حوار مع المؤرّخ والمفكّر التونسيّ “عبد الجليل التميمي”:
مدافع قويّ عن الميراث التشريعي والإداري والمعماري المضيء للدولة العثمانية. مدرك لا محالة للأخطاء والهفوات التي ارتكبها ولاتها في عدد من الإيالات العربية. متعاطف بعمق مع تراجيديا "المورسكيين" الذين تعرّضوا في تقديره لأكبر عملية تهجير قسري في تاريخ الشعوب. متحمّس للتوجّهات العملية الجديدة "للكمالية" كما تطوّرت مع حزب العدالة والتنمية بقيادة "رجب طيب أردوغان".
منشغل وما يزال بكلّ ملفات المرحلة "البورقيبية" الدقيقة. وهو قبل ذلك وبعده رجل علم ومؤطّر للعشرات من الباحثين التونسيين والمغاربيين والعرب. يتألّم لإهمال العالم العربي-الإسلامي للبحث العلمي والترجمة ويعمل لجعل المؤسسة التي أنشأها وأطلق عليها اسم "مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات" رائدة ومثالا للدور الذي يمكن أن يساهم به الباحثون الخواص في مشروع النهضة العربية. يذكر مؤسّسته بافتخار لأنّها الوحيدة علي الصعيد العربي التي لها 3 دوريات أكاديمية (تنشر بعدّة لغات وذات طابع دوليّ). مؤسّسة تضمّ مكتبتها الخاصّة عشرين ألف عنوان، أصدرت مئات البحوث والكتب حول تاريخ عثمنة الإيالات العربية في العهد العثماني ثم تاريخ الموريسكيين الذين خصّهم بأكثر من ستمائة دراسة حول أدبهم وتاريخهم وحول محاكم التفتيش والمحارق التي تعرّضوا لها ونشرت كتبا وبحوثا حول تاريخ الكمالية والكماليين لأوّل مرّة في البلاد العربية وعدّ ذلك جرأة علمية بكل المقاييس، كما نظمت في رحابها ستة مؤتمرات عربية ودولية عن الرقابة بمختلف أصنافها: الرقابة الذاتية والفكرية والحكومية.. وسبعة مؤتمرات عربية ودولية عن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بالإضافة إلى القائمة الطويلة للشهادات والتي بلغت أكثر من 300 شهادة لسياسيين ونقابيين وأساتذة جامعيين ورجالات الثقافة والأعمال والصناعات والديوانة والحرس الوطني والجيش التونسي وهي الشهادات التي قدّمت في إطار التأريخ للمرحلة البورقيبية. ذلك هو ضيفنا في هذا الحوار "عبد الجليل التميمي" "مفرد بصيغة الجمع" حقّا.
والحقيقة أن رغبتنا في محاورته قديمة، لكنّها زادت إلحاحا خلال هذه الفترة بسبب الحيرة السائدة حول الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي-الإسلامي عموما. فالرّجل من القلة النادرة في العالم العربي-الإسلامي التي تعرف جيّدا تركيا. فهو مؤرخ مختص ومتابع للشأن التركي منذ أربعين سنة ومن أول من تعلم اللّغة التركية من العرب سنة 1966 ومعرفته بهذا البلد ليست معرفة الصحفي المختصّ ولا معرفة الخبير السياسي، بل هي تتجاوز ذلك لتكون معرفة المؤرخ الذي يتجاوز في رؤيته للأحداث الجانب العرضي منها إلى العمق الاستراتيجي والحضاري فيها والذي غالبا ما يفلت من عين المتابع المتسرّع." كانت بداية حوارنا بالسؤال الذي بات مشغلا عاما خلال هذه الفترة.
يبدو من خلال عديد المقالات التي تكتب هنا وهناك أن ثمّة حيرة كبيرة لدى النخبة الثقافية والإعلامية العربية في توصيف الحالة التركية اليوم. ويمكن التعبير عن هذه الحيرة من خلال الأسئلة التالية التي أطرحها عليكم في بداية هذا الحوار: ما حقيقة الموقف التركي الرسمي من القضية الفلسطينية؟ هل يعبّر حقّا عن تحوّل استراتيجي تعيد من خلاله تركيا (من خلال حزب العدالة والتنمية) صياغة إستراتيجية إقليمية جديدة، تعبّر عن طموحاتها الإقليمية والدولية كقوّة صاعدة أم هو ورقة ضغط من قبل تركيا قصد الانضمام إلى الاتحاد الأوربي؟
ثم ألا يمثّل انتصار تركيا للقضية الفلسطينية مجرّد ذريعة سياسية لإخفاء مشاكلها السياسية الداخلية والتغطية عن الصراع العنيف بين الكماليين وحزب العدالة والتنمية بالإضافة إلى ما يمثله ذلك من إبعاد للرأي العام الدولي والإقليمي عمّا تقوم به تركيا من اضطهاد لمعارضيها خصوصا من حزب العمال الكردستاني؟
لدي أولا ملاحظة جوهرية محورية في هذا الحوار حول التحرك السياسي التركي في المنطقة العربية.
أبدي أسفي الشديد بادئ الأمر لتجاهل الرأي العام العربي منذ أكثر من خمسين سنة لتركيا. ومن نتائج ذلك هذه المواقف الاعتباطية وغير العقلانية والتي وقع تبنيها من القيادات السياسية والنخب العربية عموما والتي تعبّر عن حالة من انسداد الأفق في مواكبة مجهرية لما يجري في الساحة التركية، فتركيا اليوم، القوة التقنية والعسكرية والمائية والمعرفية والاقتصادية الضاربة في منطقة الشرق الأوسط. والعالم العربي بمؤسساته ومراكزه العديدة لم يفهم تركيا إطلاقا والمقالات التي كتبت تفاعلا مع الأحداث الأخيرة، قدّمت الدّليل على ذلك. وها أنا ذا أفسّر هذه الجدلية الدقيقة ذلك أن مصادر معلومات العالم العربي عن تركيا مأخوذة أساسا من الصحافة الأمريكية والفرنسية والغربية عموما وذلك منذ أربعين سنة.
كما أنّه لا يوجد في العالم العربي مركز واحد يهتم بتركيا منذ انطلاق الجمهورية التركية إلى اليوم وهذا بالإضافة إلى ندرة المتخصّصين العرب في الحالة التركية باستثناء بعض الأسماء الناشطة مثل اللّبناني "محمد نور الدين" وبعض المصريين والعراقيين الذي لم يشكّلوا ثقلا نوعيا لفهم المتغيرات الجيوسياسية التركية وإبلاغها إلى الرأي العام العربي وكدليل على ذلك، أجريت تحرّيات عن الرسائل الجامعية التي نوقشت في الجامعات العربية وقد عثرت على عدد ضئيل جدّا بالجامعات المصرية والعراقية والتونسية، وأغلبها لم ينشر ما عدا رسالة مؤرّخ عراقي نقلت إلى اللغة التركية ووجدت أن ما كتب عن تركيا نادر جدا. والنتيجة من كلّ ذلك هي هذه الفجوة المعرفية بين الواقع السياسي التركي ومتغيراته السريعة والمذهلة وبين الواقع السياسي العربي الجامد!
وفي خصوص سؤالك أقول إنّه تاريخيا كانت تداعيات الحرب العالمية الأولى على سلوكيات وذهنيات الأتراك سلبية جدا، فمازال الكثير من الأتراك يقولون إن العرب ساهموا في تفكيك الدولة العثمانية بتحالفهم مع فرنسا وبريطانيا وهذا الموقف غير سليم ولا هو صحيح ومازال الجامعيون الأتراك متمسّكين به. إن الموقف التركي الكمالي من العلاقات العربية العثمانية كان سلبيا ويتحمل الكماليون المتشددون مسؤولية ذلك، وأعتقد أن القضية تاريخية وتحتاج إلى خبراء لمعالجتها بهدوء، بعيدا عن "التسييس" الذي صاحبها إلى وقت قريب جدا. إلاّ أنّني أؤكد أنه بعد ستين سنة من اهتمام العرب بقضية فلسطين وكان اهتماما لم يتوج بأي نتيجة، بل غلبت عليه الشعارات والصراعات الداخلية العربية/ العربية وتأجيل مشاريع التنمية وعدم تبني الديمقراطية والاستمرار في قوانين متعسّفة على الحريات. لقد انتقل الآن الملف الفلسطيني من العالم العربي إلى العالم التركي وهذه نقطة جيوستراتيجية غيرت من معطيات هذا الملف، في فترة صعود حزب العدالة والتنمية بقيادة "رجب طيب أردوغان" الذي استمدّ الموقف التركي إزاء فلسطين من مواقف الدولة العثمانية الحضارية. فالدولة العثمانية احتضنت الجالية اليهودية التي أطردت من أسبانيا سنة 1492 والتي وجدت في الفضاء الجيوسياسي العثماني الطمأنينة والأمن. وموقف أردوغان لم يكن موقفا اعتباطيا بل المدقق في جدليته سوف يتأكد أن هذا الموقف له جذور تاريخية وأذهب إلى الاعتقاد أنه الموقف السليم والصحيح الذي شرّف تركيا وطبعها بطابع الدفاع عن الحقوق الدنيا للفلسطينيين، وعلى الرأي العام العربي والمؤسسات والمنظمات العربية والإسلامية أن تستمد الدروس من هذا الموقف التاريخي لتركيا "أردوغان".
كيف ذلك؟ أعني هل حدث الأمر بهذه السرعة أم أن هناك سياقا طويلا لم نكن على بينة منه ولم نكن مطّلعين عليه؟
أعتقد أن هذا الملف أصبح شغل الحكومة والشعب التركي وأذهب بعيدا للتأكيد على البعد التاريخي وهنا أذكر بحادثة شخصية عندما دعا "أردوغان"، وكان رئيس بلدية استانبول يومئذ، مجموعة من المؤرخين لعقد مؤتمر حول فتح القسطنطينية أي استانبول سنة 1453. وعلى مائدة العشاء التي دعانا إليها دار الحديث بين أردوغان وبيننا وسألناه عن خلفية الاهتمام بفتح القسطنطينية، وقد تبين لي من خلال إجابته أن الرّجل مدرك جدّا للجوانب الإيجابية للتاريخ العثماني ويرى فيها عناصر ارتكاز ثابتة لتركيا في المستقبل وهو يطمح لإبراز هذه المحطات المضيئة للرأي العام التركي وهو يعلم مسبقا أن الكماليين قد غرسوا منذ البداية في الذهنية والسلوك التركي تحجيم الدولة العثمانية ورفضها جملة وتفصيلا. وقد دار الحديث حول خلفية عدم اهتمام الأتراك الكماليين بالتاريخ العثماني وأسباب ذلك.
وفي تقديري كمؤرخ فإنّ "أردوغان" قد استشرف التاريخ العثماني وركّز على عناصره الإيجابية وهنا لا بدّ أن نستذكر الموقف الذي اتخذه السلطان عبد الحميد الثاني تجاه فلسطين عندما رفض عروض "هرتزل" التي قدمها إليه بتسديد كلّ ديون الدولة العثمانية ذهبا، مقابل أن يسمح السلطان بإعطاء شرعية تسمح لليهود بالهجرة والاستقرار في فلسطين وكان رده الذي حفظه له التاريخ بأنّ هذه الأرض الفلسطينية أمانة في عنقه وعنق المسلمين، ولا حق له في التفريط فيها مهما كان الثمن!
هذا الموقف التاريخي للسلطان "عبد الحميد الثاني" له أبعاده الجيوستراتيجية على سلوكيات وذهن القادة الأتراك الجدد وأردوغان واحد من هذا الجيل الجديد؟
موقف أردوغان في تقديري وموقف حزبه المنتخب هو موقف المقتنع بأحقية عدالة الملف الفلسطيني وليس هناك حسابات تكتيكية كما يذهب البعض إلى ذلك.
ولكن اسمح لي سيدي أن أسأل: ما المانع في أن تكون مع هذا العمق الفكري الاستراتيجي الذي تمّ استنهاضه في تقديرك حسابات ومصالح سياسية واقتصادية لدولة تركيا؟
ستون سنة من حكم العسكريين الكماليين أنتج عداء بين تركيا وجيرانها من الأرمن والسوريين واليونانيين والعراقيين إلخ… وأن يحول هذا الرجل هذه العداوات إلى صداقات واعدة، فهذا يحسب له حقّا. كما أدخل أردوغان نفسا جديدا في التعاطي مع حقوق الأقليات في تركيا إذ تبنى تجاهها إصلاحات قانونية (كاحترام اللغة والتراث الفكري لغير الأتراك)… وتم هذا الأمر على الرغم من أن الصحافة لا تزال كمالية وكذلك الجيش والدبلوماسية والجامعيون وخصوصا المرأة الجامعية فجميعهم مازالوا يؤمنون بمبادئ الكمالية المتشددة. هذا أوّلا، وثانيا أن تركيا بحكم قوتها الاقتصادية (إذ بلغ معدّل التنمية بها 10% في حين أن معدّلات التنمية في البلدان الأوروبية لا تتجاوز 1%، قد فرضت تركيا كمارد اقتصادي ومن مصلحتها أن تفتش عن أسواق لتصريف بضائعها في كلّ مكان. وتوجد الآن آلاف الشركات الأوربية والأمريكية والعربية بالسوق التركية للاستثمار فيها، وأن ينجح "أردوغان" في تسديد نصف ديون تركيا يدفعنا إلى التساؤل ألا يعدّ ذلك مؤشرا على النجاح ؟ من قام بهذا العمل من قبل؟
ثم أن يمنح أردوغان العملة لتركيا قيمة ثابتة وتتطور السياحة بها بحيث كان يزورها تسعة ملايين زائر في السابق وأصبح عددهم الآن 23 مليون. كلّ هذه المعطيات دالّة على هذه الإنجازات الكبيرة في مختلف الميادين, ثم الوضع الجيوسياسي لتركيا فرض عليها أن تفتش عن مرتكزات تاريخية وثقافية وسياسية واقتصادية لهذه الصداقات، فهذا عين الذكاء، وفي هذا الإطار نضع الاهتمام بملف فلسطين.
ولكن لماذا هذا التواكل في الحماس للمخلّص التركي الجديد بعد اليأس من المخلّصين القدامى لفلسطين (مصر، العراق، وأخيرا إيران…)؟ لكلّ بلد مصالحه، فلماذا يترك الملف الفلسطيني بين أيادي اللاّعبين الإقليميين الجدد في منطقة الشرق الأوسط، وتوظّف تركيا القضية الفلسطينية ككل القوى الكبرى في المنطقة و تحتفظ إلى حدّ الآن على الأقل بعلاقات إستراتيجية عسكرية مع اسرائيل؟
أؤكّد أن لا "أردوغان" ولا حزبه يستطيعان أن يتخلّيا عن هذا الموقف الاستراتيجي الذي سنّه الكماليون ووثّقوه بمعاهدات مختلفة ومحينة خلال الثمانين سنة الماضية مع اسرائيل وهذا يحتاج إلى عملية إعادة تقويم جذرية تأخذ بالاعتبار عديد المعطيات الفنية وسوف تؤكد الأشهر القادمة مدى أهمية واستشرافية التحوّل التركي تجاه اسرائيل والتي بدأت تخطط لمجابهة هذا الانزلاق الخطير في علاقاتها مع تركيا وعليه فإنّ موقف تركيا خلال الأسابيع الماضية مثّل مناسبة وهدية ثمينة منحها العرب لتركيا.
ومع هذا لم تقطع تركيا علاقاتها مع إسرائيل ولكنّ رئيس الجمهورية "عبد اللّه قول" أكد قائلا : نحن في وقت مراجعة علاقاتنا مع إسرائيل وهذا ما يؤكّد أن إسرائيل مهتمة بخطورة الدور التركي وأن تهدّد تركيا بقطع علاقاتها وسحب سفيرها ما لم ينجز تحقيق دولي في ما تعرّض له أسطول الحرية يؤكّد هذا التمشّي. وفي هذا السياق يبدو موقف الجامعة العربية مخجلا جدا حيث لم يتمكّن الأمين العام للجامعة العربية "عمرو موسى" من دخول غزّة إلا بعد الموقف الحازم الذي أعلنت عنه تركيا أردغان.
وتقديري أن اهتمام تركيا بالعالم العربي-الإسلامي هو توجّه استراتيجي وقد بدأت تركيا في أخذ مبادرات ذكية جدا للدفع بالعلاقات العربية إلى الأمام من خلال تبنيها للأحداث بدليل إطلاق قناة تركية موجهة للعالم العربي، ثم هناك تفعيل إيجابي لمواكبة العائلات العربية لموجة الأعمال الدرامية التركية التي شغلت جمهور التلفزيون في هذه السنوات الأخيرة. وفي المقابل لا نجد اهتماما للعرب بالحضور في تركيا بأي وجه من الوجوه بالثقافة ولم يهتم السينمائيون العرب الغارقون في رؤية إقليمية مشطّة عربيا لإنتاج مسلسلات ذات شراكة مع الأتراك !
هل من حقّ الإسلاميين في العالم العربي أن يقدّموا حزب العدالة والتنمية باعتباره دليلا قويا من بلد مصطفى كمال أتاتورك العلماني على شرعية الزواج بين الديمقراطية والإسلام؟ وهل يمكن الاقتداء بهذا النموذج السياسي الذي حقّق مكاسب كبيرة لتركيا بالنسبة لغير الأتراك من العرب والمسلمين كما جاء في تقييمك أم أن هناك خصوصية تركية في هذا الجانب، علينا إبرازها؟
أولا لعلم النخبة العربية إن مؤسستنا الأكاديمية هي الوحيدة في العالم العربي التي نظّمت مؤتمرا دوليا حول مضامين الكمالية وقد دعونا لها أكثر من عشرة خبراء أتراك منهم ثلاثة وزراء سابقين. وقد استنتجنا من هذا الحوار أن الكمالية نسبة لمؤسس الدولة التركية الحديثة "مصطفى كمال أتاتورك" هي توجه فكري تحديثي، يمنح للتركي أحقية الدّفاع عن كينونته، بعيدا عن المعطى الديني والطرقي والفلكلوري. الكمالية إذن في نظر الكماليين المؤمنين بذلك، هي دفاع عن الإنسان التركي، بعيدا عن أي تأثير ديني وهو إبعاد بشكل تدريجي للمعطى "الجيوديني" مثل أدوار الأوقاف والطرقية مثل البكتاشية التي هيمنت وشكلت مجال تحرّك الإنسان التركي خلال العهد العثماني، وهذا عكس ما هو موجود في العالم العربي حيث صار الدين مكبّلا ومقيّدا لكل التأويلات الإنسانية للوجود بمختلف تمظهراته. ولذلك دهش الأتراك عندما سمعوا أن تونس نظمت مؤتمرا عن الكمالية التركية بمضمونها وفلسفتها. الكمالية لها عديد الإيجابيات إلا أن رأيي أن الإغراق في ضرب المظاهر الدينية عتّم على المضمون الجوهري للكمالية والتي هي احترام للقناعات الدينية لكل فرد. لقد شاع في عالمنا أن الكمالية محاربة الدين الإسلامي والتتريك ووضع الطربوش، وعدم احترام الدين وغلق المساجد، ولكن المجتمع التركي الذي أعرفه هو مجتمع متدين. والتركي يقول إن القرآن بمثابة هدية ربنا بالمعنى الروحي للهدية الرّبانية. وأتمنى أن نتبنى مضمونا عربيا لهذا التوجه التحديثي الجديد من خلال عدم المساس بقدسية الدين.
أردوغان هو وجه جديد من معالجة الكمالية على أساس موقعة الإنسان التركي في الفضاء الجيوسياسي "الشرق أوسطي" وانطلاقا من مخزونه الحضاري وتاريخه العثماني في تجلياته الإيجابية.
إن الكمالية بالمفهوم الأول لأتاتورك لم تعد صالحة اليوم وأعتقد أنّ أردوغان اجتهد في ضخ مضامين جديدة للكمالية، من تجلّياتها على مستوى الشعار الانتقال من الشعار الانفصالي وهو مبدأ كمالي لأتاتورك "يا من أسعده أن يقول أنا تركي" إلى شعار أردوغان "أنا لتركيا وتركيا وحدها". وهو شعار أقل محلية وشوفينية وغطرسة وأكثر انفتاحا. والكمالية أيضا هي احترام للأقليات وللمسار الديمقراطي الذي فرض من خلال هذا البعد الجديد "لأردوغان". ثم أن المناخ الديمقراطي في تركيا حقيقة ثابتة اندهش لها الأوربيون وهو أمر لا يوجد في العالم العربي. وهذه أيضا من سياسته الحكيمة. "أردوغان" ذكي ولا يمكن أن يزج بتركيا في إسلام منغلق، بل يدافع عن الإسلام ذي صبغة إنسانية سمحة يقبلها الجميع.
أمّا عن مظاهر التدين في تركيا فهي ظاهرة عامة وتشمل شرائح المجتمع القروي أساسا وهو الجزء الأكبر من المجتمع التركي اليوم وهؤلاء لا يشكلون ثقلا استراتيجيا في حسم القضايا الهامة. إسلام اردوغان مرن تحديثي يأخذ بالاعتبار معطيات وثوابت وانتاجات الفكر العثماني والعربي.
– الإعجاب الذي يظهر من حديثك بالتجربة التركية يأخذنا إلى مجال آخر من مجالات اهتماماتك وهي سلسلة الشهادات واللّقاءات والندوات التي نظّمتها وما تزال في إطار مؤسستكم الخاصة لإضاءة جوانب من التاريخ السياسي لتونس في عهد الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، المتهم بتأثره بالنزوع العلماني لأتاتورك. كيف ترى هذا الربط بين التجربة التركية والتونسية وهل أفادك السياسيون التونسيون بمعلومات مقابل الفرصة التي منحتها لهم للتفصّي من مسؤولياتهم وتطهير سيرهم؟
أنا مهتم بتركيا انطلاقا من العهد العثماني، لكن بعدما قاربت التجربة التركية، اندهشت لنواحيها الإيجابية منذ إعلان الدولة التركية في عام 1923 وتوقفت عند هذه التجربة وخصوصياتها الجيوسياسية والتحديثية التنويرية وعليه أؤمل أن البلاد العربية تأخذ بهذه الثورة الذكية الهادئة والعميقة جدا ولا شك أن هناك حتما نقاط تلاقي بين التجربة التحديثية التنويرية البورقيبية والمتأخرة عنها، وهذا ما يجرني للقول بكل أسف أن ما كتب في عهد بورقيبة في حياته من طرف السيد "محمد الصياح" والذي منحه بورقيبة صلاحية كتابة تاريخه الشخصي، قد جانب الحياد مع احترامي لذكائه المفرط فإن الحيادية جانبت مقارباته ووصل الأمر في بعض الأحيان إلى غمط كثير من مفاصل الحياة البورقيبية وكثير من الحقائق، بل أن الأمر وصل إلى التأليه وموقعة بورقيبة موقعا أساسيا في عملية تسييره للدولة الحديثة، هناك أشياء مهمة جدا غيبت في عملية التأطير للتجربية البورقيبية من قبل المؤرخين العلميين وهذا بسبب عدم استفادتهم من مخزون أرشيف دولة الاستقلال واستحالة توظيف كل أرشيفات وزارات السيادة وعليه لم يتمكن المؤرخون من دراسة هذه التجربة بكلّ أمانة وجدية. وفي اعتقادي أن التأطير التاريخي لمرحلة بورقيبة لم يبدأ بعد، بل وتم إشعارنا باستحالة معالجة بعض ملفاتها البتة على الرغم من أننا توخينا المنهجية الأكاديمية.
وهناك قضايا قد منعنا من معالجتها. لقد نوهت عاليا بموقفه مثلا من استقلال موريتانيا، وهو الموقف المشرف والاستثنائي الذي تبناه، إلا أني من جهة أخرى توقفت مليا حول قبره وقتله للمجتمع المدني بتونس في إطار أكاديمي صرف، وأنا أقول إن التجربة التحديثية البورقيبية تحتاج للدراسة من لجان متعددة الاختصاصات. وفي هذا الإطار فقد نشرت كتابي الجديد "دراسات في منهجية الحكم البورقيبي" وقد أبرزت فيه النواحي الإيجابية والسلبية.
كيف قتل بورقيبة المجتمع المدني في تقديرك؟
لقد صفّى كلّ الجرائد والتي كانت تصدر قبيل الاستقلال وهي بعدد 55 صحيفة ولم يحتفظ سوى بثلاثة تسبّح باسمه. ثم أنه ألغى كلّ مؤسسات المجتمع المدني من جمعيات في طول المملكة وعرضها وهي بالمئات ومن بينها مثلا جمعية الشبان المسلمين التونسية التي كان على رأسها الشيخ محمد الصالح النيفر وهو يعد من أبرز رواد المجتمع المدني قبل الاستقلال عندما أنشأ 120 خلية لتعليم الأطفال في أقصى البلاد مركزا على تعليم البنات وتقديم المساعدات.
كما أن الرئيس بورقيبة قضى على الحزب القديم لاحتقاره لجميع شخصياته السياسية كما أنه سيطر على النقابات وهنا تأتي قضية النرجسية فهو رجل لا يؤمن إلاّ بنفسه مع انعدام أحقية الفرد واحترام الرأي الآخر. برفض المعارضة جملة وتفصيلا. ومن هذا الجانب فقد رفض في الوقت المناسب منح الشعب أحقية ممارسة الديمقراطية كما أنه رفض الانسحاب من المسرح السياسي منذ 1975 عندما خدروه ومنحوه الرئاسة مدى الحياة وتلك كانت أقوى وأبلغ لعنة لنضاله السياسي الطويل، ولو قبل مبدأ الانسحاب لكان واقعا وحقيقة أبا الشعب التونسي دون منازع.
وبورقيبة هو محطّ كلّ الأضداد فهو مع الإسلام وضده مع اللائكية وضد اللائكية مع العربية ومنشئ مع سنغور للفرنكفونية، مع اعجابه المطلق بالاختيارات الغربية في الاقتصاد والتعليم ذي التوجه الأوروبي وكانت علاقاته محدودة بالشرق والذي تنكر له تماما. بورقيبة باختصار نموذج فريد للحكم الشرقي على الرغم من تكوينه القانوني الغربي.
وفي خصوص الشهادات التي قدّمت لدينا في المؤسسة، فهي تمثل مدونة سمعية وبصرية لا غنى عنها، وقد نشرنا 130 نصا من هذه الشهادات وهي تمثل قاعدة بيانات فريدة من نوعها في البلاد العربية وترفض الدوائر السياسوية إحلالها مكانتها الحقيقية في ربط المجتمع التونسي بقياداته المختلفة بل ومصالحته لها، وهناك في هذه الشهادات من أجابنا بأمانة وصدق ومسؤولية وثمة من كذب علينا. طبعا دور المؤرخين في البحث والمقارنة وإظهار من كذب ومن صدق، هي عملية مجهرية نقوم بها بكل أمانة ومنهجية وتلك هي رسالة المؤرخ الحق والمؤمن برسالته في كتابته بمنهجية.
طالبت في رسالة شهيرة ملك اسبانيا بتقديم اعتذار عمّا لحق تاريخيا من عذاب للمورسكيين ولكن ألا يحقّ بالمقابل للأسبان مثلا أن يطالبوا المسلمين بالاعتذار عن احتلالهم لبلدهم تحت عنوان الفتح الإسلامي خصوصا وأنّ هناك من المستشرقين الأسبان من يقول إن الحضور الإسلامي في اسبانيا مدة ثماني قرون قد أخر اسبانيا عن اللّحاق بالتحديث الأوروبي؟
لنذكّر بأن العالم العربي-الإسلامي والغربي يعيش حلفا حضاريا بين الشعوب والنخب والأمم. وهذا الحلف الذي تمّ بين أردوغان وزباتيرو(رئيس حكومة اسبانيا) في استانبول منذ خمس سنوات ووافقت عليه الأمم المتحدة باعتباره مرجعية للعلاقات المستقبلية بين الشعوب، ويقضي هذا الحلف بتجنب الأخطاء التي ارتكبت في الماضي في أشكال من الاستغلال والظلم والعدوان ويعمل هذا الحلف لأجل ذلك على أن يتم تجنّبها في المستقبل. والعالم العربي يريد أن يؤكد أن أخطاء الماضي قد حصلت ويطالب بعدم تكرارها. من هنا جاءت قضية الاعتذار الحضاري الذي ندعو له، ونحن لم نطلب تعويضات عن مآسي الماضي، بل طالبنا باعتذار عن مأساة إنسانية ألحقت بنصف مليون عربي أطرد ظلما من وطنه الأندلس التي منحتها الأجيال السابقة أفضل ما لديها من نبوغ وإبداع في عديد المجالات، ثم أنه أثناء هذا الطرد الجماعي اللاّ إنساني تمت مصادرة أموالهم وأرغموا على التنصّر والغريب أن اسبانيا اعتذرت لليهود باعتبارهم الفرع إذا قيس ذلك بالعرب الذين هم الأصل وقام جلالة الملك بالاعتذار الرسمي الذي وظفته وسائل الإعلام الأمريكية مثل CNN بل أن مؤسسات اسبانية حكومية ومدنية قامت بجمع الأموال للتعويض لليهود "سفاريد".
وللتذكير فإنّه عندما هُجّر هؤلاء الموريسكيون من إسبانيا سنة 1609 استولى الأسبان على أملاكهم وأوقافهم وعلى تراثهم كله وتركوهم في قرى خالية. فمات جزء منهم والبعض الآخر لجأ إلى تونس التي استقبلت أكثر من مائة ألف موريسكي. وتوزعوا في مدن البحر الأبيض المتوسط العربية والأوربية وحيث لجأ إلى الجزائر حوالي 25 ألفا وإلى المغرب حوالي خمسين ألفا. لكن أكثر الهجرة كانت إلى تونس وإلى ليفورنا بإيطاليا اليوم ثم إلى الباب العالي وبالأناضول تحديدا. كما عثرنا على بقاياهم بالهند وتمبكتو وفي العديد من مدن أمريكا اللاتينية. والموريسكيون كانوا في الحقيقة عنصر تمدين وحضارة، وقد نقلوا تراثهم الفكري والصناعي إلى شمال إفريقيا وكانوا رواد حداثة بالمعنى العالي للكلمة. والذين يرفضون الاعتراف بالدور الإيجابي والإبداعي للعرب في الأندلس فهي مسألة بائسة حقا ولا تستحق الرد عليها.
تبدو متحمّسا لتجارب العلمنة في العالم العربي الكمالية والبورقيبية، في رأيك هل تعتقد أن الإسلاميين بإمكانهم أن يشاركوا في حياة ديمقراطية والحال أن مرجعياتهم الفكرية قائمة على الحاكمية للّه؟
العلمانية مفهوم ضبابي ومضلّل وهي غير مقبولة في العالم العربي ولا الإسلامي، وأنا أفضل عدم استخدامها، لأن لها ترادفات عكسية، أنا أفضل التحديث النسبي والهادئ المبني على أسس علمية ومنهجية لبعث إنسان عربي جديد يتوافق مع قناعاته الفكرية وأحقية تبنيه الأسلوب الذي يرتئيه لإنسانيته وكينونته، وهنا أؤكد أن لا مستقبل للعالم العربي ولا الإسلامي إلا بتبني مبدأ الديمقراطية الإيجابية والتي تنادي باحترام الخصوصيات الفردية، على أن الإقصاء لا يخدم أحدا على الإطلاق، وعليه فأنا أدعوا للحوار مع كلّ التوجهات إسلامية وغير إسلامية. هذا رأيي المبدئي وعندما يرفض الإسلامي وجود لائكي ويسعى لإقصائه، فإنّني أغير رأيي فيه وفي مشاركته المستقبلية. والعملية لها أبعاد دقيقة جدا على عديد المستويات وهذه المقاربة تحتاج إلى تعميق دلالاتها من خلال الحوار والحوار وحده هو الكفيل بذلك، لنعمل جميعا على إدخال المفاهيم الجديدة لإنسان عربي ومسلم، ذلك هو التحدي الحقيقي الذي نواجهه اليوم وغدا.
