دعوة إلى ثقافة نقدية
عندما نبحث عن المقصود بتعبير “الثقافة” فلا شكّ أنّ تعريفاتٍ عدّة ستكون حاضرة. ولعلّ من أبرز تلك التعريفات، ما قاله إدوارد تايلور أواخر القرن التاسع عشر: “الثقافة كلٌّ مركب يشتمل على المعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق والقانون والعرف وغير ذلك من الإمكانات والعادات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في مجتمع.”، أو التعريف الذي قال به عالم الاجتماع روبرت بيرستيد في ستينات القرن الماضي “الثقافة هي ذلك الكلّ المركّب من كلّ ما نفكر به أو نقوم بعمله أو نتملّكه كأعضاء في مجتمع ” . (نظرية الثقافة، ترجمة د. علي سيد الصاوي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت 1997 ص9). وفي هذا الموضوع الذي سأتناوله، فإنّ ما أقصده بالثقافة هو الجانب الشائع والمتداول لما يسمى “ثقافة” من حيث: الإنتاج الفكريّ في الفلسفة والسياسة بوجهها العامّ (أو ما اصطلح على تسميته الشأن العامّ) والأدب بمجالاته المختلفة، من شعر وقصة ورواية ومسرح ونقد أدبيّ، وصولاً إلى السينما والموسيقى والفنّ التشكيليّ على تنوّعه، وبالتالي شيوع تسمية المشتغلين في هذه المجالات من جهة، والمتابعين لها بتفاعل واهتمام مستمرّ من جهة أخرى “مثقفين”.
ولنتّفق بدايةً على تساؤلات مقترحة: هل نحن بحاجة إلى الثقافة أم إلى المثقفين؟ ولمّا كانت هي لا توجد بدونهم، فهل يوجد مثقفون من غير أن تكون هناك ثقافة؟ إذن يمكننا التسليم بجدلية العلاقة بين كلّ من طرفيها وتفاعليتها المؤدّية لكونهما يتناوبان في موقع المنتِج والمنتَج إن جاز التعبير. وبالتالي عند الحاجة لكليهما معاً، أيّ مثقف وأيّة ثقافة نريد؟ سنحاول من خلال السطور الآتية اقتراح ما قد يكون جواباً.
بنظرة سريعة إلى واقعنا العربيّ، لن نحتاج كبير عناء لاكتشاف عدد وفير لكلّ من: وزارات ووزراء الثقافة، المراكز الثقافية، المهرجانات والملتقيات والندوات الثقافية، المجلات الثقافية، المواقع الإلكترونية المختصة بالثقافة، ولا ننس موضة هذه الأيام: المقاهي الثقافية، وطبعاً العدد الهائل من المثقفين بمختلف المستويات والاختصاصات والانتماءات والتصنيفات. بينهم غير قليل من التقاطعات ليس أهمّها على ما يبدو الثقافة!
والمشكلات الأساسية في بلادنا العربية في ظاهرها هي مشكلات ذات طابع سياسيّ بالدرجة الأولى بما ينتج عن ذلك من تعبيرات في مختلف المجالات، كالمشاركة، وطرائق الحكم والإدارة، والأوضاع المتعلّقة بحقوق الإنسان والحريات، وسلطة القانون والقضاء واستقلالهما، ناهيك عن الواقع الاقتصادي المزري لأغلبية السكّان. ومع إدراكنا أنّ الواقع السياسي بما يمثل وما ينشأ عنه، ليس سوى السطح لما تحته، أو قل الغلاف الخارجي، فإنّ المشكلة الحقيقية والأزمة المستمرة المعشعشة نجدها في البنية الثقافية الفكرية لعمارة المجتمع العربي. ويكمن جزء كبير منها باعتقادي في كمّ لا بأس به من ركام التراث سواء النقيّ منه، أو المعدّل بجهود المصرّين على “تحديثه”، فتترسّخ بالتالي الأنماط الثقافية السائدة، ويعاد إنتاجها من خلال النخب المتبنية للنماذج التقليدوية، إضافة لمشكلة ادّعاء الحداثة والمعاصرة، باجترار المصطلحات والمفردات العصرية بنت النهضة والحضارة الأوروبية الحديثة في مختلف الفروع المعرفية، دون تمثلها فكراً وسلوكاً، إلى درجة إفراغها من مضمونها. “الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير” مثلاً، فكم من دعاة الليبرالية والحريات والانفتاح وقبول الآخر فاقوا الإسلاميين التكفيريين في تعصبهم لأفكارهم، وصولاً إلى مستوى الشتائم ضدّ المختلفين معهم في الرأي.
وإنّ مثل هذه الذهنية، الإقصائية الرافضة لنقد الذات، والمكتفية بانتقاد الآخر والواقع وليس تحليله لفهمه ونقده مع توهّم أنّ ذلك الانتقاد هو النقد، ليست ناتجة من فراع. ويمكن لتفسير ذلك، الاستفادة مما قاله محمد عابد الجابري: “التفكير بواسطة ثقافة ما معناه التفكير من خلال منظومة مرجعية تتشكّل إحداثياتها الأساسية من محددات هذه الثقافة ومكوناتها وفي مقدمتها الموروث الثقافي والمحيط الاجتماعي والنظرة إلى المستقبل بل والنظرة إلى العالم، إلى الكون والإنسان كما تحدّدها مكوّنات تلك الثقافة . . . والفكر يحمل معه شاء أم كره آثار مكوّناته وبصمات الواقع الحضاري الذي تشكل فيه ومن خلاله . .” (محمد عابد الجابري ، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1988 الطبعة الثالثة ص 13). حيث يمكن بالاستناد إلى ما قاله الجابري وبالمقارنة مع التراث العربي الإسلامي، الذي تغلب عليه بنسب كبيرة اللاعقلانية والإقصائية واضطهاد الأقليات والاختلاف، أن نستنتج: ثقافة كهذه تسود واقعنا لن ننتظر منها إنتاج الفكر النقدي الخلاّق والمبدع بما هو فعل منهجيّ تغييري ونهضويّ. بهذا ربّما يتضح لنا بعض الشيء سبب ما قد ابتلينا به، وما نزال، من أمراضٍ بعض أعراضها من قبيل: المثقف الطليعيّ، والمثقف الثوريّ، والمثقف الشعبيّ، والمثقف الذي يقود الجماهير. فنحن إلى الآن لم نجد بشكل فعليّ ـ إلا نادراً ونادراً جداً ـ ما أسماه غرامشي “المثقف العضويّ” والذي قصد به ذلك الملتصق بالواقع، القادر على تعيين وتشخيص المشكلات الحقيقية وتشكيل الوعي المطابق لها عيانياً ـ وليس على طريقة المغفور لهم الرفاق السوفييت ومن لفّ لفيفهم وحتميات ماديتهم التاريخية ـ والاشتغال النقدي لاستنتاج واقتراح الحلول والبدائل. إنّه المتمرّد على السائد في أيديولوجية الجماعة وهجوعها المطمئن، الفرد المفكّر أمام الجماعة التي لا تفكر. ومن الأسماء القليلة، وليس الوحيدة في سوريا مثلاً لا حصراً، يسعدني أن أذكر ذلك الثلاثي المتميّز الذي كان لنتاجه الفكري أثره الكبير على جيل بأكمله وأعني الياس مرقص، ياسين الحافظ، جورج طرابيشي.
وبالعودة إلى المأزق الذي لازم الحالة العربية طويلاً، فإنّ من الدروس التي يقدّمها التاريخ وعلم الاجتماع، والتي تثبت إلى الآن صحّتها، أنّ الأمم والمجتمعات ـ في الأوقات التي يكون فيها الانحطاط والتأخّر الحضاري قد وسماها ردحاً طويلاً من الزمن ـ تكون في الغالب أمام أحد خيارين . يتمثّل الأوّل بخروجها التدريجي من دورة الحضارة الإنسانية، ما يمهّد الطريق أمام زوالها النهائي من التاريخ كأمّة أو مجتمع بخصائص حضارية وثقافية معينة، وبمعنى آخر: انقراضها.
ويكمن الخيار الثاني في انتفاض تلك الأمم أو المجتمعات على ذاتها، والتغلّب على أسباب الهزيمة الحضارية، بجرأة وموضوعية، والنهوض من جديد للّحاق بركب الحضارة، والعودة بفاعلية إلى العصر وحركة التاريخ. ولعلّ صنف المثقفين الذين عرّف بهم غرامشي “المثقف العضوي ” والأسماء الكبيرة التي ذكرناها كأمثلة والتي ـ برأيي الشخصي المتواضع ـ تعبّر عن المفهوم، لعلّ نتاج أمثال هؤلاء وفكرهم النقدي من أبرز العوامل التي تساعد في حالات كثيرة على تحليل الواقع ونقده لاستشراف المستقبل وترجيح الخيارات الكفيلة بالإنقاذ.
وإنّ من دروس أوروبة عندما كانت أمام مفترقها التاريخيّ في أواخر أزمنة انحطاطها، الجهود الجبّارة لأولئك العقلانيين الذين، على اختلاف حقول إبداعهم، استطاعوا تدشين الأنوار وعصر النهضة. وأجدها مناسبة للتعرف على نموذج رائع لمثقف نقديّ من تلك المرحلة، وليست مصادفة أنه ظهر مع كثيرين أمثاله في بداية النهاية لعصور التأخر والظلام في أوروبة وبالتالي ولادة الإرهاصات الأولى لعصور الأنوار والنهضة الأوروبية، لأنّهم صنّاع هذا التحوّل وروّاده. اسم هذا الشخص بيير بايل. والرجل الذي نتحدّث عنه، لم يكتف بنقد واقعه فقط، بل امتدّ نقده ليشمل الكثير مما يقدّسه ذلك الواقع ويحترمه: الماضي والتراث، بل وقدّم قراءته العقلانية البديلة.. وهو لمن لا يعرفه مفكّر فرنسيّ عاش في النصف الثاني من القرن السابع عشر وتوفّي مطلع القرن الذي تلاه (1706). درس اللاهوت والفلسفة التي انتقل فيها من أرسطو إلى ديكارت. وعمل أستاذاً للفلسفة في مجمع سيدان ثم في مدرسة روتردام إلى جانب عمله الصحفيّ في مجلة فرنسية كانت تدعى أخبار جمهورية الأدب. من خلال الصحافة نشر العديد من أفكاره وآرائه النقدية التي انصبّت غالباً في تفنيد الكتب التي كانت تنشر آنذاك وتتبنى الأفكار التقليدية. وساهم أيضاً في الدفاع عن البروتستانتية كحركة إصلاحية في وجه ما قام به لويس الرابع عشر والكنيسة الرسمية لجعل مملكته كاملة الكثلكة بالقوة حوالي 1683. ما أود الإشارة إليه بصورة خاصة الأثر الذي يعتبر الأهم لبيير بايل وحمل اسم “القاموس التاريخي النقدي”. ظهر الكتاب عام 1692 وأراد بايل فيه أن يوثق ” للأخطاء التي ارتكبها مؤلفو القواميس وغيرهم من المؤلفين، يبين القاموس تحت اسم كل رجل أو مدينة، ما يخص هذا الرجل أو تلك المدينة من أخطاء. .” (بول هازار، أزمة الضمير الأوروبي ، دار الشروق ، بيروت ـ القاهرة، 1987 الطبعة الأولى، ص 107). والحديث عن هذا المفكر ومشروعه الفريد يطول ولن يتّسع له المجال الآن لكنها دعوة للبدء بمشروع القاموس العربي الإسلامي النقدي، فيكون لبنة توضع في التأسيس لثقافة نقدية حديثة. المشروع كبير كما الطموح له. وهو يحتاج لجهود هائلة من الأفراد والمؤسسات وكل من له مصلحة فيه. ليكون العمل أكاديمياً موضوعياً يتوخّى الدقة العلمية من خلال استعراض المراجع المتنوعة على تناقضها واختلافها، فلا يلزم الدارس بآراء أحادية مطلقة في أي موضوع كان. يمكن أن يقسم المشروع إلى مراحل فيصدر القاموس على شكل أجزاء تغطي المراحل التاريخية حسب ما يقسمها المختصون. ويكون البدء من الأقرب إلى الأبعد. يبقى مجرد اقتراح ربما يلقى صدى ويجد من يبدأ فعلياً بتنفيذه.
أما الأهمّ، إلى متى يستطيع المثقف أن يكتفي بمتعة المعرفة واللذة المعنوية في الثقافة، والمكائد والشللية والنفاق أحياناً في أجوائها. متجاهلا الخراب المحيط به على منحدر مقبرة التاريخ. في مجتمع أصابه الدوار من فرط الدوران في الحلقة المفرغة لما يعيشه من ركود واستقالة. نعيش متكئين على غبارنا ومتهافتين على ضجيج الآخرين. فلا نحن ننفض الغبار. ولا نحن بقادرين على تفكيك الضجيج إلى أصوات نفهمها.
لا أدّعي شفائي دون الآخرين من كلّ ما ذكرت، لكنّ محاولة البدء بتمثل الفكر النقدي للتأسيس لواقع حضاري مختلف بأفق مستقبلي، مهمّة لا تستثني مشتغلاً في الثقافة مخضرماً كان أم مبتدئا. ولا أظنّ جانباً من جوانب ثقافتنا، والتي ذكرت بداية أنها جذر المشكلة في مكوّناتها البنيوية وآليات إنتاجها، لا يحتاج إلى التحليل على مشرحة النقد. خطوة تحتاج لنوعية من المثقفين أسلفنا خصائصها ونعلم ندرتها. والتقييم هنا لا يكون بالآراء الشخصية، بل المساهمة ونتائجها هي المعيار. وليس نهوض المجتمعات عبر التاريخ سوى محصلة لجهد أفراد. كذلك تكون سمة كلّ حركة ثقافية نابعة من سمات مثقفيها وإبداعاتهم. إذن ليختر كلّ مثقف أيّ ثقافة يريد، ويعمل بالتالي بدلالتها فيكون عرّابها الذي تريد .
