رجال وفئران!

ليس المقصود بهذا العنوان رواية الأمريكيّ جون شتاينباك ” رجال وفئران “، فذلك ما لا يدخل في صميم اهتمامنا في الوقت الراهن. إنّما نحن معنيّون برجال من بين ظهرانينا أدمنوا التقاط الفئران وصيدها، أحيانا، ثمّ نقلها، على الفور، من بيئاتها الطبيعيّة التي فيها تعيش وتريش كالمجاري والخِرَب والدهاليز المظلمة ومن ثمّة إطلاقها في بيوت نومنا وقاعات درسنا ومكاتبنا.

من موقع [د. يوسف زيدان للتراث والمخطوطات->http://www.ziedan.com/index_o.asp] هذه الأمثولة في التعامل مع التراث. ونريد أنْ نعلن، بين يديْ الموضوع، أنّ أيّ شَبَه بين ما سيأتي ذكره والفتوى الذائعة الصيت للشيخ المنجّد في الفويسقة هو من قبيل المصادفات فقط. ولذا وجب التنبيه ( أو التنويه كما صار يقال ! )

“…. فإن التراث عندي هو ، إن أردت تمثيل الأمر، بَدْرُوم ضخم لبيتٍ يتكوّن من دورين أو أكثر، ونحن نسكن في الدور الأخير، لذلك نتعرض للعواصف وللشمس وللهواء وللنسيم العليل ، ولكل الظواهر الطبيعية التي تؤثر في الدور الأعلى، والتراث هو البَدْروم بكل ما يحتوي عليه من تحف وكراكيب وحشرات وفئران وقطع من الحديد الصدئ. وينـزل البعض إلى البدروم ليجد تحفة فنية في شكل تمثال برونزي مثلا ، فيقوم بتنظيفها ويخرجها من البدروم ، ويضعها لتزين الدور الذي يعيش فيه، والبعض ينـزل فيجد فأراً فيلتقطه ويطلقه حيث يعيش. وسأضرب مثلاً على هذين الفعلين حتى لا يكون هناك دهشة من الصورة المجازية، إن البعض يغوص في التراث ، فيقع على تحفة تتمثل في منهج التفكير الذي كان علماء العرب يتبعونه كي يصلوا إلى ما وصلوا إليه، يقابله مثلا تمثال برونـزي جميل متمثل في قول علاء الدين بن النفيس: “وربما أوجب استقصاؤنا النظرَ عدولا عن المشهور والمتعارف، فمن قرع سمعَه خلافُ ما عَهِدَه فلا يبادرنا بالإنكار فذلك طيش، ورُبَّ شنعٍ حقٌ ومألوفٍ محمودٍ كاذبٌ، والحقُّ حقٌ في نفسه لا لقول الناس له، ولنذكر دوما قولهم إذا تساوت الأذهان والهمم ، فمتأخرُ كلِّ صناعة خيرٌ من متقدمها” .

هذا المنهج الفكري هو الذي جعل من ابن النفيس مفكراً كبيراً. وقد يقع أيضاً على تحفة فنية جميلة في كتاب “القانون في الطب” لابن سينا ، حيث يتحدث عن الأمراض النفسية ، ويفرد فصلا عن الجنون السوداوي أو المالنخوليا ، فيقول ما نصه: ” قد زعم البعض أن هذا المرض إنما يقع عن الجن، ونحن من حيث نتعلم الطب لا يعنينا إن كان ذلك عن جِنٍّ أو غير جن، بل نبحث في سببه القريب” هذه قطعة فنية جميلة تُهدى إلى الواقع. وَلْنَقِس على هذا رؤى الشعراء وإبداعات المنهج العلمي وإسهامات أولئك الذين شيدوا المباني الكبرى وابتكروا حلولا عبقرية لإقامة هذه البنايات الضخمة، أولئك الذين طوروا العلوم المختلفة طيلة ثلاثة عشر قرناً من الزمان ..

هذه هي تحف البدروم ، فماذا عن الفئران؟ يهبط أحدنا إلى البدروم فيجد فأراً متمثلا في مقولة إنّ “مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن ولا هو كافر ، لكنه في منـزلة بين المنـزلتين”، فيمسك بهذا الفأر من ذيله ويصعد إلى الدور العلوي حيث يعيش ويطلق هذا الفأر، وهذا الفأر المتمثل في هذه الصيغة ينتمي في الأصل للبدروم، ولا يقع الكلام هنا عن منـزلة مرتكب الكبيرة، فالكلام هنا يقع على القرن الثاني الهجري بسبب جماعة معروفة بالخوارج كفَّروا كل الناس عدا أنفسهم ، وأفتوا بأن كل المسلمين كفرة، وقد دخل رجل على الحسن البصري ليسأله عن رأيه فيما يقوله هؤلاء من تكفير مرتكب الكبيرة فتفكر الحسن البصري ، وهنا رد تلميذه واصل بن عطاء بأن مرتكب الكبيرة – أي من يشرب الخمر أو يزني أو غير ذلك – لا هو مؤمن ولا هو كافر ، ولكنه في منـزلة بين المنـزلتين، وبهذه العبارة أسَّس واصل بن عطاء وصديقه الجميل عمرو بن عبيد مذهباً معروفاً جداً في تاريخ العقائد، وهو مذهب المعتزلة. ويأتي أحدهم فتعجبه هذه القصة فيلتقطها سريعا من بدروم التراث ليلقيها علينا ، ويعيد علينا طرح قضية كانت مطروحة منذ ألف ومائتي عام، وندخل من هنا في متاهات عن حكم مرتكب الكبيرة ، والفرق بين الكبائر والصغائر ، والحكم الشرعي في هذا وذاك ، وما إلى ذلك من التفاصيل. وأتساءل : ماذا عن الرياح القادمة من الجنوب محملة بالأتربة، ألا تقتضي أن نغلق لأجلها النوافذ أولاً قبل الخوض في معطيات البدروم؟ وألا يجب أن نفتح النوافذ أمام النسمات القادمة من الجهة البحرية؟

إن حاجة السكن الصحية ، قبل الانشغال بهذا الفأر الذي انطلق في واقعنا ، لها الأهميةُ والأولوية. ولنا أن نَقِيس على ذلك الكثير من القضايا، وكم من الطاقة تُستهلك وتضيع من واقع هذه الأمّة، في قضايا لا تزيد قيمتها عن قيمة فأر التُقط من ذيله من بدروم هذه الأمّة وأُطلق في غرف معيشتها…”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This