داروين والثورة الداروينية(10)أصول فكرة الانتقاء الطبيعي

{{ترجمة: إياس حسن}}

حجر الزاوية في التطوّر عند داروين هو الانتقاء الطبيعي. فكرة ذات أصول خلافية. علم أم فلسفة؟

مضت مائة وخمسون عاما بالتمام على ظهور كتاب أصل الأنواع عن طريق الانتقاء الطبيعي، وعلى مدى هذه السنوات تقريبا انكب معلّقون ومؤرّخون على منشأ نظريةٍ عن التطوّر معترفٍ بها حاليا بشكل عالميّ، لكنها في ذلك الوقت كانت بمثابة فضيحة.

غالبا ما كانت دهشتهم من أنّ موضوع الفضيحة وحده الذي احتفظت به الذاكرة الجماعية هو تحدّر الإنسان من القرد، فكان مادّة للعديد من الرسوم الكاريكاتورية. غير أنّ السّجال الحادّ الذي حصل عام 1860 واستمرّ بعد ذلك، لم يتناول الوراثة البشرية بمقدار ما تناول الآلية الجديدة التي حدّدها تشارلز داروين في نظريته عن التطوّر. ولفهم هذه الآلية، ينبغي العودة إلى الرهانات العديدة التي كان يتضمّنها حينئذ الموضوع. إنّ تنوّع الأنواع الحيّة –النباتية كما الحيوانية- الذي كشف عنه الغنى المشاهد في تصنيف لينه Linné، أمكن تفسيره بطريقتين: إمّا أنّ الأنواع كانت قد تشكّلت بالشكل الذي هي عليه، وبهذا المقدار من الأنماط الثابتة، أو أنها كانت قد تنوعت على مرّ الزمن بدءا من أرومة [أصل] يفترض أنها وحيدة. الحلّ الأول الذي يطلق عليه “الثباتي fixiste” كان يمتلك ميزة اتفاقه مع الرواية التوراتية. لكنه اصطدم بالعديد من الملاحظات، مثل المستحاثات (هل تعود إلى أنواع منقرضة؟)، وكذلك التوزّع شديد المحلية أحيانا لبعض الأنواع. أما الحلّ الثاني، ويسمّى “التحوّلي transformiste”، فقد كان، إذا تجاوزنا جانبه الهرطقيّ، ذا حظوة قليلة من التسويغ: لأنّه، من جهة، لم ير أحدٌ من قبل نوعاً يتحوّل إلى نوع آخر، ومن جهة أخرى، ما السبب وراء حصول ذلك؟ وفيما عدا صياغة بضع فرضيات إضافية –”مخطّط إلهيّ للتطوّر” أو نزوع الأنواع إلى تحسين نفسها- فإنّ النظرية التحولية كانت تفتقر إلى تفسير مقنع.

وهذا ما قدّمه داروين تماما من خلال فكرة الانتقاء الطبيعيّ: فهو يرى أنّ وجود أنواع منفصلة [متميّزة] لا ينجم عن إنجاز مخطّط ما، بل عن قانون ميكانيكي متعلق بتنحية، والمحافظة على، بعض الأفراد أكثر من غيرهم. من أين أتته هذه الفكرة؟ المؤرّخون الذين اهتمّوا بمنشأ أعمال داروين، وهم كثر، يتوقّفون عموما عند ثلاث فترات من تشكّل فكره. أولا، جمّع داروين العديد من المشاهدات حول الأنواع الحيّة التي لاقاها خلال رحلته على متن السفينة بيغل Beagle بين عامي 1831-1836. وقد اهتم بتنوعاتها تبعا للقارات وللبيئات.

إنّ فونة [مجموعة حيوانات] الطيور في أرخبيل غالاباغوس كانت تختلف تبعا للجزر: رأى داروين فيها ضروبا [تنويعات]، أمّا زملاؤه المتخصّصون فقد أكّدوا له أنها أنواع. لكن داروين أخذ يفكّر بأنّ الأنواع لا تتوافق مع أنماط نموذجية types، بل مع جملةٍ من التنوّعات. ففكرة أنّ الأنواع الحيّة ليست ثابتة بل تتبدّل مع الزمن كان قد صاغها بوفون Buffon ولامارك Lamarck، وجدُّه إرازموس داروين وكذلك العديدُ من العلماء. وهي تتفق مع أطروحة الجيولوجي تشارلز لايل Lyell (1797-1845) التي كان داروين قد قرأها خلال الرحلة. هل هو لايل، أم الحساسين [عصافير] في غالاباغوس، أم الاثنان؟ السؤال ما زال قيد المناقشة، لكنّ الواقع هو أنّ داروين قد بدأ رحلته عام 1831 وهو مؤمن بالثباتية [ثبات الأنواع]، ثم انضمَّ إلى فريق التحوّلية حين عودته، دون أن ينشر شيئا حول ذلك.

{{تأثير مالتوس}}

ثانيا، يبدو أنّ داروين قرأ مالتوس Malthus عام 1838، “من أجل التسلية”. كان مالتوس (1766-1834)، القسّ والاقتصادي والمدرّس في كامبريدج، قد أصبح شهيرا بعد نشره عام 1798 كتابا بحث في مبدأ السكّان، يقول فيه ما مفاده: تتزايد حاجات جماعة (بشرية) بشكل أكبر بكثير من الموارد المتاحة، ولا يمكن لكافّة الأفراد أن يبقوا على قيد الحياة. هناك إذن قرعة تتمّ، وهي المواتية، لأنها تُبقي على الذين يكافحون وتنحّي الذين يستسلمون. كتب مالتوس ذلك ليسوّغ عدم زيادة وسائل المساعدة للفقراء، بل يجب تحريضهم على العمل. أمّا داروين فكان يفكّر بجماعات أخرى: جماعات النباتات والحيوانات، التي تصوّر أنّ تنوّعاتها الفردية يمكن أن تكون قد تمّت عن طريق سحوب قرعة بطريقة واحدة من خلال الضغط الذي يمارسه الوسطُ المحيط، وأبناءُ النوع الواحد، أو باختصار، الطبيعةُ بكاملها. كتب في مذكراته1 “أخيرا، لقد توصلت إذن إلى نظرية”. إنه مبدأ “انتقاء الأفضل”.

أخيرا، المصدر الثالث، هو طريقة تربية الحيوانات. فمنذ 1842 بعد استقراره في الريف، كان داروين يتردّد على المربّين ويهتم عن كثب بأعراق الحيوانات، وخاصة الحمام. لقد ذهل من الضروب التي توصّل المربّون إلى المحافظة عليها، ومن أنّهم إذا لم يتنبّهوا لذلك فإنّ الأعراق تميل إلى العودة إلى نمط متوسّط. هذا الانتقاء الاصطناعيّ كان بالنسبة له مجازا [استعارة] لما تقوم به الطبيعة، على طريقتها، بشكل دائم: أي استغلال قدرات العضويات الحيّة في تخصيص نفسها. وللحقيقة الصورة خادعة: إذ أنّ اختلاف الأعراق كان يتمّ بإرادة المربّين، في حين أنّ الطبيعة لا تملك مشروعا. لكنّ داروين سيصنع من ذلك حجّة ذات ثقل، مع خشية المحافظة على الخلط الذي كان نفسه ضحيته في بعض الأحيان. وهذا مألوف: ففي تلك الفترة كانوا يخلطون عادة بين “التطوّر” و”اتجاه التقدّم”. لكن ننسى أنّ لكلّ قصّة نهاية، وأنّ “تطوّر” لا يعني “طريق النجاح” إلا لمن يبقى.

هذه المصادر الاصطفائية، من الاقتصاد السياسي وحتى علم النبات، قد فتحت فضاء من النقاش عند المؤرّخين بخصوص الطبيعة الحقيقية لأفكار داروين. فهو الذي تدرّب في الجيولوجيا، هل كان عالِمَ حيوان جدّياً؟ ألم يكن بالأحرى نوعا من الفيلسوف الذي اجتهد في إسقاط الأفكار الاجتماعية لزمنه على الطبيعة؟ لقد تمّ التثبّت من ذلك عدّة مرّات. فالمؤرّخ أندره بيشو2 يرى أنّ داروين استلهم مفكّرين ليبراليين متطرّفين ونفعيين utilitaristes. ولم يفعل سوى “تأكيد الصفة الطبيعية للتنافس”، وهو بذلك “يقدّم أساسا علميا إلى الليبرالية الاقتصادية الفيكتورية”. وبالتالي يكون العلم عنده في خدمة أيديولوجيا تعود بسهولة صوب المجتمع الذي ولدت فيه. وبالنسبة لآخرين، مثل دانييل بيكمون3، إنّ العمل التوثيقي الهائل لداروين، والزمن الذي استغرقه في تأليف أصل الأنواع –أكثر من عشرين سنة- وتردّده في طباعته، كلّ ذلك يمضي في اتجاه آخر. حتى ولو أنه يعترف بما يدين به تجاه مالتوس فإنّ داروين كان يريد قبل كلّ شيء أن يقدم عملا في العلم الطبيعيّ. أراد أن يقدّم البرهان المؤكد على أنّ تحوّل الأشكال الحيّة يمكن أن يفسَّر عن طريق قانون ثابت في الطبيعة، دون غائية، ودون لجوء إلى عقل أعلى مفارق. ففي عام 1876 صرّح بأنه فقَدَ الإيمان، وهو يأسف لذلك. ومع ذلك لم يصبح تقدّميا مقتنعا ولم يرغب بمناقشة الفلسفة. بهذا المعنى فإنّ عمله يبدو خاضعا لما يمليه عليه بحثه أكثر منه لما يمليه اعتقادُه السياسي، الأرضية التي غالبا ما بدا متهيّبا عليها.

{{ صفة علمية محل نزاع}}

كان الأثر الذي أحرزه إنجاز داروين، بحسب بيتر باولش4، هو تأمين نجاح نظرية التطوّر، لكن ليس إقناع فريق العلماء بصحة أساس الانتقاء الطبيعي. لقد تضمنت النظرية نقاط ضعف: لماذا تتوالد التنويعات، دون توقف، في الأنواع الحية؟ وكيف يمكن لتراكمها أن يولّد نوعا جديدا؟ وأخيرا، كيف تنقل الوراثةُ هذه التنويعات دون أن تضعف أو تفقد وضوحها؟ وهكذا بقيت الداروينية فرضية مهدّدة ولم تحظ بتأييد أغلبية علماء الطبيعة. وبالمقابل لقد أعجبت الفكرةُ بعضَ الفلاسفة والجيولوجيين وعلماء السكان، الذين استفادوا منها في دعم ميادين اجتماعية مختلفة الاستيحاء: على غرار فرانسيس غالتون Galton (1822-1911) بخصوص اليوجينية [نزعة تحسين النسل] eugénisme، وهربرت سبنسر Spencer (1820-1903) بخصوص شكل من الليبرالية المتطرفة، وبيوتر كروبوتكين Kropotkine (1842-1921) بخصوص النزعة الملكية الجماعية الفوضوية، ولودويغ غامبلوفتش Gumplowicz (1838-1909) في “صراع الأعراق”، إلخ. فالداروينية لم تنجح في المجال العلمي وبقيت في نظر علماء الاجتماع الفرنسيين، مثلا، معتقدا غير مؤكد.

بعد ذلك تطوّر علم الوراثة، الذي ولد في بداية القرن العشرين، خارج الموروث الدارويني. إنّ الوراثة الماندلية (هيجو دوفري de Vries، 1900)، ودَور الصبغيات [الكروموزومات] (وولتر سوتون Sutton، 1902)، ومفهوم الجينة [المورثة] (فلهلم جوهانسن Johannsen، 1909)، ثمّ أعمال توماس مورغان Morgan (1911) بدت في البداية وكأنها توجّه الضربة القاضية إلى مبدأ الانتقاء الطبيعي، ليترك مكانَه لصالحِ فكرةِ الطفرة التلقائية. لقد انحفرت وهدةٌ بين علماء الطبيعة، وعلماء الباليات paléontologues وعلماء القياس الحيوي الذين كانوا يعلنون اعتناقهم للداروينية، وبين هذا الفرع الجديد من البيولوجيا.

{{ “النظرية التوليفية”}}

بدءا من عشرينات القرن العشرين تحديداً قدّمت الأعمالُ الإحصائية لسيوول رايت Wright ورولاند فيشر Fisher، وهما عالمان في وراثة الجماعات، التوافقَ الإحصائي لفعل الانتقاء الطبيعي على التنوعية الوراثية: لقد انفتح السبيل أمام ما سيطلِق عليه البيولوجي جوليان هكسلي Huxley (حفيد توماس) عام 1947 اسمَ “النظرية التوليفية synthétique في التطوّر”، التي تحتفظ بجوهر أفكار داروين حول الانتقاء الطبيعي، مع ربطها بعلم الوراثة الحديث. إنّها اليوم النظرية المرجعية في علم التطوّر، حتى ولو كان تطابقها مع ما يشاهده علماء الباليات، مع آخرين، بعيداً عن أن يكون تامّا ويسمح بطروحات متباعدة. وهكذا في عام 1970 قدّم الياباني موتو كيمورا Kimura أطروحة تقول بالحيادية، بحسبها فإنّ العديد من الطفرات -التي لم تكن ملائمة ولا سيّئة- قد تم الاحتفاظ بها دون أن تخضع للانتقاء. وفي عام 1972 قام ستيقان جي غولد Gould ونيلز إلدريدج Eldredge بانتقاد التدرجية عند داروين بتقديم نظريتهما عن “التوازنات الفواصلية équilibres ponctués”، التي تقول بأن تشكل الأنواع لم يحصل إلا بهجمات. واليوم يقوم البحث عن آليات غير وراثية. وهكذا فإنّ نظرية التطوّر بعيدة عن أن تكون صرحا مكتملا، إنما تبقى بنيتها بالإجمال داروينية. قد نلاحظ مع ذلك أنّ الانتقاء الطبيعي لم يعد له في نظر البيولوجيين الدلالات الاجتماعية والميتافيزيقية التي كانت تنسب إليه في القرن التاسع عشر. سوى في بعض المعارك المتأخرة التي تعارض بينه وبين أنصار فكرة الخلق، والمعارك التي كانت وراء ظهور سيكولوجيا تطورية. لكن ذلك نقاش آخر.

{{الكلمات المفتاحية Mots-clés}}
النوع والضرب Espèce et variété

يتميز النوع بشكله، وكذلك بإمكانية التزاوج بين أفراده. أما الضرب فهو شكل محلي، وتنويع من النوع. يمكن أن نهجن الضروب ببعضها البعض، لكن من حيث المبدأ، ليس الأنواع. والعرق (الحيواني) هو بشكل عام ضرب تم انتقاؤه بفعل البشر.

تشكل الأنواع Spéciation

فترة أو عملية تُشكِّلُ فيها جماعةٌ منعزلةٌ وراثيا نوعاً جديدا

التطور Évolution

في بداية القرن التاسع عشر كان هذا التعبير مرادفا لتعبير “النمو développement” (بخصوص الفرد). واتخذ معنى جديدا بقلم هربرت سبنسر حوالي عام 1855، من أجل الإشارة إلى العملية التاريخية التي وُلدت عبرها الأشكالُ الحية وتبدلت وتنوعت بدءا من أصل واحد. وحتى هنا كان الكلام يتم عن “النزعة التحولية”.

الثباتية Fixisme

معتقد يقول بأن الأنواع الحية ثابتة. وهذا يتماشى بشكل عام مع فكرة طبيعة تامة، في حالة توازن، إلا في حالة حصول الكوارث. كان جورج كوفيه Cuvier (1769-1832) في فرنسا عالم طبيعيا بارزا يؤمن بالثباتية. ونظرية الخلق [التكوين] تقول بالثباتية المؤسسة على الموروث الديني.

التدرجية Gradualisme

فكرة تقول بأن التطور يحصل عن طريق تراكمٍ لتنوعاتٍ فردية صغيرة جدا. وهي على تعارض مع النظرية الكارثية catastrophisme (تقول بالثبات)، وكذلك مع نظرية الطفرات mutationnisme (تقول بالتطور) التي تعمل عن طريق قفزات كبرى. داروين كان يؤمن بالتدرجية

الغائية Finalisme

فكرة تقول إن التطور يمضي نحو غاية، سواء أكانت “مخططا إلهيا”، أو مخططا لتطور خاص بالكائنات الحية (على غرار “التطور المستقيم orthogenèse” عند إرنست هايكل Haeckel)

الانتقاء الطبيعي Sélection naturelle

فكرة تقول إن تشكل الأنواع نتاج قرعة من بين تنويعات فردية. ولأن سحب القرعة هذا يخضع لقرائن مادية بحتة، فهو لا يمضي صوب أي هدف أخلاقي ولا يشكل تقدما [ارتقاء]. وهذا ما صدم بشكل كبير أخلاقيات القرن التاسع عشر.

{{المصدر:}} نيكولا جورنه. مجلة العلوم الإنسانية، عدد202، آذار 2009

Nicolas Journet. Charles Darwin. Aux origines d’une idée …. Sciences Humaines, N° 202 – mars 2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This