ردّ العلمانيّة إلى العالم (2/1)
قد كتبت هذا البحث*، وفي ذهني السّؤال التّالي : هل ننتظر تحقيق العلمانيّة حتّى نكون علمانيّين؟ ألا يكون من باب التّفقير للعلمانيّة اعتبارها مجرّد مشروع أو وعد مؤجّل، كالثّورة عند الثّوريّين، أو الجنّة عند المؤمنين، واختزالها، تبعا لذلك، في كونها موضوع جدل بين أنصار وخصوم، ومكذّبين ومؤمنين؟ هل “عودة التّديّن” “وهم بصريّ” كما يذهب إلى ذلك [الباحث في الشّؤون الدّينيّة أوليفييه روا Roy-> http://www.alawan.org/%D8%A3%D9%88%D9%84%D9%8A%D9%81%D9%8A%D9%8A-%D8%B1%D9%88%D8%A7-Olivier-Roy.html]، ؟ وإذا كان هذا التّديّن “العائد” “وهما بصريّا”، فما يكون الواقع الفعليّ للعلاقة بالدّين في مجتمعاتنا، وهل هو واقع أم وقائع؟ ثمّ ماذا عن إمكانيّات “براكسيس علمانيّ”؟
لأنّ واقع العلمانيّة وأضدادها، أي الأصوليّة الدّينيّة، والتّعصّب، والتّديّن المفرط معقّد مشذّر، ولأنّني لا أريد تكرار ما سبق أن كتبته وكتبه غيري، لا سيّما في موقع الأوان، فسأنطلق من تقديم شذرات مقتطعة من حيوات، ثمّ أقدّم بعد ذلك بعض الفرضيّات والمقترحات، أرجو أن لا تعود إلى تكرار المكرّر، وإن كنت لا أضمن هذا. وقد خطر لي أن أستشهد كلّما سنحت الفرصة بنصوص منشورة في الأوان، أضيف روابطها لا لأضمّ صوتي إلى أصوات كتّابها، أو أبيّن ديْني نحوهم فحسب، بل لأنتج نصّا غير مكتمل، متعدّد المنافذ و”الأواصر”، مغمورا بالحركة، منصاعا لموجتها->http://www.alawan.org/مواصلة-منفصلة.html]، على حدّ تعبير الأستاذ عبد السّلام بنعبد العالي، محاكيا تشذّر الواقع نفسه وهيمنة “قوّة الاختلاف” عليه.
{{[*
علمانيّة “أدِّ الفرض وانقب الأرض” :*]}}
هذا مثل شعبيّ تونسيّ، عن ضرورة التّوازن بين الدّين (الفرض)، والخروج عن تعاليم الدّين، الذي يعبّر عنه هنا بثقب الأرض، وتعبّر عنه العربيّة الفصحى بـ”الفسوق”، أي الخروج عن طاعة الإله، دون الخروج عن الإيمان به. الصّورة غريبة إلى حدّ ما، وربّما لها علاقة بالاختراق وإحداث الخروق، وربّما لها إيحاءات جنسيّة، أو لها علاقة بقابيل، الفلاّح الذي يخرق الأرض، ولذلك لم يتقّبل الرّبّ قربانه، وفضّل عليه هابيل الرّاعي حسب بعض التّأويلات للأسطورة الكتابيّة.. ولكنّ هذا موضوع آخر.
المثل يعبّر على أيّة حال عن تصريف على المستوى الفرديّ للقسمة بين قيصر والإله. القسمة هنا هي بين الله والإنسان. أعتقد أنّه تديّن ظريف لطيف، يتمثّل في خلق علاقة متوازنة بالقانون، غير العلاقة المبنيّة على الشّعور بالذّنب، شعورا يطغى على الحياة اليوميّة ويحوّلها إلى عذاب قبر خارج القبر، تحيط به فتاوى رجال الدّين، كما يحيط بالميّت منكر ونكير، حسب الاعتقادات التي أخرجت في القرن العشرين من بطون الكتب، ونشرت في الكتب الصّفراء التي تباع في بعض أسواقنا، جنبا إلى جنب مع الجوارب النّسائيّة والأمشاط والدّبابيس وشتّى أنواع البخور.
هذه القسمة بين الفرض والخروج من أو على الفرض يبدو أنّها قديمة، لأنّ هذا المثل سمعته من عمّتي وهي من مواليد أوائل القرن الماضي، وربّما نطقت به وهي تلوّح بمسبحتها، ذات اليمين وذات الشّمال، وعيناها المكحولتان دائما وأبدا ضاحكتان. وسمعته من أشخاص مسنّين آخرين لا أتذكّرهم، لكنّهم كانوا يصلّون، ويستسيغون، وإن تظاهروا بالتّذمّر، كلّ ما يقع خارج صلاتهم، من مجون ولهو وفكاهة.
أقصد أنّ هذا المثل عمل به مسلمون عاشوا بسلام، وماتوا قبل عصر حملات التّحجّب والتّديّن المفرط الذي نشرته الفضائيّات بشيوخها على نطاق واسع، بعد أن نشرته حركات الإسلام السّياسيّ على نطاق ضيّق.
وفي تونس نكتة شائعة، تعتمد طريقة غير مهذّبة في الكلام، ربّما يختصّ بها الشّعبان الجزائريّ والتّونسيّ، ويمتازان بها على الشّعوب النّاطقة بالضّاد أو بما يقترب من لغة الضّاد من لهجات، هي إضافة اسم “الرّبّ” إلى كلّ كلمة، بحيث لا يقول المتكلّم مثلا : أعطني هذا الكتاب، بل يقول “أعطني ربّ هذا الكتاب”. وهذه الطّريقة في الكلام تسمّى “التربريب” (مصدر مشتقّ على نحو خاصّ من “الرّب”). بيت القصيد في النّكتة هي قول المتكلّم : “أنا أعطي حقّ ربّي وآخذ ربّ حقّي”. نجد مرّة أخرى ثنائيّة حقّ الإنسان/حقّ الله. ولكنّ حقّ الإنسان هنا شبه مؤلّه، هو إله مواز للإله، ويستحقّ الرّعاية نفسها. بل ربّما يكون هو الغاية الأولى. وهو ما نسمّيه “الرّغبة”، أو “الشّوق”.
أليس في هذا الفصل نواة أولى للعلمانيّة على مستوى الفرد، إذ على الفرد أن يميّز داخله بين الدّينيّ والدّنيويّ، ولا يغمط حقّ الدّنيويّ؟ إنّه تعبير أكثر دنيويّة، وأكثر ولوعا بالدّنيا من “اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنّك تموت غدا”. الآخرة هنا ليست حاضرة حضورها في الحديث النّبويّ. لكنّ المؤكّد هو أنّ الذي لا يقبل هذه القسمة داخل ذاته لا يمكن أن يقبل القسمة العلمانيّة بين الدّين والسّياسة، لأنّه سيجعل للإله حقوقا تمتدّ خارج نطاق دائرة الدّين، كما جعل للإله حقوقا تمتدّ داخل ذاته. هذا لا يعني أنّ علمانيّة المسنّين الذين سمعتهم يقولون “أدّ الفرض واثقب الأرض” يمكن أن تؤدّي إلى علمانيّة الفصل بين السّياسة والدّين، لأنّ هذا الفصل ثمرة فلسفة أبستمولوجية تنبني على استقلال العقل البشريّ، وفلسفة سياسيّة تعوّض الرّابط الاجتماعيّ الدّينيّ برابط بشريّ أساسه العقد الاجتماعيّ والمواطنة بدل الأخوّة، ولا أعتقد أنّ عمّتي المسكينة، وهي في عداد الموتى، أو أنّ أصحاب النّكتة يعرفون كلّ هذه الشّروط التّاريخيّة للعلمانيّة.
لا يمكن إفراغ العلمانيّة من محتواها التّحرّريّ الجذريّ، لكنّ التّعلمن التّلقائيّ على طريقة “أدّ الفرض وانقب الأرض” تحرُّرٌ من هيمنة الدّين على الفرد قد يكون خطوة إلى التّحرّر من هيمنة الدّين على الفضاء العامّ. أليست الأصوليّة ناتجة عن الاختلال بين “الفرض” والرّغبة، وعدم وجود هيئة تعدّل سطوة الأنا الأعلى، هي ما يسمّى “مثال الأنا”؟ أليس “مثال الأنا” هو ما يسمح للإنسان بامتلاك القيم والقوانين وإعادة تصريفها على نحو فرديّ إبداعيّ؟
{{[*فصل الدّين عن القانون :*]}}
{{ميخائيل}}
مسيحيّ بروتستانتيّ، أخذ منه الطّلاق من زوجته سبعة وعشرين عاما، لأنّ الكنيسة لا تريد ذلك (فالعهد الجديد يقيّد الطّلاق بعلّة الزّنا)، ولأنّ محكمة القضاء الإداري في تعارض مزمن معها. لم يستطع الزّواج من حبيبته الخليجيّة المسلمة بسبب الاختلاف في الدّين، ويسبّب له هذا الممكن المستحيل غصّة في الحلق. يقول إنّه علمانيّ، والأرجح أنّه علمانيّ لأسباب، منها معاناته من قانون الأحوال الشّخصيّة الذي تعتمده الكنيسة، وقانون منع زواج المسلمة من غير مسلم.
{{
سميرة}}
هي رابع بنت في أسرة لم تنجب البنين، وعندما ولدت، قرّر أبوها الزّواج بامرأة أخرى لأنه كان يريد ابنا يخلفه ويرث مشاريعه التّجاريّة عن جدارة. عدل عن الزّواج، ولكنّه ظلّ في كلّ مرّة يلوّح به. البنت تشعر بنفسها “قليّلة”، وزائدة عن الحاجة، وتشعر بأنّها سبب في مأساة أمّها الكئيبة التي عاشت حياتها الزّوجيّة تحت تهديد زوجة ثانية.
نحن في الغالب نسيّس العلمانيّة أكثر من اللّزوم، وننسى أنّ الآليّة القانونيّة السّياسيّة للعلمانيّة في الدّول الدّيمقراطيّة لا تعني فصل الدّين عن السّياسة بل فصله عن القانون أيضا. فقوانين الأحوال الشّخصيّة المستلهمة من الدّين الإسلاميّ أو من الدّين المسيحيّ الشّرقيّ لا تحلّ مشاكل النّاس بل تخلق لهم مشاكل مؤبّدة : عسر الطّلاق أو عسر الزّواج الثّاني، وتعدّد الزّوجات، وقوانين الإرث التّمييزيّة…
ليس تغيير هذه القوانين ترف مثقّفين حالمين، لأنّها سبب في جروح نرجسيّة زائدة على الجروح المعتادة وفي معاناة قد تكون دائمة. والكثير من الخطابات عن العلمانيّة تفرغ العلمانيّة من علاقتها براهن اللاّمساواة، وتخليها من مطلب الفصل بين الدّين والقانون، وتحتفظ منها بفكرة مجرّدة هي الحياد المذهبيّ للدّولة لتغرقها في عموميّات ورديّة، ممّا يؤدّي إلى “[علمانيّة بلا أنياب->http://www.alawan.org/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9.html]” حسب عبارة وائل السّوّاح، أو “[علمانيّة رخوة->http://www.alawan.org/%D9%81%D9%8A-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9,5563.html]” حسب عبارة إبراهيم أزروال، أو ربّما “[علمانيّة مغدورة->http://www.alawan.org/%D8%A3%D9%88%D9%87%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86.html ]” حسب عبارة سعيد ناشيد. فكيف الحديث عن علمانيّة مجرّدة، سياسيّة فحسب، في مجتمعات ما زالت تحتفظ بقوانين تتناقض مع حقوق الإنسان، وتتحفّظ عليها باسم خصوصيّات لا تطوّر المنظومة الدّوليّة بل تحاول العودة بها إلى الخلف؟
{{[*
أرضيّة التّديّن علمانيّة؟*]}}
-{{هنادي}} : متزوّجة منقّبة تعرّفت على زوجها في إحدى الجماعات الإسلاميّة. تعاني من النّهم الشّديد إثر العلاقة الجنسيّة مع زوجها، وهي علاقة لا تستمتع فيها، كما تعاني من الخوف من المثليّة الجنسيّة. سكنت مع زوجها في بيت يمتلكه مسيحيّ وكان فيه مسيحيّون، وكانت تتصوّر أنّ البيت مسكون بالجانّ، فاضطرّوا إلى الخروج منه حتّى تزول الأعراض. جرّبت العلاج بالقرآن لمدّة 3 سنوات، ثمّ بحثت عن معالج نفسيّ غير الشّيوخ.
-{{سوسن}} : مطلّقة تعاني من اضطرابات في الأكل، ومن أزمات نهم ليليّة تستيقظ بسببها مرّات أحيانا : تستعين بشيخ يحفّظها القرآن في البيت مرّة في الأسبوع مقابل أجر، وتزور شيخة واعظة تقدّم لها نصائح، وتشارك في برنامج علاجيّ روحانيّ، وتجري على نفسها التّحليل النّفسيّ. لا مانع لها من إقامة علاقات جنسيّة، شريطة أن يكون الشّريك غير متزوّج. تقول إنّ هذه العلاقات ليست حراما، أمّا إذا كان الشّريك متزوّجا فحرام.
رغم كلّ مظاهر الفراط الدّينيّ أو الأصوليّ، تبدو لنا أرضيّة التّديّن معلمنة، والذّات المتديّنة تبدو لنا في نهاية الأمر مقبلة على العلم، رغم لجوئها إلى أشكال عتيقة للعلاج. تقول لي أخصّائيّة نفسانيّة إنّ الكثير من مرضاها يجرّبون العلاج القرآنيّ مع الشّيوخ سنوات ثمّ يبحثون عن طبيب أو أخصّائيّ نفسيّ، لأنّ الأعراض قد تلحّ عليهم بعد انفراج ظرفيّ. عدد الدّجّالين بمصر يفوق بالتّأكيد عدد الأطبّاء والأخصّائيّين النّفسيّين. لكنّ الأمور معقّدة، ونحن نشهد “بلقنة” للنّفوس، بحيث تنتقل الذّات الواحدة من نظام للحقيقة إلى نظام آخر كما لو أنّ الأمر يتعلّق بـ zapping. لذلك تنتقل سوسن من القرآن والوعظ، إلى العلاج الرّوحانيّ المستلهم أساسا من أديان آسيويّة مع شيء من السّلوكيّة، إلى التّحليل النّفسيّ، وتجد راحتها في كلّ هذه العلاقات، مع إعجاب خاصّ بالتّحليل النّفسيّ.
ثمّ إنّها تبني أخلاقيّاتها الخاصّة بها رغم حفظها القرآن، بما أنّها تزحزح محرّم الزّنا وتقصره على إقامة علاقات جنسيّة مع المتزوّجين. أبطلت بنفسها محرّم “الزّنا”، بصفة جزئيّة، قبل أن تبطله القوانين.
{{[*التّديّن المفرط والشّكّ الوسواسيّ :*]}}
{{محمّد}}، متديّن شديد التّديّن، يكره أباه القاسي الخاصي ويحبّه أكثر من اللّزوم، وكرجل الفئران، تأتيه أفكار وسواسيّة تدفعه إلى سبّ الإله. يكتشف تدريجيّا أنّ الكائن الذي يشتمه هو أبوه. لكنّه يشكّ في وجود الله، ويضاعف من صلواته، باشتداد كلّ أزمة شكّ. امتنع عن أداء الصّلاة، وخفّت أفكاره القهريّة بعد ثلاثة أشهر من التّحليل النّفسيّ، اكتشف فيها العلاقة بين تديّنه الشّديد ورغبته في سبّ الإله وكرهه أباه.
أهمّ عرض في العصاب الوسواسيّ هو الشّكّ. وفرويد كان أوّل من اكتشف هذا النّوع من العصاب. ويبدو من خلال الممارسة العياديّة ومن خلال فرضيّات بعض المحلّلين المعاصرين أنّه العصاب الأكثر انتشارا حاليّا. هذا العصاب ينسجم كثيرا مع التّديّن، إلى حدّ أنّ فرويد يعتبر الدّين ذاته نوعا من العصاب الوسواسيّ الجماعيّ القائم على مداراة الحصر بإقامة الشّعائر، والإفراط في العناية بها، مع شرجيّة متضخّمة ومتنوّعة يضيق المقام عن تفصيلها. لكنّ العصاب الوسواسيّ يعبّر عنه أيضا بـ”جنون الشّكّ”، ويمكن أن تشكّ دائما في علاقة الوسواسيّ بالإله وبالدّين. وهو بقدر شكّه، يقيم شعائره.
الحالات القصوى الإفراطيّة تكشف أسباب الحاجة إلى الدّين، وهي أسباب تتعلّق بالبحث عن قوّة حامية، هي أب صريح، ويسمّى هكذا في الدّيانة المسيحيّة، [كما يبيّن ذلك سعيد نشيد->http://www.alawan.org/%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AF.html]، لكنّها قوّة أبويّة حامية، وإن كانت لا تعتبر أبا صريحا في الدّين الإسلاميّ. الفارق في التّسمية، وفي المنع العقائديّ الإسلاميّ من اعتبار الله أبا، لكنّني أرجّح أنّ الله يبقى من النّاحية النّفسيّة مبصوما بالأبويّة.
هل المتديّنون المفرطون اليوم هم مؤمنو ما بعد موت الإله، يريدون الإعلاء من شأنه بقدر شكّهم فيه لاشعوريّا في الغالب؟ أكاد أجزم بهذا. فكم “رجل فئران” يسير بيننا، وهو ملتح ويحمل زبيبة أو زبيبتين على جبهته، وقد نشاهده بإحدى حانات القاهرة، يعاقر الجعة بزبيبته. وليس هذا تقوّلا، وعندي شهود عليه من الذّكور الذين تعدل شهادة الواحد منهم شهادة امرأتين..
{{[*
التّديّن قناع :*]}}
-{{زينب}} : محجّبة، فهمت أنّ الصّوت الذي أمرها بالتّحجّب في الحلم لم يكن صوتا إلهيّا، بل صوتها هي، أو صوت أناها الأعلى الصّارم : تمنّت لجدّتها الموت وهي مراهقة، وعندما توفّيت جدّتها انتابها وسواس بأنّها هي التي تسبّبت في موتها، فتحجّبت نتيجة الشّعور بالذّنب، وكبتت أسباب التّحجّب. عندما اكتشفت هذا السّبب لم تعد تستطيع مواصلة علاجها النّفسيّ مع معالجة محجّبة ومتديّنة. وهي إلى الآن محجّبة، لكنّها أصبحت تهتمّ بإبراز جمالها وأنوثتها، وتواصل تساؤلها. إنّها “قوّة الاختلاف”، وقوّة الرّغبة في الحياة وفي تأكيد الأنوثة.
الحجاب نفسه عرضة للتّعلمن ولأداء وظيفة معاكسة للوظيفة الأصليّة التي هي منع الفتنة وعدم التّبرّج، فيصبح بألوانه وأشكاله تعبيرا عن الرّغبة، ومصدرا لإثارة الرّغبة. إنّها قوّة الاختلاف، وقوّة الرّغبة في الحياة وفي تأكيد الأنوثة.
– {{شيراز منقّبة}}، متزوّجة وتشكو من تعدّد علاقاتها الجنسيّة، وهي لا تستمتع مع الرّجال لأسباب متعدّدة منها ختانها وتعرّضها لتحرّش قريب لها هو بمثابة أبيها. تنقّبت لأنّها بهذه الطّريقة تتّبع أوامر الله، وتريح ضميرها، وتجعل لجسدها وعاء يلمّ شتاته بعد أن انتُهك، ثمّ لا تثير ريبة زوجها ومن حولها عندما تخرج للقاء شركائها الجنسيّين.
-{{يعقوب}} كان شمّاسا منذ صغر سنّه، ثمّ قرأ “رجل الفئران” لفرويد، وبدأ ينتابه الشّكّ في ما يشكّ فيه ويؤمن به في الوقت نفسه. شعر أنّ علاقته بالدّين غير سويّة : يتّخذه للهرب من الدّافع الجنسيّ، ويراوح على نحو جحيميّ بين الرّياضة الرّوحيّة والاندفاع الجنسيّ. كان يأتي للبوح بعلاقاته الجنسيّة المثليّة في صباه، وكأنّه يعترف لقسّ، ولا يتداعى على أريكة محلّل نفسيّ. ثمّ تعلمنت علاقته بالتّحليل النّفسيّ، وبدأ يتذكّر ويحلّل أحلامه التي تبيّن أنّه لا يريد الرّهبنة والخروج من العالم. ثمّ قال لي إنّه كان متيقّنا بأنّه إذا أكثر من الرّياضة الرّوحيّة سيصنع المعجزات. قلت له: كالأنبياء؟ قال لي : نعم. قلت له : كيعقوب مثلا؟ قال لي نعم. طلبت منه أن يسرد لي قصّة يعقوب، ففعل. فدهش لكثرة نقاط الشّبه بين قصّته وقصّة النّبيّ، فكان المنعرج. ثمّ قال إنّه اتّخذ الدّين عكّازة لأنّ صورة أبيه تشوّهت وهو مراهق لمعاقرته الخمرة وجريه وراء النّساء، ويريد أن تكون علاقته بالدّين خالصة. تعلمن هو نفسه، بعد أن تعلمن تحليله. كان سجين أشياء من بينها قسوة أمّ عنّفته وهو صبيّ ليتحكّم في برازه، وعجزه عن التّماهي مع أب وأمّ كانت صورتهما سلبيّة أكثر من اللّزوم، وهو لذلك أراد أن يتطابق مع اسمه النّبويّ أكثر من اللّزوم.
كثيرا ما يكون التّديّن المفرط علامة على إشكالات أوديبيّة، وقناعا لها، وهذا القناع عرضة إلى الزّوال، أو إلى تغيير العلاقة به.
{{[*انتهاء الصّلوحيّة :*]}}
المدّ الأصوليّ، رغم أنّه مدّ، مبصوم بشيء أستعير له تعبيرا صيدلانيّا هو “انتهاء الصّلوحيّة”. فلنتأمّل واقع الفتاوى التي يطلقها المفتون بأنواعهم، لا سيّما المروّجون منهم إعلاميّا. لن أذكر الفتاوى المضحكة التي كان ميلادها إعلانا عن موتها، كفتوى إرضاع الزّميلة زميلها في العمل، بل سأتناول أولى فتويين اعترضتاني في موقع “الإسلام سؤال وجواب”، وهو موقع ذكّرني بالمتعة التي يقرأ بها [عادل حدجامي كتبه الصّفراء->http://www.alawan.org/%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%81%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D8%A7%D8%B4%D9%82.html]، وبالمادّة الهزليّة التي يستخرجها مختار الخلفاوي من فتاوى بعض الشّيوخ، آخرها [فتوى عدم ردّ السّلام على الببّغاء->http://www.alawan.org/%D9%87%D9%84-%D9%8A%D9%8F%D8%B1%D9%8E%D8%AF%D9%91%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8F.html].
الفتوى الأولى تتناول “حكم تصفيق الرجال في الحفلات أو المحاضرات إذا أعجبهم شيء، أو أرادوا تحية المتكلم في المحاضرة”. جواب المفتي كان تجويز تصفيق النّساء في صلاتهنّ “إذا حدث ما يقتضي التّنبيه عليه”، واعتبار تصفيق الصّوفيّة في حلقاتهم “بدعة ضلالة”، واعتبار “تصفيق الرجال في التّصفيق ونحوها ممّا ليس عبادة، فأقلّ أحواله الكراهة”.
والفتوى الثّانية تتعلّق بـ”تحريم الصداقة والعشق بين الرجل والمرأة”. نصّ السّؤال هو : “أنا شاب عمري خمسة عشر سنة وأعلم بأن اتخاذ عشيقة قد يدمّر العائلة ولكن ماذا إذا كنّا أصدقاء فقط بالسرّ ولا يدري بنا أحد، بهذه الطريقة أضمن أن نبقى سويّاً ولا نقترف جريمة الزنا حتى موعد الزواج. هل هناك حالة كهذه في قصص الحبّ القديمة؟” وملخّص جواب المفتي هو أنّ اتّخاذ العشيقة ليس “مدمّرا للأسرة فحسب، بل هو مدمّر للمجتمعات وأهله متوعّدون بعذاب الله وسخطه وانتقامه، فالعشق مرضٌ يدمّر قلب أهله، ويقودهم إلى الفحشاء والمنكر…”، وكان أن نصحه بعبادة الله، وبالزّواج “من امرأة صالحة متدينة تحفظ لك دينك وتحثك على الالتزام بشرع الله تعالى، وتحفظ لك أولادك وتربيهم على الخلق والدين، ودع عنك من رضيت لنفسها أن تخرج مع أجنبي يحرم عليها مقابلته والحديث معه، ومن رضيت لنفسها هذا فما الذي سيمنعها منه مستقبلاً؟”
ما يوفّره لنا المشهد اليوميّ هو أنّ التّصفيق مكرّس باعتباره عادة مدنيّة دالّة على الاستحسان أو المجاملة. ولا أظنّ أنّ الكثير من النّاشطين السّياسيّين أو من المتفرّجين على عرض فنّيّ سيفكّر في فتوى كراهية التّصفيق في مقام يفرض عليه التّصفيق. وما نعرفه أيضا هو أنّ نداء الحياة والدّافع الجنسيّ والرّغبة أهمّ بكثير من الفتاوى التي تمنع الحبّ، وتوصي بالزّواج لمراهقين لم يصلوا بعد إلى السّنّ القانونيّ للزّواج في أغلب الأقطار العربيّة. فلمن توجّه هذه الفتاوى، ومن يستطيع العمل بها، حتّى وإن اقتنع بفحواها؟
انتهاء الصّلوحيّة لا يعني انتهاء الاستعمال والفاعليّة، وهي فاعليّة تؤدّي إلى التّسمّم أحيانا. ولكنّني لا أعتقد أنّ نهاية الصّلوحيّة أجل يمكن أن يتحوّل إلى أمد بعيد. الفتاوى المطلقة هي غالبا ضدّ الحياة، ولذلك قلّما يحتملها الأحياء، على المدى البعيد.
{{[*كيف نكون علمانيّين في عالم يناهض العلمانيّة :*]}}
لا بدّ من استراتيجيّة مرهقة أحيانا لإقامة إطار التّحليل النّفسيّ. كيف الرّدّ على من يسأل عن أحوالك متوقّعا إجابتك بـ”الحمد لله”؟ وكيف فرض المواعيد المضبوطة رغم “إن شاء الله”؟ كيف الرّدّ على من يقول لك : لن أحضر جلسات التّحليل طيلة شهر رمضان لأنّني أصوم؟ قلت لأحدهم : هل تفطر عندما تأتي للحديث؟ ما الذي يقطع صومك، إن كنت لا تأكل أثناء الجلسة؟ إحداهنّ طلبت منّي إقامة الصّلاة قبل الجلسة، فأجبتها بأنّها يمكن أن تتحدّث عن إقامتها الصّلاة بدل إقامة الصّلاة، وأنّ قواعد التّحليل النّفسيّ تقتضي الكلام بدل الفعل. وقلت لإحداهنّ ممّن تتصوّر أنّها إذا وجدت تاكسي بسرعة، فلأنّ الله أرسلها لها : الإله في سمواته ليس بالضّرورة معنيّا بمشاكل الاكتظاظ بالقاهرة، فلماذا تتصوّرين أنّه معنيّ بها؟
لا بدّ من الحذر مع ذلك، والالتزام بالحياد قدر المستطاع، إلاّ في بعض الحالات والأوقات التي تسمح بتحييد الدّين، تحييدا ضروريّا حتّى تصدر أصوات النّفس خارج الأقنعة. المساءلة تأتي تدريجيّا مع صمت المحلّل وحياده النّسبيّ وصبره وإنصاته التّأويليّ.
كلّ موظّف وكلّ مدرّس وكلّ عامل يمكن أن يكون علمانيّا في مجاله الخاصّ-العامّ : أن يحيّد معتقده الخاصّ ويحيّد المعتقد الخاصّ لمن يتعامل معه، حتّى يتسنّى له العمل.
لكن ماذا عن “البركسيس العلمانيّ” بصفة عامّة؟
{{هامش:}}
* ورقة أعدّت لمؤتمر “العلمانيّة في المشرق العربيّة (2) الدّولة العلمانيّة ومسألة الدّين،12-13 شبّاط 2010 بدمشق. (المعهد الدّنمركيّ بدمشق ودار بترا ودار أطلس).
منع المؤتمر، لكنّه تحوّل إلى ورشة عمل ضيّقة، لم تضق كثيرا بالحاضرين من مختلف الأجيال والآفاق.
