترام حقوق الإنسان حدث تراجع عن ذلك. أصبح العالم في حالة اختلال في توازن يأخذ نتائج القوة على أنها الحق، ويتنكّر بكيفيات مختلفة للمبادئ المختلفة التي بشّرت بها ثوراته السياسية والمجتمعية منذ العصر الحديث الأوربي.
يلتقي مع ما سلف ذكره من حيث التنافي مع حقوق الإنسان الحملة الهيمنية الجديدة التي بدأت عند العقد الأخير من القرن العشرين وما مرّ حتى الآن من القرن الواحد والعشرين، والتي من تناقضاتها أن تتم باسم الديمقراطية ونشر احترام حقوق الإنسان، علما بأنّ مظاهر خرق هذه الحقوق كانت متعدّدة في سياقها. يعيش الإنسان في ظلّ الوضع الدولي السائد اليوم مفارقة المطالبة بتعميم حقوق الإنسان وتعميم خرقها في الوقت ذاته. وهذا الوضع دليل على ما ينبغي للإنسانية متضامنة تجاوزه، ودليل على أنّ النضج الذي يعبّر عنه الإعلان العالمي عن حقوق الإنسان في حاجة لإثباته كواقع راسخ في حياة الإنسان إلى مزيد من المجهود.
نعتبر، من جهة أخرى، أنّ تشجيع النزعات الطائفية والعرقية باسم حقوق الإنسان يخلق في العالم المعاصر وضعا غير ملائم لتنمية تلك الحقوق، وذلك من حيث إنه يدفع الإنسانية إلى عدم التطابق مع ذاتها بما هي موحّدة، من جهة، ومختلفة من أوجه عديدة من جهة أخرى. وكما أن حقوق الإنسان تتطلب من الإنسانية الوعي بوحدتها والعمل من أجل أن تكون تلك الحقوق عامة للنوع بأكمله، فإنها تقتضي منها كذلك العمل بمعيار اختلافاتها العرقية والحضارية والثقافية الناجمة عن تباين تكوناتها التاريخية. ويلزم عن هذا الأمر القول بأن تمزيق الكيانات الموحدة تاريخيا وإبراز الكيانات الطائفية والعرقية يؤدي إلى النتيجة المناقضة لما هو معلن عنه، وينمّي مشاعر العنصرية والإيديولوجيات التمييزية المنافية لمبادئ حقوق الإنسان.
يظهر من خلال العناصر التي ذكرناها أن الإنسانية التي تحملت مسئولية وضع عالمي فيه كثير من مظاهر اختراق حقوق الإنسان، تتحمل بالنسبة للمستقبل مسئولية العمل على إيجاد الشروط الملائمة لاحترام تلك الحقوق.
المسئولية الدولية في مجال حقوق الإنسان
نعني بالمسئولية الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان أنّ بلدان العالم الموقّعة على المواثيق الدولية الخاصة بتلك الحقوق أصبحت ذات مسئولية مشتركة في تنفيذ بنودها. ومن جهة أخرى، فإنه أصبح من واجب جميع البلدان التي اشتركت في التوقيع على مواثيق حقوق الإنسان أن تعمل، بداخلها وفي خارجها بالتضامن مع البلدان الأخرى، على مكافحة كل العوامل التي تعوق في أيّ مجتمع تمتيعه بكلّ حقوقه. ويبدو المجهود المشترك المطلوب متعلقا بحقوق الشخص الإنساني وبحقوق الشعوب في الوقت ذاته. ودون أن ندّعي حصر مظاهر المسئولية الدولية المشتركة حول حقوق الإنسان، فإننا نساهم بالإشارة إليها في الصيغ التالية :
1- العمل على إشاعة السلام بين الشعوب والأمم والحضارات باعتباره الشرط الأكثر عمومية للعمل من أجل إشاعة تمتيع الإنسان مفردا وجماعة وشعوبا بما يعود إليه من حقوق، وتعميم الثقافة التي تسمح بذلك. فنقيض السلام وهو الحرب شرط تنتفي معه المعايير التي ينبني على أساسها العمل بحقوق الإنسان. الحرب تقضي على حياة الإنسان وتحرمه من أكثر الحقوق أساسية بالنسبة إليه، أو تلحق به من الأضرار ما يجعل بقية حياته في ألم ونقص جسميين مع ما يرتبط بهما من انهيار في أحواله النفسية، مما يمنعه من التمتع بحقوقه حتى لو كان مبدأ تمتيعه بها قائما. وينطبق هذا الأمر على الحروب التي تدور بين بلدين متجاورين أو متباعدين، كما ينطبق على الحروب الأهلية التي تدور بين مكونات المجتمع الواحد.ولذلك نرى أنه ليس يكفي إصدار إعلان عالمي يحدّد حقوق الإنسان التي لا ينبغي الاعتداء عليه في موضوعها، بل يجب فوق ذلك العمل على إيجاد الشروط التي تسمح بالسلوك وفق ما تقتضيه تلك الحقوق، وأوّل هذه الشروط هو السلام. ولأهمّية هذا الشرط، فإنّ السلام يعتبر حقّا من الحقوق الأساسية للشعوب وضمن ذلك للشخص الإنساني.
-2 هناك حقوق أخرى يضعف القول حول أحقية الإنسان فيها، بصفة شمولية ودون تمييز، إذا لم يكن هناك عمل دولي فيه تضامن وتعاون على تحقيقها. ومن هذه الحقوق حق الإنسان في تغذية ملائمة لصحته ولاستمرار حياته ومكافحة كل شروط المجاعة التي تنجم عنها أمراض تهدد حياته، ومنها أيضا ضمان صحته في مواجهة الأمراض والأوبئة التي تهدد حياته في كل حين، ومنها كذلك حماية البيئة الطبيعية والحيوانية للإنسان بالنظر إلى أهميتها بالنسبة لصحته ولاستمرار حياته، ومنها بالإضافة إلى ذلك اتخاذ تهيؤات استباقية ضد بعض الأخطار التي يمكن أن تهدد حياة الملايين من الناس في المستقبل مثل ندرة المياه بالقياس إلى الحاجة إليها. ولا تقلّ الأخطار الناجمة عن ضياع كلّ الحقوق التي ذكرناها، والتي ندعوها بالحقوق الحيوية لارتباطها المباشر بحياة الإنسان، عن خطر الحروب التي قضت على حياة الملايين من البشر خلال القرن الماضي والتي يعيش العالم في القرن الحالي مثيلات لها أو أشكالا أخرى منها، علما بأن التقدم في مجال الأسلحة التي أصبحت أكثر قدرة على الفتك بالحياة الإنسانية يزيد من خطر ضياع الحقوق الإنسانية بدلا تمتع الناس بها.
3- ليس الإنسان مجرد جسم حيّ في حاجة إلى ما يضمن استمرار حياته وتغذيته وصحته فحسب، ولكنه أيضا كائن يصنع تاريخا وينتج ثقافة ويؤسس حضارة، وله حقوق من هذه الناحية هي حقوق العيش حسب تكوينه التاريخي والمجتمعي والحضاري. وتطرح هذه المسألة على الصعيد الدولي لأنّ أمن العالم والسلام فيه وتوازنه بالشكل الذي تتواجد فيه أمم مختلفة لها تاريخها الخاص وقيمها وثقافتها متوقّف على ضمان الحقوق الثقافية لكلّ الأمم والشعوب دون تمييز ودون استثناء. فلا بدّ من مراعاة الإنسانية المختلفة، والعمل على تعايش مكوناتها المختلفة داخل وحدتها التي ترجع إليها حقوق الإنسان. لكن، منذ بداية الفترة الاستعمارية في القرن التاسع عشر وإلى الآن شهدنا عددا من مظاهر تجاوز الحقوق الثقافية للشعوب، سواء كان الأمر متعلّقا بتكوّنها التاريخيّ أو كان متعلّقا بما ترتّب عن ذلك من قيم وعادات وتقاليد مجتمعية أو كان متعلقا باعتقاداتها. الاختلاف يقتضي قبول النموذج المختار للحياة لدى كل شعب، في حين أنّ فرض نموذج معيّن يكون خروجا عن ضمان الحقوق الأساسية للشعوب. والتعاون الدولي في هذا الباب واجب لإيجاد شروط التعايش الذي يبعد الإنسانية عن الصراعات المدمرة التي لا تترك أية فرصة للتعامل بين الشعوب والأمم بمقتضى بنود الإعلان العالمي عن حقوق الإنسان وما تلاه من مواثيق أخرى مكملة له في بعض القضايا الخاصة.
4- هناك مجال آخر للعمل الدولي المتعلّق بحقوق الإنسان، وهو ضرورة حفظ حقوق الأقليات في المجتمعات الإنسانية المختلفة. فالإنسان لا يفقد حقوقه المنصوص عليها في الميثاق العالمي حول حقوق الإنسان بمجرّد أن يوجد في مجتمع آخر غير مجتمعه الأصلي، وبمجرّد أن يكون داخل مجتمع آخر يختلف عنه بالعرق والعادات والتقاليد والأعراف والمعتقدات والممارسات الدينية. فحتى داخل هذا المجتمع الآخر، يحتفظ الإنسان بالحق في كل الحريات العامة التي نص عليها الميثاق العالمي حول حقوق الإنسان. والأقليات في المجتمعات المعاصرة ذات وضعيات متباينة، وهي كذلك نتاج لتطورات تاريخية مختلفة من مجتمع إلى آخر من المجتمعات التي توجد بها. فهي أقليات عرقية أو دينية أو مجتمعية من مكونات نفس المجتمع أو آتية من الهجرات الخارجية إليه. وإذا رأينا أنّ الهجرات كانت على مدى تاريخ الإنسانية من مكوّنات المجتمعات، فإنّ كمّها وتنوّع اتجاهاتها قد زادا في الزمن المعاصر مع تطور وسائل النقل والتواصل، فلم يعد يخلو منها مجتمع من المجتمعات. كما أنّ الهجرات أصبحت في كثير من الحالات استقرارا في البلدان التي تمت إليها وأصبح المهاجرون بهذه الصفة مواطنين لتلك البلدان. لكن الأقليات قد لا تكون نتاج هجرة، بل هي من مكوّنات المجتمع الذي توجد به. وهناك نتيجة لهذا كله أقليات مسلمة في بعض الجهات، وأخرى مسيحية أو يهودية في جهات أخرى من العالم، ثم مقيمون من آفاق مجتمعية مختلفة. ومن حق الشخص الإنساني في جميع الحالات التي ذكرناها أن تعود إليه جميع الحقوق التي تنص عليها المواثيق العالمية المتوافق حولها في هذا الباب.
5- ينسجم مع حقوق الأقليات حقوق الشعوب الأصلية التي تكون أول من عرفه تاريخ بلد ما قبل انضمام مكونات أخرى إليه، والتي قد تصبح نتيجة للهجرات المتوالية لعناصر جديدة تمثل أقلية. وقد عرف العالم مثل هذه الحالات في القارة الأمريكية بصفة خاصة، وهي القارة التي عرفت منذ العصر الأوربي الحديث الهجرات الأكثر كثافة من جهات مختلفة من العالم، علما بأنّ أغلبها كان هجرات من أجل الإقامة الدائمة وأن ذلك جعل الشعوب الأصلية تبدو في موقع الأقلية، مع أنّ حقوقها على الأرض ثابتة بفعل التاريخ وحقوقها الثقافية واللغوية ينبغي أن تظلّ مصونة.لقد بدأ، حقا، الوعي بحقوق الشعوب الأصلية، كما بدأ العمل داخل منظمة الأمم المتحدة وخارجها من أجل وضع حد لضياع تلك الحقوق ورسم السبل من أجل تثبيتها، ولكن هذا العمل في حاجة إلى مزيد من الجهد الجماعي والمنظم والدائم لكي يكون العمل بمقتضى تلك الحقوق علامة من علامات نضج الإنسانية ووعيها بقيمتها كنوع.
المجالات التي أشرنا إليها بالنسبة لحقوق الإنسان هي مجالات العمل الدولي، إذ هي الحقوق التي يكون على المجتمع الدولي أن يرسم الخطط المشتركة لتثبيتها بالنسبة للإنسان في كل جهات العالم. ويكون هذا العمل الذي بدأ الوعي بجوانبه المختلفة دليلا على مصداقية المواثيق العالمية المتعلقة بحقوق الإنسان، ثم دليلا على أن الإنسانية المعاصرة تتميز بوعيها بوحدتها بالنسبة لتلك الحقوق التي تشملها دون تمييز من أي نوع أو على أي أساس.
الأداة التي بيد المجتمع الدولي لبلوغ الأهداف التي أشرنا إليها هي المنظمات الدولية المختلفة، أي منظمة الأمم المتحدة، ثم المنظمات العالمية الأخرى الخاصة بالزراعة والتغذية ، ثم بالصحة ومكافحة الأمراض والأوبئة، والحدّ من الفقر وسعة الفوارق بين جهات العالم، وكذلك منظمة الأمم المتحدة المتعلقة بالثقافة والعلوم والتربية. فهذه كلها منظمات في حاجة إلى دعم دولي ثابت لعملها. السير في أي طريق يضعف عملها أو يجعلها خاضعة لسياسة دولة أو جهة من العالم مهما تكن قوّتها. هذا هو الطريق الذي سيجعل من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان بداية لتاريخ لا تراجع فيه تثبت من خلاله الإنسانية نضجها ووحدتها. تكون الإنسانية المتضامنة حول القيمة السامية للإنسان وحدها قادرة على بلوغ هدف إشاعة حقوق الإنسان والحفاظ عليها كذلك.
