خواطر حول التاريخ المقدّس (4)
أظنّ أنه لا يمكن النفاذ إلى أطروحات هشام جعيّط، وربما إدراك مغزاها دون التطرّق ولو بعجالة، إلى كتابه الأخير “تاريخية الدعوة المحمّدية في مكة”. المبحث الذي سأعرضه هو مجرّد ملاحظات سريعة حول كتابه هذا، لأنّ في مرحلة تالية سينفصل المسار ويأخذ البحث نهجه الخاص. في مقدّمة كتابه “تاريخية الدعوة المحمدية” وهو تتمّة للكتاب الأوّل “الوحي والقرآن والنبوّة”. يقول جعيط بأن هذه الدراسة تختلف عن سابقتها التي تناولت الوحي والنبوة «من وجهة نصف كلامية ـ ميتافيزيقية ونصف تاريخية(1)». هذه القولة تصدمنا بعض الشيء وتثير فينا التساؤل عن السبب في إفصاحه المتأخر عن هذا النهج. فعلا، لِمَ لَم يُعلن ذاك مسبّقا؟ لم تَرك السّنين تمرّ ثم طلع علينا بهذا التنبيه؟ ألم يَقل في كتابه السابق بأنه سيدرس النبوّة والوحي طبقا لمعايير علمية وسيفعّل المنهج الفينومينولوجي التاريخي؟ ثم لستُ أدري بالتحديد ما معنى كلمة «نصف تاريخي»؟ كيف يمكن للمؤرّخ أن يَجتَزئ علمه؟ كيف يتخلّى عن منهجه ويُقحِم الميتافيزيقا أو نصفها في تحليلاته العلمية الفينومنولوجية؟ وهل من الممكن اقتطاع المنهج التاريخي إربا إربا وإلصاق قطعة منه بالكلام، وقطعة أخرى الميتافيزيقا؟ لا أفهم.
لقد كثّف، في كتابه هذا منذ البداية، مقدّمات في المنهج مِن قبيل « على المؤرّخ أن يتسلّح ـ زيادة على الموضوعية والدقة ـ بالتعاطف مع موضوعه، أي بقسط كبير من النزاهة والتفهميّة وأن ينزع عن نفسه كل فكرة مسبقة أو خلفية، مثلما انتقدنا على ذلك بعض المستشرقين مثل لامّانس وغيره(2)». هذه النصيحة المنهجية جيّدة، ولكننا نَقبَلها فقط في جزء منها (الموضوعية والدقة)، وما عدا ذلك فهو من باب الخلف. إنه خلف من حيث ظرف الزمان ومن حيث المُحتوى: فالمقدمات المنهجية التي أوردها بيّنة بذاتها ولا تزيد شيئا في علمنا، ولكنها جاءت متأخرة. كان عليه أن يُصدّرها عمله الأول وألاّ يعود لها مرة ثانية؛ ثم ما معنى أن يكون الباحث متعاطفا مع موضوعه؟ إنّ التعاطف في ميدان البحث العلمي هو البوّابة الأولى والمباشرة لانعدام الموضوعية؛ أن يتعاطف أحد مع موضوع ما ـ وآخذ كلام جعيط على حرفيّته ـ يعني أن يُسكّن روحه النقدية وأن يَتغاضى عن الأخطاء، وإن كانت جليّة فإنه سيعمل على إخفائها أو طمسها. المؤرّخ يُعقلن منهجه ولا يتعاطف مع موضوعه، يَتحلّى بالروح النقدية التي تفترض لامبالاة وحيادا ريبيّا؛ الإحتراف المتواصل والتجربة العميقة تجعلان من المؤرخ شكّاكا وكافرا.
لكن التعاطف يُسكّن هذه الروح، وربما جعيط نفسه، هو الذي يقودنا إلى هذا الاستنتاج حين يُبرئ ساحته أمام المؤمنين قائلا: « ويجب على القارئ أن يقتنع بأن هدفنا ليس المسّ بالمقدسات الإسلامية ولا بالذات النبوية وليس إقامة أحكام تقريظية ولا سلبية بالمثل(3)». صحيح أنّ المؤرخ لا ينبغي عليه أن يضع هدفه الأوّل المنافحة عن الدين أو المعارضته العنيدة لرموزه، فقط لبغية تدمير معتقدات الناس. لكن هذا لا يمنعه من قول الحقيقة، والحقيقة هي الضدّ الطبيعيّ للأديان جميعا، لأنها تمسّ أوّل ما تمسّ جوهرها، قاعدتها الأولى المبنيّة على الإيمان الصرف وعلى تقديس الكتب. أظنّ أنّ كلام جعيط وتطميناته أعلاه هي وعد صادق نابع من تعاطف مع موضوعه، ومع قرّائه، ليس جميعهم بل المسلمين فقط، أما أهل الأديان الأخرى فإنه غالبا ما يطلق عنانه، حتى في كتابه هذا، للحطّ من أديانهم أو التقليل من شأنها أمام نقاوة الإسلام. ثم مِن جهة أخرى ـ وهذا الذي يهمّنا عاجلا ـ يبدو، إنْ لم أخطئ، أنّ قوله أعلاه هو ربّما اتهام مباشر للمستشرقين، وتَمَلُّص من العلماء الغربيين والعرب (قلائل على الحقيقة) الذين دَرَسوا الإسلام وأخلصوا إلى نتائج تتعارض ومقدّسات المسلمين. ليس هذا فقط، بل إن موقفه الصريح يبدو في جوهره اتّهاما لتراث فكريّ عظيم جَمَع كلّ أولئك الذين درسوا الديانات بروح موضوعية غير عابئين باعتقادات المؤمنين، أو ناكرين، من حيث المبدأ، لفكرة المقدسات والوحي والنبوة. إنّ هذا الموقف، إذا لم يَعمل صاحبه على إيضاحه إيضاحا كافيا ولم يُقشّع حالة الغموض عنه، فإنه سيعود وينحني به مرة أخرى على مواقف المؤمنين الذين لا يقبلون بالبحث التاريخي النزيه. المؤمنون في جميع الأديان يُصيبهم الذعر لرؤية مقدّساتهم تتهاوى الواحدة تلو الأخرى وتتقشع هالة القدسية عن رجال مَكَثوا لمدة قرون عديدة خارج الشرط الإنساني. كيف يمكن والحال على هذه الشاكلة ألاّ يَختلجنا الشك في ضماناته المنهجية وتصريحاته التالية: « قلتُ إن التاريخ كواقع وكعلم يجري على سطح الأرض ولا يتناول الحقائق الميتافيزيقية في حد ذاتها … وبالتالي على المؤرخ المسلم أن يضع بين قوسين قناعاته الدينية عندما يدرس بزوغ الإسلام»؟ لكن على العكس من ذلك، وأودّ أن أكون مخطئا في قولي، أرى أنّ جعيط، في كتابه الأوّل وفي كتابه هذا عن السيرة النبوية، قد أجرى التاريخ على سطح السماء، وليس على سطح الأرض.
لقد قذف بأعمال جلّ المستشرقين في عداد الخرافة، ثم نَعَتَ الاستشراق الأكاديمي بضيق الفضاء الفكري وبأنه «يبحث عن حقائق تفصيلية، لكنه في بعض الأحيان يَعبَثُ بموضوع بحثه فينفلتُ من كبرى تقسيمات العلوم(4)». ولذلك فإنه مِن جمهرة المستشرقين لا يستثني إلاّ « كبار علماء الساميات من مثل نولدكه وفلهاوزن»، ولا يُقدّر إلاّ بحوث العالمين الألمانيين في القرن التاسع عشر، شبرنغر وغريمه، والغريب في الأمر أنه لا يعرّج ولو بعجالة على أسماء كبار المستشرقين الإيطاليين، من أمثال كايطاني، جويدي، ليفي دالا فيدا، باوزاني، غابريالي. أما الذين جاؤوا بعدهم، وهم كثر، ممن لم يتناولوا مباشرة حياة الرسول محمد، فإنّ بحوثهم حسب جعيّط « حملت قسطا غير قليل من الأحكام المسبقة حول شخصيته أو أخلاقيته وحول مدى صدقه في ادّعاء النبوة، وكل هذا ليس من العلم في شيء(5)». هذه ملاحظات صحيحة ولا يمكن إلاّ أن نصادق عليها، لكن أحكامه هو بشأن الأديان السابقة واللاحقة أين نضعها؟ ثم هل هناك مبرّر عقلانيّ يُجيز لأيّ مؤرخ أن يَتبنى أطروحات دين ما، ويدافع عنها، ضدّ دين آخر؟ وأخيرا، ما الشيء الذي يقدّمه من ضمانات موضوعية للفلاسفة والمثقفين العلمانيين الذين لا يؤمنون بمنظومة الوحي؟ أرى أن جعيط نفسه، ومن خلال صريح أطروحاته، غير قادر على أن يُوفر لهم أي ضمانة علمية تُذكر: فرويد خرافة؛ أقوال مايكل كوك عن مكّة هي أيضا خرافة(6)؛ باتريسيا كرون عديمة الشعور بالمسؤولية العلمية، وبخصوص هذه الدارسة فإنّه لم يتزحزح قيد أنملة عن انتقاداته السلبية، بل عمّق نقده واتّهمها باستحداث نظريات وهمية. لقد مرّت على أحكامه القاسية ضدّها قرابة العشرين سنة (الفتنة الكبرى)، ولم تزده هذه المدّة إلاّ تشبثا برأيه واستماتة على مواقفه، مع التصعيد في النبرة التي وصلت إلى حدّ التهكّم(7). وبالجملة الاستشراق، حسب قناعته، انفلتَ « من عقاله [وابتعد] عن الصرامة المنهجية التاريخية بتعلّة الصرامة ذاتها أو حبّا للجديد(8)».
هناك أمر محيّر نوعا ما، وربّما يثير بعض القلق لدى المختصين في الدراسات الإسلامية والباحثين في تاريخ صدر الإسلام، ألا وهو إشادة جعيّط بأعماله ووصفها بشيء من البطولية: « وكأن الموضوع طُرق لأول مرّة(9)»، أو في الأخرى: « ولِي آراء متعددة تتنافى في كثير من الأمور مع معطيات السيرة والمصادر الأخرى(10)».
1 ـ أنبياء خارج الشرط الإنساني:
لكاتب هذه السطور بعض التحفّظات على أقوال جعيّط، وتحديدا بشأن الجدّة التي وعد بها : لقد عاد وكرّر ما قاله عن النبيّ (وبانتيون الأنبياء) من أنه شخصية استثنائية تعلو على حتميات التاريخ. الشكوك التي قدّمها العلماء الغربيون حول صدق روايات الأناجيل، بل والتي طالت حتى الوجود الشخصي للمسيح ليس لها، طبقا لمنطق العبقرية الاستثنائية، مبرّر معقول. الشاهد الوحيد لهذه العظمة هو المضمون الأخلاقي لرسالتهم: « فلا يمكن بأي حال نفي فحوى رسالة عيسى الأخلاقية، وهي تجديد كبير في مسار الإنسانية إلى أن نصل إلى رفض ما نُسِب إليه من اللوجيات في الأناجيل كما يجري عليه الأمر الآن أحيانا. قد نشكّك في شكلها أو في الظروف التي باح بها عيسى، لكن ليس في لبّها الأخلاقي(11)». أين هي الأسطورة في قصّة المسيح؟ وما هي العناصر التي تثير فينا الشكوك وتبدو لنا الآن غير مقبولة؟ حسب جعيّط، وأظنّ أنه هنا يتكلّم عن عيسى إسلامي، أي كما رواه (بتحوير طفيف) المعتقد الإسلامي وبعض الفرق الهرطقية المسيحية، أسطوريّة المسيح تكمن فقط في «ميلاده وسيرته وانبعاثه لأنها مرتبطة باختلاقات دوغمائية من حيث أن ظروف موته هي التي أسّست لإعادة تركيب ميلاده وحياته». يعني كل الرواية المسيحية الرسمية هي خاطئة، وكل الميثولوجيا التي حيكت حوله والتي يعتقدها مؤمنو تلك الملة، لا مبرّر لها. أما المسيح، كشخص عيني، فلا يمكن أن تطاله الشكوك أبدا، ولا يمكن حتى أن يكون نتاج ذهنية عامة منتشرة في زمانه، أي ذهنية الخلاص اليهودية. المسيح موجود، أو وُجد فعلا، حسب جعيّط، «وبشّر بقرب الملكوت، وصاغ إيثيقا في غاية كبيرة من الجدّة والأهمية في التعامل بين البشر، وهذا ما مكّن رسالته من البقاء والانتشار(12)». وقس على ذلك أيضا شخصية النبي محمّد والأنبياء السابقين عليه، لأنّ الإبداع النوعي، حسب رأيه، هو دائما من مشمولات الشخصيات الفذّة التي تٌنتج دائما، خارج إطارها الاجتماعي الثقافي. ذلك لأنّ «الإبداع البحت في هذا المجال لا يمتّ بالضرورة بصلة إلى أفكار جماعية مُنبَثة في زمانه وفي البيئة التي انبثق فيها. وهنا مثلا، لا علاقة بين رسالة النبيّ وبين ما أسمي بـ”الحنفاء” الباحثين عن دين إبراهيم الأصلي(13)».
أمام هذه القناعة كيف يمكن لمفكّر تنويري أن يَمسك عقله ويَتركها تمرّ دون أن تثير فيه، ولو لبرهة من الزمن، بعض الشكوك والتساؤلات؟ المؤرخ جعيّط يريد منّا أن نعتقد في الوجود العيني للأنبياء وفي استثنائية إبداعاتهم، لكن هذا موضوع نظر وتدقيق، ومن غير المستساغ أن نتجرّع هذه القناعة اليوم دون أن نُجريها على مشرحة النقد التاريخي الفيلولوجي. لكن جعيّط لم يكتف بذلك بل إنه، مثلما فعل التراث الإسلامي، أضاف في آخر كتابه رجالا استثنائيّين آخرين، وهم الصحابة: «النبيّ وصاحبه وأصحابه الذين اتبعوه في كل مساره أناس استثنائيّون بأعلى درجة(14)».
الوثيقة الوحيدة التي يعترف بها جعيّط لإثبات وجود محمّد هي القرآن، حيث أننا نعثر فيه، حسب زعمه على «”ميتانصّ” يصف هويّة النصّ(15)». لكن لولا المفسّرون الذين ملؤوا الفراغات والتناقضات والغموض، بما يسمّى “أسباب النزول”، لما عرفنا شيئا واضحا وجليّا عن محمد. الاعتماد على القرآن فقط لا يحلّ المشكلة بل يزيدها غموضا واستعصاء، ولذلك حقّ لبعض المستشرقين الشكّ في شخصية محمّد كما الشكّ في شخصيات الأنبياء السابقين. وعلى أية حال، هؤلاء الأنبياء، من وجهة نظر فلسفية هم إهانة العالم، دمار العقول السويّة. إلاّ أنه بالنسبة لجعيّط كلّ الطرق تؤدّي إلى الوجود الفعلي للنبيّ « سواء كان القرآن كلام الله المنزّل على محمّد ـ كما هو المعتقد الإسلامي ـ أو كلام النبيّ مُعتقِدا أنه موحى به إليه، فهو منغمس في تاريخية الدعوة لأن النبيّ أفصح به إلى محيطه في مكّة في فترة معيّنة من الزمان فيتّخذ القرآن طابعا موضوعيا تاريخيا. ونفس الشيء بالنسبة للفترة المدنية، لكن هنا تبرز إشارات تاريخية أكثر وضوحا إلى المعارضات والمعارك الحربية (بدر، أحد، الخندق، فتح مكة، حنين … إلخ) كما تعرض الإبداعات التشريعية(16)». النتيجة المنطقية، حسب جعيّط، هي أن «اللجوء إلى القرآن كمصدر تاريخي مهمّ جدّا ليس لأنه يعطي تفاصيل عن الأحداث بل لأنه يُثبتها، فيجعلنا نتحقّق من وجودها، فيغدو تصوّر مسار محمد أمرا ممكنا بالنسبة إلى المؤرخ وليس ضربا من الخيال(17)».
قناعة جعيّط هي أن القرآن وثيقة تاريخية، فضلا عن أنه نص تشريعي، ديني وأخلاقي. لكن مرّة أخرى تحدونا الشكوك في صواب هذه الأطروحة، لأن النص التاريخي يجب أن يكون واضحا وصريحا، يجب أن يقدّم معطيات، وتفاصيل فيها أسماء أماكن، وطوبولوجيا، وأشخاص، وأرقام. كلّ هذا غائب عن القرآن، وحتى إن عثرنا على رواية لحدث ما فهي مُعَبَّر عنها بإيجاز وبإيماءات وتلميحات عابرة دون تفاصيل مخصوصة. إن وقائع بدر وأحُد والخندق وغيرها، هي من اختلاقات المفسرين الذين حاولوا ملئ الفراغ وإضفاء معنى عن تلك الإيماءات السريعة والغير مفصلة. الوقائع الكبرى تترسّخ ذاكرتها في الزمان، وواقعيّتها يمكن التثبّت من آثارها عن طريق النقد الفيولوجي التاريخي والحفريات الأثرية. لقد روى لنا مؤرخان قديمان (بوليبيوس وتيتس ليفوس) معركة من المعارك الشهيرة التي دارت بين جيوش حنبعل والجيش الروماني: المؤرخان أعطيا التاريخ بالتحديد: “2 أغسطس 216 ق. م” والمكان: “كانّ”، باللاتيني “كانّائي” (Cannae) وهي مدينة قديمة في أبوليا بجنوب إيطاليا على عُلوّ 54 متر فوق مستوى البحر، تقع على تلّ يُشرف على الضفة اليمنى من نهر أوفانتو، باللاتيني “آوفيدوس” (Aufidus). الجيش الروماني يتكوّن من 80.000 جندي، مقسّم إلى 8 فيالق، ويقوده القنصل إيميليوس باولوس، الجيش القرطاجي يَعدّ 50.000 نفر، جيش متعدد الجنسيات، إن صحّ التعبير، فيه القرطاجيون والنوميديون المغاربة، والإسبان والفرنسيون ومرتزقة من بلدان متوسّطية أخرى. المعركة كانت شرسة جدّا، كما يروي المؤرخان، حيث فعّل فيها حنّبعل، مرّة أخرى، براعته التكتيكية المذهلة. وحدثت كما توقع هو، أي أن الجيش الروماني الذي رُتب في صفوف مرصوصة على ثلاث خطوط متوازية، في مساحة لا تفوق الكيلومتر والنصف، ضيّقت من مجال تحركه، استُدرج للهجوم، فترك حنبعل عمدا الجيش الروماني يخرق صدر صفوفه الأولى المتكوّنة من المشاة الفرنسيين، وإثرها تحرّكت أجنحة الفرسان النوميديين، من جهة الجنوب الشرقي، وتحرّك من الشمال الغربي فيلق الفرسان الثقيلة وطوّقا كتلة جيش المشاة الروماني من الخلف على شكل نصف دائرة، عند هذا الحدّ فإن مصير الجيش الروماني قد تقرّر. لقد انتصر حنبعل انتصارا ساحقا، وقتل القنصل إيميليوس باولوس، وقضي على الجيش الروماني، تقريبا بالكامل (سبعين ألف من القتلى، بينما خسر حنبعل ثمانية آلاف).
كان بإمكان أي شخص أن يشكك في صدق هذه الرواية، بل أن يشكّك حتى في واقعية تلك المعركة، على الرغم من أن المؤرخَين ليسا بحضرة أنبياء أو معجزات. لكن الدراسات الفيلولوجية المعمّقة أثبتت صحتها، والحفريات الأثرية جاءت لدعّم اليقين بواقعية تلك المعركة وانتزاعها من محض الافتراض. وهذا ما حدث فعلا منذ القرن الماضي، حيث وجد العلماء بقايا أثرية تدلّ على صحة الأخبار التي نقلها المؤرخان، وأقوى دليل على ذلك هو النصب الذي أقامه حنبعل على رفات القائد الروماني باولوس حيث جاء فيه بالحرف: «حنّبعل (HANNIBAL)، في وقت معركة “كانّ”، بحث عن جثة القنصل الروماني إميليوس باولوس (PAULI ÆMILII ROMANORUM CONSULIS)، وبشرف عظيم (SUMMA CUM HONORE) أمر الجنود الرومان بدفنه تحت هذه الحجارة (SUB HOC MARMORA)، ونقل عظامه إلى روما (ET OSSA EJUS AD URBEM DEPORTANDA )(18)». إن آثارا من هذا القبيل لا تدع مجالا للشك في الحقيقة التاريخية لتلك المعركة، وقد تختلف التفاصيل بين مؤرخ وآخر (بالنسبة لتيتوس ليفيوس عدد قتلى الرومان خمسين ألف، بينما هي سبعين ألف بالنسبة لبوليبيوس) لكن المعركة حدثت فعلا، ولا مجال للشك فيها. إلاّ أن واقع الحال مختلف بالنسبة للتاريخ الإسلامي، فعلاوة على أنه تاريخ يغلب عليه الطابع التقديسي لشخصية محمد وأصحابه، فإن كل الغزوات والوقائع التي ذكرها المؤرخون أو التلميحات العابرة في القرآن، لا نعثر لها على أثر تاريخي، يؤيّدها أو يقطع الشكوك حول مدى واقعيتها. المؤرخ عليه أن يعلم أنه إذا دخل المقدس في التاريخ فإنه يفسد معناه، ويقضي على موضوعيته، ولذلك فإن الإلتجاء إلى القرآن، في القضايا التاريخية وجعله في نفس الوقت الشاهد والقاضي، لا يتفق مع مجرى البحث العلمي. يجب أن تكون هناك دلائل خارجية ثابتة، يجب العثور على قرائن أثرية كي نتحقق من الوقائع، وينبغي أن نجتهد للحصول عليها، وإلاّ فإننا نبقى في مجال الإفتراض والخيال الاعتباطي.
2ـ تاريخ استثنائي
في هذه الفقرة وما يليها سينفصل خطابي عن جعيّط ويأخذ مساره بحرية، يبقى مع ذلك خيط رقيق يربطني به وهو مناقشة الصورة الاستثنائية الخارقة التي صور بها الأنبياء، مجتهدا، بدوري، قدر الإمكان لنقضها وتدميرها. ولكن قبل الانفصال أودّ فقط إضافة الملاحظات التالية على النص الذي نحن بصدده. القرآن، يقول جعيّط، هو « كلام الله والكتاب المقدس الجديد والمدشّن لتاريخية كبيرة ومقدسة(20)». أهذا خطاب إنسان مؤمن أم مؤرّخ محترف؟ نحن لا ندري هل يعتقد الرجل في هذه الحقيقة أم إنه رمى بها هكذا في سياق أقواله لأن في موضع سابق يُرجّح أن الرسول هو الذي «سهر في آخر حياته، أو حتى في كل معرض حياته، على تنظيمه وهيكلته ومراقبة محتواه، بل إن النصّ سجّله هو كتابيا من الأصل في مكة ذاتها ولم يبق طويلا في شكله الشفوي20». هل هذا يعني أن القرآن كتبه محمّد؟ هل أنه هو الذي دوّنه من وحي خاطره؟ ربّما. لا أدري بالتحديد ما موقف جعيّط من هذه القضية لأن القول بأن القرآن «كلام الله والكتاب المقدس الجديد والمدشّن لتاريخية كبيرة ومقدسة»، إن كان فعلا قناعته الشخصية، فهو في تناقض صارخ مع نفسه. لكنني أرجّح أن هذا الاختلال الطفيف وراءه تنزيه حديث للقرآن، لا يستنقص أبدا من قدسيّته ولا يضرّ المؤمن في اعتقاده؛ وتتمة كلامه ربما تفيد هذا المعنى، حيث يقول إن القرآن «متزامن تماما مع الرسول حيث لا يمكن ترجيح أنه أهمل هذا العمل خصوصا وأن القرآن أساس كل الدعوة وصار أساس الصلاة وأساس التشريع. ولا أعتقد أن زيد بن ثابت ـ وقد كان كاتب الوحي ـ جمعه من جذوع النخل وعظام الإبل، بل كان العرب يعرفون الرقّ والبردي ويحسنون الكتابة(21)». لقد ذهبت في حالها فروقات المصاحف، والأخبار التي رُوِيت عن الحذف والزيادة والنقصان التي طالت النص، وعُدنا إلى خطاب تنزيهي في لُبوس جديد. فعلا، جعيّط نفسه هو الذي يستبعد التطوّر والإضافات البعديّة أو التطهير المتوالي « نستبعد تماما أن حُذف من النصّ شيء ما … فالقرآن إذن كيفما كان تنظيم الآيات في السّور، إنما هو نصّ نَطَق به الرسول وأعطاه فيما أرى ضمانه كما أعطاه ضمانه كبار الصحابة وخلفاؤه أبو بكر وعمر وعثمان وهم يعرفونه جيدا لطول سابقتهم ومزاولتهم الدائمة للرسول، ولحرصهم كذلك على إبقاء لبّ الرسالة كما هو، وهو القرآن(22)». هذه قناعة لا تختلف كثيرا عن قناعة المؤمنين وهي في العمق استنساخ حديث للتراث الإسلامي، ومنها انهمرت الاستنتاجات (العقدية) الواحدة تلو الأخرى: أصحّ النسخ هي نسخة عثمان، حتى وإن كانت الشواهد التاريخية المباشرة للكتّاب المسلمين أنفسهم تُفنّد هذا الزعم، وحتى إن أورد الطبري قراءات مغايرة سجلها المستشرق جيفري. هذه كلّها، بالنسبة لذهنية رجل مثل جعيط، مجرّد « تركيب من الخيال وإن بقي شيء منها فهو تافه، ولا أعتقد أنه بقي شيء منها(23)». لماذا لا ينبغي علينا أن نشكّ في أن النص القرآني يعود إلى القرن السابع ونَسدّ الباب أمام امكانية أنه حُرّر على صورته الحالية في القرن الثامن أو أعيدت صياغته في الفترة العباسية؟ ليست المعجزات، ولا الإيمان بالوحي والخوارق، بل لأسباب موضوعية فيلولوجية. ربما هكذا ينبغي أن يكون عليه الجواب، لكن جعيط يعللها بأسباب نابعة من التراث المقدّس، وليس من التراث الفيلولوجي العلمي. فهو يستنكر مثل هذه الطريقة في البحث، كما يُمكن لأيّ مسلم أن يستنكرها، ويتساءل: « كيف يمكن لدولة إسلامية قائمة خصيصا على الشرعية الدينية وشرعية القرابة من الرسول أن تبادر أو تقبل بتحرير المرجع الديني الأساسي أو إعادة تحريره، والحال أن العرب المسلمين في المدينة ومكة والكوفة والبصرة يعرفونه على الأقل للصلاة … وكيف نفسّر حركة القراء المسيَّسين منذ عثمان وحركة ابن الأشعث وكل المنطق التاريخي وتسلسل التاريخ؟». يعني أن منطق التاريخ يجب أن يسير طبقا لما قرّرته المصادر الإسلامية، وعلى المؤرخين المُحدَثين أن يَستنسخوا ما اتفق عليه المسلمون، والباقي هو مجرّد مَشغلة وتَفاهة. لكن جعيّط حتى وإن سلّم جدلا، مُجرّد تسليم افتراضي، بفكرة أن القرآن رأى النور في القرن الثامن، فهذه الفكرة حتى وإن صدقت لا تقدح في وحدته، وربما في قدسيته، ذلك لأنه «إذا صحّ فعلا أنه ليس لدينا إلاّ مصاحف من أواسط القرن الثاني الهجري … فلا يعني ذلك شيئا، فالكتب تُستنسخ جيلا بعد جيل ويضيع المصحف القديم لفائدة الجديد(24)». القانون العام هو هذا: ليس هناك نسخة أصلية في أي دين، وعلى المؤمنين أن يكفوا عن التفتيش عنها، كذلك الحال بالنسبة لليهود والنصارى(25).
ومع ذلك تَبقى هناك استثناءات بالنسبة للإسلام ولنبيّه. هناك فارق جوهري بين تراث المسيحيين والمسلمين، بخصوص مؤسّسيْ هذين الدينين، وهذا الفارق هو أنه، في الوقت الذي دُوّنت فيه آثار المسيح بعد موته بوقت طويل، حيث امتزجت الأساطير بالواقع، فإن شخصية النبي واضحة وجلية (هذه صيغة جديدة من صيغ التحريف في التراث الإسلامي). فعلا، “التحريف” أو دخول الخرافات في سيرة حياة يسوع، لا مجال له في التراث الإسلامي، لأن شخصية النبي محمد لا جدال فيها، إنها شخصية واضحة، استثنائية تعلو على كل الأنبياء القدامى: « أما بخصوص محمد، فالشأن آخر: هو نبي مرسل بكتاب مقدس، وهو من جهة ثانية رجل نجح في تكوين أمة وإدخال كل الحجاز في دينه وضمن سلطته. ومن الصعب جدّا بل من المستحيل المسّ بفحوى الكتاب الذي يُموضع نفسه ككلام الله بعد قرن أو قرنين من دون زلزال قويّ لم يُبق لنا التاريخ منه شيئا(26)». الخطاب القرآني هو أيضا استثناء، والقرآن لا يدخل في أي قالب من قوالب الكلام الإنساني (على الأقلّ نصوص القرن الثاني): سواء أكان نثرا أو شعرا أو خطابة. لا، بل إن الخطاب القرآني، كما يُنبؤنا جعيّط، أسّس إلى حدّ بعيد حسب زعمه اللغة العربية «وثبّتها وأثراها بتعابيره المجدِّدة للأفكار والبرهنة». أنا أنعى على الإسلاميين الذي يَلعنون جعيّط أو يَشتمّون من كتاباته رائحة الهرطقة، خطأهم التقييمي الفادح. أين هي الهرطقة في دفاع حديث عن صورة كلاسيكية مقدّسة للنبي وللقرآن؟ «إن القرآن إلهي في المعتقد ـ وكل حياة النبي إنما هي كفاح من أجل ترسيخ هذا المعتقد ـ ومن وجهة المؤرخ، الموضوعية، لا يمكن أن يكون عمل جماعة أو فئة شكلا ومضمونا». لماذا؟ لأن القرآن « مطبوع بطابع عبقرية شخصية ملهمة في الفكر والتعبير، في المعاني الميتافيزيقية، في قوة الإيحاء … وأكثر من ذلك: إن أسلوبه خاص به، ليس من الشعر وليس من النثر أو هو الإثنان معا(27)». أما شكوك المستشرقين بشأن روايات المؤرخين القدامى، حول سيرة محمد، الشيء الذي أداهم، حسب جعيّط (وكل الإسلاميين) إلى تقديم صورة غير لائقة به، وإلى ابتداع أساطير توري عن تلفيق واصطناع، فإنّ جعيط يُنكر عليهم تدنيسهم هذا، ولمعارضتهم فهو مستعدّ إلى النكران حتى على المؤرخين المسلمين أنفسهم. لقد سفّه هو نفسه أحد كتاب السيرة القدامى (ابن إسحاق)، وقال بأن رواياته « قد تَسقط في السفاهة أحيانا عندما يُصوّر النبي في المدينة متلهّفا وراء الجنس(28)». بخصوص مِحوريّة مكة وموضِعها المتميّز في بروز الدعوة، ليس هناك أدنى شكّ وغير مسموح به إطلاقا، بل أصبحت عند جعيّط بُند إيمان صامد: « نؤمن بأن محمدا ظهر في مكة، وأن مكة كانت تحتل المكان الذي هي عليه اليوم، وأن الرسول لم يدع في اليمامة أو في مكان ما من وسط الجزيرة وأن مكة لم تكن متموقعة في فلسطين(29)». الشكوك الوحيدة التي سمح لنفسه بتقديمها على السيرة الكلاسيكية، هي شكوك جانبية ولا تمس هيكلها الأصلي: قصة الغرانيق معدومة الصحة(30)؛ ثم « ما ترويه السّير من قلق قريش من هذه الهجرة وتخوفها من أن ترجع عليها بالوبال، فهذا لا مبرر له إطلاقا، وهو إسقاط من المستقبل على الحاضر(31)»؛ وأخيرا قصة الغار محبوكة(32).
بشأن الكتاب أعلاه أكتفي بهذا القدر وأتمنى أني قدّمتُ للقارئ صورة أمينة لبعض محتواته، وأنني لم أبالغ في نقدي لمسار جعيّط الفكري، ولم أتجنّ عليه في معارضتي لمجمل طروحاته التاريخية. ولستُ أدّعي بالمرة أنني أفوقه علما، أو أرغب في منازعته على أرضية اختصاصه، كل ما في الأمر هو أنني وضعتُ بعض أطروحاته على محكّ النقد، وامتحنتُ انسجامها الداخلي ومدى مطابقتها للواقع ولروح العلم، بكل تجرّد وموضوعية. وعلى كل حال أترك التقييم النهائي في يد القارئ.
3 ـ الأنبياء: صنف إلهي أو إنساني أو لاإنساني؟
أعود إلى موضوع الأنبياء وصورتهم الاستثنائية التي حاول رسمها جعيّط. وأنطلقُ في البداية من الصورة التي رسمها للمسيح الذي حسب زعمه « بشّر بقرب الملكوت، وصاغ إيثيقا في غاية كبيرة من الجدّة والأهمية في التعامل بين البشر، وهذا ما مكّن رسالته من البقاء والإنتشار». على أساس هذه القناعة، والتي تبدو لنا غريبة بعض الشيء، لأنني برهنتُ في مقالاتي السابقة أن جعيّط لا يشعر بأي تعاطف مع أي دين ما عدا الإسلام، أقول على أساس هذه القناعة فهو يرفض أي محاولة للتشكيك في تلك الرسالة، إذ لا يمكن «بأيّ حال نفي فحوى رسالة عيسى الأخلاقية، وهي تجديد كبير في مسار الإنسانية إلى أن نصل إلى رفض ما نُسِب إليه من اللوجيات في الأناجيل كما يجري عليه الأمر الآن أحيانا». قد نشكّك في شكلها أو في الظروف التي باح بها عيسى، لكن ليس في لبّها الأخلاقي. نبرة جديدة، وربّما متناقضة، إذا وضعناها جنبا إلى جنب مع ما قاله في رسالة محمد، ومع ذلك فهي لا تصمد أمام البحث التاريخي، ولا حتى أمام التعاليم الأخلاقية الإنسانية.
لقد أكّد المؤرخون والناقدون المسيحيون أنفسهم أن عيسى، هو نتاج العالم اليهودي، ولا يختلف في ذهنيته وفي نظرته للعالم عمّا هو سائد في الثقافة اليهودية آنذاك. أما الفكرة التي تودّ أن تجعل منه استثناء، وحالة خاصة في مسار التاريخ، هي مشهورة فقط عند الكتاب المسيحيين الملتزمين، وقد عمد أخير البابا راتسينغر إلى تجذيرها وإعادة صياغتها بمنطق لاهوتي حديث. أما المفكّرون الأحرار والذين لا يعتقدون في الاستثناءات وفي العباقرة المستَعلِين على رقاب الناس، مَوضعوا المسيح (أكرّر، هذا إن وُجِد فعلا) في زمانه ومكانه. ومن خلال روايات الأناجيل فقط يمكن أن نجزم بأن يسوع هو رجل مثل رجال عصره ووسطه، حيث تنعدم على الإطلاق الذهنية العقلانية، التي كانت قد ابتُدِعت في مكان آخر منذ عدة قرون. يسوع متموقع في زمانه وتغلب عليه الذهنية الخرافية، حيث يعتقد في الشياطين والملائكة؛ يعتبر الأمراض نتيجة للخطايا ومسّا من الشياطين؛ لا يرى في الدنيا إلاّ تدخّلا مباشرا لله في كل الأشياء الطبيعية والإنسانية. في طفولته ـ التي من غير الممكن رسمها تاريخيا ـ من المحتمل أنه تصرّف مثلما يتصرّف أي طفل يهودي في عصره. لكن الأناجيل المنحولة (حسب قانون الكنيسة) والتي نجد لها صدى في القرآن، تطغى عليها الاستيهامات الخارقة للعادة، بحيث أنه يُكلّم الناس في المهد، ويأتي بالمعجزات الأكثر خيالية.
على القراء المسيحيين أن يعلموا أنني لا أورد هذه الأفكار لأجل السّجال الديني، أو المنافحة عن ملّة دون أخرى. المفكّر الحرّ والجدّي يمنع نفسه من التمتّع بمثل هذه الفسحة المنهجية. نحن ندافع عن عقولنا وفقط عنها، نحاول أن نحميها من الهجوم الشرس للمتديّنين الذين ازدادت شوكتهم وتَصاعد عنفهم في السنوات الأخيرة، وخصوصا في العالم الإسلامي والعالم البروتستانتي. بسيط العقل يمنعني من الاعتقاد بأن كائنا غيبيا ذا صفات متناقضة ـ إذن غير مُحتمَل الوجود ـ يُكلّم إنسانا ما؛ عقلي يمنعني من الاعتقاد بأنّ إنسانا يستطيع أن يُغيّر أو يُكسّر أو يُعطّل، بأيّ حال من الأحوال، مجرى قوانين الطبيعة؛ لا يمكنني أن أعتقد بإمكانية إحياء الميّت لأنّ قوانين الطبيعة الخالدة تمنع من حدوث مثل هذه الخروقات على الإطلاق.
الأنبياء الذين يقومون بالمعجزات هم إهانة العالم، تدمير للعقل. المعجزة تُظهر حقيقة الدين، والدين الحقّ يُظهر المعجزة، إنه دور منطقي رهيب، ولكن عِنَاد المؤمنين لا يعبؤ بالمنطق. يقول باسكال: «يجب الحكم على التعاليم من المعجزات، يجب الحكم على المعجزات من التعاليم. التعاليم تبيّن المعجزات، والمعجزات تُبيّن التعاليم. كلّ هذا صحيح، ولكنه لا يتناقض مع بعضه». لو أن هذا الرياضي العظيم صادف برهانا من هذا القبيل في كتاب هندسي ـ يُعلّق أحدهم ـ «لجلد المؤلّف حتى الإدماء(33)». العقل السيوي يرفض إمكانية المعجزات، لسبب بسيط وهو أنها مضادة لقوانين النظام الطبيعي، لا بل إن هناك من ذهب إلى أن فكرة المعجزات تمحق واحدة من الأسباب التي تجعلنا نؤمن بالله، هذا فضلا عن أنها تقضي على الشرط الأساسي لكل دراسة علمية للكون ولكل همّ عقلاني. إن العقل الذي يصادر مبادئ ثبوت قوانين المادة، يحكم على نفسه منذ البداية بالقصور ويضع نفسه في الخواء التامّ(34). الكتب المقدسّة مملوءة حكايات خيالية عن معجزات حدثت وأخرى حادثة في أواخر الأزمان. لكن المعجزات مستحيلة إطلاقا، وكل تلك الحكايات التي ترويها الكتب الدينية لتثبيت حقيقتها، إما أنها كذب، سُلّم به دون تدقيق من طرف الوعي الشعبي الساذج، أو هي أشياء طبيعية حُوِّرت عن طريق الجهل المدقع الذي لا يقدر على فهمها إلى عجائب تناقلتها مخيلتهم من جيل إلى جيل.
المسيح الذي يعتقد بوجوده المؤمنون اعتقادا راسخا، يقول فيه أحد المؤرخين « كان شخصية غامضة، مات في القدس (أورشليم) لا ندري كيف، في محاولة انتفاضة غير محددة، والذي حصلت له مغامرة خارقة للعادة وهو أنهم ألهوه(35)».
المعطيات العينية، أو الافتراضية منها، كلها تسير ضد فكرة أن يسوع المسيح هو استثناء خارج مسار اليهودية، الشيء الذي أدى بالبعض إلى القول بأنه « لم يكن، ولا يمكن له ولا يريد أبدا أن يكون مسيحيا(36)». يكفي فقط أن نفحص الأناجيل المعترف بها من طرف الكنيسة، كي نعلم أنه كان يهوديا قائما بالفرائض ومتبعا للشريعة، ولا يطمح لتغيير أي معتقد يهودي بل هو متمسّك بقدسية التوراة إلى حدّ التأليه. ودائما، حسب الأناجيل، يسوع لم يزعم أبدا الإتيان بدين جديد، بل كان يصارع البدع التي دخلت دينه، لكي تعود إلى نقائها الأصلي الذي أرساه أنبياء بني إسرائيل. والدليل على أنه لم يكن مبتدع دين جديد ولا ينوي الخروج عن تعاليم الشريعة اليهودية، هو أحكامه المسبقة ضد من ليس بيهودي، والطريقة المذهلة التي أجاب بها المرأة الكنعانية التي طلبت منه أن يداوي ابنتها (متى 15، 21 ـ 28. مرقس، 7، 24 ـ 30). قال إنه جاء لخِراف بيت إسرائيل الضالة، وأنه من غير اللائق أخذ خبز الأطفال وطرحه للكلاب. يعني أن المرأة الكنعانية هي من فصيلة الكلاب، لا بل إنه بأكثر صراحة يُوصي حواريّيه (متى 7، 6) بأن لا يعطوا أشياء مقدسة للكلاب ولا نثر الدُّرَر للخنازير (الكنعانيون كلاب وخنازير). وهذه الأحكام القاسية ضد الكنعانيين هي أحكام نمطية دائمة وراسخة في أذهان بني إسرائيل من يوم أن اغتصبوا أرضهم وعاثوا فيها فسادا. إنّ إنسانا أتى لكي يُبشّر بأخلاق إنسانية عالية مثلما زعم جعيّط، لا يمكنه أن يُفكّر أو حتى أن يتفوّه بعبارات من هذا القبيل. المؤمنون في حرج من أمرهم أمام أقوال الأنبياء المتضاربة والقاسية أو اللأخلاقية حتى، ولذلك فهم يفعلون كل ما في وسعهم للتخفيف من حدتها، أو إخراجها من معناها الحرفي. المسيحيون يعتمدون أمثولة مضادة يشيد فيها يسوع بفضائل السامرائي، لكن معناها الصحيح إن فحصناها بدقة هو هذا: « إن كان هناك سامرائي (أي أرذل الناس) قادرا على مساعدة القريب، فواجب عليكم أنتم (أسياد الناس) أكثر من أي أحد آخر أن تكونوا السباقين لفعله(37)». إن يسوع الأناجيل، يعلّق أحد الكتاب «هو رجل منحاز كليا (un uomo totalmente fazioso)، مثل أي شخص عادي في زمانه ووطنه، بعيد كل البعد عن أن يريد تأسيس ديانة عالمية(38)».
إن أشد الاعتراضات ضد الأنبياء تأتي من الكتب المقدسة ذاتها، إن تمعنّا فيها بعين ناقدة، اعتراضات تمس شخصهم وأعمالهم ومكانتهم الانسانية. فهم الرجال الأكثر تناقضا ولاأخلاقية التي لم تعرف لهم الإنسانية مثيلا، هذا إن استثنينا جنرالات الحرب الدمويين (الاسكندر، جنزيس خان، هولاكو، نابليون وغيرهم). فالنزر القليل من المبادئ الأخلاقية الذي يُعطونه من هذه اليد يسحبونه من اليد الأخرى. يُقال إن الأنبياء جاؤوا لهداية الإنسان إلى الطريق السويّ ولتعليمه مكارم الأخلاق، لكنهم في الواقع، وبحسب ما جاء في الكتب المدعوة مقدسة، لا يتوانون من القيام بالحرب وتقتيل من لا يؤمن برسالتهم. القرآن ينص من جهة على أن الله «يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر»، ومن جهة أخرى يحرّض على تقتيل المشركين وأهل الكتاب.
لقد أثارت تناقضات الأنبياء، والصورة المزرية مثلا التي صوّرهم بها كتاب العهد القديم، أدبيات عديدة وثرية منذ العصور القديمة وصولا إلى أوجها في القرن الثامن عشر. أسطورة عيسى (ولادة عذرية كما جاء في المعتقد المسيحي والإسلامي) لا يقبلها العقل على الإطلاق. يقول الفيلسوف كالسوس معارضا حكاية ولادة المسيح ونبوءته: « لقد اخترعتَ لنفسكَ ولادة من عذراء: في الحقيقة أنتَ جِئت من قرية في يهوذا وابن امرأة تسكن تلك القرية، وتعيش في الفقر [….] إنك تقول بأن “الرسول قال يوما ما سيأتي ابن الله أورشليم، حاكم القديسين ومعذب الخطائين”. لماذا أنتَ بالذات الذي يجبُ أن تكون المقصود بهذه النبوّة وليس العديد من الناس الآخرين الذين جاؤوا إلى الدنيا بعدها؟ فعلا، المخبولون والمعتوهون يدّعون بأنهم أبناء الله نزلوا من السماء. وكيف تكونه أنتَ ولم يُنجّك الآب، ولم تكن قادرا حتى على حماية نفسك؟ […] وبالجملة أفعالك كانت أفعال ساحر شرّير كاره للإله (θεομισοàς)(39)».
الفيلسوف فولتير، بشيء من الهزل والجدّ، حطّم أسطورة الأنبياء وعرّى حالة التعاسة التي يسبح فيها ذاك الصنف من الرجال. في القاموس الفلسفي وتحت كلمة أنبياء قال بأن مهنة النبيّ هي مهنة خبيثة (un méchant métier)(40). فسواء المُحدَثين منهم أو القدماء رأوا مصيرا تعيسا. المُحدَثين منهم : «النبي جيريو استُهجن، أنبياء سيفان شُنقوا أو سُحِلوا، الأنبياء القادمين من لونغيدوك ودوفيني إلى لندن وضعوا في زنازن، الأنبياء الأناباطيست حكم عليهم بالتعذيب، النبي سافانارولا تمّ طهيه في فلورنسا». أما الأنبياء “الحقانيين”، أي أنبياء بني إسرائيل، فمصيرهم، حسب فولتير، إن لم يكن شبيها فهو أتعس وأنكى: « يقال إن زكرياء اغتيل، لكن من حسن الحظّ أنّ هذا لم يتمّ البرهنة عليه. النبي يدّو أو أدو، الذي بُعث إلى بتيل على شرط أن لا يأكل ولا يشرب، لكن من سوء حظّه أنه أكل قطعة خبز، فوقع أكله هو بدوره من طرف أسد؛ وعظامه تم العثور عليها في طريق رئيسي بين الأسد وحماره. النبي يونس ابتلعته حوتة، صحيح أنه مكث في بطنها ثلاثة أيام وثلاث ليال فقط، ومع ذلك فهذا يعني قضاء إثنين وسبعين ساعة غير مريحة. حبقوق حُمل في الهواء من شعره حتى بابل. ليست كارثة كبرى، في الحقيقة، ولكنها عَرَبة غير مريحة على الإطلاق. يجب أن نتألّم كثيرا حينما نكون معلّقين من شعرنا لمسافة ثلاثة مائة ميل. ميخيا، ابن ياميلا، بما أنه رأى الربّ جالسا على عرشه وجنود السماء على اليمين والشمال، وبما أن الربّ طلب من واحد أن يذهب ويخدع ملك أخاب؛ الشيطان عرض نفسه على الربّ وتكفّل هو بهذه المهمّة، ميخيا ردّ خبر هذه المغامرة السماوية إلى ملك أخاب. صحيح أنه كمكافأة تلقّى لطمة كبيرة من النبي صديقيا؛ صحيح أنه لم يمكث في الزنزانة إلاّ لبِضعة أيام: لكنه من المقرف لرجل مُلهَم، أن يُلطَم ويُزَجّ به في حفرة عميقة. يُعتَقَد بأن الملك أماسياس أمر باقتلاع أسنان النبي عاموس لمنعه من الكلام … حيزقيال تم رجمه من طرف أصحاب عبوديته. لا نعلم هل أن جيريميا رُجم أو نشِر على شطرين. بالنسبة لأشعيا، من الأكيد أنه نُشِر بأمر من ماناس». إذن فقط لو اطلعنا على هذه المصائر المرعبة، من خلال ما يقدمه الكتاب المقدس، فإن مهنة النبي هي حقا مهنة تعيسة.
أما الذين لم يعانوا هذه الإهانات، ولم يُلاقوا مصائر مفزعة، فإنهم هم بدورهم أفزعوا البشرية بأعمالهم وتعاليمهم. الأنبياء، الذين جاؤوا، أو جاء بهم خيال المؤمنين، لا واحد منهم أدان بصريح العبارة العبودية، لا واحد منهم كان مسالما أو داعيا للسلم الدائم واللامشروط. وإذا أردنا أن نَنقض الأنبياء جميعهم مرّة واحدة وإلى الأبد، هم وتعاليمهم، ونُعرّي هشاشتها ونُظهِر بُعدها عن الحس الإنساني السليم، فعلينا التركيز على هذين النقطتين: العبودية والعنف.
ليس هناك في التوراة أو القرآن أي عبارة صريحة وواضحة وقطعيّة تدين العبودية أو تأمر، دون تردّد، بعَتق عبيدهم. ولا نعثر في الدين الذي يزعم أصحابه أنه دين المحبّة بامتياز، على أية إدانة، حتى صورية من طرف يسوع المسيح للعبودية؛ لا نقرأ في أي من لوجياته كما قال جعيّط أنه حث الأسياد على تحرير عبيدهم(41). أحد الكتاب ذهب أبعد من ذلك وقال بأنه يمكننا أن نصرّح بأن المسيح كان مُزكّيا لها، على الأقل بشكل غير مباشر، في واحدة من أمثولاته، حيث يقول دون أي عبارة إدانة إن «العبد (الترجمة العربية فيها “الخادم”، لكن الكلمة اليونانية “δουλος” واللاتينية “servus” تعني “العبد” وليس الخادم) الذي يَعرِفُ ما يُريدُهُ سيِّدُهُ ولا يَستَعِدُّ ولا يَعمَلُ بِإرادةِ سَيِّدِهِ، يَلقى قِصاصًا شَديدًا. وأمَّا الذي لا يَعرِفُ ما يُريدُهُ سيِّدُهُ ويَعمَلُ ما يَستَحِقُ القِصاصَ. فيَلقَى قِصاصًا خَفيفًا. (لوقا، 12، 47 ـ 48)». أما رُسُل المسيح، أي أشدّ الناس قربا منه وأكثرهم معرفة بتعاليمه، فإنه تغيب عندهم أيضا أي عبارة إدانة للعبودية. في الرسالة إلى أهل إفسس بولس ينصح العبيد بالطاعة المخلصة لأسيادهم: « أيُّها العَبيدُ، أطيعوا أسيادَكُم في هذِهِ الدُّنيا بِخَوفٍ ورَهبَةٍ وقَلبٍ نَقِيٍّ كما تُطيعونَ المَسيحَ، لا بِخِدمَةِ العَينِ كمَنْ يُرضي الناسَ، بَل بِكُلِّ قُلوبِكُم كعبيدٍ لِلمَسيحِ يَعمَلونَ بِمَشيئَةِ الله. ولتكُنْ خِدمتُكم لهُم صادِقَةً كأنَّكُم تَخدِمونَ الرَّبَ لا الناسَ (أفسس، 6، 5 ـ 7)». وفي الرسالة إلى أهل كولوسي، بعد أن قال بأنه لم يبق هناك من فارق بين العبد والحرّ، وعوضا أن يستنتج منه مبدأ المساواة الطبيعية بين البشر، وبالتالي لامشروعية العبودية وواجب الأسياد تسريح عبيدهم، فهو ينصح هؤلاء بالطاعة التامة لأسيادهم(42). ثم إنه في الآية الأولى من الإصحاح الرابع يدعو الأسياد للتعامل مع العبيد بالعدل: « أيُّها السّادَةُ عامِلوا عَبيدَكُم بالعَدلِ والمُساواةِ عالِمينَ أنَّ لكُم أنتُم أيضًا سَيِّدًا في السَّماءِ»، كما لو أن العدل ممكن في علاقة بين شخصين يملك أحدهما الآخر كمتاع. إن التعاليم الصحيحة للمسيح، وطبقا لمبدأ الرحمة، حسب بولس، تُحتم أن يُبجّل العبيد أسيادهم، وأولئك الذين هم تحت أسياد مسيحيين أن يبذلو قصارى جهدهم للتفاني في خدمتهم، وكل من يخالف هذه التعاليم النابعة من الربّ فهو مغرور وجاهل(43).
وفي واقع الأمر يبدو بولس مُحقّا في اعتقاده وليس بمتناقض مع نفسه ولا مع تعاليم المسيح إن اعتبر، كما هو الحال، التوراة كلام الله الأزلي. في كتاب الأمثال نقرأ بخصوص العبيد هذه النصيحة:« بالكلام لا يُؤدَّب العبد». فعلا، يُعلّق كاتبٌ من القرن التاسع عشر « الكلمة تُعبّر عن الفكر والإحساس، تُلقَى للأشخاص. إلاّ أن العبيد في أعين أسيادهم، ليسوا أشخاصا، بل أشياء مثل البهائم. إنّ تجّار ومالكي العبيد هم حتى اليوم (الكتاب نُشر سنة 1860) متمسّكين بهذا الرأي، وبالتالي فإن المسيحيين، يستطيعون أن يُطبّقوا بكل راحة ضمير، أشكال التأديب التي يعرفها كل واحد والتي يعطينا إياها سفر يشوع بن سيراخ “العلف والعصا والحِمْل للحمار والخبز والتأديب والعمل للعبد. شغّل عبدَك تجد الراحة. أطلِقْ يَديه يلتمسُ الحرّية. النّيرُ والرُّبُط تُحني الرّقاب، وللعبد الشرير التنكيل والتعذيب. أرغمه على العمل لكي لا يبقى بطّالا، ألزمه الأعمال كما يليق به فإن لم يُطِع فثقّل رجليه بالقيود” (33، 25 ـ 29)». ألا تبدو هذه القواعد وكأنها مستمدّة مباشرة من قواعد مهنة النخاسين؟ هل لدى اليهودي والمسيحي الذي يعتقد أنها أشياء منزّلة من الله، الحق في أن يطالب بإزالة العبودية؟ إن تجّار العبيد يمكنهم أن يُجيبوك، رافعين أمامك الكتاب المقدس، بأنهم لم يفعلوا إلاّ تطبيق نصائح الله الخالدة. ولكي يختم صاحب سفر يشوع ابن سيراخ ويَقرِن التهكّم بالوحشية فإنه ينصح السيد بأن يتعامل مع العبد كأخ وأن يحبّه كما يحبّ نفسه. «ما هذا الهزء ـ يُعلّق الكاتب ـ في التجرؤ على القول بأن نحبّ كما نحب أنفسنا وأن نُعامل كأخ، واحدا من أمثالنا نَسجنه في العبودية؟ أليس الشيء الأوّل الذي يجب فعله، إن كنا فعلا نمتلك تلك المشاعر، الإسراع بكسر أغلاله؟(44)».
أما بخصوص الحرب فيكفي مطالعة تلك الكتب حتى نتيقّن من أن أصحابها لم يكونوا داعين للسلم، ولم تكن لديهم نظرة مسالمة للإجتماع البشري. المسلمون لا يمكنهم أن يدّعوا ذلك وإلاّ فإنهم سيُنكرون الآيات القرآنية التي تُحرّض على قتل من يسمى بالمشركين، وسيرفضون الأحاديث التي تنص على أن النبي أمره الله بقتال الناس حتى يدخلوا في دين الله. لكنهم غير مستعدين لذلك، وإذا قرأنا فقط ما قاله علي ابن أبي طالب حسب رواية ابن كثير على لسان سُفيان بن عُيَيْنَة، فسنحدس حجم الكارثة الأنثروبولوجية التي تنتظر البشرية: « قال عليّ بن أبي طالب : بُعِثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف؛ سيف في المشركين من العرب، قال الله تعالَى ” فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ” هكذا رواه مُختَصَرا. وأَظنّ أن السّيف الثاني هو قتال أهل الكتاب لقوله تعالى ” قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بالله ولا بِاليَوْمِ الآخِر ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ الله وَرَسُوله وَلا يَدِينُونَ دِين الحَقّ مِن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَة عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ “. والسّيف الثالث ” قتال المنافقين في قوله ” يَا أيُّها النبِيّ جاهِدْ الْكُفَّار والْمُنَافِقِينَ ” الآيَة. والرّابع، قتال البَاغين في قَوله ” وإِنْ طَائِفَتَانِ مِن المُؤمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصلِحُوا بَيْنهمَا فَإِن بَغَت إِحدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفِيء إِلَى أَمْر الله”».
اليهود لا يمكنهم أن يُحاجّوا المسلمين في هذه النقطة، لأن كتابهم هو أكثر الكتب حربية في العالم: « لا نَجد [في العهد القديم] أي نصّ يَعتبِر الحرب شيئا قبيحا في ذاته، أو مُحرَّمة على الخُدّام الأمَناء للإله الحقّ(45)». بل إنه يغلب عليه التحريض على الحرب والتقتيل، وفي العديد من نصوصه هناك مدح وتزكية للأنبياء الذين يقومون بتلك الأعمال الحربية. النبيّ إبراهيم، باركه الكاهن ملكي صادق لأنه قتل خلقا كثيرا من أعدائه: < لِتكُن عليك يا إبراهيم بركة الله العلي، مالك السماوات والأرض. وتبارك الله العليّ الذي دفع أعداءك إلى يديك (التكوين، XIV، 19 ـ 20)>. الإله يهوه يَخرق مجرى قوانين الطبيعة ويُعطل حركة الأجرام السماوية لا لشيء إلاّ نصرة شعبه وتمكينه من أعدائه وإفنائهم على بكرة أبيهم. هكذا استجاب الرب لدعاء أحد أنبياء بني إسرائيل: < في ذلك اليوم الذي هزم فيه الرب الأموريين أمام بني إسرائيل، ابتهل يشوع إلى الربّ على مَسمعٍ من الشعب: " يا شمس دومي على جِبعون ويا قمر على واد أيَّلون" فثبتت الشمس، وتوقّف القمر حتى انتقم الجيش من أعدائه ( يشوع، X، 12 ـ 13)>. النصوص التي تُبرّر الحرب وتُثني على التقتيل والإبادة لا تحصى ولا داعي لذكرها كلّها. المهمّ هو أن العهد القديم يصوّر لنا الأنبياء وكأنهم مجموعة من المُجرمين الدمويّين: موسى وأخوه هارون ابتدآ رحلتهما إلى أرض كنعان بسَفك الدماء وقتل الملوك: < فأتانا النصر عليه من عند الربّ إلهنا، فدحرناه وأبناءه وسائر جيشه. واستولينا على جميع مدنه، وقضينا في كل مدينة على الرجال والنساء والأطفال فلم ينج حيّ منهم. ولكن البهائم والأسلاب التي نهبناها من المدن أخذناها غنائم لأنفسنا ( التثنية، II، 33 ـ 35)>. <وقضينا على الرجال والنساء والأطفال. ولكننا غنمنا لأنفسنا كلّ البهائم وأسلاب المدن ( التثنية، III، 3 ـ 7)>. ثم جاء النبي يشوع خليفة موسى واقتفى أثره في التقتيل والتدمير والحرق والنهب < ودمّروا المدينة وقضوا بحدّ السيف على كلّ من فيها من رجال ونساء وأطفال وشيوخ وحتى البقر والغنم والحمير (يشوع، VI، 21)>. إن معركة عاي (مذبحة في الحقيقة) يصوّرها كاتب سفر يشوع على أنها إبادة جماعية لمدينة بأكملها: < عندما ذبح الإسرائيليون كل السكان في عاي، في الريف المفتوح وفي التيه حيث طاردوهم، والمذبحة كانت كاملة. عادوا جميعا إلى عاي ووضعوها تحت السيف، فكان جميع من قُتل في ذلك اليوم من رجال ونساء اثني عشر ألفا، وهم جميعُ أهل عاي (يشوع، VIII، 25)>. يمكن أن نواصل في عرض هذه الحروب البشعة الوحشية التي سردها ما يُدعى بالكتاب المقدّس إلى ما لانهاية، ولكننا نكتفي بهذا القدر.
أما المسيحيون فإنهم يَتلون في قُدَّاسهم وصلواتهم آيات العهد القديم والتي وصفها أحد الدارسين الإيطاليين بأنها « ليست إلاّ إعلانا للحرب المقدّسة(46)». < هلّلوا رنّموا للربّ ترنيمة جديدة ... ليهتفوا مسبّحين الربّ ملء أفواههم وليتقلّدوا بسيف ذي حدين في أيديهم، لتنفيذ الانتقام في الأمم، ومعاقبة الشعوب. ليُقيّدوا ملوكهم بالسلاسل وشرفاءهم بأغلال من حديد. ليَتمّ فيهم حكم الله المكتوب، فيكون هذا تكريما لجميع قدّيسه. هلّلويا>. ثم يُردّدون أيضا في مراسم أعيادهم كلمات النبيّ يوئيل من العهد القديم: < نادوا بهذا في الأمم، أعلنوا حربا مقدّسة وأَنهِضوا الأبطال ليَتقدّمْ جميع رجال القتال ويصعدوا. أطرقوا سكَكَكُم سيوفا ومناجلَكم رماحا ( يوئيل، IV، 9 ـ 12)>.
هكذا يُصلّي المسيحيون ويدعون الربّ في الأعياد، بمباركة الحرب المقدّسة والانتقام من الملوك ومعاقبة الشعوب المارقة. ولم يشكّ المسيحيون طرفة عين في قدسية ذاك النصّ. فعلا، هذا الأمر ليس مستغربا جدا، لأن المسيح ذاته هو الذي اعتبر ما يُسمى بالعهد القديم كلام الله الأزلي وقَدّسَه إلى حدّ التأليه: ”الحق أقول لكم إلى أن تزول الأرض والسماء لن يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الشريعة حتى يتم كلّ شيء (متى، V، 17 ـ 18)“، والكنيسة لم تفعل شيئا إلاّ أنها اقتفت أثر المسيح واعتبرت الوحي الصادق موجودا في العهدين، وبالتالي فإن حروب الإبادة في العهد القديم هي أيضا أعمال الله (Gesta Dei) المقدّسة(47).
إن الأنبياء (وأقصد بهم الرجال الذين صوّرتهم الكتب المقدسة) وأتباعهم الذين كان من المُرتَقب أن ينشروا السلم والرحمة في قلوب الناس وأن يُربّوا البشرية على المحبة والأخوّة والصفح، يُضرمون نار الحقد بينهم ويُمزقون لُحمتهم تمزيقا. مبدأ الرحمة غائب عن الخدّام الأمناء للإله ولا يوجد عندهم إلاّ قانون واحد: الإذعان أو الإبادة.
لو قارنّا أعمال التقتيل المرعبة التي قام بها أنبياء بني إسرائيل، أو تلك التي تذكرها لنا السيرة، أو البشاعة التي اقترفها المسيحيون في حروبهم الصليبية، مع ما يقوله لنا المؤرخ بوليبيوس لأدركنا البون الشاسع بين الوحشية والإنسانية. يقول هذا المؤرّخ الحكيم: « إن القيام بالتدمير العشوائي للمعابد والتماثيل وجميع الأغراض المقدسة، يجب أن نعترف بأنها فعل من أفعال الطبيعة العنيفة والمزاج الغاضب. الرجال العادلون في واقع الأمر لا يجب عليهم القيام بالحرب ضد أولئك الذين يُخطئون من أجل تدميرهم وإبادتهم، لكن لتعديل وتصحيح أخطائهم وألا يقتلوا جنبا إلى جنب مع الجناة، أولئك الذين لم يرتكبوا أي خطأ، بل رفع ومساعدة، سوية مع الأبرياء، أولئك الذين يُعتقد بأنهم مذنبون». إن أعمالا من هذا القبيل، حسب بوليبيوس، يختصّ بها «الطاغية ـ الذي يتصرّف كشرّير، للسيطرة بالارهاب على أولئك الذين يرفضون طاعته ـ بحيث يغدو مكروها وكارها لرعيّته(48)».
ومهما كانت أسباب الحرب ومنافعها المزعومة فإن السلم أفضل منها بكثير. هذه حقا دروس يقدّمها من لا يؤمن بالانبياء ولا بالوحي ولا بالكتب المقدسة، ومن المذهل أننا لا نجد العكس عند من يؤمن بهم: « الفوز على الأعداء في الشهامة والعدالة لا يجلب فائدة أقل، ولكن أكثر من الانتصارات التي تتحقق عن طريق السلاح. في الواقع، هذه الإنتصارات تُذعن المهزومين بالقوّة، الأخرى بمحض الإختيار، هؤلاء يَردّون (الأعداء) إلى الطريق السوي، ولكن مع خسائر فادحة، أولئك يُوجّهون من أخطأ، دون ضرر، نحو الطريق القويم(49)».
الحرب هي شرّ في ذاتها ولذاتها، ولا يمكن أن تُحمد عواقبها حتى لمن بدأ بها. لقد أقام المؤرخ بوليبيوس هذا التشبيه الرائع. قال: «مثل النار التي حينما تُضرَم في الهشيم لا يُمكن السيطرة عليها، لكنها تَتغذى حيث تحملها الصدفة، موجَّهَة من قوّة الريح ومن طبيعة المادة الملتهبة، لذلك فإنها غالبا دون توقعها تنقلب ضد من أضرمها. هكذا هي الحرب، فبمُجرّد إضرامها، تُدمِّر أحيانا أولئك الذين بدؤوا بها وتنتشر لتلتهم كل ما يصادفها، متجدّدة ومتقوّية، مثل النار بالريح، وبغباء أولئك الذين يقتربون منها(50)».
حرب الإبادة الجماعية هي أبشع ما يمكن أن يُنقش في ذاكرة المغلوبين، ويجب بالتالي إدانتها وشجبها: «أنا لا أوافق، لا بل يبدو لي أنهم يتصرّفون بمثابة الحمقى أولئك الذين يحقدون على البشر إلى درجة تدمير ليس فقط المحصول السنوي للأعداء، بل قطع الأشجار وتدمير المنازل دون أن يُترك لهم الفرصة لتغيير رأيهم إزاء الخصوم. إنهم يعتقدون ترويع الأعداء باهلاك أرضهم وحرمانهم ليس فقط الآمال في الحاضر، بل أيضا في المستقبل، بتدمير ضروريات حياتهم، بينما هم في الحقيقة، بسبب قسوتهم، يجلبون لأنفسهم الكراهية الدائمة من طرف أولئك الذين أهانوهم مرّة واحدة(51)».
أعطوني نصا واحدا من الكتب المقدّسة ومن تعاليم الأنبياء (خصوصا في العهد القديم) تُعبّر عن حكمة إنسانية مماثلة. الأنبياء وأتباعهم من المؤمنين، الذين اصطنعوا قسطا كبيرا من ذاكرتهم، لم يكتفوا بتحويل العالم الذي نعيش فيه جحيما، كدرا، كما يقول المعرّي، بل إنهم أداموه إلى عالم آخر، وهنا فإنهم فتقون خيالهم المرعب ليصل بهم الحدّ إلى الصادية. ففي الإسلام، الله يَتفنن في أصناف العذاب، بل يتلذذ حتى برؤية مخلوقاته وهم يحترقون في نار جهنّم. وفي المسيحية هناك من ذهب إلى أن الله يعذب الولدان غير المعمّدين (هذه الفكرة ليست بغريبة عن الإسلام)؛ وقد أطلق أحدهم لقب “معذب الأطفال الصغار (tortor parvulorum)” على الأوغسطيني غريغوريوس أصيل ريميني (القرن الثاني عشر). أوغسطينوس يردّ على مَن سأله: هل من الحصافة في شيء أن يخلق الله أناسا ثم يرميهم في نار جهنّم؟ أجل، لأنه من الأفضل أن يكونوا هناك، عوضا أن يكونوا في العدم، في اللاوجود؛ يعني أن الأشقياء المذبين، يجب عليهم أن يحمدو الله على شقائهم لأنه خلّصهم من العدم، وأدخلهم في سلسلة الوجود. دون الجحيم فإن العالم سيكون غير منسجم، هكذا يزعم أحد اللاهوتيين المحدثين(52). نحن هنا أمام إفلاس أخلاقي مُطبَق. المسار العام للكون هو مسار مرعب، والخاتمة هي أكثر رعبا وأشدّ مأساوية: الإله يخلق الجحيم مسيّرا إليه أكبر عدد من القطيع الإنساني، بحيث إن تعذيب الخلق يعود عليه بالمجد؛ أصحاب الجنة فرحون ويهللون للنعمة التي تغمرهم، ولكن سعادتهم لن تكتمل إذا لم يشاهدوا أهل النار وهم يتعذبون. من قائل هذا الكلام؟ يبدو وكأنه نابع من استيهامات أحد الكتاب المسلمين، لكنه في الحقيقة توماس الأكويني (قديس) في “الخلاصة اللاهوتية” (الجزء الثالث، مسألة 91، فصل 1).
الهوامش:
1- هشام جعيّط، في السيرة النبوية (2). تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، دار الطليعة بيروت، 2007، ص، 5.
2- هشام جعيّط، نفس المرجع (ن. م)، ص، 5 ـ 6.
3- ن. م، ص، 6.
4-ن. م، ص، 10 ـ 11. «أما الاستشراق الأكاديمي فشيء آخر: فضاؤه الفكري أضيق وهو يبحث عن حقائق تفصيلية، لكنه في بعض الأحيان يَعبَثُ بموضوع بحثه فينفلتُ من كبرى تقسيمات العلوم ويبقى مجاله مهمّشا».
5- ن. م، ص، 11
6- ن. م، ص، 11. “أما عن محمد، فكتاب كوك، مقبول وحذِر سوى خرافته عن مكة وأنها كانت موجودة في فلسطين اعتمادا على تفسير خاطئ لآية قرآنية ينمّ عن عدم فهم للمعجم القرآني، زيادة على كون هذا نحض خيال لا يتماشى مع مجرى التاريخ”.
7- بعد أن لخّص أطروحة الكاتبة كرون يصل جعيط، بشيء إلى التهكّم، إلى الاستنتاجات التالية: « وتنتهي الباحثة إلى فكرة أن قريشا لم تكن تُتاجر إلاّ بموادّ ثقيلة وغير مربحة كثيرا من أغذية وثياب وجلد وصوف وأنه لا يمكن أن يقوموا بهذا المجهود عبر مسافة كبيرة أي من مكة إلى غزة. فكيف الحل إذن، إذ أنه يجب إعطاء حلّ مناسب لدعم النظرية. ألم يقل كاتب مجهول من القرن السادس اسمه (Nonnosus) وهو موجود في فقرة من كتاب (Bibliothèque : Photius)، إنه وجدت مدينة عربية أو معبد في الشام تُقام فيها شعائر دينية تشبه شعائر الحجّ؟ وألم يقل القرآن عن “صدوم” بلد لوط: «وإنّكم لَتمرّون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تَعقلون» (الصافات، الآيتان 137 ـ 138). فبالتالي، مكة القديمة ليست في مكانها الحالي وإنما في الأردن وبلاد الشام … وفي آخر المقال، يأسف المرء أن يجد هذا المجهود في تقصّي المصادر، يذهب هباء منثورا، فيصل ليس فقط إلى ما لا يقبله العقل السليم. وقد لا يكون هذا ناتجا عن استفزاز كما يعتقده المسلمون إنما في هذا الميدان الذي فَقَدَ من زمن علمائه، لم تعد هناك مسؤولية علمية تذكر، بل إنّ كل فكرة جديدة مهما كانت تُتقبّل بشغف كبير. وفي آخر المطاف، ما تصل إليه كرون هو نفي وجود تجارة بخور. فليكن ذلك، لكن ما الفائدة؟ على كلّ وُجدت تجارة ورحلة إلى الجنوب ورحلة إلى الشمال كما يبرهن على ذلك القرآن، ووُجدت أرباح كانت تعيش منها مكة». ن. م، ص، 336، هامش181.
8- ن. م، ص، 14.
9- ن. م، ص، 15.
10- ن. م، ص، 16.
11- ن. م، ص، 20.
12- ن. م، ص، 21.
13- ن. م، نفس الصفحة (ن. ص).
14- ن. م، ص، 313.
15- ن. م، ص، 22.
16- ن. م، ن، ص.
17- ن. م، ن. ص.
18- HANNIBAL PAULI ÆMILII ROMANORUM CONSULIS APUD CANNÆ TRUCIDATI CONQUISITUM CORPUS SUMMA CUM HONORE ROMANIS MILITIBUS MANDAVIT SUB HOC MARMORA REPONENDUM ET OSSA EJUS AD URBEM DEPORTANDA
19- ن. م، ص، 23.
20- ن. م، ص، 22.
21- ن. م، ن. ص.
22- ن. م، ص، 23.
23- ن. م، ص، 24.
24- ن. م، ن. ص.
25- ن. ص، 24 ـ 25.
26- ن. م، ص، 25.
27- ن. م، ن. ص.
28- ن. م، ص، 39.
29- ن. م، ص، 44.
30- ن. م، ص، 272 ـ 281.
31- ن. م، ص، 294.
32- ن. م، ص، 312.
33- P. Larroque, Examen critique des doctrines chrétiennes, Paris, 1860, p. 234, n. 1. « Si le grand géomètre eût rencontré une argumentation de cette force dans quelque ouvrage de géométrie, il en eût flagellé jusqu’au sang ».
34- P. Larroque, Examen critique, Ibid, p. 235. « La doctrine des miracles supprime donc une des meilleurs raisons que nous ayons de croire en Dieu. Bien plus, le principe de la persistance des lois qui régissent le monde physique et le monde moral, est pour nous la condition essentielle de toute étude et de toute science. En sorte que l’intelligence qui abjurerait ce principe, se condamnerait elle-même à ne pouvoir rien connaître et se placerait ainsi dans le vide le plus complet ».
35- Cit., in U. STORNAIOLO, Storia laica del Cristianesimo , op., cit., p. 95.
36- Ibidem.
37- هذا التأويل استقيته من الكاتب الإيطالي ستورنايولو، تاريخ لائكي للمسيحية، م. س، ص، 96.
38- ن. م، ن. ص.
39- CELSO, Il discorso della verità. Contro i Cristiani, a cura di Salvatore Rizzoli, testo greco a fronte, BUR, Milano 1994, pp. 81-91.
40- Voltaire, Dictionnaire philosophique, art. Prophètes, in Œuvres de Voltaire T. XXXII , Paris, Lefèvre, 1829, p. 3. « Il faut convenir que c’est un méchant métier que celui de prophète ».
41- P. Larroque, De l’esclavage chez les nations chrétiennes, Paris, 1860, p. 7.
2242- أيُّها العَبيدُ، أطيعوا في كُلِّ شَيءٍ سادَتكُم في هذِهِ الدُّنيا، لا بِخدمَةِ العَينِ كمَنْ يُرضي الناسَ، بَل بِنَقاوَةِ القَلبِ ومَخافَةِ الرَّبِّ. 23ومَهما تَعمَلوا فاَعمَلوهُ مِنْ كُلِّ قُلوبِكُم كأنَّهُ لِلرَّبِّ لا لِلناسِ، 24عالِمينَ أنَّ الرَّبَ سَيُكافِئُكُم بِميراثِهِ، فأنتُم تَخدِمونَ الرَّبَ المَسيحَ. 25أمَّا الذي يَعمَلُ الشَّرَ فسَيَنالُ جَزاءَ عَمَلِهِ، ولا مُحاباة. رسالة بولس إلى أهل كولوسي، 3، 22 ـ 25.
43- رسالة تيموثاوس الأولى، 6، 1 ـ 4 : « على جميعِ الذينَ تَحتَ نِيرِ العبُودِيَّةِ أنْ يحسَبوا سادَتَهُم أهلاً لِكُلِّ اَحتِرامِ، لِئَلاّ يُجدِّفَ أحدٌ على اَسمِ الله وعلى التَّعاليمِ. 2وإذا كانَ
سادَتُهُم مِنَ المُؤمنينَ، فلا يَستَخِفوا بِهِم لأنَّهُم إخوَةِ، بَل علَيهِم أنْ يَزيدوهُم خِدمَةً لأنَّ الذينَ يَستَفيدونَ مِنْ خِدمَتِهِم هُمْ مُؤمِنونَ وأحِبّاءُ. عَلِّمْ هذا وعِظْ بِه، 3فإنْ عَلَّمَ أحَدٌ غَيرَ ذلِكَ وخالَفَ الأقوالَ الصَّحيحَةَ، أقوالَ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ، والتَّعليمَ المُوافِقَ لِلتَّقوى، 4فهوَ رَجُلٌ أعْمتْهُ الكِبرياءُ ولا يَفهَمُ شيئًا، بِه هَوَسٌ بالمُناقَشاتِ والمُماحكاتِ التي يَصدُرُ عَنها الحَسَدُ والشِّقاقُ والشَّتائِمُ والظُّنونُ السَّيِّئَةُ ».
44- P. Larroque, De l’esclavage, Ibid, pp. 14-16.
45- T. ORTOLAN, art., GUERRE, in, Dictionnaire de théologie catholique, Librairie Letouzey et Ané, Paris 1916, col. 1910. ” On n’y trouve aucun texte qui insinue que la guerre est une chose intrinsèquement mauvaise, ou qu’elle soit défendue aux fidèles serviteurs du vrai Dieu”.
46- D. TESSORE, La mistica della guerra, Fazio Editore, Milano 2006, p. 18.
47- بخصوص علاقة المسيحيين بنصوص العهد القديم، انظر ما قاله حديثا أساقفة فرنسا، في خلاصة لهم سموها الإيمان المسيحي: « الكتاب المقدس هذا يحتوي في عهده القديم على التوراة والأنبياء وكتب أخرى حددها التقليد اليهودي. فاليهود والنصارى يشتركون في هذا التراث كلاهما على السواء. وبذلك يشهد المسيحيون بما يحتلّه العهد القديم من أهمية قصوى في نظرهم إذ أن الحقيقة الكامنة في العهد القديم لم تفقد من أهميتها شيئا…فالعهدان القديم والجديد على ما يجمع بينهما وما يفرّق يشكلان كلاهما الكتاب المقدس». أساقفة فرنسا، الإيمان المسيحي، ترجمة الأب أنطون موصلي اللعازاري، مطبوعات دار باريس، 2001، ص، 48 ـ 49.
48- بوليبيوس، أفكار حول التاريخ والسياسة، مختارات أتيليو روفيري، فوسي، فيرانتسي 1954
Polibio, Pensieri sulla storia e sulla politica, a cura di Attilio Roveri, Ed. Fussi, Firenze 1954, p. 35.
49- ن. م، ص، 5، 12 ـ 2.
50- ن. م، 11. 4، 4.
51- ن. م، 23. 15، 1 ـ 2.
52- F. Cordero, Thetrum justitiae, in MicroMega 10/2006, p. 75.
