“دفعة على الحساب “: حول كتاب “الحبس كذّاب …” لفتحي بن الحاج يحي
كتاب ” الحبس كذّاب والحي يروّح: ورقات من دفاتر اليسار في الزمن البورقيبي ” الصادر في غضون سنة 2009 عن سلسلة “كلمات عابرة” هو كتاب لفتحي بلحاج يحيى ورد في 240 صفحة ولخّص فيه ردحا هامّا من معاناة الشباب اليساريّ في السجون التونسية في السبعينات، وهو ليس من جنس أدب السجون المباشر بل هو أدب من وحي السجنيات وعلى هامشها إن شئنا التدقيق.
كانت كلمات المؤلّف غير عابرة عكس عنوان السلسلة بل مختارة جمع فيها بين غزارة المعنى وبداعة الأسلوب؛ فهو يقصّ ويروي ويسرد ويتذكر ويحلل ويناقش في آن .
لا أعرف فتحي بلحاج يحيىى مباشرة ولم تجمعني به أي جلسة من أي نوع أو لون لا حمراء ولا خضراء ولا جلسة نقد أو ” نقد ذاتي “. أذكر أنّه سنة 1989 وفي حفل “ببورصة الشغل ” بمدينة تونس سمّي ” يوم الديمقراطية” كان المأسوف عليه نور الدين بن خذر يناديه ” يا فتحي يا بلحاج يحيى”، يومها وضعت الصورة على اسم لم يكن نكرة في مخيلتي وها أنا بعد عقدين من الزمن أرى صورته على ظهر غلاف تحكي حكايا، لكنها بالتأكيد أقلّ من الخبايا التي كشفها في كتابه الموسوم والذي كان بمثابة النافذة على تاريخ المؤسّسة السجنية في تونس خلال العهد البورقيبي، وكوّة على تاريخ مقارن لمساجين الرأي بكامل البلاد العربية.
نسيت أن أذكر أنّ الرابطة الوحيدة التي تجمعني بفتحي هي رابطة ” سلالية ” سأختزلها فقط في والده: الأستاذ الجيلاني بلحاج يحيى الذي نكنّ له نحن معشر المؤرخين الجامعيين المهتمّين بتاريخ الحركة الوطنية في تونس احتراما وتقديرا يتعاظم ويزداد كلّما عرّجنا على هبّة “الجلاّز” الانتفاضية ضدّ المستعمر سنة 1911.
” سي الجيلاني ” اعترف له ابنه مؤلّف الكتاب بالفضل والجميل، فقد أنشأه على ” حبّ الكلمة وعشق اللغة” بعد أن نمّى فيه قبل ذلك حبّ الوطن فمنحه دون أن يشعر صكّ الأمان لمواجهة تهمة فقدان “الإيمان”.
والد المؤلف ” زيتونيّ التكوين مؤمن السريرة”، مستنير كأغلب المؤرّخين وكان له من رحابة الصدر ما جعله يقرأ ويراجع نصّ نجله مهتمّا ببلاغته ومتانته صافحا عن حمولته المعنوية التي تتعارض حتما مع فقهه وتكوينه الديني والأدبي.
ركب ابن المدرس والأديب والمؤرخ غمار الفكر الثوريّ في السبعينات، وجذبته كلّ المصطلحات التي تنتهي بـ”اليّة” من الشيوعية إلى الامبريالية الاشتراكية، حلم بالثورة واستمع إلى أغاني “الحياة” ولم يسلم من تهمة المروق والإلحاد، وهذه ليست وضعية فريدة، فأغلب شباب اليسار في تونس كما في مصر أو المغرب أو لبنان كان عهدذاك ينحدر من نفس المنحدر الاجتماعي والثقافي. شبيبة على أعتاب دخول الجامعة من وسط متوسّط، أباؤهم أو بعض أقاربهم يتوفّرون على نصيب من التحصيل العلمي والثقافي ويشتغلون بالوظيفة العمومية وخاصة التدريس، وبين موروث العائلة ومكتسب المعهد والجامعة تكفّلت حلقات النقاش والكتب الحمراء والأغاني الثورية بالبقية الباقية لتصقل فيهم موهبة رفض السائد ونقده وتلهمهم رغبة تغييره.
كانت محاولات الفعل عند جيل فتحي متواترة وكان حكاّم ذلك العهد على اتّفاق بأنّ الفاعل واحد أوحد لا يحتمل التعدّد ولا التثنية ولا حتى البناء للمجهول، فكان السجن ومن الحبس جاء هذا الكتاب.
أدب “السجون وما حولها” لم يبتدعه فتحي بلحاج يحيى، فقد سبقه جلبار نقاش منذ ثلاثة عقود غير أنّ نصه الرائع “كريستال” كان ضحيّة من ضحايا انتشار ثقافة اللغة الواحدة وتهميش القراءة باللّسان الفرنسي عند شبيبة اليسار في تونس والمغرب، والآفة لم تتوقف عند تهميش ما كتبه جلبار نقاش و غيره بل كانت “الرزيّة” أكبر.
أسعف الحظ فتحي لينشر بالعربية وينتشر كتابه بشكل معقول، وتلك فائدة ثابتة لا يصادق عليها المؤلف في موضع آخر عند تحليله لأسباب تدهور الخطاب والمنهج عند شباب اليسار، وإقراره بانتشار التبسيط والتسطيح والدغمائية مع انتشار التعريب في ثقافة اليسار التونسي، وهي “تخريجة” رشيقة تذكرني بتخريجة مشابهة – لكنها ليست لفتحي- حول انتشار الماوية في تونس بسبب فشل تجربة التعاضد في الأرياف، وبسبب تزايد الطلبة من أصول ريفية في أروقة الكليات والمعاهد كثمرة موازية ومعاكسة لنفس التجربة التعاضدية .
الكتاب شيّق الأسلوب، سلس المعنى وخفيف التقليب، وافقني جلّ قرّائه بأنهم أتوا عليه و”ابتلعوه” في ليلة واحدة. أصرّ مؤلفه على “إدخالنا” إلى الزنازين والسجون حتى نكمّل معرفتنا بجغرافية الوطن الحبيب. جال بنا عبر قلاع برج الرومي و9 أفريل والكاف وحتى لا نسأم أو نضجر فقد فسّحنا برهة في الجزائر ولبنان وباريس ومونفلوري ورادس وقصر قرطاج. كانت جولة شيقة ومشوقة لا تعادلها “متعة” سجون تونس السبعينات التي جعلت فقط لتهذيب وتأديب شباب مشطّ زاغ عن الحظيرة ولم يفهم فلسفة “الحبيب” فوجب إرجاعه للجادة ” القومية”.
تقتصر ورقتنا على قراءة تاريخية انتروبولوجية للكتاب لذلك اعتبرناها دفعة على الحساب في انتظار مزيد تنويع زوايا القراءة النقدية.
لا بدّ لي من التشديد على أنّ أفضل ما شدّني وشدّ من حاورني في الكتاب هو ما حبّره زائر “الحبس” عن:
ملامح الحياة اليومية بالسجون التونسية في السبعينات
مبحث الحياة اليومية اليوم هو موضة كتابة ومعرفة عند المؤرخين و الأنتروبولوجيين
ويزداد المبحث تشويقا وطرافة عند تعرّضه لعالم السجون والمنافي بقلم فيّاض وحدس انتروبولوجي فطري. لذيذة هي تلك الومضات التي حبّرها المؤلف ليصف الحياة السجنية المألوفة والسارية لعامة “المحكومين والموقوفين ” وخاصتهم، لمدمني السياسة الكبرى أو “السياسة الصغرى” وهي بدعة نعتية تونسية للحديث عن اللوطيين ومن شابههم.
كانت الفصول المتعرضة للحياة اليومية بالسجن شيّقة غير أنّ المؤلف كان مقتّرا شحيحا إذ سرعان ما كان يفتح النافذة ويغلقها، وهذا ليس فقط من باب التأثّر بثقافة السجن والغلق والمداراة، بل لعله نتيجة خجل أو تردّد انتابه، فكيف لمناضل صمد وتعذّب وحُرم من حلمه وحبيبته وجامعته أن يتحدّث بإطناب عمّا يعتبره البعض “سفاسف زندالية” ( نسبة إلى الزندالة وهي الزنزانة أو العنبر أو القاووش أو الكراكون) من وحي ثقافة المهمشين.
لقد حرمنا المؤلف من فسحة أكثر توسّعا وتفصيلا، وكان أمتع ما في الكتاب – على رأيي- هو تلك الومضات حول خفايا الحياة اليومية بالسجن وما تكتنزه من نظام علاقات ومن تضامنات وتضادات كان الحبس كلية موازية تعلّم فيها فتحي وبعض رفاقه ما لم يتعلموه خارجه فتمتّنت “حفريات المعرفة” عندهم وطبقوا التحليل الطبقي الملموس على الواقع الملموس.
من المفارقات الأخرى المضحكة المبكية في آن، أنّ السجن يُكنَى عند مرتاديه في تونس بـ”الكلية” ولا أعتقد أنّه استشرافا مستقبليا ولا افتراضيا لواقع الجامعة والتعليم العالي. ومادمنا في باب التنمية اللغوية السجنية نذكر أنّ السجن يسمّى أيضا “بودفّة ” و”بوفردة” وأحيانا يشبّه بدار “الخالة” وهذه تخريجات عبقرية لها مشابهات في كل الأقطار العربية ذات التقاليد السجنية العريقة، فيستعمل النعت لتلطيف المنعوت، كالقول بأنّ الملح هو “ربح” والفحم الأسود “بياض” مع تأكيدي على تعادل الألوان في سلّم الترتيب عندي.
{{تخرج”الرجولية “من” الكاريوكات “}}
في خضم هذه التسميات الطريفة المضادة والضديدة، ومن وحي ما جاد به قلم المؤلف وما سمحت به ذاكرته الحيّة، نعرّج على شهادته حول الدور الإيجابي الذي لعبته مجموعة المساجين المتخنثين أو متعاطي المثلية الجنسية والمصابين “بلعنة الجسد” من أدوار ايجابية لمؤازرة مساجين الفكر ويسمّيهم المؤلف كما سمّاهم من سبقه “الكاريوكات”، ويقرّ بأنّه لا علم له بمأتى الكلمة. وعلى كلّ حال فهي من زمرة النعوت المتداولة لوصف الرجال المتشبّهين بالنسوة والذين أصرّ الكاتب على تأنيثهم في الاستعمال اللغوي وفاءً لمطلبهم الملحّ. كانت هاته الجماعات يلقى عليها القبض من حين إلى آخر “فتودعن سجن الرجال”، وهو سجن لا يطابق هويّتـ(هنّ) الجنسية المنشودة.
تحدّث الكاتب عن فئة المثليين الجنسيين و”الخنثاء” بشيء من الجرأة، بعد أن أفلت من محاكم “النقد الذاتي” التي كانت منتصبة دوما في السجن وخارجه، وقام بمجهود معجميّ لانتقاء لفظ مناسب لمكانتهم أو لمنزلتهنّ، وتحدّث بشيء من الإعجاب عن زعيمتهم “زينوبة”، تلك التي اغتُصبت في جلسة خمرية فثارت لنفسهـ(ا) دفاعا عن شرف “الرجولية” “فليس كلّ خنيث عاهرة بالضرورة”.
هذه واحدة من أضداد كثيرة تعلّمها السجين السياسي، وهو الذي أصرّ على مهاداة زينوبة بهدية رمزية وغريبة حمراء اللون لا علاقة لها بالثورة الماركسية اللينينية، ولا بالعامل أو حتى المزارع التونسي. كانت الهدية عرفانا “بالرجولية” والشجاعة والشهامة لمجموعة “الكاريوكات” التي احتار المؤلف بحثا عن جذورها والنعت على الأرجح برازيلي الأصل ومصدره رقصة “الكاريوكا” التي يكثر فيها استعمال المؤخّرة، ومنه نعتت الراقصة الاستعراضية المصرية “تحية” وعلى كل حال فنحن في بلدان تتصارع على نسبة صاحب”المقدمة” إليها، ولذلك ربّما استهجنت ذاكرتنا الجماعية بصفة لاشعورية رقصة المؤخّرة.
كانت الفترة التي سُجن فيها فتحي ورفاقه مرحلة تحوّل من الصناعات الثقيلة وشبه الثقيلة إلى مرحلة الصناعات الخفيفة، وقد فشل الخياران وسُجن من نقد الخيار الأوّل أو انتقد الثاني، وعلى كلّ حال ها أنّ المجتمع الموازي كان ناجحا في صناعة عبقرية وهي تصنيع التسميات والاشتقاقات والتشبيهات.
كتب الكاتب كتابه ودوّن ذكرياته بعد مسافة ثلاثة عقود ونيف من “الرحلة السجنية”، أي بعد أن توغّل أكثر في مدامك الحياة وتجارب العمر، وبعد أن اتّخذ كل الاحتياطات اللازمة وغير اللازمة عند نزول السلّم خوفا من الطعنات الورائية و”الماورائية”،واتقاء للضربات الأمامية الموجعة والمهددة “للمستقبل”.
ينطوي الكتاب على تفاصيل هامة لم تنزلق من غربال الذاكرة رغم ركام السنين لكنها لم تنل أيضا حظوة مجهرية أو تفصيلية من محبّرها.
لم تغفل اللاقطة الانتروبولوجية التاريخية ذاك الفصل المقتضب جدّا حول حكاية المشنقة والإعدام وهو فصل قمين – بعد تعميقه و”نزع الاعترافات منه “- بأن يكون مدخلا للبحث في تاريخ المؤسسة العقابية ومنظومة التجريم والتأديب في شرق المتوسط عامة لا في تونس البورقيبية فحسب.
{{الفطير مقابل التقتيل / الحياة مقابل الموت}}
ثقيلة هي رائحة الموت داخل السجن خصوصا أنّ أغلب المقتولين يدفنون في مقابر استثنائية ومنسية ملحقة بالسجون عملا بمقولة “تيسير مسالك التوزيع” و”تقريب الخدمات من المنتج إلى المستهلك مباشرة”.
يستوي الجميع في” المجتمع السجني الشامل ” أمام خبر “التقتيل والشنق”، ويتضامن محكومو الرأي مع مساجين “الفعل” من منظور إنساني ومبدئي على الأقل.
كان مناضلو اليسار ضد عقوبة الإعدام في المطلق، لذلك كان فتحي ورفاقه يضمرون تعاطفا كبيرا مع هؤلاء المرشّحين لمقابلة “الشنّاق وعزرائيل”، وكانت جغرافية العقاب داخل السجون توفّر هذه “الوقفة” التضامنية بسبب حشر المساجين السياسيين في “الزنازن” السفلية (السيلون) تماما مثل (ومع) المجرمين الخطرين والمحكومين بالإعدام والموعودين بتنفيذه قريبا.
كان المحكومون بالإعدام “ينتظرون التنفيذ فجر يوم غير معلوم ولكنهم يحسون به هم ونحن بسبب شيء غريب يستقر في الهواء ويتحول ثقلا يجثم على صدورنا من حيث لا ندري فنعلم أن الليلة هي ليلة موت” هذه حاسة “سجنية” بحتة ليست سادسة ولا سابعة في سلّم التصنيف التفاضلي المألوف لحواس البشرية.
حدّثني صديقي عمران علوان وهو من نزلاء “السجون الوطنية ” عهدذاك مع فتحي وزمرته عن أشياء مشابهة من ذلك أن المنتظرين لتنفيذ حكم الإعدام كانوا يدلقون الماء أمام زنازينهم حتّى يتفطّنوا لمجيء زائر الفجر، مساعد ” قبّاض الأرواح”، كانوا يشعرون أنهم في سباق ضد الموت، كل فجر يمضي بلا زائر هو وقت بدل ضائع تكرّمت به رزنامة السجن ومشتقاتها.
يسرد المؤلف حادثة “شنق” جماعة قفصة ( المرغني والشريف) سنة 1980بالسجن المدني بتونس، وما رافقها من ملابسات مريبة وغريبة. فمن عجائب المفارقات أن مهنة “الشنّاق” هي مهنة عائلية موروثة في العهد الجمهوري البورقيبي عن عهد “البايات” البائد الذين حكموا إيالة تونس أكثر من قرنين ونصف، وهو أمر يثير الاستغراب بل العجب العجاب عند أمثالي من الذين أمضوا وقتا كبيرا في الافتتان بغزارة التحولات والقطيعة التي عرفتها تونس بعد الاستقلال بسبب حقن الحداثة البورقيبية. فمنذ إعلان الجمهورية في تونس في 25 جويلية 1957 بل وحتى قبلها (إعلان مجلة الأحوال الشخصية ومنع تعدد الزوجات أوت 1956 وإلغاء الأوقاف العامة والخاصة)، أشهر بورقيبة وأعضاده سلاح محاربة “التقاليد البالية” والقضاء على “الخرافات والأساطير”، وتم الشروع في إنجاز فيض من الإصلاحات التعصيرية الهامّة والجريئة؛ مثل تحديد النسل والقضاء على الطرق الصوفية وتعصير التعليم ونشره والحد من تأثير رجال الدين على القرار السياسي…ومع كل هذا ترك بورقيبة وجهازه الحاكمي بقصد أو بغير قصد عدّة ثغرات وممارسات طقوسية “بالية” من ذلك:
– التطيّر المتواصل والمجاني: فالتلميذ الصادقي والمحامي اللائكي العصري، خريج الصربون في عشرينات القرن العشرين والذي لم يهب الجنرال ديقول وعبد الناصر وبن بلّة، هو نفسه الذي رفض بناء صومعة جامع “محمد باي ” المشهورة بسيدي محرز لأنّ هناك بعض الضالعين في تاريخ “البلاد ومآذنها” همسوا له بأنه ما من حاكم استجد بناء تلك الصومعة إلاّ ومات قبل إتمامها.
– غضّ النظر عن بعض الممارسات الأسطورية والقروسطية الشائعة: من ذلك ظاهرة “الولي سيدي عمر الفياّش” الذي كان يتمدّد وسط المدينة العتيقة مغلولا وعاري القضيب وأصبح مزارا للفضوليين وللنسوة العاقرات تيمّنا ” بالكبر والبركة”.
– تبنّي المظاهر البروتوكولية والمراسم السائدة في قصر الباي وخاصة “فولكلور” العسّة والحراسة وكاد ذلك أن يكلفه حياته عندما شارك كبير “حرّاس” القصر- وهو موروث من العهد السابق- في عملية الانقلاب أواخر سنة 1962 المشهورة بالعملية الأمنية، وكان دوره فتح باب غرفة النوم لمنفّذي عملية الاغتيال…
والأغرب من كل ما سبق هو توارث مهنة “الشنق” عند أسر سلالية واحدة، ووفق تقاليد قروسطية غابرة. فعلى حدّ مسامع مؤلّف الكتاب – وليس الوحيد الذي ذكرها- فإنّ الشنّاق يجلب معه بعد كلّ تنفيذ للإعدام كيس سميد يصنع منه فطائر معجّنة في السجن ويوزعها على الحاضرين بعد إتمام “شغله”، وبذلك تكون نفس اليد التي كدّت في شدّ الحبل وقطع الرؤوس وتجفيف العروق، هي التي تهب الماء والملح والخبز أي الحياة.
كم هي عبقرية تلك الجمل التي تفرضها عنوة نشرات الأخبار إلى آذاننا فترسخ بدون مغادرة من نوع “خارطة الطريق” أو “النفط مقابل الغذاء”.
الفطير مقابل الشنق، والحياة مقابل القتل هو مظهر من مظاهر الاحتفال العقابي المسترسل من العهود الاستبدادية القديمة في جمهورية بورقيبية موسومة ومتّهمة باللائكية والحداثة. قرأت ذلك الفصل العابر عدّة مرات ولعنت قلم المؤلف ألف مرّة لأنه جفّاف في غير موضع وما صاحبه بجافّ أو جافي.
كنت مباشرة أفكّر في أدبيات ميشال فوكو وتلاميذه حول منظومة المراقبة والمعاقبة وعلاقتها بنمط الذهنيات في العصور الحديثة وشكرت فتحي ألف مرّة لأنه أثّث لي فقرة درس افتراضي في مادة الأنتروبولوجيا التاريخية.
{{” الجغرافيا التاريخية ” للمنظومة العقابية}}
يرفل الكتاب بمدلولات وإشارات جغرافية عديدة دخلت اليوم سجل الماضي وطواها النسيان، فننعتها اصطلاحا وقياسا بـ”الجغرافيا التاريخية”، ولا يعني كلامي ونعوتي أنّ المؤلف تحوّل إلى ابن بطوطة السجون التونسية لكنّه مع ذلك كان رحّالة ووصّافا للسجون والقلاع والزنازين ومخافر التأديب والتعذيب.
يتساءل المؤلف بدون تلقائية عن اليوم الذي ستنجز فيه “رسالة دكتوراه في جامعتنا الموقرة إن وجد الباحث والمؤطر ولم يعترض العميد ومن فوقه “حول سجن 9 أفريل وموقعه في تاريخ المعمار المديني والعمران البشري للسجون.
كانت المزارات السجنية أو “السياحة التأديبية ” للمؤلف متنوعة وثرية تنطلق محطاتها من المعتقلات الوقتية بنعسان أو القرجاني… وفيها يُنتزع السجين من التحفّظ الوقتي إلى الإيداع النهائي ويتحول بعد “محاكمة عادلة” إلى سجل المصنفين ضمن” الشرذمة الضالة التي تصطاد في المياه العكرة”. آنذاك تنطلق رحلة التكشّف الجغرافي وتكون البداية بـ”الحبس الجديد” في قلب مدينة تونس وفي شارع يرمز تاريخه إلى مذبحة ارتكبتها سلطات الاستعمار الفرنسي الغاشم تجاه الوطنيين والمواطنين الأبرياء سنة 1938.
عاش هذا السجن زهاء قرن ولا زال بعد هدمه يكنى بـ”الحبس الجديد”، تيمّنا من الذاكرة الجماعية وفرحا من الناس بكل ما هو جديد في مجتمعات لا تعرف إلا القديم.
تتواصل الرحلة “شمالا وسماعا” فيحدثنا المؤلف عن سجن “قراصنة غار الملح” وهو من صنف الثغور الساحلية التي عرفت مجدها على يد قراصنة البحر الأتراك العثمانيين ولم ينل صاحب المذكرات شرف النزول في ضيافة “كراكتها”، بل بلغه ما عاناه فيها المساجين اليوسفيون والمشاركون في انقلاب “لزهر الشرايطي”.
ثم تمتد الرحلة مشاطئة لساحل بنزرت ويصف لنا “الناظور” أو “برج الرومي”، وهي أسماء وصفية لسجن اخترق عهود فرنسا والبايات و بورقيبة مثلما اخترق أفئدة وجيوب العائلات والمساجين.
ولا يقصي المؤلف جغرافية الدواخل التي تعاني دوما انحيازا فاضحا من الدارسين والمستثمرين والواصفين للسواحل الشمالية، فيعدل قدر المستطاع بين غرب البلاد وشرقها في تعداده لمآثر سجن الكاف وسجّانيها.
لكل “حبس” خصوصية وفرادة عبّر عنها قلمه السيّال، فسجن غار الملح بفئرانه ومائه الآسن أو “برج الرومي” بدهاليزه التي لا قرار لها يمكن تشبيههما بتازمامرت أو تيبازا.
أمّا سجن “الكاف” تلك المدينة الحدودية ذات الصيت العسكري فهو من أطرف محطات الرحلة، إذ وفّر لخيال مساجينه “اختلاطا” جنسيا ممكنا بين ذكور الحبس وإناثه، فكثّف من جلسات “النقد الذاتي” عند الرفاق الحائرين ونمّى فيهم موهبة السماع أكثر من النظر والخيال أكثر من الفعل، وبسبب عدم الفعل وقلّة الكلام “أبّنتهم” وعيّرتهم مسجونة متوهجّة بقلّة الفحولة أو انعدامها.
هناك خيط ناظم يمكّننا من اكتشاف “جدلية الوحدة والتنوع ” في سجون تونس خلال العهد البورقيبي فتفيدنا مذكرات محمد الصالح مزالي وهو حقوقي تونسي ووزير في عهد الحماية
(Mzali Mohamed Salah : Au fil de ma vie، Tunis 1972 )
ومذكرات الدكتور محمد بن سالم
)Mohamed Ben Salem، L’antichambre de l’indépendance، coll. Mémoire، éd. Cérès Productions، Tunis، 1988،(
عن التقاء الوزراء المحكومين سنة 1957 بتهمة “الزيغ” عن الحظيرة القومية والتعاون مع المستعمر بالمناضلين اليوسفيين وهؤلاء التقوا بدورهم بالمحكومين في “العملية الأمنية” المشهورة بانقلاب 62 والأخيرون التقوا بمساجين منظمة “برسبكتيف” ( آفاق ) وبالشيوعيين والبعثيين الذين تناوبوا بدورهم مع مساجين العامل التونسي والتجمع الماركسي والطلائع …على اقتسام نكبة سجن الرأي.
هناك تعاقب وتواصل وتلاقح بين الحقبات والتجارب والأشخاص في سجون متباعدة جغرافيا لكنها من جنس ونظيمة واحدة موحدة ولقد أجاد فتحي بلحاج يحيى وصفها وأعجبتني منها “المقامة الكافية” في الرحلة فقد غذّاها بإثارة “هوليودية ” وموهبة أدبية فتّانة امتدحها وهنّأه بها يوما صديقه الصادق.
لم يفعل المؤلف نفس الأمر مع سجن برج الرومي الشهير ربما لأنه كتب كتابه قبل أن يتابع حلقات أحمد منصور مع المرزوقي الخاصة بسجن تازمامرت في المغرب والتي كانت محل متابعة جماهيرية في المغرب الأقصى.
كانت تجربة فتحي ورفاقه من مناضلي اليسار خلال العهد البورقيبي دامية ودامعة مثيرة ومحزنة رغم لذّة القراءة عنها بعد أكثر من ثلاثين سنة.
عادت بي الذاكرة مبشارة بعد قراءة الكتاب – وخاصة المرة الأولى – إلى خطابات بورقيبة ومحاضراته وتساءلت عن سبب مبالغة الرئيس والزعيم في الحديث عن سجنياته خلال نضاله ضد الاستعمار الفرنسي ولماذا لم تكن له تلك التجارب بمثابة العظة على غرار بعض أتباعه من الوزراء الذين سُجنوا ثم أصلحوا النظام السجني بعد معايشة ميدانية ومشي مباشر على الجمر.
لم أجد أجوبة واضحة في ذهني بل تعاظمت الأسئلة وتولدت عنها تساؤلات في انتظار المساءلات.
تبيّن لي على كل حال أنّ فتحي بلحاج يحيى جاد علينا بنص زاخر بديع التقى فيه بذر المؤرخ الجيلاني بلحاج يحيى مع غرس فتحي وقطاف أقرانه لفتح “الآفاق الافتراضية السليمة”.
