رحيل محمد أركون
لقد فوجئنا، بل وفجعنا، برحيل أحد أكبر مفكري العرب والاسلام في هذا العصر البروفيسور : محمد أركون. ومعلوم أن الجميع كانوا ينتظرون منه مواصلة أبحاثه الأركيولوجية العميقة عن التراث الإسلامي، لكي يحرر عقلياتنا من التصورات الخاطئة والتراكمات الماضوية والخرافات الأسطورية التي تشلنا عن التحرك والانطلاق. كان أركون يحفر في أعماق التراث منذ خمسين سنة، بحثا عن الداء العضال الذي ينخرنا من الداخل ويعرقل إقلاعنا الحضاري. وربما كان الأقدر على تشخيص أمراضنا التراثية والاجتماعية وسبب تخلفنا عن بقية الأمم. وحتما كان من أقدر مفكري العرب والاسلام على تشخيص مشكلة الأصولية تشخيصا علميا دقيقا وإيجاد حلول ناجعة لها. فثقافة أركون كانت واسعة لا حدود لها، وعلمه كان جما غزيرا، وعقله راجحا، وسيطرته على المنهج والمصطلح كانت محط إعجاب الغرب والشرق. بل وحتى الغرب كان يعتمد عليه لتشخيص أزمته الحضارية. ذلك أن أركون كان مطلعا على تراث الغرب المسيحي والعلماني في آن معا. وفي ذات الوقت كان اطلاعه على تراثنا الإسلامي عميقا جدا. هذا الاطلاع الواسع على كلا التراثين والحضارتين هو الذي جعل منه جسرا إنسانيا رائعا بين العالم العربي وأوروبا.
أركون هو من أوائل من طرح مشكلة الوحي بشكل تاريخيّ أنتربولوجيّ مقارنيّ يشمل سائر الأديان التوحيديّة، عاملا على تحريرنا من رهبة النصوص المقدّسة بل قل من إرهابها، ووجّه مكتسبات العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة إلى النصّ المؤسّس، وقدّم مشروعا متكاملا لتجديد الدراسات القرآنيّة ولربطها بحركيّة العصر.
يغيب محمّد أركون مدشّن النزعة الإنسانية في التراث العربي الإسلامي العريق، وهو في أوج عطائه الفكريّ، وقبل أن يضع اللّمسات الأخيرة على مشروعه الفلسفي الكبير : نقد العقل الاسلاميّ.
ولكن ما خلفه وراءه يكفي لإنارة الطريق.
موادّ سابقة عن محمد أركون في موقع الأوان :
– هاشم صالح، ثورة فكرية في تاريخ الاسلام: قراءة في مشروع محمد أركون
– خالد غزال، محمد أركون: نقد العقل الإسلامي
– خالد غزال، على هامش كتاب "من منهاتن إلى بغداد، ما وراء الخير والشر" لمحمد أركون وجوزيف مايلا
