حول كتاب (ارسطو في جبل سان ميشال) (2) هـل سـطـعـت شــمس الله عـلـى الـغـرب حـقّـا ؟

غلاف الكتاب موضوع الجدل




“لئن كان لروائيّ مّا أن يكتب رواية متحاملة على العرب والإسلام، فهذا أمر طبيعيّ ومألوف، بل وحتّى منتشر. أمّا أن يحاول مؤرّخ بناء مكانته العلميّة بسلوك ذات السّبيل، فهذا ما يدعو حقّا إلى التوقّف عنده”. كان هذا بعض ما عبّر عنه المؤرّخ الفرنسيّ المعروف تيري لوكلار (Theirry Leclère) المتخصّص في تاريخ وفلسفة العصر الوسيط في موقفه المعلن من كتاب المؤرّخ الفرنسيّ سيلفان غوغنهايم (Sylvain Gouguenheim) بعنوان: “أرسطو في جبل سان ميشيل. الجذور اليونانيّة لأوروبّا المسيحيّة” الصّادر بباريس في شهر أفريل 2008 عن دار سوي للنّشر (Aristote au Mont- Saint-Michel. Les racines grecques de l’Europe chrétienne، éd. Seuil، Paris، 2008). فقد أثار هذا الكتاب حفيظة عدد كبير من كبار المختصّين الفرنسيّين في تاريخ العصر الوسيط  كما عدد كبير من المشتغلين في حقل الفلسفة وتاريخ العلوم والفلك واللّغويّات، إلخ. وقد كان لما أثاره هؤلاء العلماء بعض أثر على موقع الأوان، إذ كتب الأستاذ حميد زناز مقالا تحت عنوان: هل يدين الغرب المسيحيّ للشرق الإسلاميّ بشيء ؟ أشار فيه بالخصوص إلى ثلاث نقاط هي ما حفّزنا إلى قراءة الكتاب أوّلا، ومن ثمّة محاولة الإطّلاع في بعض الصّحف والمواقع الالكترونيّة الفرنسيّة على مجمل الانتقادات الموجّهة له، وكذلك على التّعليقات المساندة لطروحاته. وقد بدا لنا أنّ النّقاط التي طرحها الأستاذ زناز لم تكن متعلّقة حقيقة بمضمون الكتاب بقدر تعلّقها بموقف أقلّ ما يقال فيه أنّه “متعاطف” مع صاحبه. وقد يكون ذلك انتصارا لحريّة التّعبير، ونحن معه في ذلك. سوى أنّ العرض كان دون ضابط من معرفة بالتّاريخ ولا بأساليب العرض العلميّ “الأمين” للرّأي وللرّأي المخالف. وتلك النّقاط هي:
1-    “استغلال بعض المتأسلمين أطروحة الكتاب المثيرة إذ اعتبروا ذلك بمثابة الدليل القاطع على تنامي معاداة المسلمين والإسلام في الغرب. فالدكتور طالب الإبراهيمي… نظر إلى الكتاب على أنّه جزء من حملة التّنصير… والحملة الغربيّة ضدّ الإسلام عموما. وذهب كثير من دارسي الإسلام الفرنسيّين نفس المذهب، كان أشهرهم آلان دو ليبرا الذي نشر رسالة… ردّ فيها الاحتفاء بالكتاب إلى ما أسماه إسلاموفوبيا مألوفة”.

2- “الانتقادات الموجّهة للكتاب لم تذهب إلى صلب الموضوع بل اكتفت بالإشارة إلى أخطاء الكتاب في قضايا تفصيليّة، بهدف تبيان عدم جدّية الكتاب. نُظر إلى الكتاب على أنّه أطروحة جامعية في حين أنه كتاب موجّه لقراء عاديين لا تهمّهم التفاصيل ولا الببليوغرافيا الأكاديمية الصارمة”.  

3- “أخذ النّقاش مسارا غريبا، ابتعد المعارضون لأطروحة الكتاب عن النّقد الفكريّ ومقارعة الحجّة بالحجّة وراحوا يقدحون في شخصيّة الرجل ويفتّشون في نواياه ويتّهمونه بالتّعاطف مع اليمين المتطرّف العنصريّ. وهكذا سيّست المسألة، وخرج 56  فيلسوفا ومؤرّخا يطالبون برأس الرجل حيث أمضوا نصّا رافضا لما جاء في الكتاب تحت عنوان ‘نعم، الغرب المسيحيّ مدين للعالم الإسلاميّ’، نشرته يومية ليبيراسيون اليسارية الفرنسية (30/04/2008) جاء فيه أنّ المؤلف اقترح…”.
هذا علاوة طبعا عن عبارات للأستاذ زناز من قبيل: “هل التّلويح بالعرائض منهج طبيعيّ للنّقاش العلميّ ؟ ” أو” أليس هذا الكتاب ردّا شافيا على ذاك المرض الذي يحاول فيه بعض الجامعيّين الأوروبيّين والإسلامويّين اختلاق فضل مفبرك للإسلام عبر ابتكار دور مضخّم له في التطوّر الحضاريّ الإنسانيّ؟”، وغير ذلك من التّعليقات الهواميّة المعبّرة عن عدم فهم للمسألة (صارحنا أحد المشتغلين بالتّاريخ الإسلاميّ يوم 20 نوفمبر، إثر محاضرة للدّكتور عبد المجيد الشّرفي بكليّة العلوم الإنسانيّة بتونس حول مناهج البحث في تاريخ الأديان، بامتعاضه من مقال الأستاذ حميد زناز المنوّه به، وتساءل إن لم يكن ينمّ عن “حقد مرضيّ” لكلّ ما يمتّ للإسلام دينا ثمّ حضارة بالأخصّ بصلة، وأوصاني للتأكّد من صحّة كلامه بمراجعة جملة مقالات الأستاذ زناز على موقع الأوان واستبدال كلمة “مسلم” أو “إسلاميّ” أو “متأسلم” – والأستاذ زناز لا يفرّق بينها البتّة- في جميعها بكلمة “يهوديّ”، وسترى – حسب قوله- أنّه سيحاكم في التوّ والحين في جميع أقطار الأرض بتهمة “معاداة السّاميّة”، فكيف نرضى لصديقنا ما لا نرضاه ؟). ولا نزيد عن ذلك.   
ومقالنا هذا بعيد من أن يكون ردّا على الأستاذ حميد زناز، إذ له مطلق الحريّة في قول ما يشاء، فله مثلا أن يماثل بين “الحريّة والفقه” وبين “العقلانيّة والخرافة” وبين “المصطلح الفلسفيّ والبسملة والحمدلة”، وكأنّ الواحد متعارض مع الآخر أو بالأحرى ينتمي إلى ذات المجال، فهذا شأنه الخاصّ، الواجب احترامه. أمّا أن يحاول استغلال مساحة الحريّة المتاحة له على الموقع لسبّ علماء أجلاّء ذنبهم الوحيد الانتصار للحقيقة التّاريخيّة، فهذا ما لا يمكن السّكوت عنه. كما أنّنا لا نريد خوض غمار مناقشة علميّة مع المؤرّخ غوغنهايم، لا دفاعا عن الحقيقة التّاريخيّة ولا عمّا قد يتصوّره البعض من دفاع عن الحضارة العربيّة الإسلاميّة، بل نريد من مقالنا هذا  أن يكون فحسب بيانا لحقيقة الجدل الدّائر حول الكتاب وإجابة عن التّساؤل المتعلّق بطابعه الأكاديميّ، وتمحيصا لدعاوى العلماء المعارضين “المطالبين برأس الرّجل” واستغلال ذلك من قبل بعض “المتأسلمين”.   
فما الذي يطرحه الكتاب حقّا ؟ وما هي ردود الفعل تجاهه ؟ وهل استغلّ اليمين الدّينيّ (مسيحيّا كان أو إسلاميّا) المسألة سياسيّا ؟
1- طرح غوغنهايم: شمس الله لم تسطع على الغرب قطّ
حين كانت أوروبّا غارقة في بحر الصّراعات فيما يسمّى العصور الوسطى (حسب التّحقيب التّاريخيّ النّابع من النّزعة المركزيّة الأوروبيّة)، كان العالم العربيّ مسرحا لحضارة بديعة قائمة على تبادلات واسعة اقتصاديّة وثقافيّة وروحيّة. وقد قام العرب خلال تلك الحقبة بإنجازات أقلّ ما توصف به أنّها كبيرة في مختلف مجالات المعرفة من رياضيّات وفلك وطبّ وهندسة وموسيقى وشعر، إلخ. وقد مرّت تلك المعارف الهائلة شيئا فشيئا عبر إيطاليا وصقليّة وإسبانيا إلى شتّى مناطق أوروبّا عن طريق بعض الأمراء المستنيرين من أمثال فريديريك الثّاني أو عن طريق المسافرين من حجّاج بيت المقدس وطلبة المعارف والتجّار، وهو ما كان في أصل انبثاق الحضارة الغربيّة. هذه هي الأطروحة الأساسيّة للمؤرخّة الألمانيّة سيغريد هونكه (Segrid Hunke) في كتابها ذائع الصّيت “شمس الله تسطع على الغرب: ميراثنا العربيّ” والتي صوّرت فيه اللّقاء الرّائع بين الشّرق والغرب، ملقية الأضواء على التّأثيرات الحاسمة للحضارة العربيّة على أوروبّا ممّا مهّد لانبثاق عصر النّهضة فيها.
وقد تواصل القول بمثل هذا الطّرح طويلا في أوروبّا، بل واتّخذ طابع الحقيقة التي لا يرقى إليها الشكّ عند مجمل مؤرّخي الشّرق والغرب مسيحيّين ومسلمين. إلاّ أنّ المؤرّخ الفرنسيّ سيلفان غوغنهايم، وهو أستاذ للتّاريخ الوسيط بالمدرسة العليا للآداب والعلوم الإنسانيّة بمدينة ليون الفرنسيّة، طلع علينا في أواخر شهر مارس الماضي بكتابه موضوع هذا المقال معارضا لما درج عليه المؤرّخون إلى حدّ الآن بشأن دور العرب في نقل المعارف اليونانيّة إلى أوروبّا. وقد طرح غوغنهايم فكرة أنّ أوروبّا كانت دائمة التّواصل مع العالم اليونانيّ بمعزل عن الوسيط العربيّ الإسلاميّ “الذي كان عاجزا بنيويّا عن هضم التّراث اليونانيّ”، وأنّ الفضل في تواصل أوروبّا مع جذورها اليونانيّة يعود في الحقيقة إلى دور العرب النّصارى من أمثال إسحاق بن حنين (النّصراني النّسطوريّ( في ترجمة النّصوص اليونانيّة وخاصّة أعمال أرسطو إلى اللّغة العربيّة، ثمّ إلى ترجمات جاك البندقيّ (Jacques de Venise) ورهبان دير جبل القدّيس ميشيل (mont saint Michel) في فرنسا لتلك النّصوص من اليونانيّة مباشرة إلى اللاّتينيّة ودون المرور بالنّسخ العربيّة أو المعرّبة، ولا مزيّة في ذلك للمفكّرين العرب المسلمين أو “إسلام الأنوار”، فهذا محض “نسيج من الأكاذيب”. بل إنّ غوغنهايم يذهب إلى أبعد من ذلك حين يؤكّد غربة الفلسفة الإسلاميّة (ممثّلة عندنا في ابن سينا وابن رشد) عن الفكر اليونانيّ، وأنّ تلقيّ أوروبّا للمعارف اليونانيّة لم يكن سوى ثمرة جهدها الخاصّ، بل وأنّه كان بإمكان أوروبّا في سبيل اكتسابها تلك المعارف “سلوك ذات الطّريق، حتّى في غياب كلّ رابط مع العالم الإسلاميّ”. وبهذا تتمحور أطروحة غوغنهايم المركزيّة حول افتراض أنّ ما يربط العالم اللاّتينيّ بالإمبراطوريّة البيزنطيّة كان أقوى ممّا تصوّره المصادر المتاحة، وهو ما يصدّقه -حسب الكاتب- وجود عدد كبير من اليونانيّين والسّريان في رومة خلال العصر الوسيط، إضافة إلى عدد من الأديرة الشّرقيّة فيها. كما يصدقه أيضا – حسب غوغنهايم دائما- ما توفّر في رومة من كتب بأعداد كبيرة وخاصّة في مكتبة لاتران (Latran) التي عمل البابوات المتعاقبون على إغنائها بالمخطوطات اليونانيّة والتّشجيع على توزيع نسخ منها في أرجاء أوروبّا (للأمانة نشير إلى أنّ الكاتب يعترف بضياع جلّ تلك المخطوطات !). بل إنّه يشير أنّ رومة لم تكن المركز الوحيد لترجمة المعارف اليونانيّة مباشرة إلى اللاّتينيّة ونشرها، فيقوم بإضفاء أهميّة بالغة على شخص جاك البندقيّ، وهو رجل دين إيطاليّ عاش مدّة طويلة في القسطنطينيّة قبل أن يعود ليصبح راهبا في دير جبل القدّيس ميشيل بفرنسا حيث سيتولّى ترجمة جزء كبير من أعمال أرسطو من اليونانيّة إلى اللاّتينيّة، وقد كان ذلك مع بداية القرن 12 م، أي “قبل أن تتمّ نفس العمليّة في طليطلة [الأندلسيّة] انطلاقا من النّسخة العربيّة”. فقد كان الطّلب على المعارف اليونانيّة – حسب غوغنهايم- كبيرا عند رجال الدّين المسيحيّ في أوروبّا، ذلك أنّهم كانوا في حاجة إلى المنطق الصّوريّ لضبط نحو اللّغة اللاّتينيّة المستخدمة في تحرير النّصوص الدّينيّة المنظّمة للطّقوس والقوانين الكنسيّة، بينما تعود النّهضة العلميّة في القرن 13 م إلى قدرة الغرب على توظيف المعرفة القديمة وحسن استغلالها، وهو ما عجز عنه العالم الإسلاميّ نظرا لأنّ “العالم اليونانيّ كان غريبا بصفة جذريّة عن الإسلام”، وهو ما يعود – حسب رأيه- إلى أسباب سياسيّة (الصّراع مع الإمبراطوريّة البيزنطيّة)، كما يعود أيضا إلى أنّ الإسلام قصَرَ اهتمامه بالمعارف اليونانيّة غير المتعارضة مع تعاليمه القرآنيّة، فانصبّ لذلك كلّ الاهتمام على البصريّات والرّياضيّات التي أبدع فيها المسلمون العرب والفرس، وأهمل كلّ ما يتعلّق بالتّشريع والفلسفة، نظرا “للرّقابة الصّارمة التي ضربت على تلك الميادين من قبل الفقهاء [المسلمين]”.
ولعلّ مثال المعتزلة الذي يضربه غوغنهايم يبيّن بكلّ جلاء الطّريقة التي يحاول بها البرهنة على صحّة طرحه، فهو يرى أنّ تيّار الاعتزال – الذي طالما ضرب به المثل في العقلانيّة خلال القرن التّاسع الميلاديّ بوصفه ردّة فعل ضدّ بعض الأشكال البدائيّة للإسلام- لم يكن عقلانيّا لإيمانه بالعقل، بقدر ما كان همّه محاولة “وضع العقل في خدمة الشّريعة”. وهذا ما يفسّر أيضا قلّة الاهتمام في العالم الإسلاميّ بالفكر السّياسيّ لأرسطو. ومن هنا يبدو التّناقض صارخا بين غرب لاتينيّ يسعى فيه مستشارو الملوك إلى توظيف الفكر السّياسيّ للتملّص من سلطة زمنيّة بابويّة ضاغطة وما قام به المسلمون من تبرير لحكّامهم باسم الدّين والشّريعة. وهذا ما يصل به إلى استنتاجات عامّة وتعميميّة خطيرة – بالمعنى العلميّ – من قبيل القول بكلّ ثقة بأنّ “التطلّع إلى الآخر هو ممّا يميّز الأوروبيّ، وهو أمر نادر خارج أوروبّا، واستثنائيّ في الإسلام” (ص 167) أو قوله :”لا يمكننا في نفس الوقت اتّباع عيسى ومحمّد (…) فالغيريّة التّصادميّة بين المسيحيّين والمسلمين هي ما يشكّل هويتيّ كلتا الحضارتين” (ص 168)، وقوله أخيرا :”طوال العصر الوسيط، تجابهت حضارتان. الأولى تمزج بين الميراث اليونانيّ ورسالة الأناجيل، وبين الفكر العلميّ والتجذّر في تقليد دينيّ أرادت الكنيسة القيام عليه. بينما كانت الأخرى ابنة كتاب الله غير المخلوق، وكانت ملتحمة جذريّا بمحورها المركزيّ: القرآن. فكلّ ما يحدث في الزّمن متّصل بالرّحم الأصليّ للسّور [القرآنيّة] الخالدة” (ص 200).       
هذا هو باختصار شديد ما يطرحه كتاب غوغنهايم. فما الذي أثار عليه غضب الغاضبين ؟
2- المعارضة الأكاديميّة: نسيج أكاذيب لأغراض سياسيّة
لقد أثارهم في المقام الأوّل أنّ ما يطرحه الكتاب هو “رؤية لعالم إسلاميّ مجمّد في القرآن، عاجز عن التطوّر وعن النّفاذ إلى الفكر العلميّ، وهو بهذا مختلف عنّا نحن”. إنّ هذه “النحن” الأخيرة هي ما رأى فيه المفكّر والمؤرّخ آلان غريش (Alain Gresh) في مقاله في لومند ديبلوماتيك تعبيرا عن “إسلاموفوبيا” أي عن “سعي إلى ربط المسلمين بعدد من الخصائص الثّابتة اللاّتاريخيّة “. كما أثارهم أيضا التّشكيك في سلسلة من القناعات التي ازدادت رسوخا طوال العقود الماضية من خلال أعمال آلان دي ليبيرا ومحمّد أركون وإدوارد سعيد مثلا، وصولا إلى ما استقرّ في أدبيّات المجلس الأوروبيّ نفسه. فهل أخطأ الجميع السّمت حول نصيب الإسلام في تاريخ الثّقافة الأوروبيّة وأصابه غوغنهايم ؟  
لبيان ردود الفعل على كتاب غوغنهايم بما أمكن من اختصار، لم نجد في ما أمكننا الاطّلاع عليه من ردود فعل صادرة عن أكاديميّين أفضل ممّا ورد في العريضة التي نشرها 56 مؤرّخا وفيلسوفا من المتخصّصين الفرنسيّين في التّاريخ الوسيط، فهي تختصر برأينا جملة مآخذ أهل الذّكر على الكتاب وصاحبه. وقد خيّرنا إيراد نصّ هذه العريضة المنشور في صحيفة ليبيراسيون (libération) اليساريّة الفرنسيّة بتاريخ 30 أفريل 2008 معرّبا ودون تعليق، مكتفين بالإشارة إلى وجود عربيّين  فقط من بين الممضين عليها هما مروان راشد أستاذ الفلسفة القديمة والوسيطة بمدرسة المعلّمين العليا بباريس وجمال كولغلي مدير أبحاث بالمركز الوطنيّ للبحث العلميّ بباريس (نحيل أيضا لمن يرغب في مزيد الاطّلاع على العريضة التي أمضاها 200 شخص من قدماء المدرسة العليا للآداب والعلوم الإنسانيّة التي يدرّس فيها غوغنهايم، مع الإشارة إلى وجود 11 عربيّ فقط ممّن أمضى عليها، وأنّ أهمّ ما جاء فيها هو استغراب المعترضين نشر عدّة مواقع عنصريّة أو متطرّفة مقاطع كاملة من الكتاب قبل صدوره بعدّة أشهر، ممّا يعني تسريب محتوياته إلى مواقع معيّنة مسبقا “لأهداف سياسيّة”. انظر الموقع: www.telerama.fr/idees).
“نحن المؤرّخين والفلاسفة[الممضون أسفله]، قرأنا باستغراب كتاب سيلفان غوغنهايم (Sylvain Gouguenheim) بعنوان: “أرسطو في جبل سان ميشيل. الجذور اليونانيّة لأوروبّا المسيحيّة” الصّادر عن دار سوي للنّشر(Seuil) والذي يزعم البرهنة على أنّ أوروبّا المسيحيّة في العصور الوسطى ورثت التّراث اليونانيّ بشكل مباشر إلى حدّ القول إنّها “كانت ستتبع طريقا مماثلا حتّى في حالة عدم وجود أيّ صلة مع العالم الإسلاميّ”. وبهذا، يسبح الكتاب ضدّ تيّار البحوث المعاصرة التي جهدت في الحديث عن نقل المعرفة (translatio studiorum) وبيان مدى تنوّع التّرجمات وتنوّع التّجارة والأفكار والتّخصّصات واللّغات. فاستنادا إلى اكتشافات مزعومة، معروفة منذ وقت طويل، أو كاذبة، يقترح الكاتب إعادة قراءة مضلّلة للصّلات بين الغرب المسيحيّ والعالم الإسلاميّ، تمّ تداولها من قبل كبريات الصّحف ولكن أيضا من جانب بعض المواقع المتطرّفة. ومنذ الصّفحة الأولى، يؤكّد سيلفان غوغنهايم أنّ دراسته تغطّي الفترة ما بين القرنين السّادس والثّاني عشر، وهو ما يستبعد الفترة الأساسيّة لدراسة موضوعه، أي الفترة ما بين القرنين الثالث عشر والرّابع عشر، وذلك حتّى يسهل القول بأنّ التّاريخ الفكريّ والعلميّ للغرب المسيحيّ لا يدين بشيء للعالم الإسلاميّ!
إنّنا نعرف منذ أمد بعيد أنّ المسيحيّين العرب، مثل حنين بن إسحاق في القرن التّاسع، لعبوا دورا حاسما في التّرجمات من اللّغة اليونانية. وعلاوة على ذلك، وخلافا لتأكيدات الكاتب، فإنّ جاك البندقيّ الشّهير مذكور على حدّ سواء في كتب التاريخ الثّقافيّ المدرسيّة، مثل كتاب جاك فيرجي (Jacques Verger) أو كتاب جان فيليب جيني (Jean-Philippe Genet)، كما في كتب تاريخ الفلسفة على غرار كتاب “فلسفة العصور الوسطى” (la Philosophie médiévale) لصاحبه آلان دي ليبيرا (Alain de Libera) حيث نقرأ : “إنّ أرسطو اليوناني-اللاّتيني تمّ اكتسابه على مرحلتين. الأولى فترة أواخر العصور القديمة والعصور الوسطى المبكّرة، وهذا هو أرسطو بواس (Boèce) [فيلسوف وسياسيّ وشاعر لاتينيّ (480-524 م)]، ثمّ في القرن الثاني عشر، عن طريق التّرجمات الجديدة اليونانيّة واللاّتينيّة لجاك البندقيّ”. إنّ بلاغة الكتاب قائمة على أساس سلسلة من المغالطات التّافهة، وخاصّة على تناقضات من قبيل إسناد الفضل لشارلمان في تصحيح الأناجيل اليونانيّة، قبل أن يشير الكاتب في وقت لاحق إلى أنّ شارلمان كان بالكاد يعرف فكّ الخطّ؛ أمّا العلوم الحديثة فقد ولدت مرّة في القرن السّادس عشر، وأخرى في القرن الثّالث عشر.
إنّ “الكيل بمكيالين” جليّ: فالكاتب يعيب على ابن سينا وابن رشد جهلهما اللّغة اليونانية، لكنّه لا يعيبه على أبيلار (Abélard) [المقصود المفكّر المدرسيّ بيار أبيلار (1079-1142 م)] أو توما الاكويني؛ وهو يشير إلى ردود فعل المسلمين المضادّة للعلم وللفسلفة، في حين يتعلّق الأمر بخصوص المسيحيّين بفكر مستند إلى إيمان مستوحى من أنسيلمو (Anselme)[المقصود القدّيس أنسيلمو (1033-1109 م) أحد أوائل كبار المفكرّين المدرسيّين]. ألم تشهد بداية الجامعة في باريس حظر أرسطو من قبل السّلطات الكنسيّة ؟ كما كان نقد المصادر غير متوازن: فهو يأخذ بأقوال الكتّاب الغربيّين حرفيّا، في حين تعرّضت المصادر العربيّة لانتقاد صارم. وأخيرا، فإنّ الكاتب يتخيّل طروحات لم يسبق أن تلقّت التّأييد من أيّ باحث جادّ (على سبيل المثال، “إنّ قيام المسلمين بتمرير هذه المعارف القديمة إلى المسيحيّين طوعا هو محض خيال”)، وهو ما سهّل عليه رفض ذلك الدّور حتّى يؤكّد أهميّة ما يقترحه من “إعادة نظر”.
وفي المحصّلة، فقد تمّ إغفال أجزاء كاملة من بحوث ومصادر معروفة، وهو ما سمح للكاتب بالإدلاء بطروحات محض إيديولوجيّة. فالمسيحيّة هي محرّك امتلاك المعارف اليونانيّة، وهو ما يقوم على أساس حقيقة مفادها أنّ الأناجيل كانت مكتوبة باليونانيّة -متجاهلا دور وثنيّة روما-، وستنجح أوروبّا بعد ذلك في استرداد المعارف اليونانيّة “بوسائلها الخاصّة”. وبموجب هذه الصّيغة، تمّ إلحاق العالم البيزنطيّ والمسيحيّين العرب بأوروبّا، وهو ما كشف الحكم المسبق المتعلّق بالهويّة في الكتاب: فالكاتب يرى أنّ أوروبّا تحدّدت وتماهت إلى الأبد مع أوروبّا المسيحيّة، أي مع الـ”نحن” التي يعبّر عنها الكتاب، حتى ولو كان ممثّلوها يعيشون في بغداد أو دمشق. أمّا خاتمة الكتاب، فهي تقيم تعارضا بين “حضارات” محدّدة من قبل الدّين واللّغة، ولا يمكنها إلاّ أن تتنابذ. وبهذا، فإنّ الكتاب يؤدّي إلى عنصريّة ثقافيّة تنصّ على أنّ “المعنى في أيّ لغة ساميّة، ينبثق من داخل الكلمات، من سجعها ورنّتها، بينما هو ينبثق في اللّغات الهندوأوروبيّة بالدّرجة الأولى من ترتيب الجملة، من بنيتها النّحويّة. (…) فاللّغة العربيّة في الواقع مستعدّة بفعل بنيتها للشّعر الجميل (…) والاختلافات بين المنظومتين اللّغويّتين هي من الاتّساع إلى درجة تمنع تقريبا كلّ محاولة للتّرجمة”. ومن ثمّ فإنّنا لن نفاجأ حين نكتشف قول سيلفان غوغنهايم أنّه استلهم منهج رينيه مارشان (René Marchand) (ص 134) القريب من اليمين المتطرّف ومؤلّف كتاب “محمّد : التّحقيق المضادّ” (Mahomet : contre-enquête، éd.L’Echiquier، Paris، 2006) (مذكور في الببليوغرافيا) وكتاب “فرنسا في خطر من الإسلام: بين الجهاد والاسترداد” (La France en danger d’Islam : entre Jihad et Reconquista،éd. L’Âge d’Homme، Paris، 2002)، فهو مذكور في مكان بارز على الصّفحة المخصّصة للشّكر من الكتاب. وبهذا، يؤكّد الكاتب تجرّد مسعاه من أيّ صفة علميّة: إنّه ينتمي إلى مشروع إيديولوجيّ ذي دلالات سياسيّة غير مقبولة.
حرّر من قبل تجمّع دوليّ من 56 باحث في تاريخ وفلسفة العصور الوسطى”.
ومن بين الموقّعين: إيتيان آنحاييم (Etienne Anheim)، لويس جاك باتايون (Louis-Jacques Bataillon)، شارل بورنيت (Charles Burnett)، جاك شيفّولو (Jacques Chiffoleau)، آن ماري إدّه ( Anne-Marie Eddé)، كورت فلاش (Kurt Flasch)، دومينيك إيونا برات (Dominique Iogna Prat)، جان فيليب جيني (Jean-Philippe Genet)، كارلو غينسبورغ (Carlo Ginzburg)، رويدي إمباخ (Ruedi Imbach) إلخ… (القائمة الكاملة متاحة على الموقع www.liberation.fr).
3- اليمين المتطرّف: بين “الإسلاموفوبيا” و”الإسلاموفيليا”
سنكتفي هنا خشية الإطالة ببعض القليل ممّا ورد من تعاليق حول الكتاب وما جرّه من جدال على أحد المواقع الفرنسيّة المساندة سياسيّا للجبهة الوطنيّة التي يترأسّها “جون ماري لوبان”، وهو موقع المدوّنات الالكترونيّة (Le salon beige) على الرّابط www.lesalonbeige.blogs.com لجماعة دينيّة متطرّفة تطلق على نفسها اسم “الكاثوليك اللاّئكيّون” (Les laics catholiques)، وهي تعاليق كما بدت لنا من طراز “هذه دفعة على الحساب حتّى نقرأ الكتاب”(!).
فتحت عنوان كبير: “فتوى ضدّ سيلفان غوغنهايم” (Fatwa contre Sylvain Gouguenheim) يكتب أحدهم: “عوض الحلم بأنّ العلم الإسلاميّ في العصر الوسيط كان منفتحا ومعطاء من خلال منحه أوروبّا الجاهلة والمظلمة ما سيمكّنها من الازدهار، يجب أن نتذكّر أنّ الغرب لم يتلقّ معارفه هديّة من العرب، بل قام بالسّعي نحوها لأنّها كانت تكمّل النّصوص التي سبق له امتلاكها”. وقال آخر: “يتعلّق الأمر بحملة مساندة للإسلام (Islamophilie) تذكّرنا بحملة الأفريقانيّين (Afrikanistes) المستوحاة من جهود أنتا ديوب” [عنصريّة فجّة ضدّ المسلمين على غرار العنصريّة ضدّ الزّنوج وممثّل الدّعوة لاحترام ثقافتهم !]. وذهب ثالث إلى الإشادة بمسيحيّة (!) إسحاق بن حنين زاعما أنّه “زجّ به في السّجن لرفضه دسّ السمّ لمخدومه” [من هو ؟ وفي أيّ مصدر ذكر ذلك؟]، معلّلا رفضه بـ”إيمانه المسيحيّ… وارتباطه بقسم أبوقراط” [وكأنّ الأطبّاء المسلمين لم يكونوا مرتبطين بذات القسم [راجع ما يقوله ابن أبي أصيبعة مثلا في كتابه طبقات الأطبّاء]. بل وذهب آخر إلى الزّعم بأنّ “رجال الدّين المسيحيّ في ايرلندا قاموا بترجمة الأعمال اليونانيّة في الأديرة التي لم تطلها أيدي الهمج (!) في القرنين الثّامن والتّاسع” [إن كان العثمانيّون همجا فبماذا نصف الصّليبيّين ومن بعدهم جحافل الاستعمار الأوروبيّ ؟] وأنّ انتقال المعارف اليونانيّة إلى أوروبّا “تمّ على واجهتين: واجهة لاتينيّة وأخرى أنغلوسكسونيّة، وما خرافة الوسيط الإسلاميّ إلاّ مغالطة حديثة (!)” . وذهب آخر إلى أنّ “نقل العرب المعارف اليونانيّة هو نسيج من الأكاذيب (!). فالعلاقات بين بيزنطة وأوروبّا لم تنقطع أبدا، وكان هناك دائما مخطوطات يونانيّة قيد التّداول [أين ؟ وكيف؟]… وحتّى في العصور المظلمة المزعومة (!) كان هناك دائما عارفون باللّغة اليونانيّة في رومة وصقليّة [ألم تكن صقليّة آنذاك تحت حكم المسلمين في إفريقية ؟] وبين عامي 685 و752 اعتلى كرسيّ البابويّة بابوات من أصول يونانيّة وسريانيّة [نعم، وحكم الإمبراطورية الرّومانيّة نفسها أباطرة من أصول عربيّة إن كنت لا تعلم، ولا مزيّة لنا أو لك في ذلك]. كما ذهب متطرّف آخر إلى القول :”وهذا واحد آخر تجب حمايته(!)، ولنأمل على الأقلّ ألاّ نكتشف بعد فوات الأوان أنّ  المكلّفين بحمايته هم من الإسلاميّين(!)”. ونعفي القارئ الكريم من بعض الترّهات من قبيل “إنّ القول بالأصول العربيّة للحضارة الغربيّة لا يقلّ صحّة عن القول بأصولها القمريّة” (!)، أو ألفاظ السّباب المجانيّة المكالة للعرب وللمسلمين بلا ذنب في هذه المدونّة وفي عشرات غيرها، سوى ارتكاب أجدادهم “جناية” (!؟) نقل المعارف اليونانيّة إلى أوروبّا.
ونصيحة مجانيّة للقرّاء الأكارم: لا تكشفوا من فضلكم عن نقل العرب المعارف الهنديّة والفارسيّة والصّينيّة كما فعل الأستاذ يوسف صدّيق في ردّه على كتاب غوغنهايم، وإلاّ يصيبكم من رذاذ سوقيّة شذّاذ آفاق المعرفة ما أصابه، وراجعوا موقع الأسبوعيّة “تيليراما” الالكترونيّ www.télérama.fr ليوم 2 ماي 2008 لتتأكّدوا. وهذا طبعا غيض من فيض، إذ لم تسلم المستشرقة الألمانيّة سيغريد هونكه صاحبة كتاب “شمس الله تشرق على الغرب” نفسها من القذف والبحث في تاريخها الشّخصيّ لبيان “ارتباطاتها بالمخابرات النّازيّة”(!)، وهو ما كان أشار إليه غوغنهايم نفسه باعتبارها “صديقة هيملر” أحد عتاة قادة النّازيّة، وهو ما ألهب مشاعر صحف ومواقع صهيونيّة معروفة لتصعّد حملة ضدّ المستشرقة ومن ثمّ ضدّ كتابها المنصف للحضارة العربيّة الإسلاميّة وما يحويه من حقائق تاريخيّة يتوعّد أحدها بأن يكون مصيرها “نفس مصير النّازيّة”(!) [انظر مثلا الأسبوعيّة الصّهيونيّة (Daoudal Hebdo) بتاريخ 30 أفريل 2008 وما فيها من تعاليق سمجة مساندة لما ورد في صحيفة اليمين المسيحيّ المتطرّف (Reconquête) التي يصدرها مركز التّضامن المسيحيّ (Centre de Chrétienté-Solidarité) في عددها 252 لشهر أكتوبر 2008 حول الموضوع].
وعودة إلى مقال الأستاذ زناز بخصوص إشارته إلى ردّ فعل السيّد طالب الإبراهيميّ وزير الخارجيّة الجزائريّ الأسبق، لنقول إنّ حديثه لا يخلو من حقيقة وجود نشاط تبشيريّ واسع في الجزائر كما أشارت إلى ذلك كبريات الصّحف في أوروبّا ذاتها، وموقفه لا ينمّ عن أيّ حقد دينيّ كما يصوّر البعض، إذ هو لا يزيد عن موقف سياسيّ سبق أن عبّرت عنه الحكومة الجزائريّة ذاتها. ولئن كان وصف الدّكتور الإبراهيميّ بأنّه “متأسلم” يرضي البعض، فإنّنا ندعو أيضا إلى سحبه على جملة العلماء الذين عارضوا طروحات غوغنهايم وعلى رأسهم يوسف صدّيق وآلان غريش وتيري لوكلار وألان دي ليبرا، وبقيّة “الإخوان المسلمين” غير المعلنين “تقيّة”(!).
وأخيرا، هل يبقى بعد هذا مجال للتخوّف من الوصول ” إلى زمن فرنسيّ رديء” على حدّ تعبير الأستاذ حميد زناز؟   

المصادر:
1- Gouguenheim (Sylvain)، Aristote au Mont Saint-Michel. Les racines grecques de l’Europe chrétienne ،éditions du .Seuil، collection: L’Univers historique،Paris، 2000، 277 pages).  
2- Droit (Roger-Pol)، Et si l’Europe ne devait pas ses savoirs à l’islam ? (Le Monde، 4 avril 2008).
3- Boiron (Stéphane)، Les tribulations des auteurs grecs dans le monde chrétien (Le Figaro du 17 Avril 2008).
4- De Libera (Alain)، Landerneau terre d’Islam (Télérama du 28 Avril 2008).
5- “Libération” du 29 et 30 Avril 2008.
6- Les commissaires politiques de l’ENS (Daoudal Hebdo، 30 Avril 2008).
7- Leclère (Thierry)، Polémique autour d’un essai sur les racines de l’Europe (Télérama du 2 Mai 2008).
8- Seddik (Youssef)، Grecs et Arabes : déjà d’antiques complicités (Télérama du 2 Mai 2008).
9- Gresh (Alain)، Un historien au service de l’islamophobie (Le Monde Diplomatique du 8 Mai 2008).
10- Diba (Yusra)، Le soleil d’Allah n’a jamais brillé sur l’Occident ? (L’expression، n° 49،  Du 26 Sep. au 2 Oct. 2008)، Tunis.
11- تعليقات على موقع “الكاثوليك اللاّئكيّون” على العنوان: www.lesalonbeige.blogs.com بتاريخ 4 أفريل 2008.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This