سلطة الخطابة، مقتطف من “الخيال الشّعريّ عند العرب” لأبي القاسم الشابّيّ (1909-1934)
الروح العربية خطابية مشتعلة لا تعرف الأناة في الفكر فضلا عن الاستغراق فيه. ومادية محضة لا تستطيع الإلمام بغير الظواهر مما يدعو إلى الاسترسال مع الخيال إلى أبعد شوط وأقصى مدى.
ومن هاتين النزعتين – الخطابية والمادية – اللّتين ذهبتا بها في الحياة مذهبا خاصا، كان لها ذلك الطبع الشبيه بالنحلة المرحة لا تطمئن إلى زهرة حتى تغادرها إلى أخرى من زهور الربيع، ولذلك فهي أبدا متنقلة وهي أبدا حائمة.
تلك هي الروح العربية وذلك هو طبعها وإن فيما رأيتم من آثارها العقلية لمصداق لما قلته. وقد كان لهاتين النزعتين الأثر الكبير في إضعاف مَلَكة الخيال الشعري في النفسية العربية حتى كانت آثارها على ما رأيتم… وقد كان لهاتين النزعتين آثار أخرى في آراء العرب وأذواقهم منها أنهم كانوا لا ينظرون إلى الشاعر كما ننظر نحن له الآن من أنه رسول الحياة لأبنائها الضائعين بين مسالك الدهر، بل كانوا لا يفرقون بينه وبين الخطيب من أنه حامي ذمار القبيلة، والمناضل عن أعراضها بلسانه والمستفز لنخوة الحمية في أبنائها حينما تأزف الآزفة ويجد الجد، إلا أن الشاعر ينظم خطبته والآخر ينثرها نثرا، حتى أنهم لما جعلوا لشعرائهم أرواحا تملي عليهم الشعر، لم يجعلوا تلك الأرواح ملائكة أو آلهة تسمعهم الوحي وتملأ قلوبَهم بالأناشيد الخالدة… كما كان في أساطير غيرهم، وإنما جعلوها شياطين تصقل لسان الشاعر وتجعله أدنى إلى بلاغة القول وجزالة الخطاب، وما ذلك إلا لأنهم لا يرون في الشاعر إلا خطيبا ينظم ما يقول…
