حقوق الإنسان في المنطقة الناطقة بالعربيّة: الحقيقي والمفترض!

 في الذكرى الستين لإعلان شرعة حقوق الإنسان عالميّاً، تداعت الدول الناطقة بالعربيّة لعقد مؤتمر في الدوحة لمناقشة هذا الحدث العالمي، الذي يبدو أن دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ذات الغالبيّة الإسلاميّة إنما تساق إليه بالقوة، تماماً كما سيقت المملكة السعوديّة إلى نوع من انفتاح خجول بقوة تداعيات زلزال الحادي عشر من أيلول. فما هي حقوق هذا الإنسان في تلك الدول الغائبة عن الوعي والحضارة منذ ألف وخمسمئة عام تقريباً؟ وإذا ما أخذنا التمييز بكافة أشكاله معياراً لتقويم الحقوق، هل ثمة تمييز في الدول الناطقة بالعربيّة؟ مع ملاحظة أننا أسقطنا من اعتبارنا، لأسباب أخلاقيّة، تلك الدول التي لم تخرج بعد من عصور الظلمات، كالسودان والسعودية وباقي دول الخليج، وقصرنا بحثنا السريع الواقعي هذا على تلك الدول التي تنعت ذواتها زوراً بالتحضّر.

      أولاً: التمييز الديني

      باستثناء لبنان الذي يبدو أقرب في قوانينه إلى حكايا كافكا ( في هذا البلد الذي ينعتونه زوراً أيضاً ” سويسرا الشرق “، يسمحون فقط بتسجيل الزواج المدني إذا كان قد تم في الخارج، فهذا الزواج ممنوع حتى الآن في سويسرا الطوائف، بأمر من بطريركيّة الموارنة والمجلس الإسلامي الشرعي الأعلى، وعلى اللبناني أو اللبنانيّة إذا ما أرادا الزواج مدنيّاً التوجه جوّاً إلى لارنكا، وتسجيل زواجهما في بيروت لاحقاً )، ثمة تمييز ديني أوضح من أن يغفل في شرق الحجّاج. ويمكن تقسيم هذا التمييز الديني على النحو التالي:

      آ – تمييز ضد من هو مؤمن من خارج الدائرة المسماة بالأديان السماويّة. بل يمكن أن نلاحظ هنا أن هذا المصطلح الاستفزازي، بحد ذاته، الأديان السماويّة، يحتمل ما لا يمكن تحمّله من التمييز التحقيري ضد أديان عالميّة أخرى ، كالبوذية على سبيل المثال ، فيها من العمق الفلسفي الإنساني ما لا يمكن أن نقارن به بعضاً من الموجود في تلك السماويّة. الأديان السماويّة كمصطلح تعني ببساطة أن غيرها أرضية، وبالتالي فأتباعها لا تشملهم السماء أو الإله إذا شئتم بأية عناية؛ ونتيجة منطقيّة لذلك، وبنوع من الاستعلاء التصغيري الشوفيني، لا يحق لأتباع ديانات كالهندوسيّة أو البوذية أو الشنتو ممارسة طقوسهم أو التبشير بمعتقداتهم أو حتى الزواج بغيرهم من السماويين، إلا إذا غيّر واحدهم دينه واتبع صراط السماويين المستقيم.

      ب – ضمن الحلقة المغلقة للأديان السماويّة، ثمة تمييز لا تخطئه العين بين هذا الدين أو ذاك، خاصة في بلاد الهلال الخصيب ومصر، حيث يتواجد أتباع الديانات السماويّة الثلاث. هذه الديانات، في الواقع، مقسّمة إلى بنت الست وبنت الجارية وبنت السفاح. ولنبدأ من الأخيرة: بنت السفاح، في نظرهم، هي اليهوديّة؛ واليهود يشتمون ليل نهار في صلوات المسلمين؛ فهم ” المغضوب عليهم “، الذين، بمناسبة ودون مناسبة، يطلع علينا أحد الدعاة المسلمين للقول، إنهم أحفاد القردة والخنازير – ألم يقل الله في محكم كتابه ذلك؟ بل في الإسكاتولوجيا الإسلاميّة ذاتها، نجد رواية تنسب إلى محمد، تقول، إن القيامة لا تقوم حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقول الحجر والشجر:يا مسلم! هذا يهودي وراءي تعال فاقتله!! ورغم التباينات الهائلة التي عرفت طريقها إلى قلب اليهوديّة منذ الإصلاح والإصلاح-المضاد المسيحيين، لايزال المسلمون ينظرون إلى اليهود كما نظر محمد إلى بني قريظة. إذن، إن أي حديث عن أبسط أشكال التساوي في المواطنيّة بين المسلم واليهودي في الدول الناطقة بالعربيّة هو ” حديث خرافة يا أم عمرو”!! بنت الجارية، المسيحيّة، أقل وطأة إضطهاداً من أمها اليهوديّة في الأقطار إياها، رغم أن مانراه في مصر والعراق والسودان لا يظهر فرق درجة كبير في تعامل المسلمين مع أتباع ديانتي فلسطين القديمتين. فالمسيحيّون كفرة في عرف محمد وبالتالي أتباعه؛ وهم، كاليهود، يوصفون في كل صلاة إسلاميّة ” بالضالين “. اعتراضنا هنا ليس على التكفير بحد ذاته، فاليهودي في البركات الثلاث عشرة يقول كل يوم، إنه يحمد إلهه الذي لم يخلقه إمرأة ولا نصرانيّاً، بل على الذيول الإجراميّة للتكفير عند المسلمين. من هنا، ليس من غير المنطقي أن تشيع اللامساواة بين المسلمين والمسيحيين في المجتمعات الناطقة بالعربيّة، باستثناء لبنان. وإذا ما أردنا الدخول في بعض التفاصيل يمكن القول، إنه لا يمكن للمسيحي مثلاً الزواج من مسلمة؛ لا يحق للمسلم اعتناق المسيحيّة، في حين أن العكس يقابل باحتفاليّة مبهرة؛ لا يحق للمسيحي التبشير بدينه بين المسلمين؛ كليّات تعليم الدين الرسميّة ، التي تعمل من ضرائب يدفعها كل المواطنين، تقتصر في تلك الدول على تعليم المذهب السني ليس إلا… إلخ!

      ج – الأغرب من كل ما سبق، خاصة في الدول التي تعرف نوعاً من التعددية داخل-إسلاميّة، التمييز الواضح بين مذهب إسلامي ومذهب إسلامي آخر. من ذلك مثلاً: لا يحق لغير السنّي أن يتعلم رسميّاً غير المذهب السنّي؛ ولنتخيل حجم الكارثة في بيت شيعي إثني عشري أوإسماعيلي سبعي يتعلم فيه الطفل من الوالدين مساء أن عائشة بنت أبي بكر خالفت الشريعة حين قاتلت عليّاً في الجمل، وفي الصباح يقول له أستاذه إن نبيّه طلب من أتباعه أخذ نصف دينهم عنها؟؟ الدرزي السوري، الذي يصنفونه مسلماً، يحتاج إلى إشهار إسلامه على الطريقة السنيّة إذا ما أراد الزواج بمسلمة غير درزيّة؛ والحال هو ذاته مع الدرزية التي تريد الزواج من مسلم من خارج الطائفة. بمعنى آخر، ابن الست هنا هو السني، وأولاد الجارية هم المسلمون غير السنة.

      لا داع هنا للتذكير بأنه لا يوجد في علم المصطلحات العربي-الإسلامي تعابير مثل: لاأدريون، علمانيّون، لا دينيّون، ملحدون، وغيرها؛ ذلك كله كفر، والكفر لا مكان له في دار الإسلام.

      ثانيا: التمييز الجنسي

      إذا كان التمييز الديني في الدول الناطقة بالعربيّة يجرح العين بوضوحه، فالتمييز الجنسي، رغم المحاولات التجميليّة الفاشلة لدول المنطقة، يدمي القلب بألمه. التمييز الجنسي، بأسف لا حدود له، جزء من تقليد، عرف، دين. والتمييز الجنسي هنا نوعان:

      آ – التمييز ضد المرأة. في التقليد الإسلامي، المرأة متاع، ضلع أعوج، إذا أردت تقويمه كسرته، فاستمتع به ” أيها الذكر ” على اعوجاجه؛ إنها عشر عورات، يمكن للزواج أن يستر إحداها، لكن أنسب الأماكن لها هو القبر، لأنه يستر العورات التسع الباقيات؛ إنها شر لا بد منه، وشر ما فيها أن لا غنى عنها؛ إنها لعبة في زاوية الدار، إن كانت لنا بها حاجة، وإلا فلا. المرأة، شئنا أم أبينا، كانت الحلقة الأضعف، العار، في الحروب بين القبائل؛ إنها الكائن الهش القابل لأن يسبى في أية لحظة؛ من هنا، على الطرف الأقوى، الذكر، أن يحافظ عليها، ويقبض بالمقابل ثمناً لتلك المحافظة اسمه السيطرة؛ ومن هذا العرف جاءت معظم تمييزاتنا السلبيّة بحق النساء؛ بل أن محمداً ذاته، الذي قال إنه بعث ليكمل مكارم الأخلاق، كرّس هذا العرف التحقيري، والحوادث تخبرنا أن بعض نسائه الكثر كن سبايا من حروب قبليّة خاض غمارها في حروبه لتكريس دولته: هل نذكر أسماء مثل صفيّة بنت حيي وجويرية وريحانة…؟ ولأن العرب لم يخرجوا يوماً من حس القبيلة، فإن ذيول هذا الحس ما تزال تلعب تحت جلودهم.

      إجتماعيّاً: المرأة عموماً مثل أي متاع في البيت، يمكن أن نأتي بمتاع غيره أو نرميه في الشارع إذا شئنا أو كان مزاجنا سيئاً؛ ولأن المتاع لا يستشار، المرأة لا تستشار. ما يتحكم بوضع المرأة إجتماعيّاً، كأي متاع، هو المادة؛ فمتى ما كان الذكر مقتدراً ماديّاً، يمكنه بسهولة تامة تطليق المرأة أو الزواج عليها، دون أية اعتبارات إنسانيّة أخرى. في الإرث، لا يمكن للمرأة أن ترث مثل الرجل؛ وفي بعض المجتمعات لا ترث أبداً. وقد شهدت شخصيّاً حالات كانت فيها المرأة المسئولة بالكامل عن أهلها، وحين مات الأهل، ظهر الأخ ليقول، إن نصيبي من الإرث ضعف نصيبك، ليكمل برصاصة رحمة مفادها، إن هذا رأي رب العالمين. المرأة، من وجهة نظر المجتمعات الناطقة بالعربيّة، ليست أكثر قيمة من غشاء بكارة؛ من هنا، رغم كل الأكاذيب والترهات المفضوحة ذاتيّاً، الذكر الذي يقتل أخته – أو ما شابه – إذا شك بسلوكها وبالتالي فقدانها لغشاء البكارة، ينال حكماً أقل من تافه من السلطات القضائيّة حتى في تلك الدول التي ثقبت آذاننا بحديثها النفاقي عن التحضر والمساواة!! لذلك لا يمكن أن نستغرب حرمان    المرأة من حقها الطبيعي كمواطنة من أن تمنح أطفالها أو زوجها جنسيّة وطنها، إن كان الزوج والأطفال من جنسيّة أخرى. الأغرب في هذه المسرحيّة السمجة، ظهور تيارات سلفيّة بين الأناث، مثل القبيسيات في سوريّا وكافة أصناف الداعيات الجدد، يؤدلجن دينيّاً لمفاهيم التحقير الأنثوي، أي، أيديولوجيا التحقير الذاتي. بل إن الرفض القانوني المتلطي تحت عباءة الشرع الديني لزواج المسلمة بغير المسلم، لا ينطوي فقط على النظرة الدونيّة لغير المسلم، بل أيضاً للأنوثة.

      ب – التمييز ضد المثليين والمثليات جنسيّاً. ففي تحضيرنا لكتابنا حول ” المثليّة الجنسيّة في سوريّا “، وجدنا من مواقع الانترنت التي تعنى بقضايا المثليين، أن مسألة المثليّة الجنسيّة في المنطقة أكبر من أن يتم تجاهلها. إن عشرات الألوف من شبان المنطقة وشاباتها، من المثليين جنسيّاً، صاروا متاحين علناً عبر تلك المواقع الأجنبيّة ذات الشأن. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن المثليين الذين يتابعون الانترنت هم قلة من مثليين يتعاملون مع الكومبيوتر، والذين هم قلة من مثليين يعرفون لغة أجنبيّة ويستطيعون بالتالي مقاربة التكنولوجيا العالية، لعرفنا حجم المأساة. إن المثليّة الجنسية في مجتمعاتنا الناطقة بالعربيّة لم تخرج قط عن إطار اللواط أو السحاق، مع كل التداعيات المبالغ في سوئها للمصطلحين. المثليّة الجنسيّة، علمياً، ليست مرضاً كما كان يعتقد؛ بل هي ميل فطري، تماماً كما نرى ذكوراً متقدمين في السن يميلون إلى نساء غير بالغات، أو مراهقين لا يجدون الإشباع الجنسي غير في أحضان الكهلات. المثلي الجنسي، يعاقب قانونياً واجتماعيّاً على شيء لم يختره: ومنطقياً، فإن أي عاقل يخيّر بين ميل مقبول اجتماعيّاً يؤمن له استقراراً وراحة وسكوناً، وميل مرفوض اجتماعياً، لا يخلو من الخطورة القانونيّة والتقلقل الأسري، لا يمكن أن يقبل طوعياً بغير الأول. إذن، المثليّة الجنسيّة ميل قسري لا يمكن محاسبة صاحبه عليه لأنه لا يملك خياراً في قبوله أو عدم قبوله. المثليون الجنسيّون، كأشخاص مظلومين في خيارهم القسري الذي يحول بينهم وبين الحياة الأسرية العادية، لا يمكن إلا أن نطالب بقوانين تحمي إنسانيتهم من كافة أشكال الاستغلال اللاطوعي التي تجعل من المثليّة الجنسيّة اسماً آخر للدعارة الذكوريّة أو الأنثويّة. ولا حاجة بنا للقول، إن كل الدول في المنطقة، خاصة بعد انتشار مواقع المثليين على الانترنت، تعرف حجم الكارثة الإنسانيّة التي اسمها ” المثليّة الجنسيّة “، لكنها ترفض إلا أن تدفن رؤوسها في الرمال، أو تخفي الشمس بأصابعها. 

      ثالثاً: التمييز القومي

      من المتعارف عليه عموماً أن الدول الناطقة بالعربيّة تضم قوميّات أخرى غير تلك ذات الأصل العربي؛ وباستثناء أكراد العراق، يندر أن لا تجد تمييزاً قوميّاً ضد الأقليات غير العربيّة؛ ويصبح التمييز مضاعفاً حين تكون تلك القوميّة غير العربيّة لا تدين بالإسلام، كما هو الحال مع أقباط مصر ومسيحيي السودان عموماً. وبما أن الأقليّات تنتشر في المنطقة الناطقة بالعربيّة من المغرب حيث الأمازيغ وما شابه، إلى العراق حيث التركمان والأكراد واليزيديون والشبك والصابئة والعلي-إلهيّة والآشوريون والسريان والكلدان والكاكائيّة وغيرهم، فإن الغوص في أعماق التمييز القومي هنا يحتاج إلى فريق عمل من كل دولة أو إقليم على حدة. رغم أن الطابع المشترك بين الجميع، كما قلنا، هو التمييز. 




قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This