حوار مع فيليب سولرز حول رولان بارط : أفتقد صوته – أجرى الحوار: آليوشا والد لاسفسكي Aliocha Wald Lasowski
نشرت مجلة مغازين ليترير ملفّا خاصا عن الناقد وعالم السيميائيات رولان بارت الذي أثر في أجيال من الدارسين في مجالات متعددة، وقد ولد بارت سنة 1915 وتوفي سنة 1980 وترك آثارا عديدة منها الدرجة الصفر للكتابة؛ ميثولوجيات؛ امبراطورية العلامات، رحلة إلى الصين، ضدّ التوليتارية، ومقالات نقدية بالإضافة إلى دراسة عن الكاتب الفرنسي راسين، ودراسة حول الماركيز دي صاد، وكتابين حول سيرته الذاتية هما: رولان بارت بقلم رولان بارت؛ خطاب العاشق. وفي هذه الكتب تتضح شخصية بارت متعددة الجوانب والاهتمامات سواء في بداياته الشكلانية أو عند توجهه إلى البنيوية أو بعد رفضه لها واهتمامه بدراسة العلامات في الثقافة والموضة والإعلانات….
سافر بارت إلى الصين من11 أفريل إلى 4ماي 1974 مرفوقا بـ”فرانسوا واهل” ووفد من فريق مجلّة “تيل كال tel quel” تركّب من فيليب سولرز، جوليا كريستفا، ومارسلين بلاينات.
اقتفى الزائرون المسار الذي دشّنه قبلهم الغربيون الذين زاروا الصين في السبعينات(زيارة المصانع، لقاءات، عروض..)”محميّين” من كل اتصال مع الصينيين. وسرعان ما أسف بارت لغياب أيّ لامنتظر، وأية مفاجأة ..
في هذا الحوار يسترجع فيليب سولرز بكثير من الشوق والحميمية ذكرياته عن رحلته تلك إلى الصين وعن رفيق سفره رولان بارت، وعن علاقة الصداقة التي ربطت الناقد الراحل وهو في الستين من عمره بالكاتب والناشر الشابّ.
هل كانت النظرة التي يحملها بارت عن الصين تشهد على اهتمام مشابه ومشترك ومتقاطع بين الصين واليابان؟ هل كان يحمل مثلك عند اتصاله بالصين”هذا الشغف بكل ما يتصل بالفكر والشعر وبالرسم وتاريخ هذه الحضارة” إذا ما استعملنا العبارة التي وردت في كتابك” رغبة ثابتة”؟
فيليب سولرز: لا أعتقد ذلك، ويا للغرابة. فقد كان بارت مهتما باليابان، ويحتوي كتابه “امبراطورية العلامات” على انفتاحات ممكنة نحو الصين، لكنني لا أعتقد أن حضارة الصين وفكرها وشعرها ورسمها قد نالت من اهتمامه حيزا كبيرا. وأذكر أنه عندما كنا هناك في 1974 وعندما كنا نصادف حافلة من السياح اليابانيين (وعدد السياح آنذاك قليل) كان أدلاؤنا يسألوننا فورا ما إذا كنا نستطيع إيجاد الفروق بينهم وبين اليابانيين، والفروق كانت في عينيّ ساطعة..ولكن ربما بالنسبة إلى غربيّ كلاسيكيّ فإنّ كلّ ذلك يغرق في المفهوم السائد لآسيا. إنّ الصين هي ثلاثة آلاف عام من التاريخ، أما اليابان فأقلّ من ذاك بكثير أي أقلّ عمقا وأقلّ إثارة للأهمية. الشغف بالصين: هذا ما أنا عليه حقّا.
حول بارت والشرق كنتَ كتبتَ في ” رواية حقيقية” أنّ بارت “كان يقترب في نهاية حياته أكثر فأكثر من البوذية”، فهل كان بارت يشعر بأنه قريب من راهب زينzen ؟
في كتاب ” الغرفة الجلية” كانت الإشارات شديدة الدقّة، على أننا هناك أيضا كنا في الجانب الياباني، قرب مدينة “كيوتو” وهناك وجد بارت مخرجا ممّا كان يخجله في الحضارة الغربية، أي “إرادة الاغتنام”. في نهاية حياته كنا نلتقي باستمرار فقد كنا صديقين قريبين، وكان قد صار منهكا من الثرثرة: من “بابل” التي تحيط به مثل الطلبات التي تصله للتنشيط الثقافي. كان يريد أن يرى إذا ما كانت “حياة جديدة”ممكنة الحدوث له، فبعد وفاة أمه التي كانت حدثا حاسما كما تظهره الصفحات المؤثرة والمحزنة في “يوميات الحِداد”le journal de deuil…فالبوذية إذن ، نعم[ كان قريبا منها]فتبعا لتربيته البروتستانية(لم تكن له ذرة من الكاثولكية) لم يكن منجذبا إلى روحانية غربية.
خلال لقاءاتك الأخيرة به ما هي مراكز الاهتمام المشتركة لمحادثاتكما؟ أكانت لكما مشاريع للكتابة المشتركة؟
كانت لبارت قدرة معتبرة على الإحساس بالضجر رغم أن مواعيد الغشاء معه كانت مثيرة، كانت لنا أشياء كثيرة نقولها أحدنا للآخر، خصوصا حول مشروعٍ لكتابة موسوعة، فقد كان يقول لي باسمرار بعد النص الرائع عن لوحات الموسوعة أنه من الضروري العودة[إلى المشروع]، وأظنّ أنه أنجز بعضا من ذلك في نصّه”حرب الذائقة la guerre du gout”وفي نصّه” مديح المطلقl’éloge de l’infini” وهما بشكل ما موسوعتان. كان ذلك مشروعا حقيقيا وحارقا، فبما أنّنا نلج عالما جديدا محاصرا بالجهالات فإنّ أسلوبا جديدا في النظر إلى الأرشيف، فيما يتعلق بالثقافة العالمية أو الثقافة الفرنسية على حدّ سواء، كان يفرض نفسه على نقاشاتنا….لكنّ بارت كان حينئذ في حداد عميق، وأنتم ترون إلى أيّ حدّ يؤكّد في “يوميات الحداد” أنه لا يستطيع أن يصارح أحدا حول ما لا يسمّيه “الحداد” وهو مفهوم شديد الاتصال بالتحليل النفسيّ، بل يسمّيه” الكمد”…وهذا حاضر أيضا في ” الغرفة الجلية”، أحد أهمّ كتبه. يمكنك أن تجد بارت بمجموعه في صورة أمّه في حديقة الشتاء.
أيّ بارت أكثر أهمية في نظرك؟
أنا أحتفظ بالكلّ تقريبا، خاصّة الكتب المنشورة في السلسلة التي أصدرها، لقد لهونا كثيرا خلال الجدل الذي جمعه بـ “رايموند بيكارد”، وأنا من نشر ردّه”النقد والحقيقة critique et vérité”، وتبعته كتب أخرى، شديدة الأهمية: صاد le sadeفوريي fourier، ولويولا لا تشيخ Loyola est ne vieillit pas،و S/Z،المخصص لكتاب بالزاك Sarrazine، وله أيضا ذاك الكتاب العجيب”امبراطورية العلامات l’Empire des signes، وكذلك “الغرفة الجلية” La Chambre claire..
لقد كتب بارت عنك أنّه إذا كان أندري جيد”ينتج الصورة الثابتة للمتحرّك” فإنّ سولرز” يمنع الصورة أن تُؤخذ”، أيمكن أن نمرّ من خلال نظرته إلى كتاباتك إلى بارت الكاتب؟
نادرا ما تمّ الاهتمام بالدرجة التي وصل إليها بارت باعتباره كاتبا جيّدا، مع أُذُنٍ مميّزة بطبيعة الحال، لقد نشرت له نصوصا في مجلة تيل كال tel quel، ودافع عني في مناسبات متعددة عندما كنت محلّ هجمات كاسحة، وهذا ما أنتج هذا الكتيّب بالغ الأهمّية عندي”سولرز كاتبا” Sollers écrivainوفيه، عمّا كنت أكتبه آنذاك، أشياء دقيقة وجوهرية. يتعلّق الأمر بدرس في الكوليج دي فرانس حول “التذبذب” قابل فيه بارت بين الصراحات المتعاقبة لـ”جيد” ومعاركي الشّرسة ضدّ أن تصبح الصورة جمادا، لقد أُتّهمت بأنني وسائطيّ، لكنّ بارت فهم منذ البدء رغبة المجتمع في تحويل كلّ شيء إلى صورة. لقد كانت معركة على جبهتين: الكتابة من جهة والقراءة من جهة أخرى، فهذان الفنّان بصدد التلاشي، لقد كنّا نشهد بصفة استعراضيةـ وكلمة استعراض تفرض نفسها ـ التدمير المنظّم للعيش الجيّد وللقراءة الجيّدة وتبعا لذلك للكتابة الجيدة، فقد صار نادرا أن تعثر على أحدٍ يعرف كيف يقرأ(بما تعنيه القراءة من قدرة على التخزين في الذاكرة، والفهم، والقراءة بصوت عالٍ، وصيانة المَلَكَة النّقدية للقراءة). انظروا إلى روايتي “المسافرون في الزمن” voyageurs dans le tempsوقد سُطّر محورها في معنى هذه المأساة. مأساة فعلا . لقد كان النص الأول الذي كتبه بارت عني حول كتاب أصدرته في شبابي بعنوان” مأساة”، وما زلت شديد التعلق به: إنّه تحليل طويل في تشكيل كتاب إفاقة كما لو أنت الأمر يتعلق في كل مرة بولادة جديدة، بولادة تستمرّ، ولهذا علاقة بالزمن، لقد كان بارت رفيق سفرٍ في الزمن. ففي نهاية الأمر كان مشروعه في ملاقاة “بروست” أو حتى ” ستندال” يقرّبنا أحدنا من الآخر باستمرار، وبقينا صديقين إلى آخر المطاف. لقد قلب موته كياني، ولهذا أثره في جلّ ما كتبته، نعم لقد كان بارت من أكبر الصداقات في حياتي، الصداقة التي تتضمّن الإعجاب.
إذا كان النص حول الصين راسما لمشهد إيتيقيّ، لذكرى عن معبدٍ، لمناخٍ، لِوجه، ففي أيّ مشهدٍ كان بارت يحسّ بالسعادة؟
لقد قال ذلك مرارا وتكرارا، كان سعيدا في موطنه، في أورت Urt،أو عندما كان يستغرق في قراءة مكثّفة، ثمّ هناك ذلك الحبّ العميق جدا لوالدته. كان سعيدا أيضا في صداقاته، كان يعيشها بأعلى مستويات رهافة الحسّ والرقّة، وهذا لم يكن يمنعه من اتخاذ وجهة نظر نقدية تجاه أصدقائه بمن فيهم أنا طبعا. (وهذا ما نراه في تذييلات “رحلة إلى الصين”، وفيها يذكر أنني أبالغ في شانه بما انتهى إلى إزعاجه، ولكنني أعرف لماذا كنت أفعل ذلك آنذاك)، هو أيضا كانت له رغبة عارمة في معرفة ما كنت أفكّر به، وما زلت أذكر المراسلات التي كنت أعبّر له فيها، بالخصوص، عن مشاعري تجاه كتابs/z ، ذلك الكتاب العجيب في تقديري.
إنّ بارت كاتب، أي إنّه شخص يولي أهمّية لأقلّ جملة، وكانت له أُذُنٌ، وكان له ذوقٌ، وكان يتسلّى بشكل رائع، بالرسم وتمشيط شعره..إنّك تجد عنده الهمّ الجماليّ ، لنقل الآسيويّ ولكنّه اليابانيّ بالتدقيق وعلى الدوام. ذوقٌ رفيعٌ، قارئٌ كبيرٌ يعرف كيف يتنقّل في الحاضر (وأنا برهان ذلك)كما يُجيدُ التنقّل في الماضي(انظروا إلى نصوصه العظيمة عن بروست أو صاد)، وما كان يسمّيه الكتابة كان متّكئا على إنصاته المميّز، لأنّه كان يجد أنّ كلمة”أسلوب” قد تمّ تجاوزها بالقوّة[لا بالفعل]، ولكن الأمر يعود إلى هذا: إلى أنّه كان صاحب أسلوب معلن عن وجوده بين المئات ما أن يكتب ثلاثة سطور.
وألحّ أيضا على مسألة الصوت، وعلى طريقته في الكلام، لقد كان ذا صوت فاخرٍ جدّا، فبذرة الصوت من عناوين كتبه على أيّة حال، صوت خليق بمن كان في غمرة الموسيقى عازفا ومنصتا، إنّ الأدب شديد القرب من الموسيقى، وهذا ما لايشكّ فيه كثير من الناس.
في كتابك “المسافرون في الزمن” كتبتَ: “إنّك لم تعد تنصت إلى الموسيقى، لم تعد تقرأ الأدب، إنّ الموسيقى والأدب يُفكّر فيهما من خلالك”، فما هي بالتحديد هذه المتاخمة بين الأدب والموسيقى، والتي تتقاسمانها أنت وبارت؟
أحسب أني، أنا الآخر، أمتلك أذنا ممتازة. فأن تكون كاتبا هو أن تكون مسكونا بالموسيقى. لم يكن ذوقى وذوق بارت متطابقين بالضرورة، فبالنسبة إليه كان الأفضل “شومان” و”فوري” أمّا أنا فـ”باخ”، دائما”باخ” ولا أحد غير “باخ”. المهمّ هو أن تُحبّ شيئا ما. وبارت كان يحبّ من أعماقه “بانزيرا”مثلا الذي لا يثير فيّ شخصيّا أيّ شيء، فبالنسبة إليّ فإنّ “سيسيليا بارتولي” في أ دائها الثوريّ لـ”فيفالدي” هي انبثاق العجائب، لم يكن ذوقانا أنا وبارت متماثلين، فأنا أفضّل النساء كثيرا.
هل يبقى بارت بالنسبة إليك حديثا؟
الحداثة اليوم تتمثّل في أن تكون شديد الحذر تجاه كلّ ما يقدّم نفسه باعتباره معاصرا إلى حدّ المبالغة، بما من شأنه أن يخلط الأوراق. ومن هنا جاءت فكرة الموسوعة: فالكلاسيكيون مُحدَثون والمحدثون كلاسيكيون. وإذا كانَ أحد المحدثين غير كلاسيكيّ فالأمر غير سليم، فالالتزام بالكلاسيكية بشكل أكاديميّ يبرهن أننا غير قادرين على أن نرى فيها قوّة حديثة بشكل مطلق سواء تعلّق الأمر بـ”راسين” أو بـ”المركيزة دي سيفانيي” أو “بروست” أو “سان سيمون”. وما أكّده بارت أكثر فأكثر، مع هرمه أو بالأحرى وهو يشبّ، هو قوّة الانتشار عبر الزمن، هل تذكر جملته الشهيرة” فجأة، صرت لامباليا إذا ما كنت حديثا أم لا”؟ كان مُحقّا في ذلك، وفي هذا الموضوع لم توجد قطّ قطيعة بيننا، فأنا من ناحيتي قد أجهدت نفسي كي أثبت في ماذا نعتبر الكلاسيكيين محدثين، والمحدثين كلاسيكيين، والمثال الأكبر، في الرسم، هو “بيكاسو” أو “واطّو” أو “غويا”: إنّهم قطعا محدثون كما أنّهم بكل تأكيد كلاسيكيون، نعم إنّهم لكذلك.
لنعد إلى تلك الرحلة إلى الصين: أيّة ذكرى بقيت لك عنها؟
كانت تلك السفرة محنة لبارت، فقد كان ضجرا فلم تكن له فعلا رغبة في السفر في تلك الفترة، وملاحظاته وكنّاشاته تفصح عن ذلك بكل وضوح. أمّا أنا فعلى العكس تماما، كان الأمر مثيرا فقد أحيت هذه الرحلة انفعالا شديد الحيوية، لا على المستوى السياسيّ كما قد قيل مرات كثيرة، ولكن على مستوى الاكتشاف المثير للمناظر الطبيعية المكثفة. والأجساد الصينية قد استوقفتني للتوّ بقوّة كبيرة، وكنت أتساءل طيلة الوقت في بيجين كما في شنغهاي كيف ستصبح الصين بعد عشرين عاما أو ثلاثين. وها نحن هناكَ! في بيجين كنت أذهب لامتطاء الدراجات، أما في شنغهاي فقد كنت أنزل لأرى الناس الغارقين في الصمت، الآلاف الذين كانوا في السادسة صباحا يمارسون “التاي شي صوان”(الجمباز التقليدي). لقد بدا لي المستقبل صينيا صرفا خصوصا عندما كنت أرى الصينيين. ومع بارت حضرت في ملعب كان يغصّ بالخلق مباراة في الكرة الطائرة بين منتخبي الصين وإيران، وتغلّب المنتخب الإيرانيّ للذكور على المنتخب الصيني، ثمّ جاء دور الرياضيات الإيرانيات فدخلن الملعب ضاجّات وهائجات، أمّا الصينيات وقد بقين صامتات مركّزات فقد سحقن الإيرانيات، كان اللاتناسب بين الرجال والنساء مثيرا للاهتمام، ولا شكّ أنّ للصين ما تخبرنا إياه في هذا المستوى وفي مستويات أخرى كثيرة. كنت حينئذ أتعلّم اللغة الصينية، وقد فعلت ذلك طيلة عامين كي أفهم قليلا، كان الأمر يتعلّق بما هو أبعد مما سُمّي بالماويّة، كان يتعلّق بفهم كيفية اشتغال هذه الحضارة العجيبة.
السفر في الفضاء، سفر في الزمن. ما هي علاقة بارت بالزمن؟
لم يقع بارت في فخّ الزمن الساقط من السماء، فلا ينبغي أن ننسى أنه انطلق من “بريشت”: من مرحلة ماركسية لها ما لها من قوّة، فله إذن معرفة حقيقية بالنقد التاريخيّ، متّجها شيئا فشيئا نحو اكتشافاته كي يعرف مثلا أنّ المكتبة في خطر جسيم، وكما قال “اسبينوزا”:” الجهل ليس دليلا”، وهذا ما يمكن أن نكتبه بحروف من نار. إنّ نصوص بارت حيّة، ولها نزاهة كبيرة، وألحّ على أن تأثيرات هذه النزاهة سياسيّة. السياسيّ بالمعنى النبيل والأرسطيّ للكلمة: فتأثير قراءة جيّدة أو تعليل منطقيّ جيّد يقدح فورا نتيجةً سياسيةً ليس بالضرورة هناك حيث ننتظرها. تذكّر كلمة “ستندال” :” كلّ تعليل منطقيّ يجرح”، وبعد هذا وذاك فإنّ هذا هو ما صدمه: عندما انفرد بارت بـ”راسين” أي بمنطق التعليل، وإمكانية نظرة عميقة إلى منشإ النصّ، وإلى تغيّراته عبر الزمن، والقراءة الجديدة التي يمكن أن نجريها له…فإنّ “الصوربون” قد انتفض فجأة، والخصومات بين القدامى والمحدثين صارت من جديد حدث الساعة. لكنّ الحديث الذي هو في الحقيقة كلاسيكي هو بارت. لا يوجد كلاسيكيَّ وهو أكاديميٌّ. حدث كلّ ذلك قبل 1968، قبل انفجار الجامعة، فشكْلٌ مّا من أشكال النوم كان قد انتهى عهده وكانت الإفاقة منه عنيفة، بل ومبالغا فيها من نواح عديدة.
أنت تذكر ماي 68، ماذا مثّل ذلك لبارت؟
لقد هزّه لك، لكنه لم يكن معاديا له، فمع”تيل كال” كنا مهتاجين في تلك الفترة. وإذا كان 68 قد أدخل اضطرابا على عاداته فقد اعتبر بارت أن ذلك ليس بالأمر السيّئ .68 هو أساسا انتقال في الأجيال، بل إني أعتقد أن بارت قد استعار شعارا من( يومية الشعب)[الصحيفة الرسمية في الصين]يقول” نحن في حاجة إلى رؤوس محترقة لا إلى خرفان”. ولكي أنعته أستعير جملة من “أورويل” متحدّثا عن نفسه: “لقد كان فوضويا محافظا” مع لباقة، تلك اللباقة التي أجاد “أورويل” بتسميتها اللباقة العادية. لقد كان بارت عقلا معاديا للتوليتارية، وكان شديد الحساسية من كل ما يمكن أن تصدر عنه إشارات فاشية.
في العدد الأخير من مجلة l’infini، نشرتَ نصا بعنوان” حقيقة بارت” ، وفيه أشرت إلى أن بارت لم تكن له كلمات كبيرة لأن” كلّ قوّة الاستدلال تكمن في الوصف المحايد ظاهريا”..
نعم، إنه كتاب”ميثولوجيات”! كلّ شيء صحيح في كنوز الميثولوجيا هذه. لم يهرم منها شيء: القسّ بيير، مجلّة هي Elle..
أيمكن القول إن رحلته إلى الصين لها قيمة عنده، ولها قيمة أيضا بالنسبة إلى الصين، ولكن باعتبارها تخلصا من محتويات ملوّثة، أي أن الرحلة كانت نوعا من التخلّي عن الالتزام، وهذا التخلي يمكن أن يصير هو الآخر نوعا من الالتزام غير المعلن؟
هناك كاتب لم يبدُ عليه يوما أنه ملتزمٌ، وأنتم تكتشفون اليوم أنّه كان ملتزما إلى أعلى درجات الالتزام، بل كان كذلك أكثر من سارتر، وأنا أتحدّث عن” مورياك”. خذوا يومياته ومذكّراته السياسية دون أن نتحدث عن كنّاشاته، وستُفاجئون بالتأكيد، وأكثر من ذلك فإنّ القراءة ستكون رائعة لأنّ كتاباته ملأى بالاقتدار. إذن، تأثير الالتزام أحسّ به بارت جيّدا: لقد كان يحسّ بالفظاعة تجاه كلّ ما يشوّه، من كلّ ما هو زلج، من كلّ ما يؤخّر، من كلّ ما يُقلق، ومن كلّ ما يثرثر عوض أن يقول شيئا ما، أن يقول حقيقة، هذا معنى الالتزام. إنّ الأدب الملتزم أدب رديء جدّا كان بارت ينتقده، فنحن معادون لستالين بقدر ما نحن معادون للفاشية بشكل عفويّ إذا جاز التعبير. إنّها مسألة، مرّة أخرى، تتصل بالحساسية وبالجسد وبالذائقة.
يمكن لنا أن نستعير بخصوص بارت هذه الجملة الجميلة لفولتير ضدّ كلّ البذاءات، بذاءات الأمس واليوم :” لماذا يملك الحقيقة على الدوام؟ لأنّ له ذوقا”…نعم” الفوضويّ المحافظ” عبارة أورويل هذه تليق ببارت. فما كان يمكن أن يكونه أورويل باعتباره بريطانيّا هو ما كان يمكن أن يكونه بارت باعتباره فرنسيا، ولكن، وسجّل هذه جيدا: فرنسيّا في فرنسا الجنوب الغربيّ، حيث نجد هذه العقول البارزة: مورياك، منتانيي، لابويسي، مونتسكيو ورولان بارت.
الحوار منشور بالموقع الالكتروني لمجلة مغازين ليترار
وقد نُشرت أجزاء منه في النسخة الورقية لشهر جانفي 2009
www.magazine-litteraire.com
