حول التغيير السياسي في مصر

يكمن‏ ‏الخطأ‏ ‏الجوهري‏ ‏الذي‏ ‏وقعت‏ ‏فيه‏ ‏الدولة‏ ‏الوطنية‏ في العالم العربي ‏بعد‏ ‏الاستقلال‏ ‏أنها‏ ‏لم‏ ‏تستطع‏ ‏أن تدشّن‏ ‏آلية‏ ‏مؤسساتية‏ ‏وقانونية‏ توفر بيئة صالحة لنموّ نظام سياسي لديه القدرة على التكيّف الإيجابي مع تطورات الداخل والخارج على حدّ سواء،‏ ‏الأمر‏ ‏الذي‏ ‏حصر‏ ‏أفعال‏ ‏‏الدولة‏ ‏الوطنية‏ ‏وتصرفاتها‏ في رؤية‏ ‏الفرد‏ ‏والشخص‏ ‏الحاكم‏ ‏بصرف النظر عن‏ ‏مضمون‏ ‏صحتها‏ ‏أو‏ ‏خطئها، مما جعل حقبة ما بعد استقلال الدولة الوطنية مليئة بالكوارث بعيدة المدى في تأثيراتها .. ‏ومن‏ ‏هنا‏ ‏كان‏ ‏طبيعيا‏ ‏أن‏ ‏تتواجد‏ ‏أخطاء‏ ‏كارثية‏ ‏للدولة‏ ‏في‏ ‏شخص‏ ‏زعيمها‏ ‏تضاعفت نتائجها ‏ ‏وتجذرت‏ ‏آثارها‏ ‏في‏ ‏المجتمع‏ بخلق ظروف سلبية مرتبطة بشكل أساسي بالسلوك السياسي للزعيم الفرد تُعيق التقدم والنمو في هذه المجتمعات مقارنة بغيرها من دول العالم النامي‏.

وهذا المناخ جعل عملية انتقال السلطة في النظم غير الملكية على مدار نصف القرن الماضي ‏ تتم بعيدا عن‏ ‏الآليات‏ ‏المؤسساتية‏ وحصر عملية الانتقال في مجمل‏ ‏الأخطاء‏ ‏الناتجة عن فردية صنع القرار‏.‏ ‏ويمكن‏ ‏الاستدلال‏ ‏على ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏حالة‏ ‏أدت‏ ‏إلى‏ ‏كوارث‏ ‏في‏ ‏عالمنا‏ ‏العربي‏ ‏تعكس ذلك النمط المتسم‏ ‏ بعدم المؤسساتية‏ .. ‏فمثلا‏ ‏الحالة‏ ‏العراقية‏ ‏بدءا‏ ‏من‏ ‏حرب‏ ‏الخليج‏ ‏الأولي1980‏ ‏وانتهاء‏ ‏بحرب‏ ‏الخليج‏ ‏الثالثة‏2003 و‏التي‏ ‏أدت‏ ‏إلى ‏سقوط‏ ‏النظام‏ ‏واحتلال‏ ‏العراق‏ ‏كانت‏ ‏تجسد‏ ‏هذه‏ ‏المعضلة‏ ‏بشكل‏ ‏كبير‏ ‏في‏ ‏القرار‏ ‏السياسي الفردي غير المؤسسي‏ ‏المتعلق‏ ‏ بالدخول في مجموعة من الحروب بقرارات تعكس رؤية الزعيم الشخصية ‏والتي كان من تداعياتها ليس القضاء على الزعيم الفرد فقط وإنما غياب الدولة والوصول بالمجتمع إلى حالة من الاقتتال وعدم الاستقرار قد تؤدى مع مرور الوقت إلى حروب أهلية وتفكك الدولة العراقية صاحبة التاريخ إلى مجموعة من الدويلات المتناحرة فيما بينها لحساب مصالح مرتبطة بأطراف خارجية .

وبالنسبة لمصر فعلى مدار الستين سنة الماضية من عمر تجربتها السياسية بعد الاستقلال لم تكن بعيدة عن هذه الإشكالية. فالتغيير في النخبة الحاكمة للنظام السياسي كان مرتبطا بخطأ جوهري في تركيبية هذه النخبة في ظل مجموعة من الأخطاء الأخرى، فتوقيت ثورة 52 في مصر ارتبط بجملة من الأخطاء المتراكمة لنظام الحكم الملكي السابق لها أدت إلى حالة من الاحتقان والغليان السياسي، وهو ما جعل كثيرا من القوى السياسية تطالب بالإصلاح والقضاء على الفساد الذي بات يستشرى في المجتمع والفئة الحاكمة..

وكان التغيير في ذلك الوقت حليف من كانت له الجرأة والمفاجأة ومن ثم كان مفاجئا لكثيرين أن يكون التغيير من نصيب الضباط الأحرار الذين لم يكونوا في الصورة في ذلك الوقت، رغم وجود قوى أخرى أكثر حنكة سياسية وأقوى تأثيراً وجماهيرية منهم بين الشعب الذي ظل يجهلهم حتى بعد أن قامت الثورة. فالنخبة السياسية التي جاءت الثورة بها قد ارتكبت الخطأ الأكبر إذ قضت على مؤسسية صنع القرار التي كانت موجودة في الفترة السابقة في شكل البرلمان والأحزاب والملك، هذا فضلا عن محاولة القضاء على كل ما هو مدني مؤسسيا سواء في الصحافة أو غيرها ومن ثم كانت فترة ثمانية عشر عاماً بعد الثورة كفيلة بأن تفرز واقعاً جديداً في المجتمع بتغيير التفاعلات السياسية، والاجتماعية، حيث أصبحت كثير من الأشياء التي تمت محاربتها من قبل رجال الثورة مباحة لهم ولتابعيهم واستبدلت وتركزت السياسة التي كانت موزّعة بين الملك والأحزاب والقوى السياسية، قبل الثورة، في يد زعيم واحد، وبات لأهل الثقة السلطة وتم تهميش الكفاءات والمختصين، وباتت تستشري في المجتمع قيم جديدة وروح تبعث على التواكل والاعتماد على الشعارات التي يرفعها الزعيم والتي كانت تبعث الأمل في الأفراد.وتجعلهم يحسون أنها ستحل كل المشكلات والأزمات لمجرد أن قام بها الزعيم، وكان هذا التخدير المجتمعي هو الخطأ الجوهري، في ظل عدم وجود الآلية المؤسساتية في عملية صنع القرار، والذي أدى إلى نهاية عصر جمال عبد الناصر فكانت هزيمة 67 وتوابعها ثم موت الزعيم. وإذا كان بموت الزعيم قد انقضت مرحلة حدثت فيه تحولات سلبية أكثر من التحولات الايجابية داخل المجتمع، فإن الفترة التالية لها على الرغم من تعديلها لبعض سياسات الفترة السابقة وقيامها بثورة تصحيح جديدة، إلا أن أثار الفترة الماضية لم يكن لتمحى بسهولة فباتت تنمو قيمها داخل المؤسسات التي أنشئت في الفترة السابقة عقب عملية التأميم وباتت ثقافة الموظف الذي لا ينتج هي الغالبة والمسيطرة وغابت الحوافز والدوافع للإنجاز داخل مؤسسات المجتمع المختلفة على خلاف الديناميكية التي كانت موجودة قبل الثورة حتى في ظل وجود فساد، حيث أن المجتمع لم يكن مرهونا لفرد لتعدد أوجه التأثير من أحزاب وقوى سياسية وحزب حاكم منتخب والملك فضلا عن الصحافة التي لم تكن مؤممة ومؤسسات المجتمع الأخرى .

وإذا كانت فترة الرئيس السادات 1970-1981 قد شهدت سياسات انفتاحية، سواء على مستوى الاقتصاد أو السياسة، في محاولة للخروج من هذه الثقافة إلا أنها على ما يبدو تمت بنفس النهج الذي تم به تأميم السياسة والاقتصاد والمجتمع عقب ثورة يوليو، ولم يقم على أسس وبنى اقتصادية سليمة، ومن ثم لم يكن من الغريب أن يستمر تأثير العوامل السلبية داخل بنية المجمع سواء في الناحية السياسية أو الاقتصادية، وأصبح كل حزب سياسي ما هو إلا ديكور لا يعكس واقعا مجتمعيا وسياسيا كما كان قبل الثورة كل ما هو رجل أعمال فاسد وليس العكس .

وهذا التقلب الذي لم يستمرّ غير عشر سنوات رغم إيجابيات كثيرة قد حدثت في السياسة الخارجية، إلا أن أخطاء السياسات الداخلية كانت قاتلة أبرزها استخدام النظام الجماعات الإسلامية والإخوان ضمن قواعد اللعبة السياسية، الأمر الذي أدى في النهاية إلى ختام هذه المرحلة بمقتل الرئيس السادات بسبب هذا الخطأ على يد الإسلاميين.

ومنذ أن جاء الرئيس مبارك1981-00 عقب مقتل السادات بات التناقض هو السمة الأساسية، لكون الرئيس السادات مات ولم يحسم قضية الإصلاح الاقتصادي وفي نفس الوقت لم يحسم السياسات التي جاءت بها ثورة يوليو، ومن ثم كان من الطبيعي أن يشهد العصر الجديد هذه الازدواجية ويقويها بعدم قدرته على أخذ سياسات جادة سواء في الإصلاح السياسي أو الإصلاح الاقتصادي، الأمر الذي أدى مع طول فترة الحكم إلى تراكم السلبيات، وسريان ما يشبه العشوائية والتخبط لا بين أفراد المجتمع الذي زاد عدده إلى ما فوق 70 مليون نسمة فحسب، وإنما أيضاً في عملية التعاطي مع مشكلات المجتمع الناتجة في معظمها عن تراكمات أخطاء الفترات السابقة والتي تم التعامل مع أعراضها دون العمل على استئصال جذورها، وهو ما جعل أي حلول لا تجدي تجاه ما يستجد كل يوم من مشكلات وكل ذلك قد أدى إلى تراكم الأخطاء وضاعف من نتائجها السلبية في ظل غياب المؤسساتية وهيمنة رؤية الفرد الحاكم حتى وان وجدت ديكورات لهذه المؤسسات. إلا أن الخطأ الجوهري الناتج عن هذا الوضع غير الطبيعي سوف يؤدى إلى التغيير في النظام في أي لحظة ليس بالشكل الذي تم به عندما تم الانتقال من نظام جمال عبد الناصر إلى السادات، والأخير إلى مبارك، وإنما مثل الذي حدث منذ ما يزيد على خمسين سنة والمتمثل في ثورة تعم المجتمع وتنتقل بالمجتمع من حالة إلى أخرى مغايرة بها قد تكون دولة إسلامية، وقد تكون دولة ليبرالية وقد تكون دولة تسلطية، أو الفوضى وهذا أمر ليس بمستبعد، لوجود نماذج لذلك في طريقها إلى ذلك المصير المرّ إذا لم تفق شعوبها (حالة العراق ولبنان).

ومن هنا يبدو ‏ ‏أن‏ ‏التنبؤ‏ ‏بالتغيير‏ ‏والإصلاح‏ ‏في‏ ‏مصر‏، ‏لن‏ ‏يكون‏ ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏نفس‏ ‏النهج‏ ‏اللامؤسسي‏ ‏الذي‏ ‏تم‏ّ ‏به‏ ‏انتقال‏ ‏السلطة‏، ‏في‏ ‏الحالتين‏ ‏السابقتين‏ (‏جمال‏ ‏عبد الناصر‏ – ‏السادات‏، ‏والسادات‏ – ‏مبارك‏) ‏.‏

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This