داروين والثورة الدّاروينيّة(14)
بوسعنا التصريح بأنّ التاريخ مع داروين انشطر شطرين حتى صح القول بأنّ ثمّة ما قبل داروين وما بعده. آيتنا في ذلك أنه مع ظهور نظرية داروين وُلد عالم جديد امّحت فيه الحدود ما بين الإنسان والحيوان، وتلاشت فيه الهوّة القائمة ما بين الكائن الحيّ والجماد. يكفينا توضيحا لذلك أن نؤكّد أنّ نظرية التحوّل الداروينية بالذات، كانت أساس تغيّر كلّي للعبة الخلق والوجود، باعتبار أنّ الإنسان مع داروين غدا ينحدر من أصل حيوانيّ هو القرد. والتأصيل للخلق على هذا النحو على طبيعة الحال هو ما يناقض كليا مسألة القول بخلق آدم وحواء، ذلك أنّهما بحسب الطرح الديني أوّل رجل وامرأة، وقبلهما ما من شيء يوجد. فهذا الزوج الأوّل هو ما يسمح بسيادة توارث منطق الخطيئة الأصلية بله الاتهام والتكفير والعقاب، بينما القول بعكس ذلك كما ذهب داروين يعني من بين ما يعنيه الاعتراف بوجود إنسان ما قبل آدم، أي منفلت كليا من الخطيئة: وهو أمر مستحيل بالنسبة للاّهوت. هنا نلمس حدّة الزوبعة الإلحادية التي أثارها كتاب داروين “أصل الأنواع”، إذ بالرغم من تحفّظات صاحبه، بات داروين يعاكس الكتاب المقدّس حيث دُوّن بأن الله إنما خلق النبات والحيوان بحسب أنواعها. فلم يكن أمام نظرية التحوّل إلا أن ترى النور كمذهب إلحاديّ، هاجمه التيولوجيون المسيحيون وغير المسيحيين، ودافع عنه مناصرو الفكر الحرّ. شأن الداروينية إذن شأن النظريات الكبرى التي خلخلت التاريخ البشري باعتقاداته وأنساقه المعرفية، وجعلت نظرة الإنسان للكون ولذاته تتبدّل وتنقلب رأسا على عقب.
ولا يسعنا هنا إلا أن نذكر أوّلا بالتحليل النفسي الفرويدي الذي جعلنا اليوم أكثر من أي وقت مضى ندرك معنى السلوكات اللاشعورية للإنسان وميكانيزمات الكبت والتسامي، بل ونعترف بوجود غريزة الموت المحركة للحروب، ودور الحلم في التنفيس على حالاتنا الأكثر مرضية، إلى غير ذلك من الكشوفات. وثانيا بثورة كوبرنيك التي قالت بمركزية الشمس ودوران الأرض حولها، مخلخلة التصور الأرسطي السائد حينئذ والمشبع بالتيولوجيا الكاثوليكية. والحال أن ما يجمع هذه الثورات العلمية الثلاث إنما هو كونها ردت المخلوق الإلهي المطلق الذي هو الإنسان أكثر هزءا، فجرحت نرجسيته المثالية معلنة عبوديته بذلا من سيادته(اللاشعور)، وتموضعه في الهامش بدلا من المركز (héliocentrisme) وانتسابه لأصل حيواني بدل الرباني. وفي سياق موضوع بحثنا ماذا لو استأنسنا بكرونولوجيا الكشوفات الداروينية؟ على اعتبار أن الداروينية لم تقم كنظرية إلا بفضل مجهودات علماء كثر كان فيها لداروين دور الريادة. وبالفعل فقد كانت البداية مع لامارك، بحيث هو أول من نشر اكتشافاته تلاه بعدئذ داروين. كان لامارك فيلسوفا وعالما، أثبت في كتابه “فلسفة الحيوان” وكتابه” تاريخ الحيوان العديم الفقرات” أن الأنواع متغيرة ينشأ بعضها من بعض، وتتحول تحولا متدرجا في سلم الارتقاء 1 . وإذا كان ثمة اختلاف ما بين لامارك وداروين فهو أساسا في الأسباب التي تبعث على النشوء، بحيث أنها عند لامارك عادة وضرورة وإرادة بينما عند داروين انتخاب طبيعيّ تفرضه عوامل تتجاوز الإرادة والعادة.
فالزرافة في رأي لامارك طال عنقها لاحتياجها إلى أوراق الأشجار العالية، ولتمرّنها على الوصول إليها. أما في مذهب داروين فالسبب في طول عنقها تنازع البقاء، فتموت الزرافات القصيرة أعناقها2، لكنّ العالمين كليهما يتّفقان عموما في قولهما بالوحدة بين الأنواع. هكذا، فعندما يقول لامارك بتحوّل الأنواع، يضيف داروين إنها تتطور بحسب قانون الانتخاب الطبيعي. مما اضطر أصحاب الكتاب الواحد إلى الرد مطأطئين رؤوسهم: لكنّ الله خلق كل نوع على حدة، الذئب والكلب، فأر المدن وفأر الأرياف، القط والسرعوب والأرنب. ويستحيل إثبات أنّ ثمة تطورا أو تحوّلا اعتمادا على أية مقارنة ما بين العظام. لكنّ الواقع أنّ هذه الفكرة القائلة بأن الإنسان انحدر من القرد، كانت على حدّ تعبير فرويد بمثابة جرح لنرجسية الإنسان. فهل يصدق أن يكون البابا ذا قرابة مع القرد؟ 3
وإذا كان داروين ما فتئ يؤكد أن توارث السمات المكتسبة هي أحد أسباب التطور، فبخلاف ما يروج، لم يتخلّ بتاتا عن أفكار لامارك القائلة بنقل السمات المكتسبة، بل سعى كثيرا إلى وضع تفسير نظري لمسألة توارث السمات المكتسبة بناء على قوله بفرضية النشوء. أما الانتخاب الطبيعي فلم يكن الركيزة الوحيدة التي شيّد عليها صرح نظرية التطور: هذا ما أكده سنة 1880، أي عامين بالضبط قبل وفاته، حيث كتب لمجلة الطبيعة ينفي هذا الزعم، بخلاف ما دأب إليه wyville thomson مؤكدا انتصاره لنظرية مفعول التوظيف واللاتوظيف. والحال أن مسألة التطور الإنساني قد كتب لها أن تطرح من لدن أنصاره كما من لدن أعدائه، مباشرة بعد نشره لـ ” أصل الأنواع”، إلا أنّ انخراط دارون بالذات في هذا الموضوع، سيجيء 10 سنوات بعدئذ، أي مع نشره لكتابه بعنوان “أصل الإنسان والانتخاب الجنسي” في جزءين سنة 1871. وفي الجزء الثاني من هذا الكتاب، يشرح داروين بدقة تصوره للانتخاب الجنسي، موضحا كيف تتطور الحضارة البشرية ويحصل التباين ما بين الأجناس حدّ اختلاف الأعراق، كما يتطرق أيضا لجمالية الريش عند الطيور التي لا تعود إلى عامل التكيف فحسب. وفي السنة الموالية ينشر داروين آخر أعماله المهمة بعنوان” التعبير عن الانفعالات عند الإنسان والحيوانات”، وفيه يتناول التطور السيكولوجي الحاصل لدى الإنسان ومدى علاقته بالسلوك الحيواني.
وفي خاتمة كتابه”أصل الإنسان”، يقول داروين إنّه رغم الخصال النبيلة للإنسان، وكذا السيادة التي أضحى يتمتع بها، فهو ما يزال يحمل على جسده خاتما غير قابل للامّحاء، يشهد على أصله المتواضع. لا شكّ أنّ داروين يعتمد هنا مفهوم العودة le retour وهو مفهوم أرسى في القرن 19 تصورا جديدا للعلاقات القائمة ما بين الإنسان والحيوان، فغدت الحيوانية على حدّ تعبير جورج كانغلهيم، ذكرى لمرحلة ما قبل –الجنس البشري، فهي ما يجسد ما قبل تاريخه العضوي، لا ما ينقض طبيعته الميتافيزيقية4. فالإنسان ذاته، أرشيفه العضوي، يكفيه الالتفات إلى نفسه ليستعيد جزءا هاما من طريق العودة إلى أصوله. مع داروين إذن أصبح الحيوان إضافة نوعية للتاريخ البشري، وغدت الحيوانية كتفسير للإنسانية، قيمة إيجابية بعد أن كانت سلبية. فداروين نحّى جانبا فكرة كون الحيوان ذا صلة بالإنسان(صلة تتأرجح في حال الاعتراف الاضطراري بها ما بين السلبي والعيب، النقص والتأخر) مستبدلا إياها بفكرة كون الإنسان حيوانا، حيوانا راقيا بطبيعة الحال أي على أحسن صورة. من ثمة تأكيد كانغلهيم بأنّ الداروينية كانت أساس قيام علم النفس المقارنpsychologie comparée ما بين الحيوان والإنسان.5 وهو علم يعتمد نظرية التعبير l’expression التي ما فتئت تسند بشكل من الأشكال التصور القائل بأن الإنسان ينحدر من حيوان أدنى، فالضحك الذي اعتبره أرسطو سمة تخص الإنسان وحده، هو بعكس ذلك ما غدا بالنسبة لصاحب “تعبير الانفعالات” برهانا آخر يثبت أصل الإنسان ويؤكد طبيعته الحيوانية.
يمكننا القول موقنين بأن الضحك كرمز للسعادة، كان معروفا عند أجدادنا منذ زمان، أي قبل أن يصبحوا جديرين بحمل لقب الإنسان6. فالإنسان كالحيوان يملك نفس الأعضاء الحسية، وله مثله نفس الحدوس ويعبر عن نفس الأحاسيس. إن داروين إذ ينسب للحيوان صفات من قبيل: الانتباه، الجرأة، الذاكرة، الخيال، اللغة، التفكير والعقل، فلأنه يرى أن له الحسّ الأخلاقي كما الديني بتعبير كانغلهيم. وزيادة على ذلك ينسب إليه أيضا حتى المقدرة على الحمق، وهذا كله على حدّ تأويل كانغلهيم في سياق تحليل ياللعجب، متين. فالإنسان الأبله أشبه ما يكون، جراء توقف في النمو، بالقرد ومثله مثل الحيوان الأرقى الذي هو نفسه عرضة للحمق. فإذا لم يكن الإنسان يتميز بامتلاكه للعقل فليس يتميز كذلك بفقدانه له. إن كل هذه التشبيهات تقوم بلا شك على بعض الملاحظات التي قام بها داروين، لكنها تعود أساسا إلى قراءته لكتب علم الأخلاق لكل من Leroy، de Brehm ، de Houzeau… وبالنسبة لهم فالفرق بين عقل الإنسان وعقل الحيوانات الأكثر ارتقاء، ليس فرقا من حيث النوع بل فقط من حيث الدرجة7. فالإنسان ليس ثمرة عملية الخلق أكثر مما هو نتاج مسارات عديدة قطعها وفق مبدأ التطور. فما من قصدية وما من مخطط أصلي. ونحن إنما في آخر المطاف خاضعون لنفس قوانين الطبيعة التي تحكم سائر الكائنات، بما فيها الحيوانات الأكثر بدائية التي انحدرنا منها. وهي قوانين بات العلم يؤكد أنها مع التحول ضد الثبات ولصالح الحركة بذل السكون. وإذا كان غاليلي في رسالته الشهيرة سنة 1610 يكتب: “أخطأ أرسطو وأحقّ كوبرنيك” مدركا أنّ مبدأ الحركة هو الأصل، وما علينا إلا البحث لا عن علل الحركة بل عن أسباب تغير حركة الأشياء، فمع داروين حقّ لنا الإشادة بالداروينية سيما إذا استحضرنا الاكتشافات التي ما فتئ علم الوراثة اليوم يحققها مدعوما بنظريات داروين. إذ والحالة هاته، غدا الجسد الإنساني جسدا رحالا، يمتزج فيه الحيواني بالآلي امتزاجا مدهشا، وحتى بعد موت خلايا الانتساب، فهذا الجسد هو ما يبقى سواء كأعضاء أو كأجزاء مفصولة عن بعضها البعض، قادرا على الانخراط في مجرى حياة أخرى وفي جسد آخر. هكذا فبوسع القلب والدم والنخاع الشوكي والكلوة والحيوانات المنوية والبويضات والقرنية والخلايا والأعضاء، بوسعها كلها أن تغادر الجسد الأمّ كي تقيم في جسد آخر وتستمر فيه إلى الأبد.
ختاما يعود الفضل لداروين لكونه كسر طابو الحواجز القائمة ما بين الإنسان والحيوان، ومدّ الجسور ما بين الأول والثاني حدّ ظهور علوم جديدة، كعلم النفس المقارن وكذلك علم البيولوجيا المعاصر الذي معه أضحت إمكانيات الوجود عديدة ومتنوعة، وغدونا نتحدّث لا عن الجسد الآلة إذا ما استعرنا عبارة ديكارت، بل أيضا عن الجسد السبرنيطيقي مع ظهور الحاسوب والأقراص المضغوطة والحبكة الإعلامية. كما صرنا نتحدث عن الجسد الرقمي، وهي كلها صنوف الجسد الإسماني corps nominaliste الملحد والعيني على حد تعبير “أونفراي” والمناقض للجسد اللاهوتي الديني المثالي.
الهوامش:
1 – حنا نمر ، الداروينية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط.1 1982 ص: 57.
2 – نفسه ص:58.
3 – Michel ONFRAY, traité d’athèologie, physique de la métaphysique. Ed. Grasset 2005. p :131.
4 -Georges Canguilhemn études d’histoire et de philosophie des sciences concernant les vivants et la vie, éd.7 librairie philosophique J. Vrin, 1994. p :117.
5 – idem. P : 120.
6 – Darwin, l’expression des émotions, traduction fr.2ème éd. Rheinwald, Paris, 1890, P 388.
7 – Georges Canguilhem, op. cité P : 119.
